بينما تواجه أوروبا وعدد من دول شمال أفريقيا موجات حر استثنائية دفعت منظمة الصحة العالمية إلى التحذير من أن الحرارة الشديدة أصبحت أحد أخطر التهديدات الصحية المرتبطة بالتغير المناخي، أكد المركز الوطني للأرصاد أن المملكة تتجه إلى شهر أغسطس (آب) بدرجات حرارة أعلى من معدلاتها الطبيعية، مع احتمالية تعرض عدد من المناطق لموجات حر، في وقت تشير فيه البيانات المناخية إلى تزايد تكرار هذه الظاهرة خلال السنوات الأخيرة.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن موجات الحر أصبحت أكثر تواتراً وشدة واتساعاً بفعل التغير المناخي، داعية الدول إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وخطط التكيف والاستجابة لحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، مشيرة إلى أن أوروبا تُعد أسرع قارات العالم ارتفاعاً في درجات الحرارة.
وقال لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي للمركز الإقليمي للتغيير المناخي في المركز الوطني للأرصاد الدكتور مازن عسيري إن طبيعة فصل الصيف في المملكة تتسم بارتفاع درجات الحرارة، إذ تتجاوز متوسطاتها 40 درجة مئوية في عدد من المناطق، موضحاً أن التوقعات المناخية لصيف هذا العام تشير إلى أن درجات الحرارة ستكون فوق معدلاتها الطبيعية، مع وجود احتمالية لحدوث موجات حر خلال شهر أغسطس.
وأضاف أن المركز الوطني للأرصاد أعلن بالفعل عن موجة حر تؤثر على عدد من مناطق المملكة خلال الأسبوع الأول من أغسطس، في إطار التوقعات المناخية للموسم.
وفي قراءة للمؤشرات المناخية، أوضح عسيري أن متوسط درجة الحرارة في المملكة خلال يونيو (حزيران) 2026 جاء أعلى من المعدل الطبيعي بنحو درجة مئوية واحدة، فيما كان أقل حرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية مقارنة بيونيو 2024، وأعلى بنحو 0.2 درجة مئوية مقارنة بيونيو 2025؛ وهو ما يعكس استمرار درجات الحرارة فوق المعدلات المناخية المعتادة، مع تفاوتها من عام إلى آخر.
ورغم تزامن موجات الحر في أوروبا وشمال أفريقيا مع ارتفاع درجات الحرارة في المملكة، شدد عسيري على أنه لا يمكن الجزم بوجود ارتباط مباشر بين الظاهرتين، موضحاً أن الغلاف الجوي منظومة مترابطة، وقد تؤثر التغيرات الجوية في منطقة ما بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مناطق أخرى، إلا أن المحرك الرئيس لموجات الحر في المملكة خلال فصل الصيف هو منخفض الهند الموسمي، الذي يقود ارتفاع درجات الحرارة على معظم مناطق البلاد.
وأضاف أن المقارنات بين الظواهر المناخية في المناطق الجغرافية المختلفة يجب أن تراعي الفروقات المناخية، لأن لكل منطقة أنظمتها الجوية وخصائصها المناخية التي تتحكم في طبيعة موجات الحر وشدتها.
وأشار عسيري إلى أن البيانات المناخية رصدت خلال الأعوام الماضية ارتفاعاً عاماً في درجات الحرارة، ولا سيما درجات الحرارة الصغرى، مرجعاً ذلك إلى تأثيرات التغيرات المناخية، لافتاً إلى أن المملكة شهدت كذلك تزايداً في تكرار موجات الحر، وإن اختلفت أنماطها من عام إلى آخر تبعاً للتذبذبات المناخية.
وتنسجم هذه المؤشرات مع أحدث التوقعات المناخية الصادرة عن المركز الوطني للأرصاد، التي ترجح استمرار درجات الحرارة فوق معدلاتها الطبيعية في معظم مناطق المملكة حتى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، مع ارتفاعات قد تصل إلى 2.5 درجة مئوية في بعض المناطق، إلى جانب تفاوت في كميات الأمطار المتوقعة بين مناطق المملكة خلال الفترة نفسها، بما يعكس استمرار تأثير المتغيرات المناخية على الأجواء المحلية.
وأوضح عسيري أن المناطق الشرقية والداخلية تعد الأكثر عرضة لموجات الحر خلال الفترة المقبلة، مع احتمال تأثر مختلف مناطق المملكة بدرجات متفاوتة بحسب طبيعتها المناخية والجغرافية، داعياً إلى متابعة النشرات الجوية الصادرة عن المركز الوطني للأرصاد، والالتزام بالإرشادات التي تصدرها وزارة الصحة للمحافظة على الصحة والسلامة.
وتعكس التوقعات المحلية، إلى جانب التحذيرات الدولية، اتجاهاً متزايداً نحو تأثير أكبر للظواهر المناخية المتطرفة، بما يبرز أهمية الاعتماد على التوقعات العلمية والإنذار المبكر في رفع جاهزية القطاعات المختلفة والحد من الآثار الصحية والاقتصادية لموجات الحر.
