مائدة الطعام بين الواقع والتمثيل الفني

في أعمال منى حاطوم وفيصل لعيبي صاحي وسلطان بن فهد

جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)
جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)
TT

مائدة الطعام بين الواقع والتمثيل الفني

جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)
جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)

لطالما مثلت مائدة الطعام المساحة الآمنة التي يجتمع حولها الأهل والأصدقاء في جو حميمي دافئ، ومع اختلاف الظروف والسياقات تختلف رمزية المائدة من مكان لآخر.

ولكن في السياق الفني تختلف التأويلات، والتصورات، ويتجلى هذا في أعمال فنانين تناولوا المائدة، وأدوات الطعام والطهي في أعمالهم، منهم الفنانة منى حاطوم، والفنان فيصل لعيبي صاحي، والفنان سلطان بن فهد.

نتأمل هذه الأعمال حاملين معنا إدراكاً بالمساحة التي تحتلها الموائد وأدوات الطعام في حياتنا، والأثر العميق والخاص الذي يتركه حضورها الأليف على ذاكرتنا، وشعورنا. ولكن بالنظر للدلالات التي تحملها المائدة وأدوات الطهي في هذه الأعمال، يتشكل إدراك بأن مكونات الحياة اليومية لا تحمل المعاني نفسها بالنسبة للجميع.

عشاء القصر

كانت تلك هي المرة الأولى التي يُفْتَتَح فيها القصر الأحمر في الرياض للجمهور منذ إخلائه في أواخر الثمانينات، حيث أقام الفنان السعودي سلطان بن فهد معرضه الشخصي في شهر مارس (آذار) من عام 2019. عرض الفنان أعمالاً تسلط الضوء على الحياة اليومية، والأحداث التاريخية والسياسية التي شهدها القصر، ومن ضمنها عمل بعنوان: «عشاء القصر»، وهو عمل تركيبي يتكون من طاولة طعام ممتدة، ومرصوص عليها عدد كبير من الأطباق الخزفية المذهبة التي تحمل ختم المملكة، بالإضافة إلى أدوات مائدة، وأباريق فضية، وأكواب زجاجية، وكراسي نُجدَت خصيصاً للعمل.

«عشاء القصر» لسلطان بن فهد (موقع الفنان)

عند تأمل المائدة يكاد خيالك يستحضر روائح الأطباق المعدّة بعناية، ورنين أدوات الطعام، والشخصيات المرموقة التي اجتمعت حولها خلال حفلات العشاء. إلا أن الفيديو المصاحب للعمل يأخذك إلى بعد آخر، إذ يسلط الضوء على كواليس إعداد هذه الموائد، ويوجه الانتباه إلى الأشخاص الذين يعملون على تحضيرها. يعرض الفيديو عشاء افتراضياً يتسع لـ32 شخصاً على أربع طاولات ممتدة، أُعِدَّ لعمال وخدم القصر. يظهر الفيديو الأطباق الرئيسة من الأرز، واللحم، بالإضافة إلى أطباق جانبية، ونرى أيضاً أدوات المائدة الأصلية. أمضى الفنان سنوات في جمع أدوات المائدة، والتدقيق في صور حفلات العشاء التي أقيمت في القصر، والبحث في أصناف الطعام، والثياب، والاستعدادات لهذه الموائد، ثم حاول تجسيد هذه التفاصيل في حفل العشاء المتخيل. يركز الفيديو بشكل خاص على أيادي الرجال والنساء الذين يستمتعون بوجبة الطعام، في إشارة لارتباط الأيدي بالعمل، وكذلك لإبراز دور العاملين في الروايات التي تناولت القصر، وتاريخه.

مقهى بغداد

في عام 2016 قدم الفنان العراقي فيصل لعيبي صاحي بانوراما اجتماعية تاريخية سياسية في عمله: «مقهى بغداد». يمتد العمل على طول 616سم، وارتفاع 206سم، ويعد ذروة سلسلته الفنية عن المقاهي العراقية، والتي بدأها منذ ثمانينات القرن الماضي. تلعب أدوات المائدة في هذه السلسلة دور الوسيط الحيوي الذي يجمع أبطال أعماله.

جزء من عمل «مقهى بغداد» لفيصل لعيبي صاحي (مؤسسة دلول للفنون)

بأسلوب يميل إلى السخرية، وبألوان مرحة، يقدم العمل شخوصاً متنوعة تقضي وقتها في مقهى شعبي عراقي. نرى استكانة شاي، وكوب قهوة على الموائد، ومشروبات مختلفة يحملها النادل على صينية في وسط العمل. يسرد المشهد الحافل زمناً ممتداً للعراق، وشرائح اجتماعية مختلفة، من خلال الأزياء التي يرتديها رواد المقهى، ومنها العمامة التقليدية، والطربوش العثماني، و«السدارة»، وهي قلنسوة ارتبطت بالعهد الملكي. تشترك أيضاً الأواني وأدوات الضيافة في هذا السرد التاريخي، على سبيل المثال، نرى زير الماء، والسماور البغدادي. يأخذ هذا السرد بعداً ودلالات سياسية من خلال الصحيفة المعاصرة التي يحملها أحد الزبائن، وتشير إلى حادثة تدمير متحف الموصل عام 2015. وفي طرح متباين نرى في الطرف الآخر من اللوحة كتاب «ملحمة جلجامش» للتذكير بحضارة بلاد الرافدين. تجد صور السياسيين طريقها أيضاً إلى أباريق الشاي في خلفية اللوحة.

على مائدة واحدة اختار الفنان أن يجمع بين رجل الدين والشخصية العسكرية، في إشارة لتأثير هذه الشخصيات على حياة الإنسان العراقي، أو ربما لإظهار دور المقاهي في تغيير المشهد السياسي. كما ارتبطت المقاهي تاريخياً بالحضور الذكوري، وهذا ما قد يفسر وجود سيدة وحيدة تقف على استحياء في طرف اللوحة.

قد ينظر إلى العمل على أنه يقدم نقداً ساخراً عن الحالة السياسية، والاجتماعية، أو يعرض مقارنة بين الماضي والحاضر. ويمكن القول أيضاً إن أدوات المائدة والضيافة رغم أنها ليست مركزية في العمل، فإنّها -وبحضورها المكثف- استطاعت أن تلعب دور القاسم المشترك الذي يجمع المتناقضات، كما استطاعت أن تخلق جواً من الألفة، وتسهم في تقديم مشهد مؤنس، ومتناغم.

البيت

تتحدى الفنانة الفلسطينية البريطانية منى حاطوم الفكرة التقليدية عن المطبخ بوصفة مساحة دفء، ورعاية، وتعيد تقديمه في عملها «البيت» كمكان خطر يهدد الحياة. أنتج العمل في عام 1999، ويتكون من مشهد لأدوات مطبخ معدنية موصلة ببعضها البعض بأسلاك كهربائية، ومصابيح موضوعة على طاولة متحركة. يسري شعور بالانزعاج، وربما الخوف، حين يمر التيار الكهربائي من خلال الأسلاك، وينطلق صوت أزيزه عبر مكبر الصوت، وكأن المشاهد يُستَدعى لجلسة تعذيب. تمتد أسلاك فولاذية مشدودة لتحميك من الكهرباء القاتلة المحتملة، وتخلق في الوقت نفسه حيزاً معزولاً. هذا الجو الخانق لا يخلو من لمسة جمالية حين يتسلل ضوء المصابيح من ثقوب أدوات المطبخ.

عمل «بيت» لمنى حاطوم (موقع غاليري White Cube)

يقدم العمل عناصر بسيطة، ومختزلة، ولكنها تنطوي على مشاعر ودلالات متناقضة، ومركبة. فلو بدأنا بعلاقة حاطوم بالمطبخ نجد أنها علاقة ليست وثيقة، بل هي تنظر إلى أدوات الطهي بوصفها أشياء غريبة وجميلة. أما القلق والتهديد الذي يخلقه العمل، فهو نتيجة نزوح مركب، بدأ من حياة مع عائلة مهجرة، ثم اضطرارها للبقاء في لندن بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وقد تركتها هذه التجربة بين رغبة في التجذر وغربة روحية، وجسدية.

ومن منظور نسوي، فقد يوحي العمل بتحول المطبخ من مساحة للتعبير عن الحب إلى مكان للأسر. وحتى عنوان العمل «البيت» قد يخلق حواراً خاصاً مع المتلقي عن مفهوم وذاكرة البيت، ومساحاته. وهنا تتجلى أقصى غايات أعمال حاطوم، وهي خلق مواقف تزعزع المسلّمات، في محاولة لإبقاء الإنسان في حالة من الشك، وإعادة تقييم علاقته بالأشياء من حوله، ومساءلة كل ما يتحكم بحياته. تستعين حاطوم بجسد المتلقي وعاطفته كوسيلة للبحث، والتأمل، فالجسد من وجهة نظرها هو مركز التجربة الفنية، وهذا ما يبقي المجال مفتوحاً لمزيد من التأويلات والتفسيرات لمدلولات العمل الفني.



صبغة شَعر برائحة القرفة... لون يدوم بعد 30 غسلة

القرفة تُعطّر خصلات الشَّعر وتترك فيها لوناً يقاوم الغسل (الجمعية الكيميائية الأميركية)
القرفة تُعطّر خصلات الشَّعر وتترك فيها لوناً يقاوم الغسل (الجمعية الكيميائية الأميركية)
TT

صبغة شَعر برائحة القرفة... لون يدوم بعد 30 غسلة

القرفة تُعطّر خصلات الشَّعر وتترك فيها لوناً يقاوم الغسل (الجمعية الكيميائية الأميركية)
القرفة تُعطّر خصلات الشَّعر وتترك فيها لوناً يقاوم الغسل (الجمعية الكيميائية الأميركية)

طوَّر باحثون في الصين صبغة شَعر جديدة مصنوعة من مركّبات نباتية وأيونات الزنك، تمنح الشعر لوناً أسود مائلاً إلى البنفسجي، وتتميّز برائحة القرفة، مع إمكان تقليل تهيّج البشرة مقارنةً ببعض المكوّنات الكيميائية المستخدمة في الصبغات التجارية.

وأوضح الباحثون من معهد شنغهاي للتكنولوجيا أنّ التركيبة الجديدة تستهدف تطوير بديل أكثر أماناً وراحةً لصبغات الشَّعر التقليدية، التي قد تحتوي على مواد تسبّب تهيُّج الجلد أو الحساسية، فضلاً عن الروائح الكيميائية النفّاذة لبعضها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «الكيمياء والهندسة المستدامتان».

وتُستخدم صبغات الشَّعر التقليدية لتغيير اللون أو إخفاء الشيب، وتعتمد أنواع كثيرة منها على مواد كيميائية، مثل الأمونيا وبيروكسيد الهيدروجين، تساعد على فتح الطبقة الخارجية للشَّعرة وتمكين الصبغة من التغلغل إلى داخلها، بما يضمن ثبات اللون لفترة أطول. لكنّ بعض هذه المواد قد يسبّب تهيُّج الجلد أو تفاعلات تحسّسية.

وللبحث عن بدائل أقلّ ضرراً، اختبر الفريق استخدام جسيمات نانوية تتكوّن من أصباغ نباتية وأيونات معدنية، وتتميّز بألوان غنية وقدرتها على الارتباط بالبروتينات. واستعان الباحثون بصبغة نباتية حمراء تُعرف باسم «الأليزارين»، يمكنها تكوين طبقة ملوّنة على الشَّعر، الذي يتكوّن معظمه من بروتين الكيراتين.

كما أضافوا مادة «سينامالدهيد»، وهي المركَّب المسؤول عن النكهة الرئيسية للقرفة، للاستفادة من خصائصها المحتملة المضادّة للميكروبات ورائحتها العطرية.

وبعد اختبار تركيبات مختلفة، توصّلوا إلى أنّ مزج «الأليزارين» مع جسيمات تحتوي على أيونات الزنك و«السينامالدهيد» بنسبة اثنين إلى واحد ينتج اللون الأغمق.

وعند تطبيق الصبغة على عيّنات من شَعر بشري جرى تفتيحه كيميائياً، احتفظت بنحو 80 في المائة من لونها الأسود المائل إلى البنفسجي بعد 30 عملية غسل بمنظّف شائع، مقارنةً بنحو 68 في المائة للصبغة التجارية المستخدمة في المقارنة.

كما سجّل الشَّعر المعالَج بالتركيبة الجديدة مستويات أقلّ من 3 أنواع من الكائنات الحيّة الدقيقة التي يُعتقد أنّ لها دوراً في الإصابة بقشرة الرأس، مقارنةً بالشَّعر المفتّح من دون معالجة. وأكّد المشاركون في اختبار الرائحة أنّ العيّنات المصبوغة تفوح منها رائحة القرفة.

ولتقييم سلامة التركيبة، أجرى الباحثون تجربة قبل سريرية على فئران، وضعوا خلالها الصبغة على فرائها وراقبوا حالتها لمدة 14 يوماً. واحتفظ الفراء بلونه من دون ظهور تغيّرات في جلد الحيوانات، في حين ظهرت علامات تهيّج لدى الفئران التي عُولج فراؤها بمادة «بارا فينيلين ديامين»، المستخدمة في صبغات الشَّعر التجارية، خلال 3 أيام.

كذلك، لم يرصد الباحثون اختلافات كبيرة في بقاء خلايا جلد بشرية أو أسماك الزيبرا على قيد الحياة، أو في نموّ براعم الفاصوليا، عند مقارنتها بعيّنات لم تتعرّض للصبغة.

ولا تزال هذه النتائج أولية، إذ لم تُثبت الاختبارات الحيوانية والخليوية وحدها سلامة الصبغة للاستخدام البشري على نطاق واسع.

ويأمل الباحثون أن تُسهم النتائج في تطوير منتجات صبغ شَعر أكثر أماناً وراحةً، ويعملون حالياً على تسويق التركيبة تجارياً، إلى جانب بحث فرص التعاون مع شركات متخصّصة لتطويرها.


«مؤتمر النقد السينمائي» في الرياض... هل يُغيّر الذكاء الاصطناعي وجه النقد؟

يتضمّن المؤتمر جلسات حوارية وورشات عمل إضافةً إلى عرضَين للأفلام (الشرق الأوسط)
يتضمّن المؤتمر جلسات حوارية وورشات عمل إضافةً إلى عرضَين للأفلام (الشرق الأوسط)
TT

«مؤتمر النقد السينمائي» في الرياض... هل يُغيّر الذكاء الاصطناعي وجه النقد؟

يتضمّن المؤتمر جلسات حوارية وورشات عمل إضافةً إلى عرضَين للأفلام (الشرق الأوسط)
يتضمّن المؤتمر جلسات حوارية وورشات عمل إضافةً إلى عرضَين للأفلام (الشرق الأوسط)

انطلقت في الرياض أعمال النسخة الرابعة من «مؤتمر النقد السينمائي الدولي»، متناولةً أبعاداً فنية وثقافية تتجاوز التقييم التقليدي للفيلم إلى قراءة لغته البصرية وسردياته.

وتسلّط نقاشات النسخة الرابعة من المؤتمر، الذي تنظّمه «هيئة الأفلام» على مدى يومَي الخميس والجمعة، الضوء على قضايا نقدية بارزة، تتصدّرها ذاكرة النقد في الصحافة السعودية، ومستقبل المقالة النقدية في عصر الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى قراءة السينما المحلّية بين واقعية القصص وأصالة الموروث، بمشاركة نخبة من النقّاد والباحثين وصنّاع الأفلام من مختلف دول العالم.

وأكّد الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأفلام»، عبد الله القحطاني، أنّ النسخة الرابعة من «مؤتمر النقد السينمائي الدولي» تعكس الإيمان العميق بأهمية النقد، على أنه مكوّن أساسي وركيزة محورية لنموّ الثقافة السينمائية ونضج الصناعة.

وأوضح القحطاني، في كلمته خلال افتتاح المؤتمر، أنّ بناء صناعة سينمائية مستدامة لا يتوقّف عند تطوير القدرات الإنتاجية أو توسيع الأسواق وزيادة الفرص الاستثمارية فحسب، وإنما يتطلّب الاستثمار في بناء بيئة ثقافية ومعرفية قادرة على قراءة الإنجازات، ومناقشة التحوّلات، وتطوير أدوات التحليل والنظر في العمل السينمائي.

الرئيس التنفيذي لـ«هيئة الأفلام» عبد الله القحطاني خلال كلمته في افتتاح المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأضاف أنّ «هيئة الأفلام» تنظر إلى الاستثمار في النقد والمعرفة السينمائية على أنه جزء أصيل من مسؤوليتها في بناء منظومة سينمائية متكاملة، تتطوّر فيها الممارسة الإبداعية جنباً إلى جنب مع نموّ الحوار النقدي والثقافي حولها.

وختم القحطاني كلمته بالإشارة إلى طموح «الهيئة» في أن يتجاوز حضور السينما السعودية مجرّد المشاركة، ليصل إلى الإسهام الفاعل في المشهد السينمائي العالمي وحواره الفكري والنقدي، عبر تقديم أصوات وتجارب ورؤى تنطلق من خصوصية التجربة السعودية، وتتفاعل في الوقت ذاته مع الأسئلة الإنسانية والجوانب الجمالية المشتركة.

المشرف العام على «مؤتمر النقد السينمائي الدولي» مشاري الخياط خلال كلمته (الشرق الأوسط)

تعزيز حضور الثقافة السينمائية

أبرز المُشرف العام على «مؤتمر النقد السينمائي الدولي»، مشاري الخياط، المسار التراكمي الذي حقّقه المؤتمر منذ انطلاقه عام 2023، مشيراً إلى أنه عمل على توسيع دائرة الحوار الإقليمي، وتعزيز حضور الثقافة السينمائية وإيصالها إلى جمهور أوسع في مختلف مناطق السعودية.

واستعرض الخياط، خلال كلمته في افتتاح المؤتمر، حصيلة النسخ الثلاث الماضية، التي نجحت في استقطاب أكثر من 29 ألف زائر من أكثر من 20 دولة، بمشاركة ما يزيد على 180 متخصّصاً، مبيّناً أنّ الفعاليات والملتقيات المصاحبة امتدّت إلى 8 مدن سعودية، إلى جانب العاصمة الرياض.

وأكّد المُشرف العام أنّ هذه الحصيلة تعكس اتّساع نطاق المشاركة والاهتمام، وتمثّل خطوات متواصلة لترسيخ حضور النقد السينمائي وتوسيع دوائر الحوار حوله، لافتاً إلى أنّ النسخة الرابعة تواصل البناء على ما تحقّق، عبر برنامج يمتدّ على يومين، يجمع بين عروض الأفلام والجلسات الحوارية وورشات العمل، بما يتيح للمشاركين التفاعل مع موضوعات المؤتمر وتبادل التجارب والرؤى.

وأوضح الخياط أنّ النسخة الحالية تركّز على محاور رئيسية تتناول ذاكرة النقد السينمائي في الصحافة السعودية، والمقالة النقدية في زمن الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى قراءة الفيلم السعودي بين القصص الواقعية والموروث المحلّي.

وختم كلمته بالإعراب عن طموح القائمين على المؤتمر إلى تقديم تجربة ثرية تجمع بين الخبرة والنقاش والتفاعل، وتمنح الجمهور والمشاركين فرصة لاكتشاف رؤى جديدة وتعميق النقاش حول السينما وممارساتها النقدية.

يجمع المؤتمر النقّاد والباحثين وصنّاع الأفلام والمهتمّين بالسينما لتبادل الرؤى (الشرق الأوسط)

بين ذاكرة الصحافة وآفاق الذكاء الاصطناعي

يتضمّن برنامج المؤتمر في نسخته هذا العام عدداً من الجلسات الحوارية وورشات العمل، إضافةً إلى عرضَيْن للأفلام.

ويسلّط المؤتمر الضوء على التحوّلات التي تشهدها الممارسة النقدية مع انتشار المنصّات الرقمية وتطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما تفرضه من تساؤلات حول أدوات التحليل وأساليب التعبير النقدي وسبل الوصول إلى الجمهور. وتكتسب هذه النقاشات أهميةً في سياق تطوّر المشهد السينمائي السعودي والعربي، وما يصاحبه من تنوّع في التجارب والأعمال والموضوعات المطروحة.

ويُفرد البرنامج النقاشي للمؤتمر مساحةً محوريةً لبحث تاريخ الممارسة النقدية ومستقبلها عبر ندوتَين رئيسيتَين؛ إذ تستعيد الندوة الأولى، التي تُقام بعنوان: «ما قبل المنصّات ومواقع التواصل... ذاكرة النقد السينمائي في الصحافة السعودية»، المرحلة التي شكّلت فيها المطبوعات الورقية الفضاء الأساسي لقراءة الأفلام ومناقشتها، والتحوّلات التي طرأت على لغة النقد وانتشاره مع انتقاله إلى المساحات الرقمية، بمشاركة الصحافي محمد الرشيدي، والكاتب السينمائي محمد بازيد، والمخرج عبد المحسن الضبعان، والناقد أحمد العياد.

وفي سياق متّصل، تطرح الندوة الأخرى، بعنوان: «المقالة النقدية في زمن الذكاء الاصطناعي»، تساؤلات جوهرية حول حدود الاستعانة بالتقنيات الحديثة في التحليل وإنتاج المحتوى، وتفكّك الفوارق بين الرؤية النقدية الإنسانية والمعالجة الآلية للمعلومات، ومدى قدرة النقد على الحفاظ على قيمته المعرفية، بمشاركة الدكتور مصعب العمري، والناقدة سماهر الضامن، والناقد السينمائي علي سعيد، ومديرة برامج مهرجان أفلام السعودية ندى اللحيدان.

ويتيح المؤتمر مساحةً للقاء النقّاد والباحثين وصنّاع الأفلام والمهتمّين بالسينما، وتبادل الرؤى حول العلاقة بين الإبداع السينمائي والقراءة النقدية، وكيفية تطوير الممارسات التي تُسهم في فهم الأفلام والتفاعل مع مضامينها، بما يعزّز حضور النقد في النقاش الثقافي المرتبط بالسينما.


فضل شاكر: حفلات جدة فاقت توقّعاتي

فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)
فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)
TT

فضل شاكر: حفلات جدة فاقت توقّعاتي

فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)
فضل شاكر خلال حفله على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» في جدة (بنش مارك)

لم يكن الفنان اللبناني فضل شاكر بحاجة إلى اختبار ذاكرة جمهوره في جدة، فما إنْ بدأ الغناء على مسرح «عبادي الجوهر أرينا»، حتى بدا أنّ سنوات الغياب الطويلة لم تنتزع أغنياته من ذاكرة محبّيه. أصوات تتعالى مع المقاطع المألوفة، وأخرى تسبق المطرب إلى كلمات أغنياته، في أمسية تحوّل فيها الجمهور من متلقٍّ إلى شريك في الغناء، وكأنّ اللقاء تأخَّر سنوات، لكن موعده لم يغب عن الذاكرة.

وجاءت ليلة الخميس امتداداً لرحلة «عودة الغايب»، التي أعادت شاكر إلى المسارح بعد نحو 14 عاماً من الغياب، متنقّلاً بين الرياض والمنطقة الشرقية، قبل أن يصل إلى جدة في حفل رفع شعار «كامل العدد»، واستعاد خلاله جانباً كبيراً من رصيده الغنائي، إلى جانب مفاجآت جمعت الفنانة اللبنانية يارا ونجله محمد شاكر، وموهبة تركية صغيرة أدهشت الحضور بعزفها على آلة القانون.

فضل شاكر يُحيي حفله في جدة (بنش مارك)

ومنذ اللحظات الأولى، بدا أنّ العلاقة بين فضل شاكر وجمهوره تجاوزت حدود الاستماع إلى الأغنيات؛ فمع «أحلى رسمة»، التي يعرفها الجمهور بمقطع «إلا وأنا معاك»، ارتفعت الأصوات مردّدة كلماتها، قبل أن تتوالى الأغنيات التي صنعت حضوره في الذاكرة العاطفية العربية، مثل «لو على قلبي»، و«وافترقنا»، و«فين لياليك»، و«يا حياة الروح»، وغيرها من الأعمال التي ارتبطت بمراحل مختلفة من مسيرته.

ولم يُخفِ فضل شاكر دهشته من حرارة الاستقبال؛ إذ قال مخاطباً الحضور إنه كان يسأل قبل وصوله عن أجواء حفلات جدة، ويسمع أوصافاً جميلة عنها، لكنه وجدها على أرض الواقع أروع مما نُقل إليه. وجاء تعليقه وسط تفاعل جمهور لم يكتفِ بالتصفيق، وإنما رافقه بالغناء في معظم الفقرات.

ولم تقتصر الأمسية على استعادة أغنياته القديمة؛ إذ قدّم شاكر أحدث أعماله «نام الليل»، التي طرحها قبل الحفل بيومين، ضمن ألبومه المُرتقب «حلم جديد»، في إشارة إلى أن عودته إلى المسرح تتزامن مع مرحلة جديدة من الإنتاج الغنائي.

الطفل آيتاش دوغان جونيور يُظهر براعته في العزف على القانون (بنش مارك)

ومن أبرز مفاجآت الحفل ظهور الطفل التركي آيتاش دوغان جونيور (Aytaç Doğan Jr)، حفيد الموسيقار التركي الشهير آيتاش دوغان، أحد أعضاء فرقة «تاكسيم تريو». ورغم أعوامه الثمانية، فإن العازف الصغير استطاع جذب أنظار الحاضرين ببراعته في العزف على آلة القانون، خلال أغنيتَي «معقول» و«صحّاك الشوق»، مقدّماً عزفاً منفرداً كشف عن موهبة لافتة وقدرة على التعامل مع المقامات الشرقية.

وجاءت مشاركته ضمن أمسية قاد فرقتها الموسيقية المايسترو مجد جريدة، بمشاركة مجموعة من الموسيقيين العرب، بينهم عازف القانون العراقي حسن فالح، الذي أضفى حضوره لمسة شرقية على التوزيعات الموسيقية.

وحمل ظهور محمد شاكر إلى جانب والده لحظة خاصّة؛ إذ تشاركا غناء «كذبة وصدّقتها»، قبل أن يغادر فضل المسرح، تاركاً المجال لنجله الذي قدّم مجموعة من الأغنيات، بينها «ضحكة الدنيا»، و«يا غايب ليه ما تسأل»، و«سهران حبيبي»، و«يا حياتي اسأل عليّ».

وبدا اللقاء بين الأب وابنه أحد المَشاهد التي منحت الحفل طابعاً عائلياً، وجمعت على المسرح تجربتين غنائيتين تنتميان إلى جيلَيْن مختلفَيْن.

الفنانة يارا تُشارك فضل شاكر في أداء أغنية «خدني معك» (بنش مارك)

أما المفاجأة الأخرى، فكانت ظهور الفنانة اللبنانية يارا، التي شاركت فضل شاكر أداء أغنيتهما الشهيرة «خدني معك»، بعد نحو عقدين من صدورها عام 2006. وأعاد اللقاء إلى ذاكرة الحاضرين أحد الثنائيات التي ارتبطت بالأغنية الرومانسية العربية، وسط تفاعل كبير مع عودة الصوتَيْن إلى الغناء معاً.

وواصل شاكر تقديم عدد من أعماله، بينها «يا غايب»، و«بيّاع القلوب»، و«فاكر لما تقولي»، و«الله أعلم»، كما اختار أن يغنّي لفيروز «سألوني الناس»، مستحضراً صوتها الذي عبَّر عن اشتياقه إليه، في إحدى اللحظات الهادئة التي تخلّلت الأمسية.

وبين الأغنيات التي رافقت الجمهور لسنوات، ومشاركة ابنه ويارا، وموهبة الطفل التركي، حملت ليلة جدة أكثر من مجرّد استعادة لنجاحات سابقة؛ فقد قدّمت صورة لفنان يعود إلى المسرح بأعمال جديدة، مستنداً إلى رصيد غنائي لا يزال حاضراً لدى محبّيه.

ومع ختام الحفل، بدا أنّ سنوات ابتعاد فضل شاكر عن المسرح لم تُضعف صلته بجمهوره، الذي استقبله بالغناء كما ودّعه به، مؤكّداً أن «الغايب» عاد إلى خشبة المسرح، بينما ظلّت أغنياته حاضرة طوال سنوات غيابه.