في عملٍ فنّي عابرٍ للحدود، تُطلق الفنانة أميمة الخليل ألبومها الجديد «أن تخرس الطائرة». ويتميّز هذا العمل، الذي يضم 7 أغنيات من نصوص الشاعر الفلسطيني مروان مخول، باكتمال دورته الإبداعية بين باريس وبيروت وفلسطين، جامعاً أمكنة وهويات متعددة ضمن رؤية فنية واحدة.
وتُعلّق أميمة في هذا السياق لـ«الشرق الأوسط» قائلة: «بالفعل، جال الألبوم بين المدن التي ذكرتها حتى اكتمل تنفيذه بالصورة التي أردناها. فقد سُجّل قسم من الموسيقى، ولا سيما الوتريات، في استوديو بباريس سبق أن تعاون معه ملحّن العمل حبيب حنّا. أما قسم آلات النفخ فنُفّذ في حيفا، فيما أُنجزت اللمسات الأخيرة في بيروت، من عمليات المكس والماسترينغ، كما سجّلتُ صوتي هناك أيضاً».
وتضيف: «مع الأسف، ورغم وجود موسيقيين متميّزين في عالمنا العربي، فإن الفرص والإمكانات التقنية المتوافرة في الغرب لا تزال أكبر. فهناك استوديوهات تتمتع بجهوزية دائمة وتضم أحدث التقنيات. كما أن تكلفة العمل هناك قد تكون أقل أحياناً. وقد منح هذا التنقّل بين أكثر من مدينة الألبومَ بُعداً إنسانياً وفنياً، ولا سيما أن جميع المشاركين في إنجازه كانوا يدركون تماماً طبيعة المشروع والرسالة التي يحملها».

ويأتي هذا الألبوم بدعم من وزارة الثقافة الفلسطينية ومؤسسة «أجيال» في بريطانيا، ويوثّق التعاون بين الشاعر الفلسطيني مروان مخول، بصوته الشعري، وأميمة الخليل بأدائها الصوتي، والملحن حبيب حنّا بألحانه. ويضم 7 أغنيات، من بينها «اليتيمة»، و«زلّة»، و«عنك»، و«بلادي»، و«من سيرة الأسير»، و«حيفا».
وتتحدث أميمة الخليل عن الرسائل التي يحملها الألبوم، معتبرة أنه يسلّط الضوء على الإنسان الذي يبتكر أسباب الاستمرار في الحياة رغم الصعوبات، ولا سيما في فلسطين ولبنان. وتقول: «شبح الحرب حاضر دائماً في حياتنا، والمسيّرات التي تحلّق فوق رؤوسنا تذكّرنا بذلك باستمرار. لذلك لا نستطيع التخطيط لحياتنا بصفاء ذهن، ونعيش كل يوم بيومه ونخترع الحياة من جديد».
وتتابع: «الحروب والسلاح والصراعات باتت تهيمن على عالمنا، في حين يمكننا تجنّب كثير منها عبر الحوار والتواصل بلغة السلام. وكل ما أردت إيصاله من خلال هذا الألبوم هو التأكيد على ضرورة وقف الحروب، لأنها لا تخلّف سوى الهزائم والموت».
تؤكد أنها لم تواجه صعوبات تُذكر خلال تنفيذ الألبوم، مشيرة إلى أنها تبحث دائماً عن العمل الذي يعبّر عن رؤيتها الفنية. وتوضح: «أي عمل أقدّمه يجب أن يلامسني أولاً، فيلبس صوتي وألبسه بدوري. وعندما تتوافر الإرادة تتذلّل الصعوبات، خصوصاً أنني أملك الخبرة والصوت اللذين يساعدانني على خوض أي تجربة. والأهم بالنسبة إلي أن يخرج العمل بصورة تقنع الناس وتلامس مشاعرهم».
وعن أقرب الأغنيات إلى قلبها، تقول: «هناك ثلاث أغنيات تعني لي الكثير. أولها (حيفا)، لأنها قصيدة مؤثرة تحكي عن مدينة لا نعرفها إلا من خلال نص مروان الجميل، ثم (عنك) لما تحمله من شحنة عاطفية كبيرة، وأخيراً (زلّة)، لأنها قصيدة تمسّ مشاعرنا وتعكس معنى الندم».
وتشير إلى أن الألبوم لقي تفاعلاً لافتاً لدى الشباب، وتضيف: «أتلقى باستمرار مقاطع فيديو لأطفال ويافعين يردّدون أغنية «اليتيمة». وقد أثّر بي ذلك كثيراً، لأنه دليل على أن العمل وصل إلى مشاعرهم». وتصف الألبوم بأنه إنساني وأممي، موضحة أنه يتناول هموم العالم العربي عموماً، ولا يقتصر على القضية الفلسطينية، إذ يضم أغنيات عاطفية وأخرى نقدية وثالثة ثورية.
وعن اختيارها نصوص مروان مخول، تقول: «مروان شاعر مختلف، يتمتع بفرادة في أسلوبه وطروحاته. وأكثر ما يلفتني فيه تمسّكه بقضيته رغم كونه من فلسطينيي الداخل. وبرغم الضغوط وضيق هامش الحرية، يواصل قول كلمته بصدق وأصالة، ويجسّد النضال الفلسطيني بأبعاده الإنسانية والثقافية والاجتماعية. أشعر بأن صوته ضرورة لإيصال صوت أبناء شعبه. وقد سبق أن تعاونت معه، ولاحظت فيه ذكاء حاداً وبديهة لافتة».
وتؤدي أميمة الخليل معظم أغنياتها بالعربية الفصحى، وترى ضرورة الحفاظ على حضورها في الأعمال الفنية. وتقول: «أحب الغناء بالفصحى، فهي لغتنا الجميلة، ولغة موسيقية بامتياز، تمتلك بلاغة وإيقاعاً وجمالاً خاصاً. كما أن هذا الألبوم يحمل بُعداً عربياً جامعاً، ولذلك أحرص على خوض تجارب قائمة على التعاون والمشاركة. وأسعى دائماً إلى مشروعات مشتركة، أنجح في بعضها ولا أوفّق في أخرى، لكنني أتمنى استمرار هذا النوع من الأعمال ذات البعد الإنساني والعربي».

وعمّا إذا كانت تتوجه بأعمالها إلى جمهور محدد، تجيب: «في الفن لا وجود لعمل نخبوي وآخر شعبي. المهم أن يحمل العمل مستوى فنياً ولغوياً يليق بالجمهور. وإذا تخلّينا عن لغتنا فكأننا نتخلّى عن هويتنا. وأرى أن الحفاظ على هذا المستوى مسؤولية تقع على عاتق الفنان. لذلك لا يشغلني الوصول إلى فئة اجتماعية بعينها، بل أن تجد أعمالي طريقها إلى أكبر شريحة ممكنة، وأن يردّدها الناس، لأن في ذلك انتصاراً لثقافتنا».
وعن حضور زوجها، الموسيقي هاني سبليني، في مختلف أعمالها، تقول: «من المريح أن يكون إلى جانبك شخص من العائلة تثق به إلى هذا الحد. فذلك يوفّر مساحة كبيرة من التفاهم ويجعل مصلحة العمل فوق أي اعتبار. سبق أن تعاونت مع أشخاص قدّموا مصالحهم الشخصية على مصلحة العمل، بينما يشكّل هاني مرجعاً فنياً مهماً. وقد تعاون مع أسماء كبيرة مثل مارسيل خليفة، والراحل زياد الرحباني، والسيدة فيروز. وهو يعرف كيف يمنح العمل صيغته النهائية بأفضل صورة من خلال الميكس والماسترينغ، لذلك أعده ركناً أساسياً في معظم أعمالي».
وتختم حديثها بالإشارة إلى مشروعاتها المقبلة، فتقول: «لدي سلسلة حفلات بين لبنان والمغرب وتونس وباريس. كما أحضّر لإصدار مجموعة من الأغنيات تباعاً، بدأتها بـ(نتفة عتم) و(4 فصول) مع ماهر يمين وهاني سبليني. ولدي أيضاً تعاون مع عدد من الشعراء الأصدقاء، مثل جرمانوس جرمانوس ونزار الهندي. وآمل أن تنال هذه الأعمال محبة الجمهور».











