المنتدى السعودي للإعلام... حوار عالمي في الرياض لاستكشاف مستقبل القطاع

وزراء إعلام عرب: الذكاء الاصطناعي والتضليل أبرز تحديات الصناعة الإعلامية

سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي في كلمته الافتتاحية (واس)
سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي في كلمته الافتتاحية (واس)
TT

المنتدى السعودي للإعلام... حوار عالمي في الرياض لاستكشاف مستقبل القطاع

سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي في كلمته الافتتاحية (واس)
سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي في كلمته الافتتاحية (واس)

وسط حضور أكثر من 300 قائد وخبير وصانع قرار من مختلف دول العالم، انطلقت في العاصمة الرياض، الاثنين، أعمال النسخة الخامسة من المنتدى السعودي للإعلام، تزامناً مع ورشة عمل كبرى لاستكشاف مستقبل القطاع، وفك شفرات التحولات المتسارعة فيه.

ويُقام المنتدى هذا العام تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكّل»، ويشارك فيه إعلاميون وخبراء وأكاديميون من داخل المملكة وخارجها، عبر أكثر من 150 جلسة حوارية تستعرض التحديات والفرص لتطوير الصناعة الإعلامية محلياً وإقليمياً.

سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (وزارة الإعلام)

في كلمته الافتتاحية، أكد وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عززت مكانة المنتدى ومنحته رؤية أوسع، انطلاقاً من كون الإعلام أداة للوعي ووسيلة للتنمية. مضيفاً: «نعيش في عالم يتصارع فيه المال والقيمة، وأصبح اقتصاد الانتباه هو المتحكم، حيث تكافئ الخوارزميات الإثارة وتعاقب الإثراء، ويُقاس النجاح بحجم الانتشار لا بعمق الأثر».

وأوضح وزير الإعلام أن ما تحقق في منظومة الإعلام السعودية بدعم القيادة الرشيدة خلال الأعوام الماضية لم يكن مجرد توسُّع في الأدوات أو استجابة ظرفية للتحولات، بل يعد تأسيساً لقراءة جديدة للإعلام. وأضاف أن «رؤية المملكة 2030» نقلت الإعلام من جهود متفرقة إلى بنية متكاملة، ومن تنظيم تقليدي إلى حوكمة مرنة تحافظ على التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الانفتاح ورفع الوعي.

وخلال كلمته، أعلن الدوسري عن إطلاق 12 مبادرة نوعية، أبرزها معسكر الابتكار الإعلامي «سعودي مب»، إلى جانب مبادرتي «تمكين» و«نمو» لدعم الأفكار الريادية، وتحويل المشاريع الإعلامية إلى نماذج عمل مستدامة.

كما كشف عن إصدار وثيقة «مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام» بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، لتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة والممارسات المهنية، وعن إطلاق وكالة الأنباء السعودية «واس» بوصفها مركزاً للدراسات الإعلامية واستطلاعات الرأي.

كما أعلن أيضاً عن إطلاق مشروع موسوعة «سعوديبيديا» بمحتوى مترجم إلى الإنجليزية والفرنسية والصينية والروسية والألمانية، ويضم أكثر من 70 ألف مقالة. وتحدّث عن النسخة الثانية من ملتقى صُنّاع التأثير «إمباك» التي ستُعقد في القدية بمشاركة أكثر من 2000 صانع محتوى ومؤثر من 90 دولة.

واختتم كلمته بالتأكيد على أن الرياض هي عاصمة التأثير، وأن إعلام المملكة يبدأ بالإنسان ويمتد أثره عالمياً. وأضاف أن الموارد البشرية والطبيعية تزدهر بقيادة تمنحها المعنى وتحقق الأثر، مشيراً إلى أن قائد التأثير الأمير محمد بن سلمان يمثل مصدر فخر لكل سعودي وسعودية. وأن تأثيره اليوم في المشهد العالمي ليس تأثيراً سياسياً فحسب، بل هو رسالة إعلامية كبرى، وروحُ سلام ومحبة وثقة بالإنسان؛ لأنه يخاطب العالم برسالة القيم ووضوح الرؤية والعمل الجاد والإنجازات المتحققة وخدمة الإنسانية في كل مكان في العالم.

انطلق في اليوم الأول للمنتدى معرض مستقبل الإعلام «فومكس» (واس)

شهد اليوم الأول لـ«المنتدى السعودي للإعلام» 2026، الذي يُنظَّم على مدار 3 أيام، انطلاق معرض مستقبل الإعلام «فومكس»، الذي يضم أجنحة للعارضين من المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة المحلية والدولية، لعرض مساهماتهم وابتكاراتهم في مجالات الإعلام والراديو والتلفزيون. ويشمل المعرض منطقة للإطلاق تُتيح للشركات عرض أحدث ابتكاراتها وتقنياتها الإعلامية، وإبرام الشراكات الاستراتيجية.

ويقدّم مسرح «فومكس» جلسات نقاش وحوار وورش عمل بحضور خبراء محليين ودوليين، مع مساحة لتوقيع اتفاقيات التعاون والشراكات التي تدعم تطوير منظومة الإعلام المستقبلية.

مرحلة سعودية مزدهرة في كل المجالات

إيرل ويلكنسون الرئيس التنفيذي للرابطة الدولية لوسائل الإعلام الإخبارية (واس)

قال إيرل ويلكنسون، الرئيس التنفيذي للرابطة الدولية لوسائل الإعلام الإخبارية، إن الإعلام السعودي يحظى بدعم القيادة وتشجيع القادة والمؤثرين، مما انعكس إيجاباً على الكفاءات المحلية، مشيراً إلى أن المملكة تمر بمرحلة مزدهرة في مختلف المجالات.

وأضاف ويلكنسون خلال جلسته الافتتاحية للمنتدى: «يجب أن تعكس الأسماء الإخبارية الكبرى والعلامات التجارية هويتها الخاصة، وتستهدف الشريحة المناسبة من الجمهور، مع التميز في تقديم الأحداث بأسلوبها الفريد». وأكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يختصر الوقت والمسافة في إنتاج الأخبار، شرط ضمان العوائد المالية، ومواكبة متطلبات وسائل الإعلام المختلفة.

تحديات الصناعة الإعلامية

الجلسة الوزارية أكدت أن منصات التواصل تحولت من الافتراضية إلى الواقعية لتعكس فكر المجتمعات (المنتدى)

أكد عدد من وزراء الإعلام العرب أن صناعة الإعلام تشهد تحولات عميقة بفعل التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، مشددين على أن مكافحة التضليل، وتعزيز المسؤولية المهنية، وبناء الوعي المجتمعي، تُشكّل ركائز أساسية لإعلام مؤثر.

وفي الجلسة الوزارية بعنوان «الإعلام كقوة للتغيير: تحديات الرأي العام وصناعة جيل المستقبل»، رأى الدكتور حمزة المصطفى، وزير الإعلام السوري، أن التحديات التي تواجه الإعلام لم تعد مرتبطة بالوسيلة بقدر ارتباطها بمنظومة متكاملة تشمل الأفكار والتواصل. وأوضح أن التغيير يعتمد على 3 مفاهيم أساسية: الفرصة والتعبئة والحشد، مؤكداً أن الإعلام عملية تراكمية تتطلب وعياً مستمراً، ولا ينحصر في الجهاز الدعائي للدولة. وأضاف أن غياب الاهتمام بالإعلام على مدى عقود أدى إلى ظهور ظواهر إعلامية خارج إطار الدولة، وأن الإعلام قائم على الفعل القيمي وما يقدمه المجتمع عن نفسه، وليس فقط على الوسيلة.

شهدت الجلسة الوزارية حضوراً واسعاً في اليوم الأول للمنتدى الإعلامي (المنتدى)

ولفت وزير الإعلام السوري، إلى أن الإعلام اليوم يرتكز على الذكاء الاصطناعي التوليدي، وإدماج البعد الشخصي في المحتوى، مع الحفاظ على الأدوات التقليدية، مشيراً إلى تكامل التلفزيون مع المنصات الرقمية. وحذّر من خطورة المعلومات المضللة التي تروّجها خوارزميات الإثارة، مؤكداً أن القيم والمحتوى الجيدين هما الأساس لضمان إعلام مسؤول. وأكد أن حرية التعبير شرط لنجاح الإعلام، لكنها مرتبطة بالمسؤولية وبناء صحافة بنَّاءة تعالج القضايا بموضوعية.

من جانبه، شدّد الدكتور محمد المومني، وزير الاتصال الحكومي الأردني، على أن الإعلام لم يعد يقتصر على نقل المعلومة، بل أصبح مطالباً بتفسير الأحداث وشرح سبل تعامل المواطن معها، مشيراً إلى ضرورة المصداقية والحياد، وأن المسؤولية الإعلامية جماعية، في حين أن حرية التعبير غير المنضبطة قد تترتب عليها تبعات قانونية وأخلاقية.

وقال الدكتور أحمد عساف، المشرف العام على الإعلام الرسمي الفلسطيني، إن المشهد الإعلامي متعدد الأنماط ولكل واحد منها أولوياته، وأكد أن الإعلام الرسمي أداة تُسخَّر وفق رؤية الدولة وسياساتها، ويمتلك القدرة على التأثير في القضايا المجتمعية. وأن التنظيم الإعلامي لا يتعارض مع حرية التعبير، بل يحميها، ودعا إلى التفاوض الجماعي لإلزام المنصات الرقمية باحترام القوانين العربية كما في التجربة الأوروبية.

بدوره، أشار معمر الإرياني، وزير الإعلام والثقافة والسياحة اليمني، إلى تأثير العناوين المضللة على الرأي العام، موضحاً أن أزمة «كوفيد - 19» مثّلت نموذجاً لذلك. وأكد أن الإعلام مدرسة غير رسمية للمجتمع، وأن الثقة تُبنى ببطء وتنهار بسرعة، داعياً إلى تعزيز التربية الإعلامية، وتحمُّل أعلى درجات المسؤولية المهنية والأخلاقية في مواجهة التضليل.

مستقبل الخطاب حول المنطقة

ناقشت الجلسة التحليل السياسي والدبلوماسية العامة ومستقبل الخطاب الإقليمي (المنتدى)

في جلسة تناولت التحليل السياسي ومستقبل الخطاب الإقليمي، أكد تشارلز حلاب، الرئيس التنفيذي لمجلس الأعمال الأميركي - السعودي، أن الاستقرار الإقليمي بالغ الأهمية للولايات المتحدة، مشيراً إلى أن المعلومات المضللة تُشكّل تحدياً لقطاع الأعمال، وأن كثيراً من الأميركيين لا يدركون مستوى الأمن والأمان في المملكة رغم تدفق المعلومات.

من جهته، قال مايكل راتني، السفير الأميركي السابق لدى السعودية، إن كثيراً من الأطراف الخارجية لم تسهم إيجابياً في تجاوز الصراعات القائمة. موضحاً أن البحث عن الحقيقة في هذه القضايا يواجه تعقيدات بسبب وجود محللين أو مناصرين لنظريات محددة، ما يخلق تشويشاً ويصعب على الأفراد تكوين رأي مستقل.

وأشار الكاتب والمحلل السياسي علي الشهابي إلى وجود ثغرة في المصداقية الإعلامية، مستشهداً بالأزمات في اليمن والسودان، وعدّ أن البيانات السعودية الصريحة بيَّنت الموقف السعودي بوضوح، مما يعكس تحسناً ملحوظاً في التواصل الإعلامي الفعّال.


مقالات ذات صلة

«هيئة الإعلام» السعودية: إحالة مسيء لدولة شقيقة إلى النيابة العامة

الخليج «هيئة تنظيم الإعلام» أكدت استمرارها في رصد كل محتوى مخالف للأنظمة والضوابط (واس)

«هيئة الإعلام» السعودية: إحالة مسيء لدولة شقيقة إلى النيابة العامة

استدعت «هيئة تنظيم الإعلام» السعودية مواطناً أساء لدولة شقيقة بتعرضه لرموزها وقياداتها في مساحة صوتية بمنصة تواصل اجتماعي، وجرت إحالته للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي،

إيلي يوسف (واشنطن)
إعلام شعار «غوغل» (رويترز)

هل تحل أدوات «غوغل» الجديدة أزمة تدفق الزيارات للمواقع؟

بالتوازي مع قرار «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية»، أخيراً، إلزام شركة «غوغل» منح ناشري المحتوى السيطرة الكاملة على كيفية ظهور محتواهم

إيمان مبروك (القاهرة)
رياضة عالمية رئيس الاتحاد جياني ميرلو بعث برسالة إلى مسؤولي الإعلام في «فيفا» (الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية)

صحافيون إيرانيون وأفارقة يواجهون أزمة تأشيرات قبل المونديال

دخل ملف التأشيرات المرتبطة بكأس العالم 2026 مرحلة جديدة من الجدل، بعدما طالب الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بالتدخل العاجل.

The Athletic (نيويورك)
إعلام أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

تتصاعد «حرب الأرشيف» بين الإعلام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت،

فتحية الدخاخني (القاهرة)

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
TT

مصر: اقتراح برلماني بإنشاء نقابة لصناع المحتوى يفجر جدلاً

مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)
مبنى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر (فيسبوك)

فجَّر مقترح برلماني بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى في مصر جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بين مَن يراه فرصةً لتقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى وتنظيم عملهم ومواجهة التجاوزات، ومن يُعده وسيلةً تمنحهم شرعيةً قانونيةً قد يستغلها بعضهم بطرق غير متوقعة لتحقيق مكاسب مادية من خلال محتوى قد يتضمَّن «تجاوزات».

وكان النائب محمد الجندي، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان المصري)، قد تقدَّم باقتراح برغبة إلى رئيس المجلس بشأن إنشاء نقابة لصُنَّاع المحتوى الرقمي، ووضعِ إطار مهني وقانوني يُنظِّم ممارسة المهنة ويضمن الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

وأكد الجندي أنَّ صناعة المحتوى الرقمي أصبحت من أسرع القطاعات نمواً وتأثيراً في المجتمع المصري، في ظلِّ التطوُّر المتسارع الذي تشهده مجالات التكنولوجيا والاتصالات والتَّحوُّل الرقمي. وأضاف أنَّ المنصات الرقمية تحوَّلت إلى أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام، لا سيما مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 100 مليون مستخدم، إلى جانب الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل هذا القطاع أحد أبرز المجالات الواعدة اقتصادياً وثقافياً.

وحظي المقترح بتفاعل لافت، إذ تصدَّر وسم «نقابة صُنَّاع المحتوى» قوائم الأكثر تداولاً على منصة «إكس» في مصر يومَي الجمعة والسبت. وتباينت الآراء بين مُؤيِّدٍ يرى في هذا المقترح فرصةً لتقنين الأوضاع وتنظيم عمل صُنَّاع المحتوى، ومُعارض يراه باباً خلفياً قد يتيح لبعض صُنَّاع المحتوى «الرديء» أو «غير اللائق» الظهور في الفضاء العام بصفةٍ مشروعة.

وفي هذا السياق، وصف خالد البرماوي، الخبير في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وجود مقترح يستهدف تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى في مصر بأنه «أمر محمود ومطلوب»، لكنه أبدى تحفظه على فكرة إنشاء نقابة خاصة بهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ربما نجد نموذجاً مشابهاً في الولايات المتحدة، لكنه لم يكن في صورة نقابة مستقلة، بل كان فرعاً تابعاً لإحدى النقابات الفنية يضمُّ مؤدي المحتوى. ومن حيث المبدأ، من المهم جداً تقنين أوضاع صُنَّاع المحتوى والمؤثرين، لكن السؤال هو: مَن الجهة التي ستتولى هذا التقنين؟ لا أعتقد أن الأمر يتطلَّب إنشاء نقابة، بل يمكن لصُنَّاع المحتوى أنفسهم، إذا أرادوا تنظيم عملهم وتطويره وحمايته، أن يؤسِّسوا رابطة أو اتحاداً أو جمعية، فالقانون يتيح ذلك».

وكان المقترح البرلماني قد أشار إلى أهمية إنشاء نقابة متخصِّصة لصُنَّاع المحتوى الرقمي تكون بمثابة مظلة قانونية ومهنية للعاملين في هذا المجال، تتولَّى تنظيم المهنة، ووضع ميثاق شرف مهني، وتوفير برامج التدريب والتأهيل، وحماية الحقوق الفكرية، ودعم المحتوى التعليمي والثقافي والتوعوي الهادف. كما لفت إلى أنَّ النمو المتسارع لهذه الصناعة لا يزال بحاجة إلى إطار قانوني ومهني منظَّم يحفظ حقوق العاملين فيها، ويُسهم في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالمحتوى غير الهادف أو المضلل.

ويؤكد الخبير في الإعلام الرقمي أنَّ من حق صُنَّاع المحتوى تأسيس كيان يحمي حقوقهم، غير أنَّ حماية المجتمع يجب أن تظلَّ في إطار سلطة وعمل النقابات المعنية، والمجلس الأعلى للإعلام، ووزارة الاتصالات، خصوصاً جهاز تنظيم الاتصالات المعني بالتعامل مع المنصات الرقمية، وهذا الجهاز لا بدَّ أن يعمل على تقنين أوضاع صناع المحتوى.

وتشهد مصر، بصورة متزايدة، حالات توقيف لبعض صُنَّاع المحتوى أو «البلوغرز»؛ بسبب نشرهم محتوى يتضمَّن ما تصفه الجهات الأمنية بـ«تجاوزات تُضرُّ بقيم المجتمع والأسرة المصرية». وقد صدرت بالفعل أحكام بالسجن بحق عدد منهم، تصل في بعض الحالات إلى السجن لمدة 3 سنوات، إلى جانب غرامات مالية، وذلك استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

وكان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قد أصدر تقريراً حول مؤشرات استخدام تطبيقات الإنترنت خلال 24 ساعة في العام الحالي، أشار فيه إلى زيادة ملحوظة في استخدام تطبيقات المحتوى الترفيهي بنسبة بلغت 60 في المائة. كما أظهرت مقارنة المؤشرات بالفترة نفسها من عام 2025 ارتفاع استخدام خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول بنسبة 12 في المائة، بالتزامن مع زيادة عدد مستخدمي هذه الخدمات بنحو 7.9 مليون مستخدم جديد.


«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
TT

«دار إقامة كبار الفنانين» بمصر... ملاذ آمن لدراما آخر العمر

محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)
محمود حميدة وياسر جلال خلال زيارتهما للدار (دار إقامة كبار الفنانين)

في فيلا أنيقة بمدينة 6 أكتوبر (غرب القاهرة) تصدرتها لافتة «دار إقامة كبار الفنانين» تبدأ الحياة من جديد في أول دار من نوعها بمصر تستقبل الفنانين الكبار لتكون بمثابة حائط الأمان من غدر الزمن، والونس في أوقات الوحدة، والصحبة في خريف العمر.

يعيش الفنان حياة مبهجة حين يحقق نجاحات ويتصدر اسمه وصورته الأفيش ويحيطه التصفيق والإعجاب أينما حل، فيُستقبل بالزهور، ويُقيم في أفخم الفنادق، غير أن النهاية ليست دائماً وردية، لا سيما حين تنحسر الأضواء، وتتبدَّل الأحوال فينزوي، وقد لا يجد المسكن أو المأوى أو الرعاية المطلوبة حين يتقدَّم به العمر.

حدث هذا مع فنانين كبار، فقد عاشت الفنانة فاطمة رشدي إحدى رائدات الفن المصري الملقبة بـ«سارة برنار الشرق» أواخر أيامها في «بنسيون صغير» بوسط القاهرة بعد اعتزالها الفن وتدهور حالتها الصحية والمادية، وكان حلم حياتها أن يكون لها شقة تعيش بها، وتَدخَّل الفنان فريد شوقي لدى المسؤولين حتى خصَّصت لها الدولة وحدة سكنية، لكن الفنانة الرائدة رحلت بعد وقت قليل فلم تهنأ بالإقامة فيها.

دار إقامة كبار الفنانين مجهزة بخدمات كثيرة (إدارة الدار)

في حين عاش الفنان عبد العزيز مكيوي أحد نجوم فيلم «القاهرة 30» أواخر أيامه مُشرداً في شوارع الإسكندرية، وتدخلت نقابة الممثلين لعلاجه وإقامته بدار مسنين قبل وفاته؛ وغيرهما من حالات مماثلة عاشت قمة المجد، وشهدت نهاية مؤلمة على غرار الفنانَين زينات صدقي، وعبد الفتاح القصري. وهذه الحالات وغيرها كانت ماثلة أمام أعين نقابة الممثلين؛ ما جعلهم يتطلعون إلى إقامة دار لرعاية الفنانين الكبار.

يؤكد الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، أن «دار إقامة كبار الفنانين كانت حلماً نتطلَّع إليه من واقع نهايات مأساوية عاشها بعض رموز الفن، لكن هذا الحلم ظلَّ بعيدَ المنال، ولم يتحوَّل إلى واقع سوى حين تدخَّل الشيخ سلطان القاسمي حاكم إمارة الشارقة لتمويله منذ البداية، فهو رجل محب لمصر، ويقدِّر الفنانين الذين أثروا الوجدان العربي، وقد تحمَّس لفكرة الدار، ويقوم برعايتها رعاية كاملة، ويتحمَّل جميع نفقاتها، وقد حرص منذ البداية لتكون هذه الدار مجانية بحيث لا يدفع الفنان أي رسوم مقابل إقامته».

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط» أنه «عند تأسيس الدار رأينا أن تكون دار إقامة لكبار الفنانين وليست دار مسنين، لأن بعضهم لا يزال لديه تحفظ على مسمى (دار المسنين)».

وتحتفل الدار بمرور 3 سنوات على تشغيلها الذي بدأ في 16 يوليو (تموز) 2023، وقد حصلت مؤخراً على قطعة أرض جديدة بجوارها ضمن توسُّعاتها الجديدة، واستقبلت نحو 40 فناناً منذ افتتاحها. حسبما يقول مديرها الفنان محمود عبد الغفار، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أنها تستقبل كبار الفنانين للإقامة الكاملة بها مجاناً، وتُقدِّم لهم خدمة فندقية في غرف فردية أنيقة مكيفة بحمام خاص، كما تضم حمام سباحة، ومكتبة، وصالة رياضة، واستراحة لاستقبال الضيوف، وحديقة واسعة.

نقيب الممثلين أشرف زكي والفنان محمود عبد الغفار مع عدد من الفنانين (إدارة دار إقامة كبار الفنانين)

ويشير عبد الغفار إلى أن استقبال الفنانين يتم من خلال تقدُّمهم شخصياً، أو عبر ذويهم، بطلب للإقامة في الدار، وأحياناً من خلال الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين ومؤسس الدار، الذي قد يجد بعض الفنانين متحرجين من التقدم بطلب الإقامة فيها، فيرفع عنهم هذا الحرج، ويدعوهم إلى الإقامة بها، كما حدث مع الفنان محيي إسماعيل.

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في الدار، التقينا الفنان نبيل نور الدين، الذي انتقل للإقامة فيها مؤخراً إثر حادث سير تعرّض له. ويقول: «كنت أعبر الشارع عندما صدمتني دراجة نارية، وخضعت إثر ذلك لجراحة صعبة أقعدتني عن الحركة فترة من الزمن. ورغم أن عائلتي مستورة الحال، والحمد لله، وأن أبناء إخوتي دعوني للإقامة معهم بدلاً من العيش بمفردي في منزلي، فإنني زرت الدار بعد أن اقترح عليَّ الدكتور أشرف زكي الإقامة فيها. وقد أعجبتني كثيراً، وفضّلت أن أعيش وسط أصدقائي. ووجدت فيها كل ما أحتاج إليه، من العلاج الطبيعي إلى نظافة المكان وأناقته، فضلاً عن توافر جميع الخدمات، حتى باتت بمثابة منزلي».

ويؤكد نبيل نور الدين أنه قرر التوقف عن التمثيل منذ عامين، بعد أن قدّم نحو 400 عمل فني، تنوعت بين الأفلام والمسلسلات والعروض المسرحية، موضحاً أن قراره جاء بسبب تحفظه على أجواء العمل الحالية. ويقول: «في الماضي، كنا ندخل موقع التصوير ونحن جميعاً أصدقاء، أما في السنوات الأخيرة فكنت أبقى وحيداً في غرفتي حتى ينادوني لتصوير المشهد. هذه ليست الأجواء التي اعتدتها وأحببتها».

الشاعرة كوثر مصطفى داخل مكتبة دار إقامة كبار الفنانين (إدارة الدار)

يحصل المقيمون في الدار على رعاية طبية ونفسية واجتماعية؛ إذ تضم عيادة طبية مجهزة، يتناوب عليها طبيب متخصص في أمراض القلب والحالات الحرجة، وطبيبة متخصصة في طب المسنين، إلى جانب استشاري للعلاج الطبيعي. كما تضم الدار مركزاً مجهزاً على أعلى مستوى للعلاج الطبيعي، يعمل تحت إشراف طبي، فضلاً عن توفير رعاية كاملة لمن لا يستطيع خدمة نفسه.

ويشير المخرج أشرف فايق، نجل شقيق الفنان محيي إسماعيل، الذي يقيم في الدار منذ أشهر عدًَّة، إلى أنه بعد انتهاء علاج إسماعيل في المستشفى، تقرر نقله إلى الدار بناءً على اقتراح من الدكتور أشرف زكي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أن الدار لا ينقصها شيء، سواء من حيث الرعاية أو الإقامة الكاملة أو متابعة الحالة الصحية والنفسية»، لافتاً إلى أن عمه الكاتب بهيج إسماعيل يقيم في الدار منذ 3 سنوات. وأشاد فايق بهذا الصرح العظيم الذي يحفظ كرامة الفنانين، عادّاً ذلك نوعاً من التكريم للفنان.

وأحدثت زيارة الفنانين محمود حميدة، وياسر جلال لدار إقامة كبار الفنانين أثراً إيجابياً كبيراً في المقيمين؛ إذ حرصا على المرور بغرفهم والاطمئنان عليهم. ويلفت مدير الدار إلى أن هذه الزيارات تسعد المقيمين، مؤكداً أن الدار «بيت كل فناني مصر»، وأنها ترحب بزيارة الفنانين لزملائهم المقيمين فيها. ويوضح أن «الإقامة بالدار لا تقتصر على أعضاء نقابة الممثلين، بل تشمل فنانين من مختلف النقابات الفنية، مثل نقابتي الموسيقيين والسينمائيين».


عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
TT

عالم يبتكر «كوناً مصغراً» لقياس الزمن من دون ساعة

مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)
مصيدة مغناطيسية بصرية لذرات الروبيديوم عند درجة حرارة تبلغ نحو 0.0001 درجة مئوية فوق الصفر المطلق (جامعة برمنغهام)

ابتكر عالم من جامعة برمنغهام البريطانية «كوناً مصغراً» في المختبر في محاولة تجريبية للإجابة على أحد أهم أسئلة العلم: «ما هو الزمن؟».

ونشر البروفيسور جيوفاني بارونتيني نتائج بحثه في مجلة «فيزيكال ريفيو ريسيرش»، موضحاً كيف يُمكن قياس تدفق الزمن من دون استخدام ساعة على الإطلاق.

ووفق الدراسة، تُوفِّر هذه التجربة بيئة اختبار قوية لأفكار علم الكون الكمومي والجاذبية، مما يعني أنه يُمكن الآن اختبار الأفكار المُتعلقة بنشأة الكون المبكر تجريبياً في المختبر.

كما يُمكن توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنظمة أكثر تعقيداً، وربما يسمح للباحثين باستكشاف فيزياء «الانفجار العظيم» و«الانكماش العظيم». ومحاكاة الثقوب السوداء في المختبر أو لاختبار النظريات المتنافسة في كيفية نشوء الزمن في الكون.

وكما أفاد بيان نشر الجمعة بأن هذه النتائج تُقدِّم نموذجاً علمياً ينبثق فيه مفهوم الزمن من التجربة نفسها، حيث تشير بعض نظريات الفيزياء إلى أن الكون، في جوهره، لا يمتلك زمناً داخلياً، بل هو حالة كمومية واحدة ثابتة، تُظهر فيها الجسيمات خصائص موجية وجسيمية. في حين تتعامل هذه النظرية الجديدة مع الكون بوصفه وحدة متكاملة من دون ساعة خارجية، وأن أي إحساس بالزمن ينشأ من العلاقات الداخلية بين أجزائه.

كيف يعمل الكون المصغر؟

استخدم بارونتيني سحابةً من 24 ألف ذرة فائقة البرودة، على بُعد أجزاء قليلة من المليار من الدرجة فوق الصفر المطلق، لإنشاء نظام كمومي مُحكم الإغلاق يُحاكي «كوناً» بسيطاً. حُصرت الجسيمات وفُصلت بواسطة حاجز رقيق مُشكَّل من شعاعي ليزر بترددات مختلفة، لتكوين منطقة مرصودة «مضيئة» وأخرى غير مرصودة «مظلمة» كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.

يتمدد القطاع «المضيء» وينهار بشكل متكرِّر، مُختبراً السيناريو الافتراضي لما يُشبه الانفجار العظيم والانكماش العظيم، وهو سيناريو افتراضي يبدأ فيه تمدد الكون بالانعكاس في نهاية المطاف. وتُتيح هذه التجربة إعادة بناء تسلسل الأحداث من داخل الكون المصغَّر نفسه، دون الحاجة إلى أي مرجع لساعة مختبرية خارجية.

ووفق نتائج الدراسة فقد أثبتت التجربة أن الزمن قد ينشأ من التغيرات التي تحدث داخل النظام، بدلاً من اعتبار الزمن شيئاً خارجياً يعمل بشكل مستقل. وأثبت نموذج «الكون المصغر» إمكانية خلق «الزمن» من خلال فوضى الذَّرات وانتشارها وسلوكها داخل النظام أو ما يُعرف علمياً بـ«الإنتروبيا».

الزمن الإنتروبي قيد العمل

عندما يزداد أو ينقص انتشار الجسيمات في القطاع المضيء مع تحرك الذرات إلى الداخل أو إلى الخارج، يكون النظام «يتحرك للأمام في الزمن». وعندما لا يتغيَّر هذا التوزيع للذَّرات، يتوقف الزمن فعلياً.

أطلق بارونتيني على هذه العملية اسم «الزمن الإنتروبي» بعد أن وجد أن هذا النوع من الزمن يتدفَّق في اتجاه واحد ثابت، مما يُعطي «سهماً زمنياً» واضحاً يُرتِّب الأحداث ترتيباً متوالياً صحيحاً، حتى في نظام يتمدَّد وينكمش مثل كون مُصغَّر يتسارع أو يتباطأ تبعاً لكيفية تحرك الإنتروبيا.

قال بارونتيني: «في بعض نظريات الكون، خصوصاً نظرية (الجاذبية الكمومية)، لا يظهر الزمن كخاصية أساسية. ومع ذلك، في الحياة اليومية، يتدفَّق الزمن من الماضي إلى المستقبل. لماذا يحدث هذا، في حين أن معظم قوانين الفيزياء الأساسية تعمل بالطريقة نفسها في الاتجاهين الأمامي والخلفي؟».

ووفق النتائج المنشورة، تُقدم هذه الدراسة أوَّل دليل تجريبي مضبوط على أن «الزمن» يُمكن تعريفه بالتغيُّرات التي تحدث داخل النظام بدلاً من كونه «ساعة خارجية» كما نتصوَّره الآن.