مصر تستقبل 2026 بحفل «مُبهر» في عاصمتها الجديدة

نجوم الغناء العرب يتألقون أمام «البرج الأيقوني»

تامر حسني وتامر عاشور شاركا في إحياء الحفل (قناة الحياة على «يوتيوب»)
تامر حسني وتامر عاشور شاركا في إحياء الحفل (قناة الحياة على «يوتيوب»)
TT

مصر تستقبل 2026 بحفل «مُبهر» في عاصمتها الجديدة

تامر حسني وتامر عاشور شاركا في إحياء الحفل (قناة الحياة على «يوتيوب»)
تامر حسني وتامر عاشور شاركا في إحياء الحفل (قناة الحياة على «يوتيوب»)

مسيرات لفرق موسيقية ترتدي الأزياء المميزة لرأس السنة، مع عزف مستمر لأغاني الكريسماس على آلة الساكسفون، وألوان متعددة من الألعاب والأغاني جذبت محمد السعيد، (40 عاماً) الذي يعمل بإحدى شركات الأمن السيبراني بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر (شرق القاهرة) لحضور حفل رأس السنة في محيط البرج الأيقوني بالعاصمة الجديدة.

بدأ الحفل بفقرات خفيفة لأغاني وموسيقى الكريسماس، مع وجود منطقة ألعاب للأطفال، ثم توالت الفقرات الغنائية التي شهدت حضوراً حاشداً، إلى أن انطلقت الألعاب النارية و«الدرون شو» وألعاب الليزر مع قرب بدء العام الجديد، وفق ما يشرح محمد لـ«الشرق الأوسط».

وأكد أنه استمتع للغاية بفقرات الحفل الذي وصفه بـ«المبهر» ويعدّه من أجمل الحفلات التي حضرها في استقبال العام الجديد.

واستقبلت منطقة الأبراج في الحي الإداري بقلب العاصمة الإدارية الجديدة بمصر، آلاف المواطنين، منذ الساعة الثالثة عصر الأربعاء، وحتى بدايات العام الجديد، واحتشدوا في محيط البرج الأيقوني الذي يشهد للسنة الأولى احتفالات مبهرة، وفق نقاد ومتابعين، بمناسبة العام الجديد، بحضور نجوم الطرب من مصر ولبنان، حيث قدم الفنانان تامر حسني وتامر عاشور مجموعة مختارة من أغانيهما، بالإضافة إلى «ديو» بينهما، كما قدمت الفنانة اللبنانية إليسا فقرة غنائية مختارة من أعمالها وسط تفاعل جماهيري كبير.

تامر حسني وتامر عاشور خلال الحفل (قناة الحياة على «يوتيوب»)

ويرى الناقد الموسيقى المصري، محمود فوزي السيد، أن «إقامة احتفالية كبرى في ليلة رأس السنة أمام البرج الأيقوني بحضور نخبة من النجوم مثل تامر حسني وتامر عاشور، الذي يعد صاحب أشهر وأنجح الحفلات في العالم العربي خلال الفترة الأخيرة، بالإضافة إلى نجمة لبنانية كبيرة مثل إليسا جعلت للاحتفالية طابعاً مميزاً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أسعار التذاكر كانت رخيصة بالنسبة لحفلات هذا اليوم من السنة، فقد بدأت تقريباً بمبلغ 350 جنيهاً، وانتهت بمبلغ 750 جنيهاً (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، مما أتاح لعدد كبير من المواطنين حضور الحفل والاستمتاع به أمام البرج الأيقوني».

وعدّ السيد أن هذا الحفل «جماهيري بالدرجة الأولى لا يشبه حفلات الفنادق والأماكن المغلقة، بل هو حفل للجمهور، ويعيد مصر لهذا الطابع من الاحتفالات المبهرة، خصوصاً مع التنظيم الجيد والتجهيزات والألعاب النارية المبهرة التي جعلت الحفل من أنجح الحفلات التي أُقيمت بالوطن العربي في رأس السنة».

الاحتفالات تضمَّنت فقرات متنوعة بمحيط البرج الأيقوني الذي يصل ارتفاعه إلى 385 متراً، بنحو 79 طابقاً، ويعد المبنى الأعلى في قارة أفريقيا، وشهدت الاحتفالات ألعاباً متوعة ومعزوفات موسيقية، قبل العد التنازلي الذي جاء على خلفية الألعاب النارية، وألعاب الليزر و«الدرون شو».

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد السماحي هذا الحفل «يحسب لمصر، فهي عندما تقرِّر فإنها تبهر الجميع»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «جاء الحفل على درجة كبيرة من الجودة والإبهار والإتقان على المستويين التنظيمي والفني، خصوصاً أن مَن قام بإحيائه 3 من أفضل نجوم الغناء في الوقت الحالي».

جانب من الاحتفالات بالعام الجديد (يوتيوب)

ولفت إلى أن الحفل دخل بيوت كل المصريين عبر البث المباشر لقنوات عدة، وهو «يرسخ للبرج الأيقوني ليكون علامةً بارزةً يستضيف في محيطه كبار المطربين والموسيقيين العالميين، وليس العرب فقط، في حفلات أخرى مقبلة، تروِّج سياحياً للعاصمة الجديدة».

وبدأ إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة عام 2017، على مساحة 170 ألف فدان، وتضم عدداً من الأحياء منها الإداري، والسكني، والخاص بالسفارات، ومدينة الثقافة والفنون، ومن المنتظر أن تستوعب نحو 7 ملايين مواطن، وكان الغرض من إنشائها بالدرجة الأولى، تخفيف الضغط على العاصمة المصرية، القاهرة، التي يسكنها 18 مليون مواطن بخلاف استقبالها ملايين الزوار يومياً.

ووصف الناقد الفني، أحمد سعد الدين، الاحتفال بالعام الجديد لأول مرة أمام البرج الأيقوني بأنه سيكون «تقليداً متبعاً في السنوات المقبلة، ويرسخ لحضور هذا البرج الأيقوني في الاحتفالات والمناسبات الكبرى». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الاستعانة بتامر حسني وتامر عاشور وإليسا تؤكد الرغبة في أن تكون الاحتفالية كبيرة ومبهرة على مستويات عدة، وهي مطلوبة لجذب الجماهير، وسيكون لها طابع رمزي فيما بعد».


مقالات ذات صلة

«المعجبة الأولى بالرئيس»... ترمب يمازح نيكي ميناج ويشيد بأظافرها على المسرح

يوميات الشرق المغنية نيكي ميناج والرئيس الأميركي دونالد ترمب يقفان على المسرح معاً خلال حدث في واشنطن (أ.ب)

«المعجبة الأولى بالرئيس»... ترمب يمازح نيكي ميناج ويشيد بأظافرها على المسرح

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مغنية الراب نيكي ميناج إلى الصعود على المنصة خلال إلقائه خطاباً، وأشاد بأظافرها الطويلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)

ماريلين نعمان... من زمن آخر

ضمن لقطة واحدة طويلة، تنتقل ماريلين نعمان بين حالات شعورية متعدّدة، بتركيز عالٍ يفرض إعادة التصوير من البداية عند أيّ خطأ...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الغناء مساحة مؤقّتة للحرّية (أ.ب)

خلف القضبان... سجينات برازيليات يتنافسن بالغناء قبل الحرّية

شاركت مجموعة من النساء البرازيليات القابعات خلف القضبان في مسابقة غنائية أُقيمت، الجمعة، داخل أحد سجون مدينة ريو دي جانيرو.

«الشرق الأوسط» (ريو دي جانيرو)
يوميات الشرق عبد الحليم حافظ (صفحة منزل عبد الحليم حافظ على فيسبوك)

أسرة عبد الحليم حافظ تتهم «العندليب الأبيض» بتشويه صورة المطرب الراحل

اتهمت أسرة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، والملقب بـ«العندليب الأسمر»، شخصاً أطلق على نفسه لقب «العندليب الأبيض».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المشتركون الثلاثة بعد وصولهم لمرحلة النهائيات مع مدربيهم (إم بي سي)

جود شاهين وأشرقت ومهند الباشا إلى نهائي «ذا فويس»

تأهل ثلاثة مشتركين فقط إلى الحلقة النهائية من الموسم السادس من «ذا فويس» للتنافس على اللقب: مهند الباشا، وجود شاهين، وأشرقت.

فيفيان حداد (بيروت)

مصر: إحالة هاني مهنا للتحقيق بداعي «الإساءة» لشادية وفاتن حمامة

حديث مهنا عن شادية وفاتن حمامة أثار غضباً (حسابه على فيسبوك)
حديث مهنا عن شادية وفاتن حمامة أثار غضباً (حسابه على فيسبوك)
TT

مصر: إحالة هاني مهنا للتحقيق بداعي «الإساءة» لشادية وفاتن حمامة

حديث مهنا عن شادية وفاتن حمامة أثار غضباً (حسابه على فيسبوك)
حديث مهنا عن شادية وفاتن حمامة أثار غضباً (حسابه على فيسبوك)

أعلن اتحاد «النقابات الفنية» بمصر إحالة الموسيقار هاني مهنا للتحقيق، واتخاذ الإجراءات القانونية ضده بما يتفق مع «حفظ سمعة وكرامة رموز الفن المصري». وجاء بيان الاتحاد على خلفية تصريحات هاني مهنا، خلال ظهوره بأحد البرامج التلفزيونية، وحديثه عن توتر العلاقة بين الفنانتين الراحلتين فاتن حمامة وشادية، على خلفية تنافسهما على حب أحد الرجال، وهو ما اعتبره كثيرون «إساءة وتشويهاً للرموز الفنية»، معبرين عن استيائهم لما بدر منه عبر مشاركات وتعليقات «سوشيالية» كثيفة، تم تداولها خلال الساعات القليلة الماضية، طالبت بـ«عدم التهاون معه، واعتذاره عما بدر منه».

وكان «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد أصدر قراراً بإحالة الموسيقار هاني مهنا إلى اتحاد النقابات الفنية، برئاسة المخرج عمر عبد العزيز، بعد تصريحاته التي تضمنت «إساءة وهجوماً على عدد من رموز الفن المصري»، خلال استضافته في أحد البرامج، مع إلزام جميع الوسائل الإعلامية الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018، بمنع ظهوره لحين انتهاء الاتحاد من إجراءاته.

هاني مهنا (حسابه على فيسبوك)

وأكد المجلس، في بيانه، أن القرار جاء استناداً لما رصدته الإدارة العامة للرصد بالمجلس، وما انتهت إليه توصيات لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس.

وأكد الاتحاد في بيانه الصحافي، الأحد، إدانته لما ورد على لسان مهنا من «إساءة لرموز الفن المصري والعربي، معرباً عن أسفه الشديد لما حدث من تجاوزات في حق الفن وأبنائه».

وعبر رؤساء النقابات الفنية (الممثلين، والموسيقيين، والسينمائيين) عن غضبهم الشديد مما تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي من عبارات خادشة للحياء «يندى لها الجبين»؛ إذ قرر الاتحاد الوقوف بحزم ضد تلك التجاوزات، معلناً دعمه الكامل لكل الرموز الفنية، وأن من يتجاوز في حقهم سيتم تحويله إلى مجلس تأديب، وبخاصة من ينتمون إلى النقابات.

وأشار الاتحاد، في بيانه، إلى أن أي تجاوز يصدر من أي شخص خارج النقابات سيتم التعامل معه بطرق عدة، وبالشكل القانوني الذي يحمي أبناء المهنة ويصون كرامتهم.

من جانبها، كتبت السيدة ناهد شاكر، ابنة شقيق الفنانة الراحلة شادية، عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، ساخرة: «أتمنى أن أعرف اسم الشخص الذي من الممكن أن تتصارع عليه فاتن حمامة الراقية الأنيقة مع شادية (القطقوطة)»، لافتة في منشور آخر، إلى أن «الموضوع كوميدي ولا يستحق العصبية».

وفي تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أكدت ناهد شاكر، أن عمتها الراحلة شادية كانت على علاقة راقية بالفنانة فاتن حمامة، لافتة إلى أن الأخيرة «سيدة راقية ولا يمكن أن يكون بينهما مثل هذا الخلاف الذي تحدث عنه هاني مهنا».

وأشارت ناهد شاكر إلى أن «فترة السبعينات التي تحدث عنها الموسيقار المصري والتي شهدت خلافهما على أحد الأشخاص، على حد قوله، كانت الفنانة شادية متزوجة من الفنان الراحل صلاح ذو الفقار، كما أن الفنانة الراحلة فاتن حمامة كانت متزوجة من الفنان الراحل عمر الشريف، وتم طلاقهما في عام 1974».

وفي سياق آخر، أعلن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، حجب لعبة «روبلوكس» في مصر رسمياً، جاء ذلك في كلمة عصام الأمير، نائب رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، خلال كلمته بالجلسة العامة لمجلس الشيوخ المصري، الأحد، مؤكداً على التنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لتنفيذ القرار.


«إرث»... حين يتحوَّل النسيج إلى لغة بصرية معاصرة

جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
TT

«إرث»... حين يتحوَّل النسيج إلى لغة بصرية معاصرة

جانب من المعرض (إدارة الغاليري)
جانب من المعرض (إدارة الغاليري)

تواصل الفنانة المصرية نعمة السنهوري مشروعها الفني الذي يركز على إعادة قراءة التراث المصري والشرقي عموماً، حيث تحوَّل النسيج على مسطح اللوحات من مجرد خامة تقليدية إلى وسيط تشكيلي معاصر يفتح أبواب التأمل والحوار مع الزمن.

في معرضها الجديد «إرث»، يستضيفه غاليري «سفر خان» بالزمالك، تعرض نعمة السنهوري 25 لوحة تمثل امتداداً لتجربتها في المزج بين التراث والحس المعاصر، حيث يصبح القماش لغة بصرية قائمة بذاتها، قادرة على سرد الحكايات وإيصال المشاعر مباشرة إلى المتلقي من دون الاعتماد على الفرشاة أو الألوان التقليدية.

يعتمد المعرض، المستمر حتى 11 فبراير (شباط) الحالي، على تقنية الأقمشة المطعمة (الأبليكيه)، حيث تُبنى التكوينات الفنية عبر تجميع المنسوجات ومعالجتها بلغة تشكيلية لتصبح أشبه بـ«الرسم بالقماش».

القماش لغة بصرية قائمة بذاتها في لوحات المعرض (إدارة الغاليري)

هنا تتجلى مفارقة جمالية تجمع بين حداثة الرؤية والحنين العميق إلى الماضي، في تجربة تجعل النسيج لا يكتفي بدوره التقليدي، بل يتحول إلى وسيط إبداعي حي يعزز أهمية استدعاء الإرث الثقافي والاجتماعي على السواء.

تقول نعمة السنهوري لـ«الشرق الأوسط»: «أتعامل مع القماش كما لو كان لوناً حياً، له وزنه وملمسه وذاكرته. لا أرسم عليه، بل أرسم به، وأترك للخامة أن تقودني إلى فضاء الصورة، فكل قطعة تنبض بالحياة من خلال لمسة الخامة نفسها، كأن القماش يحتضن الفكرة ويشكلها معي في الوقت نفسه».

وتضيف أن اللوحات بالنسبة لها أكثر من مجرد جمال بصري؛ فهي انعكاس لقيم ومعانٍ إنسانية أصيلة جاءت بها من تراثها. وتؤكد أن «التراث الشرقي أو العربي خصوصاً قادر على الاستمرار، وفتح مساحات للتأمل والحوار والمناقشة. ومن هنا، حين أقدمه في أعمالي، أراه من خلال هذه الرؤية، وليس مجرد زخرفة أو قطع فنية لتزيين المنازل».

ومن هذا المنطلق، يستشعر المتلقي كيف تتحول الأعمال الفنية إلى فعل واعٍ يثير التساؤل حول مسؤولية الأجيال الجديدة في حمل الموروث الثقافي إلى المستقبل.

وتتابع: «الفن قادر على أن يكون جسراً بين الأزمنة، وما يشغلني هو هذا التوازن بين سحر العالم القديم والحس المعاصر. وأنا أؤمن بأن ماضينا يجب أن يكرم ويصان إذا أردنا مستقبلاً مزدهراً، والفن أكثر الوسائط قدرة على تحقيق هذا الربط».

عند تأمل اللوحات تبدو العمارة كأرشيف ينبض بالحياة (إدارة الغاليري)

لا يقتصر المعرض على البعد الجمالي فقط؛ فكل لوحة تتجاوز ذلك إلى رموز ثقافية عميقة، إذ تنسج نعمة السنهوري عناصر من الحضارات المصرية المختلفة في نسيج واحد تتقاطع فيه الأزمنة، ويتجاور من خلاله الحضور القوي للذاكرة مع الحاضر.

عند تأمل اللوحات تبدو العمارة كما لو كانت أرشيفاً حياً، تتحول عبرها الأقواس والمداخل والأبواب والشبكات الزخرفية والفسيفساء إلى وثائق سردية تحكي التاريخ، بينما تتحول الحركة حول هذه العناصر إلى طقس يومي.

الفنانة المصرية نعمة السنهوري (إدارة الغاليري)

وفي حين تتنقل العين بين الطبقات المختلفة، تمتزج أنماط النسيج التقليدية مع مشاهد الحياة الحضرية الحديثة لتشكل في النهاية سرداً متداخلاً يأسر المتلقي ويغذي فكره ووجدانه.

تحمل الأعمال أيضاً دفئاً إنسانياً؛ إذ يشعر المتأمل بأن القماش نابض بالحياة، وكأنه يحتضنه، وينبع هذا الإحساس من تنوع الرموز وحميمية الحكايات والطقوس المتوارثة التي تسعى نعمة السنهوري إلى صونها وحمايتها من النسيان.

وتؤمن الفنانة بأن «الثقافة لا تصان فقط عبر الصروح الكبرى، بل من خلال الأفعال اليومية، مثل ترميم الأشياء وحفظها وإعادة استخدامها بمواد أكثر دفئاً». وتضيف: «تستطيع المنسوجات التي أقدمها أن تعكس الهوية والانتماء، وتفتح المجال لتبادل الأفكار بين الثقافات والمجتمعات».

تستخدم الفنانة تقنية الأقمشة المطعمة «الأبليكيه» (إدارة الغاليري)

اختارت نعمة السنهوري أن تنأى بفنها عن قيود التجارب السابقة في عالم النسيج، مبتعدة عن التقليد الأعمى للرموز الشعبية أو الانغماس في الطابع الأوروبي، رغم معرفتها بالثقافة والفنون الغربية جيداً: «أهم ما يُميز عملي أنني لا أكرر ما فعله الآخرون، لا في الألوان ولا في الموضوعات. ومع تقديري للفلكلور الشعبي، أرى أن النسيج يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إنه لغة للتجديد والتأمل في التراث. ورغم دراستي في فرنسا واطلاعي على الفنون الأوروبية، لم أسمح لنفسي بأن أستنسخ الغرب، فعملي محاولة لإعادة تشكيل تراثنا بلغة معاصرة تجعل المشاهد يرى الماضي والحاضر في اللحظة نفسها، وهو شيء غير مستحيل كما يعتقد البعض».

وهكذا تعيد السنهوري، من خلال 25 لوحة يتضمنها المعرض، تعريف مفهوم «الإرث»، محوِّلة إياه إلى تجربة حية تتنفس، وتثري مكونات الذاكرة، وتجعلها أشبه بالفسيفساء الفنية.

الأكثر من ذلك أن كل قطعة داخل هذه الفسيفساء تُرمم بمحبة وعناية ودقة، لتمنح حياة جديدة داخل فضاء جديد، انطلاقاً من أن «الفن ليس مجرد صورة جميلة، بل فعل يصون الذاكرة ويحفظها».


«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«متران مربعان»... رحلة إنسانية بين الموت والانتماء في أوروبا

استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)
استغرق المخرج 4 سنوات من العمل على الفيلم (الشركة المنتجة)

يعرض الفيلم الوثائقي «متران مربعان» للمخرج البلجيكي من أصول تركية فولكان أوجه، للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «روتردام السينمائي الدولي»، ويتناول مقاربة إنسانية شديدة الخصوصية لسؤال الموت والانتماء في سياق تجارب الهجرة في أوروبا. يتتبَّع الفيلم مسارات الجسد بعد الوفاة، ورحلته الأخيرة التي تكشف ما أخفته سنوات الحياة.

ينطلق الفيلم من عالم متعهدي دفن الموتى، حيث يتقاطع عمل رجل تركي في بلجيكا مع نظيره في تركيا، ليقدّم صورة مركَّبة عن طقوس الوداع واختلاف التعامل مع الموت بين المجتمعات الأوروبية والجاليات المهاجرة. ففي حين تحظى الوفاة في السياق الأوروبي بالهدوء والزمن الكافي للحزن والتأمل، تتحوَّل وفاة أحد أبناء الجاليات التركية أو المغاربية إلى سباق مع الوقت، نتيجة الرغبة في التسريع بعملية الدفن، وما يفرضه ذلك من إجراءات عاجلة لنقل الجثمان إلى بلد الأصل.

يُركز الفيلم على شخصية «طيفون»، الذي يعمل في مجال نقل الموتى، ويقضي أيامه متنقلاً بين بيوت العزاء والمطارات وأقسام الشحن، حيث تنتهي غالبية الرحلات عند الطائرة، لا عند المقبرة. ومن خلال مراقبة تفاصيل عمله اليومي، تتكشف الأسئلة الكبرى التي يطرحها الفيلم عن سبب استمرار دفن الأجيال الجديدة خارج البلدان التي وُلدت وعاشت فيها.

ويُعيد الفيلم فتح ملف تاريخ الهجرة العمَّالية إلى أوروبا. الجيل الأول من العمال القادمين من تركيا والمغرب في ستينات القرن الماضي كان يرى أن الإقامة مؤقتة، والعودة حتمية حتى بعد الوفاة. غير أن مرور أكثر من 6 عقود وولادة أجيال كاملة في أوروبا لم يغيّرا هذه المعادلة؛ إذ لا تزال النسبة الكبرى من أبناء هذه الجاليات تُدفن في بلدان الأصول، وهو ما يطرحه الفيلم بوصفه مؤشراً عميقاً على أزمة الانتماء والاندماج.

يعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

يقول المخرج فولكان أوجه لـ«الشرق الأوسط» إن الفيلم نابع من تجربة شخصية؛ كونه ابن ثقافتين، حيث نشأ في بلجيكا وسط أصدقاء بلجيكيين وأتراك، ولاحظ مبكراً التناقض الحاد في طقوس الموت بين المجتمعين. ويضيف أن هذا التناقض ظل يلاحقه لسنوات، قبل أن يتحوّل إلى سؤال وجودي خلال فترة «جائحة كورونا»، حين بدأ يتساءل عن المكان الذي يرغب في أن يُدفن فيه، وما إذا كان يشعر فعلاً بأن أوروبا وطن نهائي أم مجرد محطة حياة.

ويشير أوجه إلى أن الحديث عن الموت ظل من المحرّمات داخل عائلته، إذ رفض والداه الخوض في الموضوع، وهو ما دفعه للبحث عنه سينمائياً، معداً الصمت الجماعي حول الموت يعكس أزمة أوسع يعيشها كثيرون ممن يحملون هويتين وينتمون إلى مكانين في آن واحد.

ويؤكد المخرج أن لقاءه بشخصية «طيفون» كان اللحظة الحاسمة التي حولت الفكرة من تساؤل نظري إلى مشروع سينمائي؛ نظراً لما تمتلكه الشخصية من دفء إنساني وخفة ظل سمحت بتناول موضوع ثقيل مثل الموت بروح قريبة من المتلقي. كما حرص على تتبع التحول الداخلي الذي يمر به «طيفون»، من التركيز على العمل والنجاح المادي، إلى طرح أسئلة أعمق عن العدالة والحق في الدفن داخل البلد الذي يُعدُّ موطن الحياة.

يتتبع الفيلم لحظات وداع مؤثرة (الشركة المنتجة)

ويتوقف أوجه عند الصعوبات الكبيرة التي واجهها أثناء التصوير، خصوصاً عند التعامل مع عائلات فقدت أحباءها للتو، مشيراً إلى أن سرعة إجراءات الدفن كثيراً ما حالت دون التصوير، مما اضطره في مرات عدَّة إلى التراجع احتراماً لمشاعر الحزن، مع تفهمه أن الغضب الذي واجهه أحياناً كان تعبيراً طبيعياً عن الفقد، إذ حاول الفيلم الاقتراب من هذه اللحظات بأقصى درجات الحساسية الأخلاقية.

على المستوى الشخصي، يعترف المخرج بأن العمل على الفيلم واجهه بمخاوفه العميقة من الموت، وأن التعامل اليومي مع الجثامين وأماكن الغسل والعزاء كان تحدياً قاسياً، لكنه شكَّل في الوقت نفسه رحلة ذاتية لمواجهة هذا الخوف، حتى وإن لم يتمكن من تجاوزه بالكامل.

ويشير أوجه إلى أن العمل على الفيلم استغرق قرابة 4 سنوات، منذ اللقاء الأول مع «طيفون» وحتى العرض الأول. ويضيف أن التمويل داخل بلجيكا لم يكن عائقاً، في حين استغرق إيجاد شركاء إنتاج في دول أخرى وقتاً أطول، حتى اكتمل المشروع عملاً أوروبياً مشتركاً، وسيُعرض لاحقاً على شاشات واسعة داخل ألمانيا وفرنسا وبلجيكا بعد جولة من العرض في المهرجانات السينمائية.