«المد البشري» للمخرج البريطاني ديفيد وارد... ما خلف حكايات الحج

 ‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩
‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩
TT

«المد البشري» للمخرج البريطاني ديفيد وارد... ما خلف حكايات الحج

 ‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩
‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩

في قاعة يملأها الانتباه المشدود والدهشة الصامتة، قدّم فيلم «المد البشري» للمخرج البريطاني ديفيد وارد واحدة من أكثر التجارب الوثائقية قرباً من جوهر الحج وروحه، حيث لم يتجه الفيلم إلى الصورة التقليدية للجموع ولا إلى المشاهد العامة للطقوس، بل اقترب من الإنسان نفسه، من تفاصيله الصغيرة، من دوافعه، ومن تلك اللحظة التي تتحول فيها رحلة العمر إلى مرآة داخلية.

⁨بوستر الفيلم (مهرجان البحر الأحمر)⁩

من السويد.. حجّ للتعافي

تبدأ الرحلة من أقصى الشمال البارد، من السويد تحديداً، حيث يجلس الشاب يوسف بجوار والده، وهما يستعدان لمسافة تتجاوز السبعة آلاف كيلومتر نحو مكة، وقد تبدو الرحلة مجرد أداء فريضة طال انتظارها، لكن كاميرا وارد تعرف منذ البداية أن ما في داخل يوسف أكبر من مناسك، فهو يحمل ندبة الانفصال بين والديه.

والحج بالنسبة ليوسف ليس ركناً فحسب، بل محاولة لالتقاط ما تبقّى من يقين. وفي التفاصيل الصغيرة، لحظة يد الأب على كتف ابنه، ارتجافة يوسف في الطواف، بكاء والده حين يهمس بالدعاء باسمه، ينحت الفيلم رحلة تعاف أكثر منها رحلة عبادية، ويمنح الأب ابنه مساحة ليعيد ترتيب روحه، ويمنح الحج لهما فرصة نادرة لترميم علاقة شعثها الزمن.

⁨لحظة وجدانية عميقة خلال الوقوف في عرفة خلال الحج (لقطة من الفيلم)⁩

من أوغندا.. بكاء ثم ولادة

في أوغندا، يقف زوجان بسيطان أمام الكاميرا ويقولان بوضوح عفوي: «لسنا متدينين كثيراً... لكننا نعرف أن الحج ركن عظيم»... كلمات تبدو عادية، لكنها تخفي خلفها سنوات طويلة من محاولات الإنجاب التي لم تُكتب لها نتيجة، حيث يروي الزوجان كيف خصّصا كل ما ادّخراه للحج، وكيف توقّفا عن شراء «الأشياء الرفاهية» لأجل ذلك.

تتصدّر الزوجة المشهد بعفويتها ودموعها في يوم عرفة، تتوسّل بلا انقطاع، كأنها تحمل على كتفيها ثقل الضغوط العائلية والمجتمعية التي طاردتها لسنوات. وبعد العودة إلى أوغندا، يعود الفيلم إليهما في واحدة من أكثر لحظاته تأثيراً، حيث يعلن أن الزوجة حامل. وبعد أشهر تُنجب ابنة تغيّر شكل الأسرة كلّه، ولا يتعامل وارد مع الحدث بوصفه معجزة، بل بوصفه بُشرى، وواحدة من تلك اللحظات التي يدخل فيها اليقين القلب من بابٍ لا يراه أحد.

⁨داخل صالة العرض الأول للفيلم في مهرجان البحر الأحمر (تصوير: إيمان الخطاف)⁩

من برمنغهام... انتصار «مريم»

من بريطانيا تأتي واحدة من أكثر الحكايات عمقاً، لزوج من الصم، ترافقه زوجته مريم التي تولّت دور المترجمة طوال الرحلة، لكن التركيز هذه المرة ليس على الزوج، بل على مريم نفسها، فهي امرأة تخفي وراء ابتسامتها فوبيا من الحشود، وقلقاً اجتماعياً يربك تواصلها مع الآخرين. وفي مكة، حيث لا هروب من الزحام، تجد مريم نفسها فجأة في مواجهة أقسى مخاوفها.

في لقطات حقيقية وشفافة، نراها تتعثر، ترتبك، تلتفت يميناً ويساراً كمن يبحث عن مخرج. لكن الحج - كما يُبيّن الفيلم - ليس مكاناً للانكسار، بل للاكتشاف. وحين تعود مريم إلى برمنغهام، تعترف بأنها تغيّرت، قائلة: «لم أعد الشخص ذاته»، تقول وهي تبتسم: «تجاوزت شيئاً كبيراً»، وتترك الجملة معلّقة، كأنّها تشير إلى أن الطريق إلى مكة لم يكن يتجه جنوباً فحسب، بل إلى داخلها أيضاً.

آباء وأمهات يغيّرهم الحج

ومن قلب كينيا، تعرف الكاميرا طريقها إلى رجل آخر، لكنه هذه المرة ليس حاجاً، بل مرافق لآلاف الحجاج عبر ثلاثة عقود، عبر قائد حملة كيني يروي تجربته في خدمة ضيوف الرحمن، وتلمع عيناه حين يتحدث عن ابنه الصغير، الذي يحلم بأن يواصل المسيرة من بعده، ما يمنح الفيلم صوتاً نادراً لفئة لا تظهر كثيراً في الأعمال الوثائقية، وهم أولئك الذين يعيشون موسم الحج عاماً بعد عام، يحفظون تفاصيله، وينقلون خبرته جيلاً بعد جيل، ويعرفون معنى العطاء وسط المدّ البشري أكثر من أي أحد آخر.

أما من رينهام في المملكة المتحدة، فتأتي قصة امرأة بريطانية لم تستطع أداء الحج إلا بصحبة ابنها حمزة، بوصفه محرماً. يتحوّل الحج إلى مساحة لإعادة اكتشاف العلاقة بينهما. وفي لقطات صادقة، تُرى الأم وهي تحاول إخفاء دهشتها من نضج ابنها، فيما يمشي حمزة بجوارها بثقة تُشعرها بالأمان.

رحلة زوجين نحو الحج من لندن إلى مكة المكرمة (لقطة من الفيلم)

من لندن... زوجان وحياة جديدة

ويمضي الفيلم إلى لندن، حيث تعيش امرأة تركت الصلاة فترةً طويلة ثم شعرت بإحساس عميق بعدم الارتياح، قبل أن تقرر تغيير مسار حياتها، ونظرة واحدة في عينيها تكفي لتفهم أن الحج بالنسبة لها ليس قراراً عابراً، حيث تقول: «أريد تهذيب روحي»، وهي تستعد للسفر مع زوجها الذي يمر هو الآخر بأزمة ضياع روحي بعد سنوات ابتعد فيها عن العبادة.

يقرر الزوجان خوض الرحلة معاً، كأنهما يختبران إمكانية بناء حياة جديدة فوق أرضٍ أكثر ثباتاً، وخلال الحج، يتغيّر شيء داخلهما، إذ يقتربان، يتساندان، ويبدو أنّهما يجدان في رحلة المشاعر والإيمان ما لم يجداه في المحاولات اليومية، وفي واحدة من أجمل لقطات الفيلم، يتبادل الزوجان نظرة صامتة في يوم عرفة، نظرة تكفي لتشرح كل شيء.

لوحة إنسانية تجمعها مكة

لا يقدم «المد البشري» الحج بوصفه حدثاً ضخماً فحسب، بل بوصفه حدثاً فردياً، فلا الجموع هي البطل، ولا الشعائر، بل هؤلاء الأفراد الذين يقفون في قلب الزحام، حاملين قصصهم السرية، جروحهم، رغباتهم، صلواتهم، أسئلتهم التي لا يجرأون على قولها بصوتٍ مرتفع. ويمزج المخرج وارد بين أصوات أبطاله، كما يتيح لهم مساحات طويلة للسرد، لتتكوّن من القصص الست لوحة كبيرة، تتجاوز الحدود الدينية والجغرافية، وتكشف عن أن الحج بكل روحه وقدسيته ليس فقط رحلة نحو مكان، بل رحلة نحو الذات.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.



بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
TT

بعد 235 يوماً في المدار... رائدة فرنسية: «أعيدوني إلى الفضاء»

لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)
لامست الأرض مجدّداً... لكنّ عينيها ظلّتا على ارتفاع 400 كيلومتر (أ.ف.ب)

قالت رائدة الفضاء الفرنسية صوفي أدونو، السبت، من ألمانيا، عقب عودتها إلى الأرض، إنها اختبرت «جميع المشاعر الإنسانية، من الأكثر فرحاً إلى الأشدّ صعوبة»، خلال الأشهر الثمانية التي أمضتها في مدار الأرض.

وكانت مركبة «دراغون»، التي تقلّ أدونو وطاقم مهمة «كرو - 13»، قد هبطت الخميس في المحيط الهادي قبالة سواحل كاليفورنيا، عائدةً من محطة الفضاء الدولية.

وبذلك تكون أدونو قد أمضت 235 يوماً على متن المحطة، محطّمةً الرقم القياسي لأطول إقامة متواصلة في المدار لرائد أو رائدة فضاء من أوروبا.

رحلة انتهت على الأرض ولم تنتهِ في داخلها (أ.ف.ب)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن أدونو قولها السبت، من مركز التدريب التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في مدينة كولونيا الألمانية، والدموع تغالبها بين الحين والآخر، أن الأرض تبدو من ارتفاع 400 كيلومتر «بلا انقسامات ولا حدود»، بل مجرّد «كوكب ثمين يتشاركه الجميع».

وبدا الإرهاق واضحاً على رائدة الفضاء البالغة 44 عاماً لدى وصولها إلى ألمانيا، برفقة طبيبين من وكالة الفضاء الأوروبية.

وفي الفضاء، يتكيَّف الجسم مع انعدام الجاذبية، ممّا يؤدي إلى هشاشة العظام، وفقدان الكتلة العضلية، وتدهور صحة القلب، ومشكلات في الرؤية. وستخضع أدونو خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة لبرنامج خاص لاستعادة عافيتها.

وقالت في مؤتمر صحافي: «انتابني مزيج من المشاعر المدهشة. إنه لأمر مذهل. من الرائع العودة إلى الأرض، لكن هذه العودة ترافقها مجموعة من التحديات، لا سيما الجسدية منها».

دموع عند الهبوط وحنين إلى ما فوق الغيوم (إ.ب.أ)

وأشارت إلى أن عملية الهبوط، الخميس، كانت «صعبة»، إذ اضطرت الكبسولة التي تقلّ رواد الفضاء الأربعة إلى «مواجهة الأمواج العاتية مدّة 25 دقيقة».

وأضافت: «عندما أخرجني أفراد فرق الإنقاذ من الكبسولة كانت أول عبارة قلتها لهم: (أعيدوني إلى الفضاء أرجوكم. الأمور أسهل بكثير هناك)».

وخلال المهمّة أصبحت أدونو أول رائدة فضاء فرنسية تنفّذ طلعة خارج المحطة لإجراء إصلاحات فيها. ونفّذت ثلاث طلعات في المجموع، في 18 و25 أغسطس (آب)، والأول من سبتمبر (أيلول).


هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
TT

هل تخشى وخز الإبر؟ موسيقاك المفضّلة قد تخفّف الألم

تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)
تُعزف الألحان على أوتار الراحة فيتراجع الوجع (إ.ب.أ)

أظهرت اختبارات أنّ الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة قد يساعد على تخفيف الألم خلال إجراءات طبية، مثل التطعيم.

وذكر فريق بحثي، في دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن دورية «فرونتيرز إن بين ريسيرش» العلمية، أنّ موسيقى موتسارت لم تُحقّق التأثير نفسه الذي أحدثته الألحان المفضّلة لدى المشاركين في تخفيف الألم، وفق نتائج دراسة محدودة شملت نحو 200 شخص. وأكّد الباحثون أن النتائج لا تزال أولية وتحتاج إلى دراسات إضافية للتحقّق منها.

وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة من المستشفى الجامعي في زيوريخ، أندريه كريستينيل دراجنيا، أنّ مستوى الألم الناتج عن إدخال الإبرة يختلف بدرجة كبيرة بين الأشخاص. وكانت دراسات سابقة قد أظهرت مراراً تأثير الاستماع إلى الموسيقى في الإحساس بالألم عموماً، في حين يشير التحليل الجديد إلى أنّ التفضيلات الموسيقية الشخصية تؤدّي دوراً في ذلك أيضاً.

من جهتها، قالت الباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة من المستشفى نفسه، ميريتيل غارسيا ألزامورا: «أنصح المرضى بالاستماع إلى الموسيقى، خصوصاً أولئك الذين يحبّونها عموماً».

وأوضحت أن المستشفى سيولي هذا الجانب اهتماماً أكبر، مضيفةً: «في ضوء نتائجنا، سنوسّع استخدام الموسيقى خلال سحب الدم من الأوردة في إطار فحوص الأشعة، لا سيما لدى المرضى الذين يعانون القلق أو رهاب الأماكن المغلقة».

وشملت الدراسة، التي أجراها فريق المستشفى، 204 مرضى تراوحت أعمارهم بين 17 و83 عاماً، كانوا يستعدّون للخضوع لفحص بالرنين المغناطيسي يتطلّب إعطاء مادة تباين. وقُسّم المشاركون إلى 4 مجموعات، خضعت كلّ منها لأحد الخيارات التالية في أثناء إدخال القنية الوريدية: عدم الاستماع إلى الموسيقى، أو الاستماع إلى الموسيقى المفضّلة، أو مقطوعة محدّدة للاسترخاء، أو سوناتا لموتسارت.

وتنوَّعت اختيارات المشاركين الموسيقية بين الموسيقى الكلاسيكية وأغنيات البوب الحديثة، وصولاً إلى مؤلّفات بيتهوفن وموسيقى الروك الصاخبة.

وبدأ تشغيل الموسيقى قبل سحب الدم من الوريد. وقيّم المشاركون مستوى الألم على مقياس من درجة واحدة، تعني «لا ألم»، إلى 10 درجات، تعني «أشدّ ألم يمكن تخيّله». وسُجّلت التقييمات قبل إدخال الإبرة مباشرةً، وبعد الإجراء مباشرةً، ثم بعد 30 ثانية ودقيقتين. وأفاد 71 مشاركاً بأنهم شعروا بالألم حتى قبل وخز الإبرة.

وأظهرت النتائج انخفاضاً ملحوظاً في متوسط مستوى الألم لدى المجموعة التي استمعت إلى موسيقاها المفضّلة، سواء بين المرضى الذين شعروا بالألم قبل الوخز أو الذين لم يشعروا به. أما موسيقى موتسارت، فسُجّل معها انخفاض ذو دلالة إحصائية في الألم لدى الأشخاص الذين كانوا يشعرون به بالفعل قبل الإجراء فقط.

في المقابل، لم يرصد الباحثون انخفاضاً ملموساً في الإحساس بالألم لدى المجموعة التي استمعت إلى موسيقى الاسترخاء. وأوضحوا أنّ المقطوعة كانت بطيئة وهادئة، مع تغيّرات محدودة في الإيقاع وشدّة الصوت، مرجّحين أن المرضى لم ينتبهوا إليها بوعي أو تجاهلوها ببساطة. لكنهم شدّدوا على أن هذه النتيجة لا تعني أن موسيقى الاسترخاء عديمة الفائدة في جميع الحالات.

ومع ذلك، تبقى دلالات الدراسة محدودة جداً؛ إذ كانت المجموعات صغيرة، ولم يُوزّع المشاركون عليها عشوائياً، بل وفق التسلسل الزمني لمواعيد فحوص الرنين المغناطيسي. كما أنّ سحب الدم من الوريد تسبّب في ألم قصير الأمد وخفيف في الغالب، ممّا يحول دون تعميم النتائج على الإجراءات الطبية الأطول أو الأكثر إيلاماً.


«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
TT

«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)
جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)

أثار إعلان نشرته مدرّبة رياضية عن دورات لتعليم الرقص بضوابط «شرعية» جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بين مؤيّدين للفكرة لِما توفّره من خصوصية، ومعترضين يرون في إقحام الضوابط الشرعية في مثل هذه الأنشطة استخداماً للدين في غير موضعه.

ودعت هيلجا طمان، التي تعرّف نفسها عبر «فيسبوك» بأنها مدرّبة رياضية ومدرّبة رقص، إلى دورات لتعليم الرقص ضمن ضوابط وصفتها بأنها «شرعية». ولاقت الدعوة انتشاراً لافتاً لما انطوت عليه من طرافة ومفارقة، بينما نقلت وسائل إعلام محلية تصريحات للمدرّبة وأجرت معها لقاءات شرحت خلالها فكرتها ورؤيتها لتعليم الرقص في بيئة تراعي خصوصية المحجّبات والملتزمات دينياً، مع إجراء مقابلات للمتدرّبات للتحقّق من التزامهن.

وأكّدت منشورات الصفحة التي تروّج لهذه الدورات منع الموسيقى الصاخبة والملابس المكشوفة، وتوفير بيئة آمنة لتعلّم الرقص وممارسته في المنزل بخصوصية.

وتعزو الطبيبة النفسية والواعظة بوزارة الأوقاف، الدكتورة يمنى أبو النصر، الجدل الذي أثارته الدعوة إلى رغبة المحجّبات في المجتمعات المغلقة في المشاركة باحتفالات، مثل «ليلة الحنّة» وغيرها من المناسبات المقتصرة على النساء. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المبدأ نفسه غير مرفوض بوصفه عرفاً اجتماعياً، لكن الغريب والجديد هو أن يُعلَن هذا على الملأ، وأن يُزَجّ باسم الدين والشرع في مثل هذه الدعوات لكسب جمهور أو جذب مشاركات من أوساط تتّسم بقلّة العلم والتعليم».

وتشير يمنى أبو النصر إلى وجود أنشطة كثيرة مخصّصة للمحجّبات والمتديّنات، مثل ارتداء ملابس السباحة المحتشمة، لكنها ترفض توظيف الدين والشرع للترويج لهذه الأنشطة، عادَّةً ذلك نوعاً من الافتئات على الشرع.

وتقول: «لا يجوز استخدام الشرع والدين في الترويج لأمور بغرض حصد مكاسب، ومن يستخدم الدين سلعةً فهو خاسر، تماماً مثل مَن يروّجون لفكرة (المقهى الإسلامي)، أو القنوات التي تظهر فيها سيدات بكامل زينتهن (بمكياج كامل) ويتحدّثن في الدين، وهي مظاهر لا تستقطب إلا الجهلة».

ولا تعيب يمنى أبو النصر على صاحبة الدعوة اختيار هذا النشاط، موضحةً: «هي حرّة في اختيار المجال الذي تراه مناسباً للعمل وكسب الرزق، لكن القول إن هذا المجال بضوابط شرعية هو المرفوض، لما فيه من استخدام وتجرّؤ على الشرع والدين، وهو أمر لا يليق، فالدين ليس تجارة».

جانب من منشورات التدريب على الرقص (فيسبوك)

وعن الانتشار السريع لمثل هذه الدعوات والإعلانات المثيرة للجدل، يقول خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي محمد فتحي إن «الجدل حول دورة للرقص الشرقي بضوابط شرعية نموذج واضح لكيفية صناعة التفاعل على المنصات، عبر الجمع بين فكرتين متناقضتين في نظر الجمهور. فالمحتوى لا يثير الاهتمام بموضوعه فحسب، بل بالمفارقة التي يحملها العنوان، وتدفع المستخدمين إلى التعليق والمشاركة والانقسام بين مؤيّد ومعارض».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في اقتصاد الانتباه الرقمي، قد تكون الفكرة المثيرة للجدل أقدر على الانتشار من المحتوى التقليدي؛ لأن الخلاف يضاعف التفاعل، وقد يدفع التفاعل بدوره الخوارزميات إلى توسيع نطاق الوصول. لكن من المهم التمييز بين الانتشار والنجاح؛ فارتفاع المشاهدات والتعليقات لا يعني بالضرورة اقتناع الجمهور بالفكرة أو قبولها مجتمعياً».

من جانبه، يرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «وسائل التواصل الاجتماعي باتت تطرح في الآونة الأخيرة أفكاراً غير مألوفة وغير مقبولة، لم نكن نتخيّل أن تُطرح يوماً».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يحاول البعض اختبار إمكان فرض أفكاره، ويبقى الحكم عليها مرهوناً بنتائج التجربة. أما الجانب الآخر، فيتعلّق بتدخّل الجهات الدينية المخوّلة شرعاً تقييم مثل هذه الأفكار، وتحديد مدى قبولها وملاءمتها للمجتمع».