«المد البشري» للمخرج البريطاني ديفيد وارد... ما خلف حكايات الحج

 ‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩
‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩
TT

«المد البشري» للمخرج البريطاني ديفيد وارد... ما خلف حكايات الحج

 ‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩
‎⁨ينطلق الوثائقي من أقصى الشمال البارد في السويد لشاب يحلم بالحج (لقطة من الفيلم)⁩

في قاعة يملأها الانتباه المشدود والدهشة الصامتة، قدّم فيلم «المد البشري» للمخرج البريطاني ديفيد وارد واحدة من أكثر التجارب الوثائقية قرباً من جوهر الحج وروحه، حيث لم يتجه الفيلم إلى الصورة التقليدية للجموع ولا إلى المشاهد العامة للطقوس، بل اقترب من الإنسان نفسه، من تفاصيله الصغيرة، من دوافعه، ومن تلك اللحظة التي تتحول فيها رحلة العمر إلى مرآة داخلية.

⁨بوستر الفيلم (مهرجان البحر الأحمر)⁩

من السويد.. حجّ للتعافي

تبدأ الرحلة من أقصى الشمال البارد، من السويد تحديداً، حيث يجلس الشاب يوسف بجوار والده، وهما يستعدان لمسافة تتجاوز السبعة آلاف كيلومتر نحو مكة، وقد تبدو الرحلة مجرد أداء فريضة طال انتظارها، لكن كاميرا وارد تعرف منذ البداية أن ما في داخل يوسف أكبر من مناسك، فهو يحمل ندبة الانفصال بين والديه.

والحج بالنسبة ليوسف ليس ركناً فحسب، بل محاولة لالتقاط ما تبقّى من يقين. وفي التفاصيل الصغيرة، لحظة يد الأب على كتف ابنه، ارتجافة يوسف في الطواف، بكاء والده حين يهمس بالدعاء باسمه، ينحت الفيلم رحلة تعاف أكثر منها رحلة عبادية، ويمنح الأب ابنه مساحة ليعيد ترتيب روحه، ويمنح الحج لهما فرصة نادرة لترميم علاقة شعثها الزمن.

⁨لحظة وجدانية عميقة خلال الوقوف في عرفة خلال الحج (لقطة من الفيلم)⁩

من أوغندا.. بكاء ثم ولادة

في أوغندا، يقف زوجان بسيطان أمام الكاميرا ويقولان بوضوح عفوي: «لسنا متدينين كثيراً... لكننا نعرف أن الحج ركن عظيم»... كلمات تبدو عادية، لكنها تخفي خلفها سنوات طويلة من محاولات الإنجاب التي لم تُكتب لها نتيجة، حيث يروي الزوجان كيف خصّصا كل ما ادّخراه للحج، وكيف توقّفا عن شراء «الأشياء الرفاهية» لأجل ذلك.

تتصدّر الزوجة المشهد بعفويتها ودموعها في يوم عرفة، تتوسّل بلا انقطاع، كأنها تحمل على كتفيها ثقل الضغوط العائلية والمجتمعية التي طاردتها لسنوات. وبعد العودة إلى أوغندا، يعود الفيلم إليهما في واحدة من أكثر لحظاته تأثيراً، حيث يعلن أن الزوجة حامل. وبعد أشهر تُنجب ابنة تغيّر شكل الأسرة كلّه، ولا يتعامل وارد مع الحدث بوصفه معجزة، بل بوصفه بُشرى، وواحدة من تلك اللحظات التي يدخل فيها اليقين القلب من بابٍ لا يراه أحد.

⁨داخل صالة العرض الأول للفيلم في مهرجان البحر الأحمر (تصوير: إيمان الخطاف)⁩

من برمنغهام... انتصار «مريم»

من بريطانيا تأتي واحدة من أكثر الحكايات عمقاً، لزوج من الصم، ترافقه زوجته مريم التي تولّت دور المترجمة طوال الرحلة، لكن التركيز هذه المرة ليس على الزوج، بل على مريم نفسها، فهي امرأة تخفي وراء ابتسامتها فوبيا من الحشود، وقلقاً اجتماعياً يربك تواصلها مع الآخرين. وفي مكة، حيث لا هروب من الزحام، تجد مريم نفسها فجأة في مواجهة أقسى مخاوفها.

في لقطات حقيقية وشفافة، نراها تتعثر، ترتبك، تلتفت يميناً ويساراً كمن يبحث عن مخرج. لكن الحج - كما يُبيّن الفيلم - ليس مكاناً للانكسار، بل للاكتشاف. وحين تعود مريم إلى برمنغهام، تعترف بأنها تغيّرت، قائلة: «لم أعد الشخص ذاته»، تقول وهي تبتسم: «تجاوزت شيئاً كبيراً»، وتترك الجملة معلّقة، كأنّها تشير إلى أن الطريق إلى مكة لم يكن يتجه جنوباً فحسب، بل إلى داخلها أيضاً.

آباء وأمهات يغيّرهم الحج

ومن قلب كينيا، تعرف الكاميرا طريقها إلى رجل آخر، لكنه هذه المرة ليس حاجاً، بل مرافق لآلاف الحجاج عبر ثلاثة عقود، عبر قائد حملة كيني يروي تجربته في خدمة ضيوف الرحمن، وتلمع عيناه حين يتحدث عن ابنه الصغير، الذي يحلم بأن يواصل المسيرة من بعده، ما يمنح الفيلم صوتاً نادراً لفئة لا تظهر كثيراً في الأعمال الوثائقية، وهم أولئك الذين يعيشون موسم الحج عاماً بعد عام، يحفظون تفاصيله، وينقلون خبرته جيلاً بعد جيل، ويعرفون معنى العطاء وسط المدّ البشري أكثر من أي أحد آخر.

أما من رينهام في المملكة المتحدة، فتأتي قصة امرأة بريطانية لم تستطع أداء الحج إلا بصحبة ابنها حمزة، بوصفه محرماً. يتحوّل الحج إلى مساحة لإعادة اكتشاف العلاقة بينهما. وفي لقطات صادقة، تُرى الأم وهي تحاول إخفاء دهشتها من نضج ابنها، فيما يمشي حمزة بجوارها بثقة تُشعرها بالأمان.

رحلة زوجين نحو الحج من لندن إلى مكة المكرمة (لقطة من الفيلم)

من لندن... زوجان وحياة جديدة

ويمضي الفيلم إلى لندن، حيث تعيش امرأة تركت الصلاة فترةً طويلة ثم شعرت بإحساس عميق بعدم الارتياح، قبل أن تقرر تغيير مسار حياتها، ونظرة واحدة في عينيها تكفي لتفهم أن الحج بالنسبة لها ليس قراراً عابراً، حيث تقول: «أريد تهذيب روحي»، وهي تستعد للسفر مع زوجها الذي يمر هو الآخر بأزمة ضياع روحي بعد سنوات ابتعد فيها عن العبادة.

يقرر الزوجان خوض الرحلة معاً، كأنهما يختبران إمكانية بناء حياة جديدة فوق أرضٍ أكثر ثباتاً، وخلال الحج، يتغيّر شيء داخلهما، إذ يقتربان، يتساندان، ويبدو أنّهما يجدان في رحلة المشاعر والإيمان ما لم يجداه في المحاولات اليومية، وفي واحدة من أجمل لقطات الفيلم، يتبادل الزوجان نظرة صامتة في يوم عرفة، نظرة تكفي لتشرح كل شيء.

لوحة إنسانية تجمعها مكة

لا يقدم «المد البشري» الحج بوصفه حدثاً ضخماً فحسب، بل بوصفه حدثاً فردياً، فلا الجموع هي البطل، ولا الشعائر، بل هؤلاء الأفراد الذين يقفون في قلب الزحام، حاملين قصصهم السرية، جروحهم، رغباتهم، صلواتهم، أسئلتهم التي لا يجرأون على قولها بصوتٍ مرتفع. ويمزج المخرج وارد بين أصوات أبطاله، كما يتيح لهم مساحات طويلة للسرد، لتتكوّن من القصص الست لوحة كبيرة، تتجاوز الحدود الدينية والجغرافية، وتكشف عن أن الحج بكل روحه وقدسيته ليس فقط رحلة نحو مكان، بل رحلة نحو الذات.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.



هرم ثلاثي الأضلاع على المريخ... ما سرّه؟

صورة «سيلفي» التقطتها مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس» على سطح المريخ (رويترز)
صورة «سيلفي» التقطتها مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس» على سطح المريخ (رويترز)
TT

هرم ثلاثي الأضلاع على المريخ... ما سرّه؟

صورة «سيلفي» التقطتها مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس» على سطح المريخ (رويترز)
صورة «سيلفي» التقطتها مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس» على سطح المريخ (رويترز)

هل يمكن أن تكون هناك دلائل على وجود حياة خارج كوكب الأرض، أم أن ما نراه مجرد تشكلات طبيعية تخدع أعيننا؟ هذا التساؤل القديم عاد إلى الواجهة مجدداً، بعد تداول صور لما يُعتقد أنه «هرم ثلاثي الأضلاع» على سطح المريخ، في مشهد أثار فضول العلماء وأشعل خيال المتابعين على حد سواء، بين مَن يرى فيه احتمالاً لوجود حضارات متقدمة، ومن يرجّحه كظاهرة جيولوجية فريدة أو عمل صناعي.

وقد أثار مخرج أفلام وثائقية موجة من الجدل حول هذا الاكتشاف، بعدما نشر لقطات بدت وكأنها تُظهر بنية هرمية على الكوكب الأحمر، وفقاً لما أوردته صحيفة «نيويورك بوست».

وبحسب تقارير صحافية، فإن الباحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، كيث لاني، كان قد رصد هذه الظاهرة الغريبة بالصدفة عام 2001، أثناء استخدامه المركبة الفضائية «مارس غلوبال سيرفيور» لمسح سطح المريخ بحثاً عن تكوينات غير مألوفة. وقد رجّح لاني أن يكون هذا الشكل مصطنعاً، قائلاً: «لو عُثر على هذا التكوين في أي مكان على الأرض، لكنا بالتأكيد بدأنا بدراسته بشكل جدي».

وفي وقت لاحق، أعاد المخرج الوثائقي برايان دوبس تسليط الضوء على هذا الاكتشاف، حيث شارك المقطع المصور عبر منصة «إكس»، مشيراً إلى أن «على سطح المريخ هرماً ثلاثي الأضلاع بحجم الهرم الأكبر في مصر».

وتُظهر اللقطات المصاحبة مشاهد مقرّبة لتلّ مثلث الشكل يقع في وادي مارينيريس، وهو ثاني أكبر نظام وديان في المجموعة الشمسية، إذ يمتد لنحو 2500 ميل ويصل عمقه إلى نحو 4 أميال. وتُعرف هذه المنطقة بجروفها الشاهقة وتكويناتها الصخرية الطبقية، التي قد تُنتج أشكالاً هندسية لافتة، من بينها ما يُعتقد أنه هذا «الهرم».

ومن اللافت أن هذا التكوين الجيولوجي جرى تصويره في 4 مناسبات منفصلة بين عامي 2001 و2016، وقد حافظ في كل مرة على شكله الهندسي المتناظر ثلاثي الأضلاع، وهو ما زاد من حدة الجدل حول طبيعته.

ورغم إقرار دوبس بأن هذه اللقطات لا تُعد دليلاً قاطعاً على وجود حياة على المريخ، فإنه طرح تساؤلات حول سبب عدم إجراء تحقيقات أعمق لاستبعاد احتمال أن يكون هذا التكوين نتيجة عوامل غير معروفة. وقال، في مقطع فيديو نشره عبر «يوتيوب»: «ما العملية الجيولوجية التي يمكن أن تُنشئ بنية هرمية ثلاثية الأضلاع بهذا الشكل؟ إنه أمر محيّر حقاً بالنسبة لي. كيف يمكننا أن ننظر إلى هذا التكوين ونفترض ببساطة أنه طبيعي، رغم أنه يبدو شاذاً بوضوح؟».

ولم يكن دوبس وحده من طرح هذه الفرضية؛ إذ أشار آخرون إلى أن هذا التكوين قد يحمل دلالات تتجاوز التفسير الجيولوجي. ففي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، افترض الباحث في شؤون المريخ جورج هاس أن هذا التركيب «يُظهر مستوى من الهندسة والتناظر يدعم احتمالاً كبيراً لكونه من صنع كائنات ذكية». وأضاف في تصريح صحافي: «لا تحتاج إلى أن تكون جيولوجياً لتُفرّق بين صخرة عادية وبنية ذات طابع هندسي واضح».

وفي سياق متصل، أعادت تقارير أخرى الجدل إلى الواجهة بعد أن نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) وثائق في عام 2025 تتعلق بمهمة استطلاع غامضة هدفت إلى جمع معلومات عن الكوكب الأحمر. ووفقاً لما ورد، فقد تضمنت هذه الوثائق إشارات إلى وجود أهرامات موزعة على سطح المريخ، الأمر الذي عزّز التكهنات بشأن احتمال أن تكون هذه التكوينات ذات أصل غير طبيعي.


«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة السعودية الرياض خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، مع تنوع تشهده بين حي وآخر في الميزات المختلفة، والمظاهر الجاذبة.

وعلى الرغم من وجود إحدى فعاليات «الحوامة» في حي حطين (شمال الرياض) أثناء تصدِّي وزارة الدفاع السعودية لـ4 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه العاصمة، أُقيمت «الحوامة» في الحي ذاته بمشاركة العوائل، والأطفال الذين جابوا البيوت طلباً للحلوى وسط أجواء يغمرها الفرح والبساطة، ويسودها الأمن والاستقرار.

ونظّمت مؤسسة الحوامة هذه الفعالية، التي انطلقت عام 2015 كمبادرة بسيطة بين جيران الحي، وتحولت مع مرور السنوات إلى تجربة مجتمعية ينتظرها كثيرون كل عام.

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

وترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد، وارتبطت هذه المناسبة بعادات الجيران وتقاربهم، قبل أن تتراجع ممارستها مع تغير أنماط الحياة، غير أن إحياءها في مدينة الرياض جاء بدافع من مجموعة من سكان المنطقة لإعادة هذه العادة إلى الواجهة، والحفاظ على هذا الموروث الشعبي من الاندثار، وتلقت توسعاً تدريجياً عاماً بعد آخر.

وقالت نجلاء المنقور، المديرة التنفيذية لـ«الحوامة»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهدف من الفعالية لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يمتد إلى إحياء الموروث الشعبي وتعريف الأجيال الجديدة به، إضافة إلى تعزيز روح الجيرة والتواصل الاجتماعي، خصوصاً في ظل تراجع هذه المظاهر في الحياة اليومية».

وأضافت المنقور أن «رسوم المشاركة، البالغة نحو 185 ريالاً (49 دولاراً)، تمثل مساهمة مجتمعية لدعم إقامة الفعالية، في غياب الرعايات الرسمية»، مشيرةً إلى أنها «تُستخدم لتغطية تكاليف التنظيم، بما في ذلك تجهيز الشوارع، وتركيب الإنارة والزينة، وإعداد أكياس الحلوى والأنشطة المصاحبة، بما يضمن تجربة آمنة ومنظمة للأطفال».

تحولت «الحوامة» من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات (تصوير: تركي العقيلي)

وشهدت «الحوامة» منذ انطلاقتها إقبالاً متزايداً، إذ تحولت من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات، ويتم خلالها توزيع الحلوى على الأطفال والعروض الترفيهية والثقافية المرتبطة بالتراث الشعبي، بالإضافة إلى الشوارع المزينة بالأنوار.

وبحسب المنقور، يحرص كثيرون على تكرار التجربة لما تحمله من أجواء تراثية واجتماعية مميزة، لكن تنظيم الفعالية لا يخلو من التحديات، حيث يحمل كثيراً من الجهد المطلوب لإقامتها سنوياً، ومع ذلك، يواصل فريق عمل المؤسسة الحفاظ على هذا التقليد وإحياءه بروح معاصرة.

وأكدت نجلاء حرصها على إقامة «الحوامة» في كل عام، واستيفاء التراخيص اللازمة من «أمانة الرياض»، إيماناً منها بأهمية استمرار هذا الموروث، مُنوِّهة أنه رغم التحديات، فإن الحماس الذي تبديه الأطفال والعائلات يدفعها إلى مواصلة العمل سنوياً بإصرار وشغف، وتسعى لتطوير الفعالية تدريجياً في السنوات المقبلة، مع الحفاظ على طابعها التراثي.


بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.