«كمسري» حافلات النقل العام في مصر يغادر إلى محطته الأخيرة

بعد تطبيق قرار إلغاء التذكرة الورقية

حافلات تابعة لهيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)
حافلات تابعة لهيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)
TT

«كمسري» حافلات النقل العام في مصر يغادر إلى محطته الأخيرة

حافلات تابعة لهيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)
حافلات تابعة لهيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)

يحمل بيده تذاكره المُلونة، يتجول بها بين ركاب الحافلة مرتدياً سترته الزرقاء، مردداً بصوت عال: «ورق ورق... تذاكر تذاكر»، وعند توقف الحافلة بين المحطات يُنادي قرب بابها على وجهتها النهائية، ليلتحق بها الركاب واحداً تلو الآخر، كما ينبّه مَنْ بالداخل أن محطته اقتربت، أو يطلق «صُفارته» عالياً لتنبيه السائق بالتوقف، أو لضبط مُتهرب من «قطع التذكرة».

وبعيداً عن مهامه الرسمية، يقوم بدور إنساني في رحلته... يبتسم للركاب، ويساعد العجائز، ويحمل الأمتعة عن المُسنّين، والرُضع عن أمهاتهم إن لزم الأمر، بينما يمازح الركاب ليخفف وطأة الزحام داخل الحافلة، والتكدس المروري خارجها.

في القاهرة الكبرى، حيث تشكّل حافلات النقل العام شريان الحياة اليومي، لم يكن «الكُمسري» أو محصل التذاكر، مجرد موظف يجمع الأجرة، بل كان جزءاً من النسيج الاجتماعي والحكايات اليومية على مدى عقود.

واليوم، يجد «الكمسارية» التابعين لهيئة النقل العام في مصر أنفسهم «خارج الخدمة»، بعدما بدأت هيئة النقل بالقاهرة التشغيل التجريبي لمنظومة الدفع الإلكتروني داخل الحافلات العامة بالقاهرة، تمهيداً لإلغاء التذكرة الورقية خلال عام 2026، وعدم التعامل مع المحصل، الذي وصل بدوره مع هذا القرار إلى «محطة النهاية».

وبحسب تصريحات لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر، الاثنين، سيتعامل المواطن إلكترونياً دون الحاجة إلى تدخل المحصل، وسيكون بحوزة الراكب «كارت إلكتروني» يسدد بواسطته ثمن الرحلة.

إحدى حافلات هيئة النقل العام في مصر (محافظة القاهرة)

وتعتمد منظومة الدفع الإلكتروني داخل حافلات النقل العام على «كارت ذكي مسبق الدفع» يكون متوافراً في المحطات النهائية للحافلة ومنافذ هيئة النقل العام، يشحنه المواطن ويستخدمه عبر ماكينات مخصصة مثبتة عند الباب الأمامي للحافلة؛ أما قيمة التذكرة فتتحدد وفق عدد المحطات والمسافة، بحيث لا يتساوى راكب مسافة قصيرة مع راكب لآخر الخط، ما يشجع المواطنين على استخدام حافلة أتوبيس النقل العام، ويقضي نهائياً على أزمة «الفكَّة» داخل المواصلات.

وتقوم هيئة النقل العام بنقل نحو مليون راكب يومياً عبر 173 خطاً، بها 150 محطة نهائية و2800 محطة عابرة، وذلك من خلال 2500 حافلة موزعة على 18 «جراجاً» على مستوى القاهرة الكبرى، بحسب بيانات سابقة للهيئة.

«البعد الإنساني»

يقول أستاذ الإدارة المحلية في مصر، حمدي عرفة، إن قرار هيئة النقل العام في القاهرة تطبيق منظومة الدفع الإلكتروني يأتي في إطار مواكبة التطورات التكنولوجية التي تشهدها العواصم العربية والعالمية، إلا أنه يحذر من تجاهل البعد الإنساني والاجتماعي للقرار، مشيراً إلى أن «المحصلين» يمثلون فئة عمرية تتراوح بين 45 و60 عاماً، ما يجعل إعادة تأهيلهم أو تحويلهم إلى وظائف بديلة أمراً بالغ الصعوبة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإدارة المحلية «قادرة على تحقيق توازن بين التحديث التكنولوجي والحفاظ على الوظائف التقليدية، من خلال تدريب المحصلين على استخدام تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، بما يضمن دمجهم في المنظومة الجديدة وتلافي سيناريوهات الإقصاء أو التهميش».

وأكد رئيس هيئة النقل العام عصام الشيخ، الاثنين، أن المنظومة الجديدة ستُطبق على 1800 حافلة، وأن 300 حافلة ستدخل الخدمة فعلياً خلال الأيام المقبلة كمرحلة أولى.

وبينما تخطط الهيئة لعدم التعامل مع المحصل خلال عام 2026، فإنها تنوي أيضاً الاستفادة من المحصلين (الكمسارية) الحاليين ونقلهم لوظائف تتناسب مع طبيعة التشغيل الجديد، بحيث تستفيد منهم في العمل سائقين لمن يملك رخصة قيادة مهنية، أو تأهيل من لا يملكونها ليكونوا سائقين، أو نقل غير الراغبين في العمل سائقين إلى وظائف إدارية أو فنية.

مجموعة من حافلات هيئة النقل العام بمصر (محافظة القاهرة)

ويرى عرفة فكرة إعادة توظيف المحصلين سائقين «غير عملية»، موضحاً أن معظمهم لا يمتلكون رخص قيادة من الدرجة الأولى، ما يجعل توجيههم لهذا الدور قراراً محفوفاً بالمخاطر، وقد يهدد سلامة الركاب. ويؤكد أن الخيار الأكثر أماناً وواقعية هو توظيفهم في مهام إشرافية أو رقابية ضمن منظومة النقل الجديدة.

«طي صفحة من الذاكرة»

أستاذ علم الاجتماع في جامعة القاهرة، فايز الخولي، قال إن قرار إلغاء التذكرة الورقية في حافلات النقل العام لا يعني فقط نهاية وسيلة دفع تقليدية، بل يمثل أيضاً طي صفحة من الذاكرة الاجتماعية، حيث ستفقد الحافلات أحد وجوهها الإنسانية، حيث كان «الكمسري» يؤدي دوراً يتجاوز جمع الأجرة إلى كونه عنصراً فاعلاً في ضبط السلوك العام داخل الحافلة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «في فترات سابقة، كانت المواصلات أكثر ازدحاماً وصعوبة مما هي عليه اليوم، ما كان يؤدي إلى احتكاكات ومشاكل بين الركاب، في تلك اللحظات كان للكمسري دور إنساني وتواصلي، وكان يتدخل كصوت أخلاقي، يذكّر الشباب باحترام كبار السن، ويحضهم على إخلاء مقاعدهم للنساء أو المسنين. هذا الدور كان جزءاً من ثقافة النقل العام، بما يعيد التوازن داخل الحافلة».

ويستعيد الخولي مشهداً عاصره قبل سنوات، حين كان المحصل يضفي على الرحلة طابعاً من البهجة، مستخدماً نقراته على صندوق التذاكر الخشبي ومردداً عباراته الشهيرة: «تذاكر يا حضرات، تذاكر يا شباب، تذاكر يا حلوين»، والتي كانت تحمل تخفيفاً من وطأة الزحام.

ويُعد «المحصل» في الحافلات العامة إحدى الشخصيات الأيقونية التي تناولتها السينما المصرية بتنوع كبير، وغالباً ما قدمته في قالب إنساني يعكس الطبقات البسيطة في المجتمع المصري.

ومن أبرز الأفلام التي قدمت هذه الشخصية «أقوى الرجال»، حيث قدم الفنان نور الشريف شخصية «زكي» المحصل الذي يعمل بهيئة النقل العام، كما أن فيلمه الشهير «سواق الأتوبيس» ظهرت فيه شخصية «المحصل» من خلال الفنان حمدي الوزير، وكذلك فيلم «فرحان ملازم آدم» الذي جسد فيه الفنان فتحي عبد الوهاب شخصية الشاب «فرحان» الذي كان يعمل محصلاً.


مقالات ذات صلة

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

يوميات الشرق نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، الدكتور عبد العزيز قنصوة عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقائه مع ولي عهد الكويت الأربعاء (الخارجية المصرية)

السيسي يطالب بمراعاة الشواغل الأمنية الخليجية في مفاوضات أميركا وإيران

طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأربعاء بمراعاة الشواغل الأمنية الخليجية في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بعد إعلان تعليق العمليات العسكرية.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
شمال افريقيا  الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال لقاء بدر عبد العاطي في بيروت نهاية مارس (آذار) الماضي (الخارجية المصرية)

الوضع لا يزال حرجاً... مصر تحذر من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان

جددت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الأربعاء، دعمها وتضامنها الكامل مع لبنان الشقيق، حكومة وشعباً، في هذه المرحلة الدقيقة

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «مهلة» ملادينوف لتسليم «سلاح غزة» تعقّد الملف

دخل ملف تسليم سلاح قطاع غزة مرحلة جديدة، مع تحديد الممثل السامي للقطاع في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف مهلة لتقديم «حماس» رداً على إطاره المطروح حالياً.

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

أكدت وزارة الداخلية المصرية أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية».

وليد عبد الرحمن (القاهرة)

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)
نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، الدكتور عبد العزيز قنصوة، عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل ضمن مشروع «الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين»، تضمنت 1024 مواطناً مصرياً يمثلون 21 محافظة.

وأضاف قنصوة في بيان الثلاثاء أن هذه النتائج نجحت في رصد قرابة 17 مليون تباين جيني فريد لم تكن مسجلة في قواعد البيانات العالمية من قبل، مما يمنح الدولة المصرية لأول مرة «مرجعية جينية وطنية» تنهي عقوداً من غياب التمثيل الجيني المصري في الأبحاث الدولية.

وكشفت الدراسة عن وجود مكون جيني مميز للمصريين بنسبة 18.5 في المائة، وهو ما يساعد المتخصصين على فهم الطبيعة الوراثية للشعب المصري، كما يوضح لغير المتخصصين سبب اختلاف استجابة أجسادنا للأمراض أو الأدوية عن الشعوب الأخرى، مما يمهد الطريق لعصر «الطب الشخصي» الذي يصمم العلاج وفقاً للشفرة الوراثية لكل مواطن.

الطب الشخصي

وفتحت نتائج الثورة العلمية التي حدثت في علوم البيولوجيا منتصف القرن الماضي، الباب واسعاً للولوج إلى عصر آخر جديد يعتمد على تشخيص المرض ووصف العلاج المناسب، وفق التركيب الجيني للإنسان، لتتحول استراتيجيات التشخيص الطبي وإنتاج الدواء في العالم من إنتاج دواء واحد يناسب الجميع، إلى دواء يتناسب مع الظروف الصحية لكل شخص على حدة، وهو ما يعرف علمياً بعصر «الطب الدقيق» أو «الطب الشخصي».

رصدت النتائج قرابة 17 مليون تباين جيني فريد (بكسباي)

وقال الدكتور خالد عامر، الباحث الرئيسي للمشروع، إن هذه الدراسة تمثل نقطة تحول تنهي تهميش البصمة الجينية المصرية عالمياً، وتضع بين أيدينا المرجع الوطني الذي سيعيد رسم خريطة الطب الوقائي في مصر وفق أسس علمية دقيقة تضمن دقة الفحص والتشخيص.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الدراسة حددت معدلات انتشار الطفرات المسببة لـ13 مرضاً وراثياً، وفي مقدمتها «حمى البحر الأبيض المتوسط العائلية»، حيث يحمل طفرة المرض 1 من كل 11 مصرياً.

وأوضح عامر أن الدراسة المنشورة بصفتها نسخة أولية على منصة «بايو أركييف» (bioRxiv)، أكدت على أن الاعتماد الكلي على المقاييس الأوروبية في التنبؤ بالأمراض قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة للمصريين في أمراض، مثل: السكتة الدماغية، والكلى، مشدداً على أهمية «المعايرة الوطنية» لنماذج المخاطر الجينية العالمية.

من جانبه، أكد الدكتور أحمد مصطفى، رئيس قسم المعلوماتية الحيوية بالمركز وأستاذ علوم بيانات الجينوم بالجامعة الأميركية بالقاهرة، أن الفريق البحثي أثبت عملياً أن المعايير العالمية في هذا المجال لا تكفي وحدها لضمان الدقة الطبية، مشدداً على ضرورة وجود البصمة الجينية المصرية داخل قواعد البيانات لضمان دقة الفحوصات وتعزيز الصحة العامة للمصريين.

نتائج واعدة حققها مشروع «الجينوم المصري» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن النتائج كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان منطقة الشرق الأوسط بنسبة 71.8 في المائة، خصوصاً المجموعات الجينية للبدو واليمنيين والسعوديين، مشدداً على أن هذه النتيجة تعني أن من بين المجموعات السكانية المتاحة في قواعد البيانات الجينية الدولية، يعتبر المصريون أقرب جينياً للبدو (منطقة النقب في فلسطين) واليمنيين والسعوديين.

واستطرد بقوله إنه من الضروري فهم أن قواعد البيانات الحالية فيها تمثيل محدود لشعوب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعليه فالمقارنة الآن على قدر البيانات المتاحة، وبالتالي فإن هذه النتائج قابلة للتعديل في ضوء نتائج الدراسات المقبلة، موضحاً أن هذا مجرد توصيف علمي مرجعي، ولا يعكس وصفاً لطبيعة حياة أو ثقافة متفردة من أي نوع.

وكانت عمليات التسلسل والتحليلات الجينية قد تمت بإشراف وتنفيذ عقول مصرية من كبار العلماء وشباب الباحثين داخل مركز البحوث والطب التجديدي التابع للقوات المسلحة وهو الجهة المنفذة للمشروع الذي يعد مبادرة رئاسية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبتمويل كامل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ممثلة في أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا ويشارك فيها عدد كبير من الجامعات المصرية والمراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني بالإضافة لوزارات الصحة والسكان، والسياحة والآثار والشباب والرياضة.


حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

حل لغز «جيلجو بيتش»... مهندس أميركي يقر بقتل 8 نساء

مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)
مشهد من أمام المحكمة التي تنظر في قضية ريكس هورمان في نيويورك (أ.ف.ب)

أقر مهندس معماري من لونغ آيلاند بولاية نيويورك الأميركية، كان يعيش حياة سرية كقاتل عتيد، اليوم الأربعاء، بقتل سبع نساء، واعترف بأنه قتل امرأة ثامنة في سلسلة من الجرائم التي لم يتم فك طلاسمها لفترة طويلة، والمعروفة باسم جرائم قتل «جيلجو بيتش».

وأدلى ريكس هورمان، البالغ من العمر 62 عاماً، باعترافاته في قاعة محكمة مكتظة بالصحافيين وأقارب الضحايا، حيث أجهش بعضهم بالبكاء في أثناء سرد هورمان تفاصيل جرائمه أمام المحكمة، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وتشكّل اعترافات هورمان بالذنب ختاماً لقضية أرهقت المحققين، وأصابت أقارب الضحايا بالألم، وأثارت فضول جمهور شغوف بجرائم القتل الحقيقية على مدى سنوات.

وقالت السلطات إن هورمان خنق النساء، وغالبيتهن من العاملات في الدعارة، على مدى 17 عاماً، وكان يدفن رفاتهن في أماكن نائية، منها على طول طريق سريع ساحلي معزول على الخليج مقابل منزله.

ويواجه هورمان حكماً بالسجن المؤبد، ومن المقرر أن يصدر حكمٌ ضده في موعد لاحق.


لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)
دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)
TT

لاعبون وشعراء في الأعمال السعودية... اختبار جديد للنجومية

دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)
دخول قوي للشاعر مانع بن شلحاط في أولى تجاربه التمثيلية (نتفليكس)

في مشهد أصبح يتكرر مؤخراً في الأعمال السعودية، يشارك لاعب كرة قدم في فيلم سينمائي، ويظهر شاعر في عمل درامي، ويتصدر مغنٍّ بطولة سينمائية في أول حضور له أمام الكاميرا... لينقل هذا العبور بين المجالات هذه الشخصيات من خارج الدراما إلى داخلها، في تحوّل أوسع لمفهوم النجومية، حيث تتقاطع المسارات، بين الحضور الجماهيري والدور الفني.

وتعد هذه الظاهرة شائعة في العالم وتعطي العمل جاذبية لفئة جديدة قد لا تكون مهتمة بالسينما والدراما، وربما من أبكر النماذج مشاركة أسطورة كرة القدم البرازيلية بيليه عام 1981 في فيلم Escape to Victory «الهروب إلى النصر». ومن النماذج القادمة من عالم الغناء؛ مشاركة النجمة ليدي غاغا في مجموعة أعمال، من بينها بطولة فيلم House of Gucci «بيت غوتشي» عام 2021، و Joker: Folie à Deux «الجوكر2» عام 2024.

الكابتن سعيد العويران قدم دور «أبو عاتق» في فيلم «رهين» (نتفليكس)

اللاعب داخل الفيلم

امتداداً لهذا الحضور، تظهر تجارب سعودية حديثة، حيث جسّد لاعب كرة القدم الدولي المعتزل الكابتن سعيد العويران في فيلم «رهين» (2025)، شخصية «أبو عاتق»، زعيم عصابة يلاحق بطل الفيلم (محمد الدوخي) ليتحصل على الأموال، وهي شخصية تبتعد بالكامل عن صورته الذهنية كلاعب كرة قدم، وتفتح أمامه مساحة مختلفة من الأداء.

وحظيت مشاركة العويران باستحسان جماهيري، بدأ من حضوره العرض العالمي الأول للفيلم في النسخة الماضية من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة، حيث صفق له الجمهور بحرارة، مروراً إلى التفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي مع ظهوره بالفيلم الذي عدَّه كثيرون بمنزلة المفاجأة، خصوصاً أن «رهين» تصدّر قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة على منصة «نتفليكس» فور عرضه.

ورغم أن «رهين» ينتمي إلى الكوميديا الممزوجة بالحركة، وهو نوع يعتمد على توازن دقيق بين التوتر والمرح، فإن العويران قدم الشخصية من خلال الحضور الجسدي، ونبرة الصوت، وطبيعة التفاعل مع بقية الشخصيات، دون اللجوء إلى المبالغة، كما وظّف الكوميديا عبر الإيماءات والتعبيرات، في لقطات انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي، ومقاطع قصيرة حصدت تفاعلاً كبيراً على «تيك توك» و«إنستغرام».

الشاعر أمام الكاميرا

وفي أحدث التجارب، يشارك الشاعر الشعبي مانع بن شلحاط في حلقة «لسان معقود» من مسلسل «الخلاط+» الذي يُعرض حالياً على منصة «نتفليكس» ويحظى بأصداء واسعة. وخلاله يرى الجمهور الشاعر القادم من عالم اللغة، يدخل إلى فضاء بصري يعتمد على الجسد، والنظرة، والإيقاع الداخلي، وهي عناصر تتطلب حساً مختلفاً في التعبير، إلا أن بن شلحاط قدم دوراً يقترب من شخصيته، بوصفه رجلاً يهوى الشعر بشدة، يحل ضيفاً على شاعر آخر يواجه تعثراً في التعبير (تأتأة)، ليقوم بتوجيهه لحل لمشكلته المستعصية، ويأخذه معه في رحلة عجيبة ومخيفة في الوقت نفسه.

وتميّز أداء ابن شلحاط بالعفوية المطلقة، حيث استخدم لغة الجسد ونبرة الصوت التي يشتهر بها في أمسياته الشعرية، مما أعطى الشخصية مصداقية عالية لدى الجمهور. كما أن الحلقة ذاتها سلطت الضوء بشكل ساخر على قيمة «الكلمة» في المجتمع، وكيف يمكن لقصيدة أو تصريح أن يغيّر مجرى الأمور، وذلك ضمن إطار «الخلاط» الذي يعتمد على المواقف الصادمة وغير المتوقعة.

المغني في دور البطولة

وفي تجربة ثالثة تحمل دلالة مختلفة، يأتي فيلم «هجير» ليقدم مغنياً سعودياً في دور البطولة، في أول تجربة تمثيلية له، وهو فيلم بدأ عرضه مؤخراً في صالات السينما المحلية. وتتجاوز فكرة المشاركة الجزئية، لتضع الاسم القادم من عالم الغناء في موقع المواجهة الكاملة مع الكاميرا، ومع متطلبات الدور، ومع توقعات الجمهور.

إذ يجسد المغني عبد العزيز فيصل شخصية شاب يعيش علاقة عميقة مع الموسيقى، ويسعى لأن يصبح مايسترو رغم إعاقته. ويفتح «هجير» باباً مختلفاً في توظيف النجومية، حيث يرتبط حضور المغني بدور يحمل تحدياً مركزياً، يقوم على المفارقة، وعلى القدرة على الانفصال عن أدواته المعتادة، وتقديم أداء يقوم على التحول، وعلى خلق توازن بين الهوية السابقة ومتطلبات الدور، بما يجعل هذه التجربة تتخذ بعداً مختلفاً عن حضور الأسماء القادمة من خارج التمثيل، حيث يرتبط الدور بالموسيقى من جهة، وينفصل عنها من جهة أخرى.

إعادة تعريف النجومية

وتجمع هذه التجارب 3 مجالات مختلفة: الرياضة، والشعر، والغناء، غير أن حضورها داخل الدراما والسينما يكشف عن نقطة مشتركة تتعلق بكيفية إعادة توظيف النجومية، لتسلك كل تجربة مساراً خاصاً، يتحدد بطبيعة الدور، وبمساحة الحضور، وبطريقة الكتابة. كما تعكس هذه الظاهرة تحوّلاً في مفهوم النجومية، حيث لم تعد مرتبطة بمجال واحد، بل أصبحت قابلة للانتقال بين الحقول، والأصداء التي رافقت هذه المشاركات تكشف عن تحول في طريقة التلقي، حيث يبدأ الجمهور من موقع الفضول، ثم ينتقل إلى التقييم بناءً على الأداء.

ويمكن القول إن حضور لاعب وشاعر ومغنٍّ في الأعمال الدرامية والسينمائية يفتح باباً لقراءة أوسع، تتعلق بكيفية تطور الصناعات الإبداعية، وبقدرتها على استيعاب أشكال متعددة من التعبير، وكذلك يعكس رغبة في التجديد، وفي البحث عن وجوه تحمل قصصاً وتجارب مختلفة، يمكن أن تضيف إلى العمل بعداً إضافياً.