«الحرّية المُستذكرة»: معرض يفتح جروح بيروت المُغلَقة على أسئلة العدالة

يجمع 36 فناناً في قراءة شُجاعة لذاكرة الحرب والانفجار

أجساد مُعلّقة بين شهيق الماضي وصخب الشارع (الشرق الأوسط)
أجساد مُعلّقة بين شهيق الماضي وصخب الشارع (الشرق الأوسط)
TT

«الحرّية المُستذكرة»: معرض يفتح جروح بيروت المُغلَقة على أسئلة العدالة

أجساد مُعلّقة بين شهيق الماضي وصخب الشارع (الشرق الأوسط)
أجساد مُعلّقة بين شهيق الماضي وصخب الشارع (الشرق الأوسط)

يستقبل «بيت بيروت» زائره هذه المرة كأنه يدخل إلى ذاكرة مفتوحة على جرحها. في معرض «الحرّية المُستذكرة»، تُعرَض الأعمال الفنّية مثل أدلّة في ملف قضية لم يُغلَق بعد. قضية بلد عاش الحروب والعفو العام والانفجارات المتتالية، من 1975 إلى انفجار المرفأ، من دون أن يُجرّب طريق العدالة.

منذ الخطوة الأولى، يُفكّر الزائر بمدى مسؤوليته عن تذكُّر ما جرى، ويتساءل إنْ كان النسيان حقاً دفاعياً أخيراً. المعرض يضعنا وسط منطقة التوتّر بين الذاكرة والعفو. كأنّ عنوانه «الحرّية المُستذكرة» يُلمح إلى حرّية كانت هنا ثم انتُزِعت، فصار استعادتها فعلاً مؤلماً بقدر ما هو ضرورة للشفاء.

شظايا البلاط والدفاتر الممزَّقة (الشرق الأوسط)

تتوزَّع الأعمال على الطبقة الثالثة للمبنى الذي كان يوماً خطَّ تماس. وإنما «الخطّ الأخضر» الذي فَصَل بين شرق بيروت وغربها، تحوّل إلى مسار نباتات وأشجار يقود الزائر من المدخل حتى الطبقة الأخيرة. كأنّ اللون الأخضر الذي يتسلَّل بين الأسمنت يُحاول إعادة اختراع قلب جديد للمدينة. قلب يُداوي ولا يكتفي بتوثيق الألم.

على الجدار، تتناثر شظايا بلاط أزرق فوق دفاتر قديمة وصفحات مملوءة بخطّ اليد. تبدو القطع الأسمنتية كأنها سقطت لتوّها من سقف مُهدّم واستقرَّت فوق الكلمات لتطمسها جزئياً. العمل يختصر علاقة اللبناني مع أرشيفه الشخصي، من مذكّرات ومراسلات وخطط حياة، تنهال فوقها الأنقاض في لحظة انفجار، فيُترك صاحبها لجَمْع ما تبقّى من اللغة بين الخراب.

المدينة رقَّعت جروحها على عجل ولون الدم بقي أعمق من القماش (الشرق الأوسط)

عمل آخر يقف في منطقة بين النحت والنسيج، فتتدلَّى خيوط زرقاء كثيفة من أعلى الإطار لتُكوّن ما يُشبه ستاراً مضطرباً، تتسرَّب منه ملامح جسد إنساني. هنا تتحوَّل الخيوط إلى استعارة للجهاز العصبي المُرهَق ولتلك الذات التي عاشت الحرب والانفجار فهربت إلى الداخل، ثم وجدت نفسها مُحاصَرة في شبكة من الذكريات المُتشابكة. الجسد لا يظهر كاملاً، لأنّ الإنسان في هذا البلد لا يعود كما كان بعد الصدمة، وقدره البقاء في حالة ظهور واختفاء بين طبقات الزمن.

أما العمل المُثبت على إطار خشبي مشدود بالحبال فيبدو مثل سرير إسعاف قديم أو نافذة أُقفلت قسراً. صور وألياف وشَبَك مُحاصَرة تحت أشرطة قماشية تمتدّ مثل غَرْز على جرح كبير. يتجاور الجِلد الخشبي مع اللون الأحمر اللامع في الداخل، فتتكوَّن صورة عن مدينة عاجزة عن الحركة، تدور في حلقات من إعادة البناء والانهيار. الحبال علامة على القيود القانونية والسياسية التي كبَّلت إمكان الوصول إلى الحقيقة، منذ نهاية الحرب الأهلية حتى اليوم.

مدينة تُشبه متاهة من الأسئلة تتقاطع فوقها مسارات الناس والسلطة والمصير (الشرق الأوسط)

في زاوية أخرى من المعرض المستمرّ حتى 11 يناير (كانون الثاني) المقبل، يحتلّ عمل دائري ضخم مساحة القاعة. خريطة لبيروت مُغطّاة بشبكة من الخطوط البيضاء، تتقاطع فوقها نقاط ملوَّنة تُشبه رقاقات اللعب، تُحيط بها صور ووثائق ووجوه سياسية. يقف الزائر عند الحافة مثل مَن يقف أمام لوحة تحقيق مُعمَّق في تاريخ المدينة الحديث، تظهر فيها علاقات القوة والمصالح الاقتصادية والقرارات الدولية وملامح ناس عاديين اختفوا تحت عنوان «خسائر جانبية».

امرأة تنام فيما التاريخ يُمرّر أصابعه على بشرتها ولا يمحوها (الشرق الأوسط)

وتظهر في مساحة أخرى صورة وجه نسائي مُغمض العينين، يعلوه أثر الزمن والخدوش والطبقات. البشرة مثل قماش جدار قديم تسرَّبت إليه الرطوبة. هذا الوجه، بغطائه القرمزي وملامحه الهادئة، يُحيل إلى ضحايا مجهولين، وإلى مدينة تحاول النوم في حين آثار الكارثة لا تزال محفورة على جِلدها.

تكسر لوحة نيون ملوَّنة ثقل المَشاهد السابقة. أحرف مُضيئة وقلوب وإشارات لا نهائية، ودماغ وكلمات متداخلة. الضوء مُبهر، لكنَّ كثافته تُولّد أيضاً صداعاً بصرياً. هنا، كما في وسائل التواصل الاجتماعي، يختلط خطاب الحبّ بالألم والفكاهة بالتهديد. كأنّ المعرض يُلمح إلى أنّ معركة الذاكرة لم تعد تدور فقط في أرشيف الجرائد ومحاضر المحاكم، وإنما أيضاً في فضاء رقمي مشحون تُعاد فيه كتابة التاريخ كلّ ثانية.

لوحة النيون المشتعلة بالأحرف والرموز (الشرق الأوسط)

ولا يمكن أن يخرج الزائر من دون أن يواجه صورة صوامع المرفأ. هذه المرة في لقطتَين بالأبيض والأسود تبدوان كأنهما استُخرجتا من فيلم قديم. الخدوش على سطح الصورة تعيدنا إلى خدوش الزجاج في البيوت وإلى الخدوش في النفس. الصوامع منحنية وممزَّقة، كأنها شاهد يرفض أن ينهار بالكامل قبل أن يُعيد التذكير بأنّ الانفجار شكَّل لحظة مفصلية في علاقة اللبناني مع دولته ومعنى حياته.

أعمدة من وجع واقفة على حافّة البحر (الشرق الأوسط)

الصوامع شاهدة على انفجار لم يُطوَ ملفّه بعد (الشرق الأوسط)

ثم يُسقِط المعرض على زجاج المبنى أجساداً تتحرَّك ببطء. رجال ونساء يظهرون مثل أطياف شفَّافة، كأنهم يخرجون من طبقة زمنية أخرى ليُخاطبوا المدينة المعاصرة. الانعكاس الذي تُحدِثه الإضاءة والمرور المتواصل للسيارات يجعل المشهد مُعلَّقاً بين الحياة والغياب. فمَن يؤدّون حركات تُشبه الاستغاثة أو محاولات العبور، يظلّون محبوسين خلف السطح الزجاجي الذي يفصلهم عن الضجيج الخارجي. هنا الماضي يقف عند الواجهة، يرفع يده، ويطلب أن نراه ولو على شكل طيف، عوض أن نطالبه بالخروج من المشهد.

على امتداد الطبقة الثالثة من «بيت بيروت»، تُشارك 36 تجربة فردية في نَسْج هذا السرد المفتوح. فنانات وفنانون يُحوّلون الذاكرة إلى صورة والخوف إلى محاولة فَهْم. المعرض لا يَعد بالعدالة ولا يقدّم حلولاً سياسية، لكنه يُعلن أنّ العدالة قد تبدأ من السماح للذاكرة بأن تستعيد مكانها.

الذاكرة الفردية ليست أقل ارتباكاً من ذاكرة المدن (الشرق الأوسط)

المعرض قائم على هندسة فكرية وبصرية دقيقة نقلت «بيت بيروت» من كونه مبنى شاهداً إلى مساحة تُعاد فيها صياغة الأسئلة الوطنية الكبرى. هو ثمرة رؤية القيّمة الفنّية آني فارتيفاريان التي جمعت 36 مُشاركة ومُشاركاً ضمن سردية واحدة، ومنحت لكلّ صوت فضاءه الخاص من دون أن تفقد الفكرة وحدتها الداخلية.

وإلى جانب هذا الإطار الفكري، تبرز السينوغرافيا التي صمَّمتها ياسمينا واكيم بوصفها عنصراً أعاد ترتيب علاقة الزائر بالمكان، وفتح أمام المعرض طبقات جديدة من القراءة. هذا الجهد لم يكن منفرداً، فقد شاركت في صياغته وتحقيقه أسماء حملت المشروع إلى مستوى لائق من التأمُّل والاستعادة: جويل حجار، ومحمود الحمود، ورجاء عبود، وقسطنطين سلامة، وباربرا بولا، والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى. هؤلاء جميعاً حوَّلوا الجدران إلى طبقات زمنية والممرّات إلى نقاط عبور بين المحو وإعادة الاكتشاف. وأصبحت زيارة المبنى أقرب إلى رحلة داخل ذاكرة تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الرواية الجماعية من دون أن تلغي إحداهما الأخرى.


مقالات ذات صلة

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يوميات الشرق لوحة تصور آيا صوفيا من عام 1852 (متحف فيكتوريا آند ألبرت)

«مدينة واحدة وإمبراطوريتان»... قصة القسطنطينية وإسطنبول في معرض لندني

يتدثر المعرض بعباءة من الفن والثقافة ليسرد قصص التاريخ والسياسة بأسلوب مشوق يختصر تاريخ أكبر مدينة في أوروبا وعاصمة إمبراطوريتين؛ الأولى مسيحية، والثانية مسلمة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق عمل للفنانة سلمى رضا (نادي عدسة)

«تروماي الإسكندرية»... معرض يحتفي بالذاكرة الإنسانية لـ«عروس المتوسط»

يعدّ «ترام الرمل» بالإسكندرية جزءاً أصيلاً من ملامح المدينة وذاكرتها اليومية، ورفيقاً لحكايات أجيال تعاقبت على شوارع «عروس المتوسط» ومحطاته الممتدة.

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق على كل متلقٍ أن يعثر على حكايته الخاصة داخل الأعمال (الشرق الأوسط)

«عَود على بدء» يعيد استكشاف أساطير العالم القديم

بينما اتجه كثيرون في المشهد الفني خلال القرن الماضي إلى استدعاء الكلاسيكيات القديمة عند مناقشة تأثير الأساطير، يعمل فنانون راهناً على توسيع نطاق تلك القصص.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق السندريلا في مرحلة التألق والنجومية بعيون نور السيف (إدارة المعرض)

سعاد حسني «تحت الضوء» في الرياض

ترسم الأعمال المشاركة في معرض «وحدها تحت الضوء» المقام حالياً في الرياض عبر العديد من البورتريهات ما يمكن اعتباره صحيفة للأحوال النفسية للفنانة سعاد حسني.

حمدي عابدين (القاهرة )
يوميات الشرق في مربّع «الأمير الصغير» يتخيّل تكوين الجنين في رحم زوجته (الشرق الأوسط)

«أحب الزهور كما النجوم» استعادة لأعمال يتجاوز عمرها نصف قرن

مع التقدُّم في الجولة، تطالع الزائر سلسلة لوحات بالأبيض والأسود توثّق أجواء الحرب اللبنانية القاتمة...

فيفيان حداد (بيروت)

في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
TT

في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

رغم هيمنة الآلات الكهربائية اليوم، تتمسَّك النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا بمزيج من الممارسات التقليدية المتوارثة عن السكان الأصليين والإسبان، لابتكار أعمال فنية تحمل لمسة حديثة مدهشة.

أثناء جلوسها أمام نولها على سطح منزلها في موكوتشيس، وهي بلدة تقع على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية، استذكرت مارغريتا مورا صباح أحد الأيام عندما كانت في الخامسة من عمرها تقريباً. آنذاك، كانت تتولى توصيل بعض الصوف الذي غزلته والدتها إلى نسَّاج محلي في بلدة ميتيفيفو القريبة. وهناك كان أول لقاء لها مع النول نفسه، الذي سيرافقها لعقود طويلة.

المهنة هذه لم تجعلها ثرية لكنَّها أبقتها على قيد الحياة (نيويورك تايمز)

وقالت خلال مقابلة أُجريت في منزلها عام 2024: «زرع هذا النول في داخلي سعادة غامرة. وعندما تعلمت النسيج، تمكنت من شراء ملابسي وأحذيتي بنفسي».

وهكذا اكتشفت مورا الحرفة التي كرَّست حياتها لها. ففي ذلك الوقت، كانت ميتيفيفو مستوطنة نائية لا تضم سوى بضع عائلات، تقع حيث تلتقي الجبال بالسماء، وهناك بدأت مورا بيع منسوجاتها.

وفي حين حلّت الآلات الكهربائية محل تقنيات النسيج التقليدية في معظم أنحاء العالم، ظلت مورا، البالغة من العمر 91 عاماً، وهي امرأة صغيرة البنية تلف الأوشحة حول وجهها الذي أثرت فيه عوامل الطقس، متمسكة بمزيج من التقاليد الأصلية للسكان الأصليين والتقاليد الإسبانية.

وبفضل منسوجاتها، حظيت بشهرة متواضعة في فنزويلا. وعلى مدى سنوات، عملت معلمة في مدرسة موكونوك للتجارة والفنون والحرف اليدوية، وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى الحفاظ على الحرف التقليدية والترويج لها. وفي عام 2008، تصدَّر وجهها لوحة إعلانية ضخمة على واجهة مركز مؤتمرات يستضيف معرضاً فنياً في مدينة ميريدا، الواقعة جنوب غربي موكوتشيس، إلى جانب صورتين لنسَّاجتين أخريين والرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز. كما حصلت على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة.

بلدة موكوتشيس الواقعة على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية حيث تعيش مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

وكان أول معرض جماعي شاركت فيه مورا، إلى جانب نسَّاجات أخريات من المنطقة، عام 1979 في كاراكاس. ومع ذلك، لم تُعرض أعمالها ضمن سياق الفن المعاصر إلا في السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التحول في وقت بات فيه فن النسيج يحظى بحضور متزايد في مؤسسات كبرى، مثل معهد شيكاغو للفنون والمعرض الوطني للفنون في واشنطن.

فعند سحب المشط، تُشد الخيوط الأفقية بإحكام على القماش قيد النسج لتكوين نسيج كثيف يتحول إلى قطعة مزخرفة أو بطانية أو سجادة أو أي منتج آخر. وتمتاز الأنماط التي تبتكرها مورا بطابع هندسي وتجريدي، وتضم زخارف مستوحاة من حياتها اليومية، مثل الأيدي والفراشات والمقصات والفؤوس.

من جانبها، ترى لين كوك، كبيرة أمناء الفن الحديث والمعاصر السابقة في المتحف الوطني للفنون في واشنطن، أن مورا «تمتلك موهبة استثنائية».

وقالت كوك في مقابلة حديثة إن تصاميم مورا «تختلف بشكل دقيق عن الأنماط الهندسية المتكررة»، موضحة أن ذلك يتحقق من خلال «التباينات اللونية القوية بين الصوف الداكن والفاتح الذي تحصل عليه محلياً».

ولسنوات طويلة، ربّت مورا أغناماً من سلالتي ميرينو وكريولو. أما اليوم، فهي تشتري أكياس الصوف من المزارعين في المناطق المحيطة وتخزنها على سطح منزلها. وإذا كان لديها حجم كبير من العمل، فإنها تشتري الصوف المغزول من ابن عمها. كما تتولى تمشيط الصوف يدوياً، وفك تشابكه، وترتيب أليافه استعداداً للغزل.

حصلت مارغريتا على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة (نيويورك تايمز)

وعادة ما يستغرق إنجاز قطعة كبيرة ما بين شهرين و3 أشهر، وتشمل العملية الغسل والصباغة والغزل والنسيج. ونظراً لعدم إمكانية الاعتماد على توفر الكهرباء والمياه الجارية بصورة مستمرة، فإن العملية تتم يدوياً بالكامل وتعتمد بدرجة كبيرة على الظروف الجوية؛ فإذا هطلت أمطار غزيرة بعد غسل الصوف، فلن تجف الألياف.

وقال المهندس المعماري البريطاني - الفنزويلي جيمي ألكوك، الذي يزخر منزله الريفي في ميتيفيفو بالسجاد والبطانيات والأثاث المنجّد من صنع مورا: «تركت مارغريتا إرثاً من المهارة والحكمة في استخدام المواد الأساسية».

وفي المقابل، حرصت مورا على نقل خبرتها إلى الأجيال التالية من عائلتها، التي شيدت استوديو على سطح منزلها في موكوتشيس، يضم 8 أنوال. وعن ذلك تقول: «إن نقل الإرث أمر مجزٍ للغاية».

وتعمل ابنتها أسونسيون رانجيل، البالغة من العمر 53 عاماً، في حرفة النسيج حالياً، بعدما كانت مسؤولة عن غسل الصوف وتجفيفه وتمشيطه لوالدتها. كما يعمل اثنان من أحفاد مورا الستة، هما دانييل كاستيلو (23 عاماً) وفابيان رانجيل (22 عاماً)، في هذه الحرفة.

وقالت مورا، في إشارة إلى النسيج: «ما دمت أمارس هذه المهنة، فأنا سعيدة. إنها مهنة لم تجعلني ثرية، لكنها أبقتني على قيد الحياة طوال حياتي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
TT

«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)

بعد غياب طويل، استقرت مومياء الفتاة «تخرخوري»، إحدى «أهم المكتشفات الأثرية المرتبطة بتاريخ الصحراء الليبية في عصور ما قبل التاريخ»، أخيراً في المتحف الوطني بالعاصمة طرابلس.

والمومياء «تخرخوري» التي يقدر عمرها «بنحو 7000 سنة، وتعود إلى فتاة «كانت في منتصف الثلاثينات من عمرها»؛ عدّتها وزارة الثقافة بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة (الأحد) «شاهداً استثنائياً على فترة مناخية مهمة شهدتها الصحراء الليبية خلال العصور المطيرة، ما يمنحها قيمة علمية وتاريخية كبيرة في دراسة حياة الإنسان القديم بالمنطقة».

وسبق أن اكتُشفت المومياء عام 2003، حسب الوزارة، ثم نقلت إلى معامل جامعة «روما لا سابينزا» عام 2004 لإجراء الدراسات العلمية المتخصصة عليها؛ لكن «بسبب نقص الدعم خلال السنوات الماضية تأخر استكمال أعمال الصيانة والترميم وإعادتها إلى ليبيا».

وعانى الموروث الأثري في ليبيا من عمليات سرقة واسعة وإهمال منذ عشرات السنين، ما عرضه للنهب المنظم خلال الأعوام التي تلت إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي بواسطة عصابات تستهدف التنقيب عن القطع الأثرية وتهريبها. رغم ذلك يعيد مواطنون بمحض إرادتهم بعض القطع التاريخية التي تقع في أيديهم «متغاضين عن ملايين الدولارات التي قد تُعرض عليهم».

رأس تمثال «فاوستينا» ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس استعادته ليبيا مارس 2021 (الخارجية الليبية بغرب البلاد)

وسبق أن استعادت ليبيا في مارس (أذار) 2021 من النمسا رأس تمثال رخامي نادر للسيدة «فاوستينا»، ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس، والإمبراطورة فوستينا (الكبرى)، وذلك بعد 75 عاماً من تهريبه إلى خارج البلاد أثناء الحرب العالمية الثانية؛ ويعود أصل التمثال للعصر الأنطوني.

وأسفر التعاون الليبي-الإيطالي عن النجاح في إعادة المومياء، الأمر الذي أعدته حكومة «الوحدة» خطوة من قبلها في «دعم قطاع الآثار والمحافظة على التراث الثقافي الوطني لتعود المومياء إلى أرض الوطن بعد سنوات من الدراسات والأعمال الفنية المتخصصة».

ونوهت وزارة الثقافة أنه «سيقام في 30 يوليو (تموز) المقبل احتفال بمناسبة استلام المومياء، وافتتاح المعرض المصاحب لها بقاعة العرض المؤقت بالمتحف الوطني حيث ستعرض للجمهور لعدة أشهر قبل انتقالها إلى موقعها الدائم ضمن قاعات ما قبل التاريخ بالمتحف».

ونجحت الجهود التي تبذلها السفارات الليبية في الخارج بالتعاون مع المختصين المحليين في إعادة عدد من القطع المنهوبة أو التي كانت تخضع للترميم. وسبق أن تسلمت ليبيا مجموعة من القطع الأثرية كانت مهربة إلى دولة إيطاليا، في سابقة وصفت بأنها الأولى من نوعها.


عدن تنعش فنونها بعودة مسرح الطفل وفرقة نسائية

عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)
عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)
TT

عدن تنعش فنونها بعودة مسرح الطفل وفرقة نسائية

عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)
عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)

تخطو العاصمة اليمنية المؤقتة عدن نحو استعادة دورها الثقافي والفني، مع إعلان إعادة تشغيل مسرح الطفل والعرائس، بالتوازي مع مشروع لتأسيس أول فرقة موسيقية نسائية في المدينة، في إطار مساعٍ رسمية ومجتمعية لإحياء قطاع ثقافي تضرر بشدة خلال سنوات الحرب والصراع.

وتراهن السلطات الثقافية في عدن على هذه المشاريع لإعادة الحياة إلى مرافق وأنشطة كانت تمثل جزءاً أساسياً من هوية المدينة، التي عُرفت تاريخياً بأنها واحدة من أبرز الحواضن الثقافية والفنية في اليمن.

في هذا السياق، أعلن مكتب وزارة الثقافة في عدن قرب إعادة تشغيل مسرح الطفل والعرائس، الذي أسسه الفنان الراحل أبوبكر القيسي في مديرية الشيخ عثمان، وافتُتح عام 1982 ليصبح آنذاك ثاني مسرح متخصص بالطفل في الوطن العربي.

شراكات بين مكتب الثقافة في عدن ومنظمات المجتمع المدني (إعلام حكومي)

وتشرف مديرة مكتب الثقافة في عدن، سميرة المشجري، على الترتيبات الخاصة بإعادة إحياء المسرح، في خطوة تهدف إلى استعادة دوره التربوي والثقافي بعد سنوات من التوقف والتراجع الذي طال معظم الأنشطة الفنية في البلاد.

وتتولى لجنة تضم الفنان توفيق عبده مصلح، أحد أبرز العاملين في المسرح منذ تأسيسه، إلى جانب نجل مؤسسه الراحل، مهمة جمع الدمى والأعمال الفنية والمقتنيات الخاصة بالمسرح تمهيداً لإعادة عرضها للجمهور، مع إدخال تحديثات تتناسب مع اهتمامات الأطفال في الوقت الراهن.

استعادة الدور الثقافي

خلال لقاء جمعها بالفنان التشكيلي والمسرحي توفيق مصلح، استعرضت سميرة المشجري المكانة التي احتلتها عدن لعقود بوصفها مركزاً للإبداع الثقافي والفني، مؤكدة أن المدينة لا تزال تحتفظ برصيد كبير من المواهب في مجالات الغناء والمسرح والفنون التشكيلية وفن الدمى المتحركة.

وأكدت المسؤولة اليمنية أن مكتب الثقافة يعمل على تنفيذ برامج ومبادرات لإحياء الأنشطة الفنية والإبداعية وإبراز الموروث الثقافي للمدينة، مشيرة إلى وجود توجه لإنشاء جناح خاص في مطار عدن الدولي للتعريف بتاريخ المدينة وتراثها الثقافي والحضاري أمام الزوار القادمين من الخارج.

كما شددت على أهمية الشراكة مع الفنانين والمبدعين ورواد العمل المسرحي، والاستفادة من خبراتهم في إعادة تفعيل مسرح الطفل وإحياء الأنشطة الثقافية التي غابت عن المدينة لسنوات طويلة.

من جهته، أشاد الفنان توفيق مصلح بالجهود الرامية إلى استعادة النشاط الثقافي والفني، معتبراً أن الاهتمام الرسمي بالقطاع الثقافي يفتح المجال أمام الفنانين والمهتمين للمشاركة في إعادة تنشيط الحياة الثقافية واستعادة مكانة عدن المعروفة تاريخياً.

أول فرقة موسيقية نسائية

في سياق موازٍ، يناقش مكتب الثقافة مع مؤسسة عدن للفنون والعلوم وشركائها تطوير مشروع «الفن مهنتي»، الذي يضم 14 فتاة يتلقين تدريبات على الموسيقى والعزف على الآلات الموسيقية بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع معهد غوته الألماني.

ويهدف المشروع إلى تأسيس أول فرقة موسيقية نسائية في عدن، بما يوفر مساحة أوسع لمشاركة النساء في الأنشطة الموسيقية والفنية، ويعزز حضورهن في المشهد الثقافي المحلي.

وناقشت سميرة المشجري مع رئيس المؤسسة عبد الله البكري ومنسق المشروع وهيب داوود فرص تطوير البرنامج والتحضير لمرحلته الثانية، بما يضمن استمرار التدريب وصقل مهارات المشاركات بإشراف مختصين في المجال الموسيقي.

تمهيد لتأسيس أول فرقة موسيقية نسائية في عدن (إعلام حكومي)

وأكد القائمون على المشروع أن الهدف لا يقتصر على تنظيم دورات تدريبية مؤقتة، بل يتعداه إلى تأسيس فرقة قادرة على الاستمرار والمشاركة في الفعاليات الثقافية والفنية مستقبلاً، بما يسهم في توسيع قاعدة المشتغلين بالفنون في المدينة.

وأعرب عبد الله البكري عن أمله في إقامة حفل ختامي للمشاركات على مسرح مكتب الثقافة في مديرية المعلا، معتبراً أن احتضان المكتب للفرقة النسائية ورعايتها بعد انتهاء المشروع سيمثل ضمانة لاستمرارها وتطوير تجربتها.

وفي حين أشار إلى أن مدة التدريب الحالية لا تكفي للوصول إلى مستويات احترافية متقدمة، أكد أن المشروع وضع أساساً يمكن البناء عليه مستقبلاً، خصوصاً أن تعلم الموسيقى وإتقان العزف يحتاجان إلى فترات طويلة من التدريب والممارسة.