أحكام قضائية تجدد أزمات صُنّاع المحتوى في مصر

يواجهون اتهامات بـ«خدش الحياء» و«غسل الأموال»

وزرة الداخلية المصرية رصدت مخالفات صُنَّاع محتوى (وزارة الداخلية)
وزرة الداخلية المصرية رصدت مخالفات صُنَّاع محتوى (وزارة الداخلية)
TT

أحكام قضائية تجدد أزمات صُنّاع المحتوى في مصر

وزرة الداخلية المصرية رصدت مخالفات صُنَّاع محتوى (وزارة الداخلية)
وزرة الداخلية المصرية رصدت مخالفات صُنَّاع محتوى (وزارة الداخلية)

تجددت أزمات صُنّاع المحتوى في مصر بعد صدور حكمين قضائيين، السبت، بالحبس والغرامة لاثنين من صناع المحتوى على «تيك توك» بتهم من بينها «خدش الحياء» و«غسل الأموال».

فقد عاقبت المحكمة الاقتصادية بالقاهرة «البلوغر» محمد عبد العاطي بالحبس سنتين وغرامة 100 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، عقب إدانته ببث فيديوهات خادشة للحياء، وكذلك بتهمة غسل الأموال، كما عاقبت المحكمة «البلوغر» المعروفة باسم «قمر الوكالة» بالحبس 6 أشهر مع الشغل وغرامة 100 ألف جنيه، وفق وسائل إعلام محلية.

وكانت السلطات المصرية قد شنت قبل فترة حملات موسعة لضبط صُنّاع المحتوى المخالف، وبالفعل تم توقيف العديد من «البلوغرز» المعروفين، من بينهم «سوزي الأردنية» و«أم مكة» وهدير عبد الرازق ومحمد أوتاكا وغيرهم، ووجهت إليهم اتهامات شتى، أبرزها التعدي على قيم الأسرة المصرية وخدش الحياء وغسل الأموال، والاتجار في المخدرات.

ويعاقب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية بالمجتمع المصري، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه.

ووجهت النيابة العامة في مصر للبلوغر «قمر الوكالة» اتهامات بنشر مقاطع فيديو تتضمن ألفاظاً خادشة للحياء ومشاهد منافية للذوق العام عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت قد أحالتها للمحاكمة بعد تلقي الأجهزة الأمنية بلاغات تطالب بالتحقيق معها لاتهامها بنشر محتوى يتعارض مع الآداب العامة.

وحسب الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، فإن «الأحكام الصادرة عن المحكمة الاقتصادية تعكس نهجاً متشدداً تجاه المحتوى الرقمي الذي يصنف قضائياً أنه يتعارض مع الآداب العامة أو يتضمن مخالفات مالية عادة ما يتم ربطها بجريمة غسل الأموال، ويمثل هذا التوجه امتداداً لموجة واسعة من التحقيقات طالت عدداً كبيراً من مروجي المحتوى الرقمي».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «استناداً إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يعد تطبيق هذه النصوص ضرورة لضبط المحتوى غير المنضبط والحد من الظواهر التي تُعتبر مسيئة أو مضللة للجمهور».

وأشارت الخبيرة الحقوقية إلى «ضرورة تحديد إطار توعوي وتشريعي متوازن يعزز من ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للمنصات الرقمية، ويدعم في الوقت نفسه حرية صناعة المحتوى الرقمي في إطار قانوني شفاف، من خلال معايير واضحة للفصل بين المحتوى الإبداعي والرأي المشروع من ناحية، والأفعال التي تشكل فعلاً مؤثماً جنائياً من ناحية أخرى».

وشهدت مصر قضايا وأزمات عديدة مرتبطة بصنّاع المحتوى على المنصات الإلكترونية المختلفة، ففي وقت سابق واجهت البلوغر المعروفة باسم «علياء قمرون» اتهامات بنشر الفسق والفجور وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، بينما صدرت أحكام بالحبس عامين وغرامة 300 ألف جنيه ضد فتيات استخدمن مواقع التواصل في نشر محتوى «غير لائق»، من بينهن مودة الأدهم وحنين حسام، وواجهتا تهماً متعددة، منها «التعدي على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري».

وعدّ المتخصص في «السوشيال ميديا» والمحتوى الرقمي، معتز نادي، «المستجدات الخاصة بالعصر الرقمي تفتح الباب أمام نقاش مجتمعي وقانوني خصوصاً أن الدستور المصري فيه تأكيد على أنه لا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من ثم يصبح الأمر بين تشريعات قانونية وتوعية رقمية وتعاون من المنصات، مثل (فيسبوك) و(تيك توك) و(إنستغرام) لضمان ظهور المحتوى الذي لا يتسبب في إثارة مشكلات بالمجتمع، ووقتها هذا المجتمع سينبذ المحتوى السيئ ويشجع على انتشار المحتوى الذي له قيمة فقط».

وأعلنت وزارة الداخلية، السبت، عن ضبط صانعة محتوى لقيامها بنشر مقاطع فيديو على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالرقص بصورة خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية، ووفق بيان نشرته الوزارة على صفحتها بـ«فيسبوك»: «بمواجهة صانعة المحتوى اعترفت بقيامها بنشر مقاطع الفيديو المشار إليها على صفحتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية».


مقالات ذات صلة

القضاء التونسي يحكم بعدم سماع دعوى حل جمعية «الخط»

شمال افريقيا رئاسة الحكومة لم تكشف عن أسباب طلب حل الجمعية أو تراجعها عنه (أ.ف.ب)

القضاء التونسي يحكم بعدم سماع دعوى حل جمعية «الخط»

أصدر القضاء التونسي حكماً بعدم سماع دعوى حل جمعية «الخط»، التي تدير موقع «إنكفاضة» الاستقصائي المستقل، بعد تراجع رئاسة الحكومة عن طلب الحلّ.

«الشرق الأوسط» (تونس)
يوميات الشرق المشهد المفاجئ لإنقاذ طفل في مصر (فيسبوك)

«لقطة استثنائية»... احتفاء مصري بشاب أنقذ طفلاً من الموت عقب سقوطه

حظيت لقطة «استثنائية» لشاب في منطقة أرض اللواء بمحافظة الجيزة، يلتفت فجأة ويسرع باتجاه طفل سقط من أحد الأدوار العليا، ويتمكن من التقاطه.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق ما تركته الجدّة وصل إلى الحفيدة من دون وصيّة (الشرق الأوسط)

«من إيد لإيد»... الخيط الذي وَصَلَ ثلاث نساء

نائلة الحارس ابنةٌ تسمع في عائلة لا تسمع. وبين السمع والصمم، تشكَّلت علاقتها المُبكِرة بالعالم وبعائلتها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين عبد العزيز وأحمد العوضي

أحمد العوضي يعتذر لياسمين عبد العزيز عن إساءة فهم «تصريحات السيارات»

عادت فصول «العلاقة الشخصية والفنية» التي جمعت الفنان أحمد العوضي بالفنانة ياسمين عبد العزيز لسنوات للواجهة مجدداً رغم طلاقهما قبل عامين.

داليا ماهر (القاهرة )
شمال افريقيا الوزير الأول الجزائري خلال استقبال رئيس الحكومة الإسبانية في 20 يوليو 2026 (الوزارة الأولى الجزائرية)

بعد أزمة الصحراء... العلاقات الجزائرية - الإسبانية أمام اختبار جديد

تضع قضية تسليم رجل الأعمال أيوب عيسيو العلاقات بين الجزائر وإسبانيا أمام اختبار عسير، بعد أن خرجت منذ فترة قصيرة من أزمة حادة لامست القطيعة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«نوبل الكيمياء» لفرنسي وياباني أسهما في تطوير تصنيع الأدوية

ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
TT

«نوبل الكيمياء» لفرنسي وياباني أسهما في تطوير تصنيع الأدوية

ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)

قد تُنتج بعض التفاعلات الكيميائية جزيئين يكون كلٌّ منهما صورة مرآتية للآخر، على الرغم من اختلافهما كيميائياً، وقد تختلف الصورتان في تأثيراتهما الحيوية وفي تفاعلهما مع جزيئات أخرى داخل الكائنات الحية. وقد أدرك الباحثون، على مدى عقود، إمكانية تصميم تفاعلات تؤدي، من الناحية النظرية، إلى تكوُّن إحدى هاتين الصورتين المرآتيتين فقط، إلا أن كيفية تحقيق ذلك عملياً ظلّت لغزاً لسنوات طويلة.

وقد مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكلٍّ من الفرنسي هنري ب. كاغان، والياباني كينسو سوايي لتقديمهما حلّاً لهذا اللغز؛ إذ تكتسب اكتشافاتهما أهمية بالغة للكيميائيين الذين يصمّمون تفاعلات تُستخدم في مجالات شتى، مثل تصنيع المستحضرات الصيدلانية والعطور ونكهات الطعام.

وكما أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، الأربعاء، فقد مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكلٍّ من هنري ب. كاغان، من جامعة باريس الجنوبية (باريس ساكلي) في فرنسا، وكينسو سوايي، من جامعة طوكيو للعلوم في اليابان، «لاكتشافهما التأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتماثل»، وهو ما أسهم في الكشف عن أسرار تكوين الجزيئات الكيميائية العضوية في الفراغ.

تصور فني يظهر كيف توجد الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين كصورة المرآة - يوهان يارنستاد (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)

ووفق بيان الجائزة، فإنه «يوجد جميع الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين كصورة المرآة، مثل اليدين، لكن واحدة فقط منهما تدخل في تركيب البروتينات الموجودة في خلاياك، فيما نادراً ما توجد الأخرى في الطبيعة. كما أن جسم الكائن الحي يتعامل مع كل صورة بطريقة مختلفة عن الأخرى». وتمكّن العالِمان الفائزان بنوبل الكيمياء لهذا العام من حل هذا اللغز، كما استطاعا تقديم تفسير علمي لسبب استخدام الحياة نسخة مرآتية واحدة فقط من تلك الجزيئات.

لغز حيّر الكيميائيين

وقد تفرض جزيئات الحياة تحديات صعبة على الكيميائيين. تخيّل أنك صانع أقفال ومفاتيح يُصنّع المفاتيح حسب الطلب؛ تكمن المشكلة في أنك عند إنتاجها ينتهي بك الأمر دائماً بنسختين متناظرتين كصورة المرآة، لكن واحدة فقط منهما هي التي تعمل، بل قد يتعرّض القفل للتلف إذا حاول العميل فتحه بالمفتاح الآخر. وللأسف، فإن التمييز بين هذين المفتاحين أمر بالغ الصعوبة، ما يضطر العميل في النهاية إلى تسلم كليهما. ولطالما شكّلت كيفية نشوء هذا النوع من عدم التماثل الكيميائي لغزاً حيّر الكيميائيين.

وقال هاينر لينكي، رئيس لجنة نوبل للكيمياء، في بيان الأربعاء: «لقد قدّم هنري كاغان وكينسو سوايي حلّاً للغز كيميائي يعود تاريخه إلى أكثر من قرن من الزمان، وهو: كيف يمكن أن تنشأ ظاهرة التماثل المرآتي الأحادي بشكل تلقائي؟ إن التفاعلات الكيميائية التي طوّراها مذهلة حقاً».

العالم الياباني الحاصل على جائزة نوبل كينسو سوايي (أ.ف.ب)

وتواجه الكيميائيين تحديات مماثلة عند تطوير عقاقير طبية جديدة؛ إذ توجد كثير من جزيئات الأدوية في صورتين متمايزتين، تشكّل كلٌّ منهما صورة مرآتية للأخرى، دون أن تكونا متطابقتين تماماً: فإحداهما تؤدي الغرض العلاجي، فيما قد تتسبّب الأخرى في آثار جانبية غير مرغوب فيها، وأحياناً ضارة.

الكيمياء الأساسية للحياة

ويعود السبب الكامن وراء ذلك إلى طبيعة الكيمياء الأساسية للحياة؛ فالحياة تتسم بما يسميه الكيميائيون «أحادية الكيرالية» (homochirality)، وهي تسمية مشتقة من كلمتين يونانيتين تعنيان «نفس» و«يد». وعلى غرار اليدين، توجد جميع الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين، كصورة ومرآتها، إلا أن واحدة فقط منهما هي التي تدخل في تركيب البروتينات داخل خلايا أجسامنا، فيما نادراً ما توجد الصورة الأخرى في الطبيعة. وينطبق الأمر ذاته على جزيئات السكر التي تُشكّل جزءاً من الحمض النووي (DNA) لدينا؛ فهذه الجزيئات لها صورتان متمايزتان، كصورة ومرآتها، لكن الحياة تستخدم إحدى هاتين الصورتين في بناء الحمض النووي.

ولطالما تساءل الكيميائيون عن كيفية نشوء هذا النوع من «التماثل»؛ فعندما كانوا يجرون تجارب على تفاعلات كيميائية قادرة على تكوين جزيئين متناظرين كصورة المرآة، كانوا يحصلون دائماً على نسب متساوية من كليهما في أنابيب الاختبار. لذلك سعى الكيميائيون جاهدين إلى إنتاج أحد هذين الشكلين المتناظرين فقط؛ لأن الجزيئات التي تتفاعل مع الكائنات الحية، مثل تلك المستخدمة في المستحضرات الصيدلانية، لا تؤدي الغرض المطلوب منها إلا إذا كانت في صورة مرآتية محددة دون الأخرى. وقد تجلّت أهمية تحقيق ذلك بوضوح إثر فضيحة عقار «الثاليدومايد» في أوائل الستينات، حين عانى آلاف الأطفال تشوّهات خلقية ناجمة عن تناول هذا العقار المهدّئ؛ إذ أدرك الباحثون، عند تحليلهم أسباب تلك المأساة، أن الضرر كان ناتجاً عن «الصورة المرآتية» للمادة الفعّالة في العقار.

أدوية «أنقى» وأكثر أماناً

هنري ب. كاغان الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 (أ.ب)

وتأتي جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لتكريم الاكتشافات التي مكّنت الكيميائيين من توجيه تلك التفاعلات الكيميائية والتحكّم فيها من أجل إنتاج أحد أشكال هذا التماثل فقط دون الآخر؛ إذ اكتشف هنري كاغان طريقة للتحكّم في التفاعلات الكيميائية من أجل إنتاج إحدى الصورتين المرآتيتين بنسبة تفوق الأخرى بكثير، وهو ما عُرف بالتأثير غير الخطي لكاغان، عندما اكتشف في عام 1986 أن وجود تفوّق بسيط جداً لإحدى الصورتين المرآتيتين للجزيء في بداية التفاعل يمكن أن يتضخّم بشكل كبير أثناء عملية التصنيع، لتسود تلك الصورة تماماً في النهاية. وقد أحدث اكتشافه ثورة في عمل الكيميائيين الذين يطوّرون تفاعلات لتصنيع كثير من المنتجات الكيميائية الجديدة في مجالات شتى.

كما صمّم كينسو سوايي، في عام 1995، أول تفاعل كيميائي يعتمد على التحفيز؛ إذ يعمل الجزيء الناتج محفّزاً لإنتاج جزيئات تطابقه تماماً، ما يمنح تفوّقاً مطلقاً لصورة مرآتية واحدة فقط. وقد أحدث هذا الاكتشاف ثورة هائلة في صناعة الأدوية والمنتجات الصيدلانية. ويُعدّ تفاعل سوايي واحداً من أكثر التجارب الكيميائية إبهاراً على الإطلاق، وفق وصف القائمين على جائزة نوبل في الكيمياء.

وبفضل أبحاثهما معاً، أصبح من الممكن توجيه التفاعلات لإنتاج أدوية «أنقى» وأكثر أماناً دون الحاجة إلى عمليات فصل معقّدة بعد التصنيع، وهو إنجاز لم يسبق لأحد تحقيقه، باستثناء ما يحدث داخل الكائنات الحية نفسها.

وقال الدكتور طارق قابيل، أستاذ التقنية الحيوية المتفرّغ بكلية العلوم في جامعة القاهرة: «ما أنجزه هذان العالمان يلامس الجوهر الفلسفي والعملي لظاهرة عُرفت بالتناظر المرآوي؛ إذ ينحاز الكون من حولنا، بشكل مذهل، إلى جهة واحدة؛ فالأحماض الأمينية التي تُبنى منها أجسادنا والسكريات التي تمدّنا بالحياة تختار وجهة واحدة فقط، اليسار أو اليمين دون غيرها».

منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكل من هنري كاغان وكينسو سوايي (رويترز)

وأوضح، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «طوال عقود، كان الكيميائيون في مختبراتهم يشبهون صانع مفاتيح أعمى؛ فحين يحاولون تصنيع جزيء حيوي مفيد، يخرجون دائماً بخليط متساوٍ من صورتين مرآويتين، تماماً كمن يصنع قفازاً ليد يمنى وآخر ليد يسرى ويضعهما معاً بلا تمييز، وهو ما أدّى تاريخياً إلى مآسٍ طبية كبرى، حين يكون أحد الشكلين دواءً منقذاً والآخر سمّاً زعافاً».

وأضاف: «لقد جاء هنري كاغان، في عام 1986، ليضع حجر الأساس عبر ابتكار طرق غير مسبوقة للتحكّم في التفاعلات عبر محفّزات دقيقة، ممهّداً الطريق لكينسو سوايي، الذي حقّق المعجزة المختبرية عامَي 1995 و2003 بابتكار تفاعلات ذاتية التحفيز تُنتج صورة مرآوية نقية واحدة بنسبة 100 في المائة، تماماً كما تفعل الطبيعة وحدها دون شريك».

ووصف قابيل هذا الاكتشاف بأنه «ثورة مطلقة في صناعة الأدوية والمستحضرات الدوائية الحديثة»، مضيفاً: «بات اليوم بإمكان شركات الدواء هندسة جزيئات نقية خالية من الشوائب المرآوية المعاكسة، ما يرفع الكفاءة العلاجية إلى أقصى حد ممكن، ويقضي على الأعراض الجانبية السامة الناتجة عن تداخلات الصور غير المرغوب فيها».


«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)
فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)
TT

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)
فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة التاسعة والتسعين، في خطوة تعزز حضور سينما المملكة على الساحة الدولية، وذلك بعد مراجعة دقيقة شملت مجموعة أعمال متميزة.

وتتولى لجنة اختيار الفيلم السعودي لجوائز الأوسكار، التي تضم نخبة من أبرز صنّاع السينما والمختصين، مهمة مراجعة الأفلام المتقدمة واختيارها وفق المعايير المعتمدة من أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة «الأوسكار».

وشهدت دورة هذا العام مشاركة عدة أفلام سعودية متميزة، مما تطلّب من اللجنة دراسة متأنية قبل أن تُجمِع، بعد مداولات مكثفة، على اختيار فيلم «مسألة حياة أو موت» في هذه الفئة.

وذكرت هيئة الأفلام السعودية أن الفيلم المُختار للمخرج أنس باطهف يُعدّ من الإنتاجات السينمائية التي تقدم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء.

وتدور أحداث العمل في مدينة جدة حول حياة، التي تؤمن بأن معتقداً متوارثاً ينذر بوفاتها عند بلوغها سن الثلاثين، ويوسف، جرّاح القلب الذي يعاني بطء نبضات قلبه، وتجمعهما ظروف غير متوقعة، لتضعهما أمام أسئلة الحياة والموت والحب والقدر.

ويأتي الفيلم برؤية إخراجية لأنس باطهف، وكتابة سارة طيبة، وبطولة يعقوب الفرحان وسارة طيبة، إلى جانب عدد من المواهب السعودية الصاعدة وأسماء بارزة في الساحة السينمائية.

وبحسب معايير الأهلية المعتمدة لدى الأكاديمية لفئة أفضل فيلم روائي دولي، تمر الأفلام المقدمة من مختلف دول العالم بعدة مراحل من التقييم والفرز، وصولاً إلى إعلان القائمة الأولية.

وتُحدِّد الأكاديمية بعد ذلك القائمة النهائية للمرشحين، على أن يُعلن عن الفيلم الفائز خلال حفل جوائز الأوسكار في شهر مارس (آذار) 2027.


حفرية مصرية فريدة تقود للكشف عن «تمساح أبو الهول»

الدراسة اكتشفت تصنيفاً جديداً لأحد التماسيح المنقرضة (رئاسة مجلس الوزراء بمصر)
الدراسة اكتشفت تصنيفاً جديداً لأحد التماسيح المنقرضة (رئاسة مجلس الوزراء بمصر)
TT

حفرية مصرية فريدة تقود للكشف عن «تمساح أبو الهول»

الدراسة اكتشفت تصنيفاً جديداً لأحد التماسيح المنقرضة (رئاسة مجلس الوزراء بمصر)
الدراسة اكتشفت تصنيفاً جديداً لأحد التماسيح المنقرضة (رئاسة مجلس الوزراء بمصر)

أعادت دراسة جديدة أُجريت على حفريات تاريخية، كان قد عثر عليها في جبل المقطم في مصر، منذ نحو مائة عام مضت، تصنيف تمساح مصري إلى جنس جديد، كما كشفت عن وجود تنوع أكبر بين هذه الأنواع من الكائنات الحية في مصر والبحر الأبيض المتوسط.

وفي الدراسة الجديدة، أعاد فريق دولي، بمشاركة فريق سلام-لاب المصري، دراسة هذه الحفريات المحفوظة حالياً في متحف شتوتغارت الحكومي للتاريخ الطبيعي بألمانيا، ليتبين أن هذا الحيوان يمثل جنساً جديداً أطلق عليه العلماء اسم «هيرو جافيالس»، ليصبح الاسم العلمي لهذا النوع «هيرو جافيالس كايرينسيس»، أو «تمساح أبو الهول القاهري».

ومن المعروف أنه قبل نحو 45 مليون سنة، كانت أجزاء واسعة من مصر مغطاة ببيئات بحرية دافئة وضحلة، عاشت فيها حيتان وعرائس البحر إلى جانب تماسيح طويلة الخطم تُعرف باسم الجافياليات، وهي مجموعة من التماسيح لا تضم اليوم سوى نوعين حيَّين: التمساح الهندي (جافيالس جنجيتيكس) والغاريال الكاذب (توميستوما شليجيلي).

وقال الدكتور بول بيرك، الباحث بالمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي والمؤلف الرئيسي للدراسة: «على مدار أجزاء كبيرة من الخمسين مليون سنة الماضية، احتضنت منطقة البحر المتوسط تنوعاً كبيراً من التماسيح، بما في ذلك الجافياليات».

ووفق الدراسة الجديدة فإنه منذ نحو قرن، وتحديداً في عام 1927 عرف العلماء حفريات لهذا التمساح القديم، حيث عُثر عليها في جبل المقطم شرق القاهرة، ونُسبت إلى جنس «توميستوما»، الذي يمثله اليوم تمساح «الغاريال الكاذب»، بسبب التشابه في شكل الجمجمة والخطم الطويل.

وظل هذا التصنيف قائماً لعقود، قبل أن تشير الدراسات التطورية الأحدث إلى أن التمساح المصري أو «تمساح أبو الهول القاهري» لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجافيال الكاذب الحي، مما دفع العلماء إلى إعادة فحص حفرياته باستخدام الأدلة الحديثة.

إعادة تصور للنوع المنقرض هيرو جافيالس كايرينسيس مع ظهور تمثال أبو الهول بالخلفية (كريم زناتي-سلام لاب)

تمساح أبو الهول القاهري

ويحمل الاسم الجديد قصة طريفة تربط هذا التمساح بأحد أشهر معالم مصر. فقد عُثر على حفرياته في تكوين المقطم الجيولوجي، وهو التكوين الصخري نفسه الذي نُحتت منه صخور تمثال أبو الهول. والأكثر إثارةً أن الجمجمة تفتقر إلى الجزء الأمامي من خطمها، في تشابه لافت مع أنف أبو الهول المفقود.

ووفق الباحثين، من هنا جاء اسم «هيرو جافيالس»؛ فـ«هيرو» مستوحاة من «حِرو» أو حورس، الإله المصري القديم الذي ارتبط بأبو الهول في الدولة الحديثة، حين عُرف التمثال باسم «حور إم أخت»، أي «حورس في الأفق». أما «جافيالس» فتشير إلى القرابة التطورية للحيوان مع جافيالس، جنس الغاريال الهندي الحديث، بينما يشير اسم النوع «كايرينسيس» إلى القاهرة.

وكان الفريق قد أعاد دراسة الحفريات باستخدام أدوات حديثة، من بينها التصوير المقطعي الدقيق، الذي سمح بفحص البنية الداخلية للجمجمة وإعادة بناء أجزاء من التشريح الداخلي رقمياً. وأظهرت المقارنات مجموعة من الصفات التي تميز هذا التمساح عن «توميستوما» وعن الجافياليات المصرية الأخرى التي عاشت في الفترة نفسها تقريباً، وهو ما دعم إنشاء الجنس الجديد «هيرو جافيالس».

ولا تتوقف الدراسة عند إعادة تسمية نوع واحد؛ فهي تكشف أيضاً عن أن الجافياليات كانت أكثر تنوعاً في البحر المتوسط مما توحي به الصورة الحديثة.

وقال الدكتور هشام سلام، مؤسس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية وقائد الفريق البحثي المصري: «الحفريات المصرية المحفوظة في المتاحف ليست مجرد عينات قديمة في الأدراج، وإنما صفحات من تاريخ مصر الطبيعي تنتظر من يعيد قراءتها باستخدام أدوات وأسئلة جديدة، قد تكون بنفس أهمية اكتشاف عينة جديدة في الحقل». وفق بيان صحافي، الأربعاء.

وقال الباحث المصري بلال سالم، مسؤول حفريات الزواحف والطيور بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية والمدرس المساعد بكلية العلوم جامعة بنها وأحد مؤلفي الدراسة: «أحد أكثر الجوانب إثارةً في هذه الدراسة أن الحفرية نفسها ليست جديدة؛ الجديد هو السؤال الذي طُرح عليها. أحياناً لا يبدأ الاكتشاف من الصحراء، بل عندما نعود إلى عينة قديمة وننظر إليها مرة أخرى بأدوات مختلفة».