خبر يُربك صناعة الدراما في مصر

زعم فرض محاذير على مسلسلات رمضان 2026

مسلسل «قهوة المحطة» حاز إشادات واسعة (الشركة المنتجة)
مسلسل «قهوة المحطة» حاز إشادات واسعة (الشركة المنتجة)
TT

خبر يُربك صناعة الدراما في مصر

مسلسل «قهوة المحطة» حاز إشادات واسعة (الشركة المنتجة)
مسلسل «قهوة المحطة» حاز إشادات واسعة (الشركة المنتجة)

أربك خبر نشره موقع «القاهرة 24» الإخباري المصري، حول مجموعة من المحاذير لمسلسلات رمضان 2026، صناعة الدراما في مصر خلال الساعات الماضية، وبينما نفى أعضاء لجنتي تطوير الدراما التابعتين للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ومجلس الوزراء، صحة ما تضمنه الخبر، بجانب الشركة المتحدة المسؤولة عن إنتاج معظم مسلسلات رمضان في مصر، ووزير الثقافة المصري، فإن مسؤولي الموقع أكدوا صحته.

وأعرب عدد كبير من صناع الدراما والنقاد عن استيائهم من مضمون الخبر والمحاذير التي نقلها على لسان مصدر مجهّل بلجنة مجهّلة، وشملت المحاذير التي أحدثت ارتباكاً بالوسط الفني المصري، بحسب ما ساقها الخبر المثير للجدل: «عدم الترويج للمخدرات أو التجارة فيها، والابتعاد عن إظهار الخيانة الزوجية، أو الفساد في مؤسسات الدولة كرجال الأعمال أو الشرطة، والحدّ من مشاهد البلطجة، وتجنب تسليط الضوء على تجارة الأعضاء، دون توضيح الفرق بين التجارة والتبرع، وعكس الواقع المصري دون تشويه، مع التركيز على إبراز القيم الاجتماعية والأخلاقية، وعدم إهانة صورة المرأة».

وقال إن هذه «الضوابط تسببت في مراجعات واسعة داخل الورش الفنية، ودفعت لتنفيذ تعديلات على العديد من النصوص، وتسببت هذه الضوابط في توقف بعض المشاريع بشكل مؤقت أو نهائي، كما أُعيدت صياغة خطوط درامية كاملة لضمان ملاءمتها للمعايير الجديدة، في مشهد غير مسبوق في التحضير للموسم الرمضاني».

ارتباك لافت

وقد سارع صناع دراما مصريون إلى انتقاد هذه التوجيهات، قبل نفي لجنتي تطوير الدراما إصدار هذه المحاذير، وعلّق المخرج المصري كريم الشناوي، عبر حسابه على «فيسبوك» قائلاً: «أتمنى أن يكون الخبر غير صحيح، ويتم نفيه رسمياً»، وأضاف: «لو كان الخبر صحيحاً فإننا بذلك ندور في دائرة مفرعة ونحارب أنفسنا»، فيما هدّدت المؤلفة مريم نعوم، عبر حساباتها بمواقع التواصل الاجتماعي، بـ«إضرابها عن العمل لو كان هذا الخبر صحيحاً»، وطالبت الجهات المختصة بتكذيب الخبر لو كان غير صحيح.

لقطة لأحد مشاهد مسلسل «لام شمسية» الذي تصدر قائمة الأفضل في دراما رمضان الماضي (الشركة المنتجة)

وتساءل الناقد الفني زين خيري شلبي، عبر حسابه على «فيسبوك»، عن اللجنة التي أصدرت هذه التوجيهات، وهل هي اللجنة الوزارية التي شكّلها رئيس مجلس الوزراء، ومن المصدر الذي نشرها، وهل هو من داخل اللجنة أم سمع بها، وهل التوجيهات لصناع الدراما من المبدعين أم لشركات الإنتاج؟! مؤكداً أنه كعضو لجنة الدراما، التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فإنه لم يصدر عنها أي شيء من ذلك.

وهو ما أكدته الناقدة ماجدة موريس، رئيسة لجنة الدراما التي شكّلها المجلس الأعلى للإعلام، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «نحن كلجنة تضم خبراء في الدراما، مثل المخرج أحمد صقر وزملاء من النقاد وشخصيات أخرى، لم نصدر أي قرارات، ودورنا هو متابعة ورصد ما يعرض من أعمال درامية، بهدف ضبط الأداء المهني الدرامي، وتقييمها عبر تقارير تتضمن ملاحظات واقتراحات».

عصام عمر في مشهد من مسلسله الجديد (منصة «يانغو بلاي»)

ويحظى ملف الدراما باهتمام لافت من الدولة المصرية، وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد وجّه انتقادات لأعمال تسيء وتشوه المجتمع المصري، كما انتقد خلال شهر رمضان الماضي «أعمالاً لا تعبر بصدق عن المجتمع المصري»، كما انتقد قبل أيام خلال وجوده بأكاديمية الشرطة «عدم تقديم صورة حقيقية عن كفاح المرأة المصرية مع زوجها، ما يتسبب في ارتفاع نسب الطلاق في البلاد» على حدّ تعبيره. وانتقد كذلك «تصوير الأعمال الدرامية في فيلات فاخرة، وتحدث عن أثر ذلك في زيادة نسب الطلاق أيضاً».

تشجيع المبدعين

وأصدر رئيس الوزراء المصري د. مصطفى مدبولي، في أبريل (نيسان) الماضي، قراراً بتشكيل لجنة لدراسة «التأثيرات الاجتماعية للدراما المصرية والإعلام»، برئاسة وزير الثقافة د.أحمد فؤاد هنو، الذي نفى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» صدور أي قرارات أو توجيهات عن لجنة دراسة التأثيرات الاجتماعية للدراما المصرية والإعلام خلال الساعات الماضية، مشيراً إلى أن «اللجنة التي يرأسها عقدت اجتماعين منذ تأسيسها، وأصدرت توصيات تم رفعها لرئيس الوزراء». وعدّ هنو هذه التوصيات تشجيعاً للمبدعين كونه مبدعاً أيضاً يؤمن بحرية الإبداع، بشرط مراعاة القيم الاجتماعية والأعراف المصرية. ولفت إلى إشادة اللجنة بتفوق الدراما الرمضانية لعام 2025.

أحمد فهمي في مشهد من مسلسل «ابن النادي» (حسابه على «فيسبوك»)

وأضاف أن «الإنتاج المصري ضم أعمالاً تفوقت بشكل كبير، وأنه كان شخصياً يحرص على مشاهدتها. ومن بينها «(لام شمسية)، و(ولاد الشمس) و(قهوة المحطة) وغيرها من الأعمال المميزة جداً».

توجيهات شفاهية

في المقابل، أكّد محمود المملوك، رئيس تحرير موقع «القاهرة 24»، صحة الخبر الذي نشره الموقع، واستشهد بمنشور منسوب للمؤلف عمرو سمير عاطف، عبر إحدى الغروبات الخاصة بأحد التطبيقات الرقمية، علق فيه على خبر «القاهرة 24»: «إن هذه ليست كل المحاذير، فهناك توجيهات بأنه من الممنوع ألا يأخذ البطل حقّه خارج إطار القانون، كما يمنع التطرق لمشكلة تعدد الزوجات بشكل سلبي، كما ممنوع إظهار جرائم معينة، مثل تزوير النقود، مع إظهار شخصية الضابط كبطل يعرف كل شيء ويتمكن من القبض على المجرمين».

وكتب المملوك، عبر حسابه على «فيسبوك»، الخميس، تعليقاً على الضجة التي أثارها الخبر: «ردود فعل كبيرة وثورة غضب محقة وانزعاج واضح وانتفاضة ملموسة من كتّاب ومثقفين ومبدعين وشخصيات عامة وصناع الفن والدراما»، لكنه قال إن «هذه التوصيات أو الرغبات نُقلت شفاهة إلى عدد من الكتاب وأصحاب الأعمال، وتأكد منها زميلي محمد إيهاب، فتحرك المجال لدرجة جعلت الكل يغسل يده منها، ويلفظها ويتبرأ حتى من وقعها على سمعه، بل تلقيت اتصالات من رجال ومصادر ثقات تُلمح وتُخبر بأنه سيتم التراجع عما قيل ونفيه، ووقف هذا العبث... وهو المطلوب حدوثه، ولا أحد يريد أكثر من ذلك، إذا كنّا فعلاً نريد استعادة مكانة مصر وقوتها الناعمة والتقدم للأمام».

«المتحدة» تنفي

وقال مصدر في «الشركة المتحدة» لـ«الشرق الأوسط» إن «الشركة ليست لها علاقة باللجنة التي نقلت عنها هذه المحاذير المثيرة للجدل، وإنه لا توجد محاذير جديدة بأعمال الشركة لموسم دراما رمضان المقبل».

الملصق الترويجي لمسلسل «ورد وشوكولاتة» (منصة «يانغو بلاي»)

ووصف الناقد طارق الشناوي التوجيهات، التي نقلها موقع «القاهرة 24»، بأنها «تضرب الدراما المصرية في مقتل، وتُنهي وجودها على الساحة العربية»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنها «توجيهات لو كانت صحيحة فهي ضد الإبداع وضد الفن والحرية»، معتبراً أن «ما يثار ليس جديداً، فقد أصدر المخرج محمد فاضل خلال رئاسته للجنة الدراما قبل سنوات قرارات مماثلة»، لافتاً إلى أن «الشاشة لا تقود الحياة، بل هي جزء من الحياة. وأحدث دليل على ذلك مسلسل (ورد وشوكولاتة)، فالحادث المأخوذ عنه العمل أكثر بشاعة في الواقع».

إحساس بالمسؤولية

وبحسب الناقدة خيرية البشلاوي، فإن حرية التعبير يجب أن تكون مكفولة لصناع الأعمال الدرامية، لكن بإحساس قوي بالمسؤولية من قبل المؤلف والمنتج. وتضيف، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «من حقّ صنّاع الدراما مناقشة أي موضوع، لكن بضمير قوي لأنها مسؤولية كبيرة، ولا بد أن تتضمن أعمالهم رسائل للمتلقي، لأن التأثير الكلي للعمل الدرامي هو ما يبقي، لا نريد تجميلاً للواقع ولا تشويهاً له».

وتؤكد البشلاوي تراجع الدراما المصرية، رغم تميز بعض أعمالها، مشيرة إلى أن لجان تطوير الدراما ليست بكثرتها، وإنما بكفاءتها وبقدرتها على تطوير صناعة الدراما شكلاً ومضموناً، وأن وجود لجنتين تعملان بشكل منفرد يسبب ارتباكاً للمبدعين، والأفضل ضمّهما في لجنة واحدة.


مقالات ذات صلة

صورة مفبركة لعادل إمام تُثير ضجة في مصر

يوميات الشرق الفنان عادل إمام («فيسبوك» المخرج رامي إمام)

صورة مفبركة لعادل إمام تُثير ضجة في مصر

أثار تداول صورة مفبركة، مصحوبة بادعاءات بأنها أحدث صورة للفنان عادل إمام، ضجة في مصر، وتصدَّر اسمه قوائم الموضوعات الرائجة على «غوغل»، الخميس.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق منى زكي في مسلسل «طالع نازل» (حسابها على فيسبوك)

قضايا المرأة تسيطر على الأعمال الجديدة بدراما «الأوف سيزون»

تسيطر قضايا المرأة على الأعمال الدرامية الجديدة التي تعرضها المنصات الرقمية ضمن أعمال «الأوف سيزون» والتي يتواصل عرضها حتى ما قبل الموسم الرمضاني.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق محمد رمضان يقدم مسلسل «عشماوي» في موسم دراما رمضان المقبل (حسابه على «فيسبوك»)

موسم دراما رمضان بمصر... إعلانات مبكرة وتصوير في اللحظات الأخيرة

مع تبقي أقل من 126 يوماً على بداية شهر رمضان الذي يعد الموسم الأهم في الدراما المصرية، لم تدخل أي من الأعمال المرشحة للعرض خلاله بلاتوهات التصوير.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ركز المسلسل على تناول جوانب في شخصية الرئيس العراقي الراحل صدام حسين - (واتش إت)

مخرج «الهدف»: تحمستُ للمسلسل لأن تداعيات حرب العراق ما زالت حاضرة

قال المخرج الأميركي ليزلي غرايف، إن اختياره تقديم مسلسل «الهدف» انطلق من اهتمامه بالتاريخ.

أحمد عدلي (القاهرة)

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».