«قبعات الصباح» ترسم عالماً من الكائنات الغرائبية

معرض للفنان المصري هشام رحمة يضم 35 لوحة

أفكاره ومشاعره تتحدى التفكير الجامد (الشرق الأوسط)
أفكاره ومشاعره تتحدى التفكير الجامد (الشرق الأوسط)
TT

«قبعات الصباح» ترسم عالماً من الكائنات الغرائبية

أفكاره ومشاعره تتحدى التفكير الجامد (الشرق الأوسط)
أفكاره ومشاعره تتحدى التفكير الجامد (الشرق الأوسط)

تعد القدرة على إعادة بناء الخيال بمهارة سمة عزيزة على جميع أشكال الإبداع، وتُجسد تقنيات الرسم خصوصاً بالنسبة للخيال، وسرد القصص، وسد الفجوة بين الأحلام والواقع.

وفي معرضه الجديد «قبعات الصباح... أقنعة المساء» ينغمس الفنان المصري هشام رحمة في عوالم من المخلوقات، والأجواء الغريبة بأسلوب بصري مدهش، وألوان زاهية، وأشكال تبتعد عن الأعراف التقليدية للفن.

ويضم المعرض المقام بغاليري «بيكاسو» حتى 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري 35 عملاً فنياً، يعبر فيها الفنان عن مكنون عوالمه الخاصة ليسرد من خلالها حكايات ممزوجة بالفلكلور الشعبي الثري من خلال قصص وخيالات يسطرها على لوحاته ليحول المساحة البيضاء إلى لوحات تنبض بالغرائبية.

وينسج الفنان حكايات غريبة تعيد ترتيب طرق النظر المألوفة، وتطرح في كثير من الأحيان أسئلة ملحة حول كيفية تعامل البشر مع الحياة التي تتجاوز حدودهم؛ فيبني عوالم تسكنها مخلوقات، وأقنعة مؤثرة ترفض، بطريقة ما، أي ارتباط تقليدي مع الحياة.

الخيال ينعكس بوضوح على جماليات اللوحات الفنية (الشرق الأوسط)

ويتميز أسلوبه بالوضوح والغموض، والحكمة، والاندفاع، والتحرر من قيود الواقعية، ولكنه في الوقت نفسه منسجم اجتماعياً؛ فينقل إلى الزائر الإحساس بأن الحياة لا تُبنى على أضداد متناقضة، بل على التجاور، والتداخل، وإعادة التركيب.

وبينما يستوقفك الظلام الكاشف، والنهار الساكن أحياناً في لوحاته، فإن ثمة وضوح لافت لأفكاره، ومشاعره تتحدى التفكير الجامد بالأبيض والأسود تارة، وبالألوان الساخنة الصادحة تارة أخرى.

إذ يجسد هشام رحمة شاعرية الضوء والظل، مقيماً حواراً غنياً بين النهار والليل، وبين الحضور والاختفاء، والوضوح والغموض من خلال الورق، واللون، والملمس، دامجاً بين الأكريليك، والفحم، والورق القطني.

التحرر من قيود الواقعية (الشرق الأوسط)

ويقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «يشكل ضوء الصباح، وسكون الليل شخصيتين مألوفتين في عالمي الخاص، أراقبهما عن قرب، يثيران خيالي، وينسجان معاً داخلي حكايات تثير الدهشة».

ويحتفي رحمة بالضوء ومراقبته تأثيره على أوراق الشجر، وعلى سطح البحر، وعلى السماء في أوقات مُختلفة... وحتى على وجوه الأصدقاء، وفق تعبيره.

في الليل يتخيل رحمة هالة من الغموض حول الأشياء، ويترك ​​الألوان تتفاعل مع الهواء الطلق، لتترك داخله أسئلةً كثيرة، وتخيلات لا نهائية، وأحلام لا تنتهي، وتأثيرات آسرة يكتشفها كل صباح مع ضوء الشمس. بحسب وصفه، مضيفاً: «من هنا قررت إقامة احتفال أدعو فيه كل تلك العناصر التي رافقتني، وأنقلها على مسطح لوحاتي، حتى أعيد اكتشاف العالم حولي، والعلاقات بين عناصره، وتفاصيله».

يقدم الفنان كائنات غرائبية تثير الدهشة (الشرق الأوسط)

ولا يكتفي رحمة بذلك، إنما يصنع لهم قبعات تتماهى مع ضوء النهار الذي يملأ العالم، أما في الليل فيمنحهم أقنعة تتماشى مع قبعات الصباح، وألوانها الزاهية». لكن ألا تؤدي هذه الأقنعة إلى إخفاء الحقيقة؟ يجيب قائلاً: «لا، ليس بالضرورة أن تخفي الأقنعة الحقيقة، أحياناً تكون فقط وسيلة لصنع جمال من نوع آخر، هذا الجمال نخلقه نحن بأيدينا».

ورغم هذه الأفكار الفلسفية العميقة، فإنه لا شيء يأتي بشكل مخطط له، أو بقرارات من جانب رحمة: «لا تفرض أفكاري نفسها مسبقاً، بل تتكون مع رحلتي، ومسارها في الإنتاج، حتى تنضج كل تلك العوامل داخلي».

الفنان المصري هشام رحمة (الشرق الأوسط)

مثلما هناك توقيت مناسب لترك سطح الورق أو القماش حتى (يرتاح)؛ فهناك أيضاً توقيت لترك الفكرة كي تنضج، وتعرض، لتثير الأسئلة، وتفتح أبواب التأمل، والحياة الثرية بالعناصر، والخطوط الديناميكية التي تتمازج، وتندمج بأسلوب مدهش في قوته، ونضجه، وانطباعه، وذلك ما يترسخ داخل المتلقي.

ويؤمن رحمة بأن البشر هم المخلوقات التي تعرف الخيال، وتطوره: «نتخيل حتى هوياتنا، من خلال القصص، والصور، ونبني صورة عن هويتنا في أذهاننا، وقد يتوافق هذا مع الواقع، أو لا يتوافق، وقد نخرج عن مسار الطبيعة قليلاً، مما يُسبب لنا المزيد من أنواع التأمل، والتفكير، والقلق؛ وهذا بالطبع يوفر مادة ثرية جداً للرسم، وتنعكس على جماليات اللوحات الفنية، وقوة تأثيرها على المتلقي».

للفن قدرة على إحياء خيالات المتلقي بلغة بصرية مبهرة (الشرق الأوسط)

وهكذا، فإذا كانت عوالم الكاتب الخيالية مختبئة بين الصفحات، ومدسوسة على الأرفف، وتنتظر عين القارئ قبل أن تُبث أوصافها الخيالية في مسرح العقل، فإن الفنان التشكيلي يمتلك القدرة على إحياء خيالاته بلغة بصرية جاذبة، يشعر بها المتلقي ربما منذ اللحظة الأولى التي تقع فيها عيناه على الأعمال الفنية، وذلك ما يلمسه الزائر للمعرض.


مقالات ذات صلة

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

يوميات الشرق الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني (الشرق الأوسط)

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران الضاربة في التاريخ، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق وجوه الأبدية تنوعت ملامحها في المعرض (الشرق الأوسط)

«متحف الحضارة المصرية» يحتضن معرضاً تشكيلياً يتقصّى «الأبدية»

احتضن المتحف القومي للحضارة المصرية معرضاً تشكيلياً يحاول اقتناص فكرة «الأبدية» عبر لوحات لفنانين مصريين وعرب وأجانب.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

ها هي الفنانة الشهيرة، مستلقية على السرير الذي أمضت فيه وقتاً طويلاً تتعافى من وعكة صحية وحوادث مروعة. ترتدي زياً مكسيكياً تقليدياً، وأصابعها مزينة بالخواتم،…

إميلي لابارج