مصر: «الجلباب البلدي» حضور دائم يتجاوز «الترند»

يصنعه خياطون متخصصون... ويرتديه البسطاء و«الأكابر»

كثير من المؤثرين استعادوا صورهم بالجلباب (صفحة باسم يوسف على «فيسبوك»)
كثير من المؤثرين استعادوا صورهم بالجلباب (صفحة باسم يوسف على «فيسبوك»)
TT

مصر: «الجلباب البلدي» حضور دائم يتجاوز «الترند»

كثير من المؤثرين استعادوا صورهم بالجلباب (صفحة باسم يوسف على «فيسبوك»)
كثير من المؤثرين استعادوا صورهم بالجلباب (صفحة باسم يوسف على «فيسبوك»)

لم يغب الجلباب الشعبي يوماً عن حياة المصريين، فهو الذي يعبّر عن هويتهم وخصوصية شخصيتهم وعمق تاريخهم، سواء كانوا يعيشون في الجنوب (الصعيد) أو الشمال (الدلتا). ربما يختلف في بعض تفاصيله، خصوصاً فتحة الرقبة واتساع الكمّين أو ضيقهما، لكنه يظل معبراً عن طبيعة الحياة التي تعيشها فئة واسعة من المصريين في الشوارع والأسواق، وفق أجواء الطقس الغالبة على المكان.

«ظهور الجلباب البلدي الشعبي بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، يعبّر عن حقيقة وجوده الواقعي»، وفق هشام كمال «ترزي عربي». أما صورته وشكله والخطوط التي يلتزم بها الحائك وهو يقوم بقص قماشه فتتحدد طبقاً لطبيعة الجو ودرجة الحرارة وطلبات العميل أيضاً. ويحتاج غالباً إلى 3 أمتار ونصف المتر من القماش للشخص البالغ.

ويؤكد كمال لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجلباب الصيفي يختلف عن الشتوي، فيُفصل الصيفي من قماش قطني، أو كتان، وأشهر أنواعه هو (الغولدن تكس) الصيفي، وتتراوح أسعار المتر ما بين 100 جنيه و750 (الدولار يعادل نحو 47 جنيهاً مصرياً)».

أما الجلباب الشتوي فيُفصّل من أقمشة صوفية، أشهرها «الإمبريال»، و«الصوف الإنجليزي»، «والسلكا» الهندي، ويتراوح سعر المتر منها بين 750 و1500 جنيه، وفق الترزي العربي.

الجلباب له ألوان متعددة وتفصيلات خاصة (الشرق الأوسط)

وهناك مواصفات عدة لشكل الجلباب المصري، سواء كان لأهل الجنوب (الصعيد) أو الوجه البحري (الدلتا). يوضح كمال: «تتركز المواصفات في فتحة الصدر ودائرية الرقبة، واتساع الأكمام، وشكل القطان الذي تتم خياطته حول الرقبة، أو على شكل 7، أو تحت الإبط، أو في الأكمام، وكل منها له تكلفة معينة، تصل إلى حدود 1000 جنيه للتفصيل، نظراً إلى العمل اليدوي الذي يقوم به الترزي الذي يتكفل بمهمة تزيين القماش بالأشرطة (القطان) الحريرية التي يجب أن تكون مثل لون الجلباب».

ويبدأ أجر تفصيل الجلباب الشتوي من 800 جنيه ويصل إلى 2000 جنيه، وفق ما رصدته «الشرق الأوسط»، أما العباءة فسعرها 4 آلاف جنيه، وتُصنع من قماش مختلف عن أقمشة الجلباب. وغالباً تُفصّل من خامة أقمشة مخصوصة من «الغولدن تكس»، أو «الإمبريال».

تفصيلة الجلباب ذي الرقبة (الشرق الأوسط)

بينما تنخفض أجرة تفصيل الجلباب الصيفي عن نظيره الشتوي؛ لأن جزءاً كبيراً من عملية حياكة الجلباب الصيفي تتم بواسطة الماكينة، ويبدأ أجر تفصيله بـ400 جنيه، وقد يصل إلى الضِّعف، وهو بخلاف الشتوي الذي يأخذ جهداً كبيراً في تفصيله، والعمل اليدوي المبذول فيه.

ويقول كمال إن «الطلب على الجلباب يظل كبيراً، وليست له علاقة بصعوده على صفحات التواصل الاجتماعي، فهو مطلوب في الواقع وتفرضه ضروريات حياة المصريين، وما نشأوا عليه من عادات وتقاليد، فمن يرى أباه أو جده يرتديه يومياً كيف له أن يرتدي سواه؟!».

وقبل أن يتحول الجلباب إلى «ترند» في الفضاء الافتراضي، وتحتل صوره مواقع التواصل الاجتماعي، فهو موجود ويرتديه المصريون بعيداً عن «الشو الإعلامي»، وهو الآن كما هو، لكن تلفّه حالة من «النشاط السوشيالي»، وفق وصف كمال، مضيفاً أن «المصريين في صعيد مصر أو في الوجه البحري يرتدون الجلباب بوصفه جزءاً من حياتهم، لا فرق هنا بين الأغنياء والفقراء، فمنهم الكثير من المنتمين إلى الطبقات العليا (الأكابر) أو (الأعيان)، وبينهم أطباء ومهندسون وقضاة وأساتذة جامعات، ومنهم البسطاء؛ لأنه جزء من هويتنا، ويعبّر عن شخصيتنا وأسلوب حياتنا».

ويتميز الجلباب الصعيدي عن الذي يرتديه أبناء الوجه البحري، الذين يفضّلون «القَبَّة» على شكل مثلث مقلوب. أما أهل الجنوب فيكون الجلباب برقبة دائرية تضيق وتتسع حسب الطلب.

الجلباب والعباءة من سمات الوجاهة (الشرق الأوسط)

و«تبدأ مراحل تفصيل الجلباب بمعرفة المقاسات، وهي أهم مرحلة»، وفقاً لعماد محرم ترزي متخصص في تفصيل الجلباب الصعيدي، وعليها تتوقف جودته وقيمة ما يتقاضاه من أجر، ويرصد مراحل تفصيل الجلباب لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «ثم تبدأ مرحلة الحياكة بـ(تمكين السيالة)، ويقصد بها (الجيب)، ثم الكم و(الأشتيك) وهي المنطقة التي تكون تحت الإبط، ثم الأجناب وتُلضم بـ(الأشتيك)، بعدها تأتي مرحلة (بطانة) الجلباب، وتتكوّن من (الصدر - المنطقة الخلفية والأمامية)، و(المَرَد) وهو فتحة الصدر».

وبعد أن تنتهي عملية خياطة الجلباب، تبدأ عملية «التكفيف»، وهي مرحلة دقيقة وتحتاج إلى مهارة وصبر شديدَين، وغالباً ما تقوم بها النساء، وهي عبارة عن وضع شريط غليظ مزخرف من الحرير (القطان) على أطراف الجلباب مثل الأكمام وفتحة الصدر والجيوب (السيالة)، و«هذه المرحلة تجعل الجلباب تكلفته عالية قد تصل إلى 1000 جنيه»، وفق قول محرم.

ويختلف شكل الجلباب حسب المنطقة، ففي الصعيد يكون غالباً ذا أكمام واسعة ورقبة دائرية وحِجر كبير يساعد في سهولة الحركة، فضلاً عن إضفاء نوع من الارتياح في الأجواء الحارة، والألوان غالباً ما تكون فاتحة وأكثرها من الأبيض، والرمادي، والبيج.

ويؤكد محرم أن «معدلات الطلب على الجلباب لا تتغير، فمنذ أن بدأ مهنة الحياكة، الجميع يرتديه، أطفالاً وكباراً، حتى الذين يلتزمون بالملابس الإفرنجية في أعمالهم، يعودون إليه، وقد يتزايد الطلب على الجلباب قليلاً في مواسم الأعياد، والمناسبات الخاصة».


مقالات ذات صلة

حنان حوحو ترسم ما تتركه السنوات في النساء

يوميات الشرق ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)

حنان حوحو ترسم ما تتركه السنوات في النساء

تمنح حنان حوحو أجساد نسائها أحجاماً كبيرة وتترك لرؤوسهن حيّزاً ضئيلاً. تستحوذ الأجساد على مساحة اللوحة، فيما تتشابه الوجوه إلى حدّ يصعب معه تمييز امرأة عن أخرى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
الرياضة حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

أعلنت نقابة الصحافيين المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم  المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن، بلاغات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «التوك توك» في شوارع القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

القاهرة تختبر قرار حظر سير «التوك توك» في محاور رئيسية

اختبرت القاهرة قراراً بحظر سير «التوك توك» في 5 محاور رئيسية بالعاصمة المصرية، بهدف ضبط الحركة المرورية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من منشورات أثارت جدلاً حول تعليم الرقص (فيسبوك)

«رقص شرقي بضوابط شرعية» يُشعل الجدل في مصر

دعت هيلجا طمان، التي تعرّف نفسها عبر «فيسبوك» بأنها مدرّبة رياضية ومدرّبة رقص، إلى دورات لتعليم الرقص ضمن ضوابط وصفتها بأنها «شرعية»...

محمد الكفراوي (القاهرة)
شمال افريقيا رئاسة الحكومة لم تكشف عن أسباب طلب حل الجمعية أو تراجعها عنه (أ.ف.ب)

القضاء التونسي يحكم بعدم سماع دعوى حل جمعية «الخط»

أصدر القضاء التونسي حكماً بعدم سماع دعوى حل جمعية «الخط»، التي تدير موقع «إنكفاضة» الاستقصائي المستقل، بعد تراجع رئاسة الحكومة عن طلب الحلّ.

«الشرق الأوسط» (تونس)

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».