قناة «الشرق» تثبت حضورها عربياً بعد 5 سنوات من إطلاقها

شبكة إخبارية اقتصادية متعددة المنصات ونمو رقمي لافت ونموذج يوازن بين الخبر السريع والتفسير العميق

داخل استوديو القناة (الشرق للأخبار)
داخل استوديو القناة (الشرق للأخبار)
TT

قناة «الشرق» تثبت حضورها عربياً بعد 5 سنوات من إطلاقها

داخل استوديو القناة (الشرق للأخبار)
داخل استوديو القناة (الشرق للأخبار)

أتمّت قناة «الشرق للأخبار» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) خمس سنوات على انطلاقها في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، لتتحول من «قناة» إلى «شبكة» إخبارية اقتصادية متعددة المنصات، تجمع التلفزيون بالبث الرقمي والفيديو القصير والوثائقيات، مع حضور جغرافي يربط غرف الأخبار في الرياض ودبي وواشنطن، ويتيح تغطية عربية بزاوية اقتصادية للأحداث الإقليمية والعالمية.

ومنذ اليوم الأول اتخذت الشبكة لنفسها تموضعاً واضحاً يتمحور حول الخبر والتحليل ضمن منظور سياسي واقتصادي، وتأثيرهما على حياة الناس والأسواق.

مضمون اقتصادي... وشراكة بنَفَس عالمي

وشكّلت «اقتصاد الشرق مع بلومبرغ» حجر الزاوية في هذا التموضع، عبر اتفاق ترخيص وتبادل محتوى مع «بلومبرغ» يضمن تدفق بيانات وحركة الأسواق وتحليلات رصينة باللغة العربية، ويمتد ذلك إلى التلفزيون والإذاعة والمنصات الرقمية، مما دعم الشبكة في حيازة عمق مهني وامتياز في المحتوى الاقتصادي لا يتوافر على النطاق العربي بالسهولة نفسها، مع توسعات لاحقة عززت هذا المزيج التحريري.

تعدّد المنصات المتخصصة

«الشرق للأخبار» ترصد البيانات المالية في قطاع الرياضة (الشرق)

لم تكتفِ «الشرق» بواجهة عامة موحّدة على الشبكات الاجتماعية، بل تبنّت نهج المنصات المتخصصة حسب الاهتمامات، وذلك من خلال تدشين بوابة للأسواق والتقنية والكريبتو و«اقتصاد الرياضة»، بما يُبسّط القطاعات المعقدة ويحوّلها إلى قصص قابلة للاستهلاك السريع من دون إخلال بالدقة.

سمح هذا الهيكل ببناء مجتمعات متخصّصة لكل فئة، ورفع معدلات التفاعل والاستبقاء، في سياق تنافسي لم تعد فيه القنوات تتنافس مع قنوات فحسب، بل مع أفراد ومنتجي محتوى مستقلين. ومع تعدّد نقاط التوزيع (تلفزيون، موقع، تطبيقات، فيديو قصير) رسّخت الشبكة تجربة متابعة متسقة عبر جميع الواجهات.

على المستوى الرقمي، سجّلت الشبكة نمواً متسارعاً في قاعدة المتابعين، وُصفت معه بأنها «الأسرع نمواً على وسائل التواصل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، مع بلوغ 50 مليون متابع عبر المنصات بحلول نوفمبر 2023، قبل أن تُعلن لاحقاً أرقاماً أعلى تُقارب 72 مليوناً، مع اتساع عائلة العلامات تحت «مظلّة الشرق». ورغم اختلاف منهجيات القياس بين المنصات، تعكس المؤشرات اتساع الحضور وتنوّع الشرائح.

وثائقيات ومعرفة ترفيهية

وسّعت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) في خططها «مظلّة الشرق» بإطلاق قنوات متخصصة تضيف طبقات جديدة من السرد؛ إذ أطلقت قناة «الشرق الوثائقية»، وهي قناة عربية مجانية متعدّدة المنصات، انطلقت في سبتمبر (أيلول) 2023 لتقديم وثائقيات تفسيرية تتناول السياسة والاقتصاد والتاريخ بطرق إنتاج عصرية؛ ما يلبّي الطلب المتزايد على الأعمال الطويلة عالية الجودة في المنطقة.

كما تقدم «الشرق ديسكفري» كمنصة «إنفو-تينمنت» عربية مجانية بالشراكة مع « Warner Bros. Discovery»، والتي أُعلن عنها في سبتمبر 2022 ودخلت الخدمة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتعرض آلاف الساعات من مكتبة «ديسكفري» إلى جانب إنتاجات أصلية مختارة، وبذلك تُضيف بُعد «المعرفة الترفيهية» إلى منظومة الشبكة.

هذا التوسّع من الخبر إلى الوثائقيات والمعرفة الترفيهية يُكمّل «النَّفَس التفسيري» الذي ميّز التغطيات الاقتصادية والسياسية للشبكة، ويحوّلها إلى منظومة محتوى كاملة تخاطب فئات عمرية واهتمامات متباينة، من المستثمر والمتخصّص إلى المتابع العام.

جوائز دولية

حصدت «شبكة الشرق» 117 جائزة هي 12 ذهبية و49 فضية و56 برونزية من جوائز «تيلي» المرموقة (الشرق الأوسط)

لم يكن الأداء مجرد نموٍّ جماهيري، بل تُرجم اعترافاً مهنياً على مستوى الجوائز الدولية؛ فقد تُوّجت الشبكة «شركة العام» في جوائز «تيلي» 2025 عالميّاً، للعام الثاني على التوالي، بحصيلة قاربت 160 جائزة عبر فئات متعددة (ذهبية وفضية وبرونزية) شملت أعمال «الشرق نيوز» و«اقتصاد الشرق مع بلومبرغ» و«الوثائقية» و«ديسكفري». ويعكس هذا الرصيد جودة الصورة، والابتكار في السرد، وتنوّع الإنتاج بين الخبر والوثائقي والبرامج الرقمية.

المشاهد العربي

ساهمت استراتيجية «قناة الشرق» في الحصول على شريحة واسعة من المشاهدين في الوطن العربي والعالم، وذلك لعدة أسباب تتمثل في وضوح التموضع؛ إذ اختارت الشبكة زاوية اقتصادية بوصفها عدسة تفسيرية للأحداث، فصارت قصص السياسة والمال والأعمال تُروى بلغة تأثيرها على الأسواق والوظائف والاستثمار. هذا الوضوح قلّص تشتت الرسالة، وعزّز ميزة تنافسية في سوقٍ مكتظّ بواجهات عامة، بحسب ما يقول محللون.

بالإضافة إلى شراكات المحتوى؛ أضاف التعاون مع «بلومبرغ» معياراً تحريرياً متشدداً وامتداداً دولياً في البيانات والتحليلات والحقوق، في حين وفّرت الشراكة مع «Warner Bros. Discovery» مكتبة ضخمة وخبرة إنتاجية لمنصّة عربية مجانية. هذا المزج بين اقتصاد صِرف ومعرفة ترفيهية، وسّع قاعدة الجمهور من المتخصّص إلى المتابع الفضولي.

وتكونت الميزة الثالثة من خلال بنية المنصات المتخصصة؛ فبدلاً من «حساب واحد لكل شيء»، بُنيت منصات حسب الاهتمام (أسواق، تقنية، كريبتو، اقتصاد الرياضة...) لتبسيط المفاهيم المعقدة وتقديم جرعات متواترة من المحتوى القصير المدعوم بالبيانات والرسوم، مع ربطه بتغطيات تلفزيونية وبرامج مطوّلة. هذا التصميم عزّز الولاء، وفتح قنوات نموّ متزامنة عبر شرائح مختلفة.

وطوّرت الشبكة هوية مرئية حديثة وبرمجة صباحية ومسائية مرنة، تُعيد تدوير القصص عبر أشكال متعددة (كبسولات فيديو، تفاعلات مباشرة، تقارير مطوّلة، وثائقيات)، وتستخدم غرف أخبار مترابطة لالتقاط الزوايا المحلية والإقليمية والدولية بسرعة.

وتطبق القناة ما يُعرف بمفهوم معادلة الثقة في عصر السرعة؛ إذ عملت الشبكة في سوقٍ تتجاور فيه المنصات المحترفة مع حسابات أفراد، على إبراز الموثوقية كقيمةٍ مضافة: تدقيق، وسياق، وإحالة للمصادر، من دون فقدان سرعة الإيقاع المطلوبة رقمياً. وهذا التوازن يهدف لتأسيس علاقة متينة مع الجمهور، خصوصاً مع انتشار الأخبار المضللة على الشبكات الاجتماعية.

أثر صناعي

وانعكس الحضور على الصناعة نفسها؛ إذ رفعت الشبكة سقف التنافس في المحتوى الاقتصادي العربي، وأدخلت قوالب ومنتجات جديدة، مثل تفسير اقتصاد الرياضة وتمثيل أسواق الأصول الرقمية بلغة عربية وظيفية، وأتاحت للمعلنين والمعلّمين وصنّاع القرار مساحةً تصل إلى شرائح شابّة تبحث عن قيمة معلوماتية مختصرة. كما وفّرت مساراً تدريبياً ومهنيّاً لصحافيين اقتصاديين عرب، في بيئة كانت تعاني تاريخياً من نقص الكفاءات المتخصصة.

الأعوام الخمسة

برامج متجددة وتحليلات أعمق لقضايا إقليمية ودولية (الشرق للأخبار)

ومع اكتمال خمس سنوات، تبدو «الشرق» أقرب إلى نموذج «شبكة إخبارية اقتصادية عربية» متكاملة لا قناة تقليدية، بل شبكة تزاوج بين الخبر السريع والتفسير العميق والوثائقي الطويل، وتنتج محتوى يراعي اختلاف سلوك الاستهلاك بين شاشة التلفزيون والهاتف الجوال.

ويتمثل رهان المرحلة المقبلة في تعميق المنصات المتخصصة، وتوسيع التغطية الميدانية العابرة للعواصم، ومواصلة الاستثمار في الجودة البصرية والبيانية، مع الحفاظ على أهم ميزة تنافسية، وهي الثقة. وبقدر ما يشتدّ اعتماد الاقتصادات العربية على المعرفة والبيانات، تزداد قابلية هذا النموذج للانتشار والتأثير، داخل المنطقة وخارجها.


مقالات ذات صلة

بسنت شوقي: التنوّع خيار محسوب بين «إفراج» و«الكينج»

يوميات الشرق بسنت شوقي في أحد أدوارها (صفحتها في «فيسبوك»)

بسنت شوقي: التنوّع خيار محسوب بين «إفراج» و«الكينج»

أوضحت الممثلة المصرية بسنت شوقي أنها تعاملت مع شخصية «وفاء» بجدّية في التحضير، وحرصت على البحث عن نماذج قريبة منها في الواقع.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أطفالٌ نجوم لمعوا في «ذا فويس كيدز»... أين أصبحوا اليوم وهل احترفوا الغناء؟

أطفالٌ نجوم لمعوا في «ذا فويس كيدز»... أين أصبحوا اليوم وهل احترفوا الغناء؟

عاد "ذا فويس كيدز" مع وجوه جديدة وأصوات واعدة. لكن أين أصبحت مواهب البرنامج التي توالت على المواسم السابقة وهل استمرت في الغناء؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الملكة رانيا وديفيد بيكهام ومايلي سايرس مع شخصيات من «شارع سمسم» (موقع البرنامج)

من الملكة رانيا إلى آل أوباما مروراً بديفيد بيكهام... الكل يلبِّي دعوة «شارع سمسم»

برنامج «شارع سمسم»، أكثر البرامج التلفزيونية استقطاباً للمشاهير من كافة المجالات. من محمد علي كلاي إلى باراك أوباما. والغائب الأكبر دونالد ترمب.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق «هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)

«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

بعد سلسلة الروايات والأفلام، يعود «هاري بوتر» بعد 20 عاماً ليدخل عالم المسلسلات ويقدّم نفسه للجيل الجديد. فهل يحقق النجاح المدوّي الذي حققه سابقاً؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مسلسل «Peaky Blinders» يختتم المغامرة بفيلم من بطولة كيليان مورفي (نتفليكس)

نهاية سينمائية لأسطورة آل «شيلبي»... هل يسلّم «تومي» الشعلة لابنه؟

مغامرة «Peaky Blinders» في العرض الأخير: فيلم من بطولة كيليان مورفي على «نتفليكس».

كريستين حبيب (بيروت)

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.