قناة «الشرق» تثبت حضورها عربياً بعد 5 سنوات من إطلاقها

شبكة إخبارية اقتصادية متعددة المنصات ونمو رقمي لافت ونموذج يوازن بين الخبر السريع والتفسير العميق

داخل استوديو القناة (الشرق للأخبار)
داخل استوديو القناة (الشرق للأخبار)
TT

قناة «الشرق» تثبت حضورها عربياً بعد 5 سنوات من إطلاقها

داخل استوديو القناة (الشرق للأخبار)
داخل استوديو القناة (الشرق للأخبار)

أتمّت قناة «الشرق للأخبار» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) خمس سنوات على انطلاقها في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، لتتحول من «قناة» إلى «شبكة» إخبارية اقتصادية متعددة المنصات، تجمع التلفزيون بالبث الرقمي والفيديو القصير والوثائقيات، مع حضور جغرافي يربط غرف الأخبار في الرياض ودبي وواشنطن، ويتيح تغطية عربية بزاوية اقتصادية للأحداث الإقليمية والعالمية.

ومنذ اليوم الأول اتخذت الشبكة لنفسها تموضعاً واضحاً يتمحور حول الخبر والتحليل ضمن منظور سياسي واقتصادي، وتأثيرهما على حياة الناس والأسواق.

مضمون اقتصادي... وشراكة بنَفَس عالمي

وشكّلت «اقتصاد الشرق مع بلومبرغ» حجر الزاوية في هذا التموضع، عبر اتفاق ترخيص وتبادل محتوى مع «بلومبرغ» يضمن تدفق بيانات وحركة الأسواق وتحليلات رصينة باللغة العربية، ويمتد ذلك إلى التلفزيون والإذاعة والمنصات الرقمية، مما دعم الشبكة في حيازة عمق مهني وامتياز في المحتوى الاقتصادي لا يتوافر على النطاق العربي بالسهولة نفسها، مع توسعات لاحقة عززت هذا المزيج التحريري.

تعدّد المنصات المتخصصة

«الشرق للأخبار» ترصد البيانات المالية في قطاع الرياضة (الشرق)

لم تكتفِ «الشرق» بواجهة عامة موحّدة على الشبكات الاجتماعية، بل تبنّت نهج المنصات المتخصصة حسب الاهتمامات، وذلك من خلال تدشين بوابة للأسواق والتقنية والكريبتو و«اقتصاد الرياضة»، بما يُبسّط القطاعات المعقدة ويحوّلها إلى قصص قابلة للاستهلاك السريع من دون إخلال بالدقة.

سمح هذا الهيكل ببناء مجتمعات متخصّصة لكل فئة، ورفع معدلات التفاعل والاستبقاء، في سياق تنافسي لم تعد فيه القنوات تتنافس مع قنوات فحسب، بل مع أفراد ومنتجي محتوى مستقلين. ومع تعدّد نقاط التوزيع (تلفزيون، موقع، تطبيقات، فيديو قصير) رسّخت الشبكة تجربة متابعة متسقة عبر جميع الواجهات.

على المستوى الرقمي، سجّلت الشبكة نمواً متسارعاً في قاعدة المتابعين، وُصفت معه بأنها «الأسرع نمواً على وسائل التواصل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، مع بلوغ 50 مليون متابع عبر المنصات بحلول نوفمبر 2023، قبل أن تُعلن لاحقاً أرقاماً أعلى تُقارب 72 مليوناً، مع اتساع عائلة العلامات تحت «مظلّة الشرق». ورغم اختلاف منهجيات القياس بين المنصات، تعكس المؤشرات اتساع الحضور وتنوّع الشرائح.

وثائقيات ومعرفة ترفيهية

وسّعت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) في خططها «مظلّة الشرق» بإطلاق قنوات متخصصة تضيف طبقات جديدة من السرد؛ إذ أطلقت قناة «الشرق الوثائقية»، وهي قناة عربية مجانية متعدّدة المنصات، انطلقت في سبتمبر (أيلول) 2023 لتقديم وثائقيات تفسيرية تتناول السياسة والاقتصاد والتاريخ بطرق إنتاج عصرية؛ ما يلبّي الطلب المتزايد على الأعمال الطويلة عالية الجودة في المنطقة.

كما تقدم «الشرق ديسكفري» كمنصة «إنفو-تينمنت» عربية مجانية بالشراكة مع « Warner Bros. Discovery»، والتي أُعلن عنها في سبتمبر 2022 ودخلت الخدمة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتعرض آلاف الساعات من مكتبة «ديسكفري» إلى جانب إنتاجات أصلية مختارة، وبذلك تُضيف بُعد «المعرفة الترفيهية» إلى منظومة الشبكة.

هذا التوسّع من الخبر إلى الوثائقيات والمعرفة الترفيهية يُكمّل «النَّفَس التفسيري» الذي ميّز التغطيات الاقتصادية والسياسية للشبكة، ويحوّلها إلى منظومة محتوى كاملة تخاطب فئات عمرية واهتمامات متباينة، من المستثمر والمتخصّص إلى المتابع العام.

جوائز دولية

حصدت «شبكة الشرق» 117 جائزة هي 12 ذهبية و49 فضية و56 برونزية من جوائز «تيلي» المرموقة (الشرق الأوسط)

لم يكن الأداء مجرد نموٍّ جماهيري، بل تُرجم اعترافاً مهنياً على مستوى الجوائز الدولية؛ فقد تُوّجت الشبكة «شركة العام» في جوائز «تيلي» 2025 عالميّاً، للعام الثاني على التوالي، بحصيلة قاربت 160 جائزة عبر فئات متعددة (ذهبية وفضية وبرونزية) شملت أعمال «الشرق نيوز» و«اقتصاد الشرق مع بلومبرغ» و«الوثائقية» و«ديسكفري». ويعكس هذا الرصيد جودة الصورة، والابتكار في السرد، وتنوّع الإنتاج بين الخبر والوثائقي والبرامج الرقمية.

المشاهد العربي

ساهمت استراتيجية «قناة الشرق» في الحصول على شريحة واسعة من المشاهدين في الوطن العربي والعالم، وذلك لعدة أسباب تتمثل في وضوح التموضع؛ إذ اختارت الشبكة زاوية اقتصادية بوصفها عدسة تفسيرية للأحداث، فصارت قصص السياسة والمال والأعمال تُروى بلغة تأثيرها على الأسواق والوظائف والاستثمار. هذا الوضوح قلّص تشتت الرسالة، وعزّز ميزة تنافسية في سوقٍ مكتظّ بواجهات عامة، بحسب ما يقول محللون.

بالإضافة إلى شراكات المحتوى؛ أضاف التعاون مع «بلومبرغ» معياراً تحريرياً متشدداً وامتداداً دولياً في البيانات والتحليلات والحقوق، في حين وفّرت الشراكة مع «Warner Bros. Discovery» مكتبة ضخمة وخبرة إنتاجية لمنصّة عربية مجانية. هذا المزج بين اقتصاد صِرف ومعرفة ترفيهية، وسّع قاعدة الجمهور من المتخصّص إلى المتابع الفضولي.

وتكونت الميزة الثالثة من خلال بنية المنصات المتخصصة؛ فبدلاً من «حساب واحد لكل شيء»، بُنيت منصات حسب الاهتمام (أسواق، تقنية، كريبتو، اقتصاد الرياضة...) لتبسيط المفاهيم المعقدة وتقديم جرعات متواترة من المحتوى القصير المدعوم بالبيانات والرسوم، مع ربطه بتغطيات تلفزيونية وبرامج مطوّلة. هذا التصميم عزّز الولاء، وفتح قنوات نموّ متزامنة عبر شرائح مختلفة.

وطوّرت الشبكة هوية مرئية حديثة وبرمجة صباحية ومسائية مرنة، تُعيد تدوير القصص عبر أشكال متعددة (كبسولات فيديو، تفاعلات مباشرة، تقارير مطوّلة، وثائقيات)، وتستخدم غرف أخبار مترابطة لالتقاط الزوايا المحلية والإقليمية والدولية بسرعة.

وتطبق القناة ما يُعرف بمفهوم معادلة الثقة في عصر السرعة؛ إذ عملت الشبكة في سوقٍ تتجاور فيه المنصات المحترفة مع حسابات أفراد، على إبراز الموثوقية كقيمةٍ مضافة: تدقيق، وسياق، وإحالة للمصادر، من دون فقدان سرعة الإيقاع المطلوبة رقمياً. وهذا التوازن يهدف لتأسيس علاقة متينة مع الجمهور، خصوصاً مع انتشار الأخبار المضللة على الشبكات الاجتماعية.

أثر صناعي

وانعكس الحضور على الصناعة نفسها؛ إذ رفعت الشبكة سقف التنافس في المحتوى الاقتصادي العربي، وأدخلت قوالب ومنتجات جديدة، مثل تفسير اقتصاد الرياضة وتمثيل أسواق الأصول الرقمية بلغة عربية وظيفية، وأتاحت للمعلنين والمعلّمين وصنّاع القرار مساحةً تصل إلى شرائح شابّة تبحث عن قيمة معلوماتية مختصرة. كما وفّرت مساراً تدريبياً ومهنيّاً لصحافيين اقتصاديين عرب، في بيئة كانت تعاني تاريخياً من نقص الكفاءات المتخصصة.

الأعوام الخمسة

برامج متجددة وتحليلات أعمق لقضايا إقليمية ودولية (الشرق للأخبار)

ومع اكتمال خمس سنوات، تبدو «الشرق» أقرب إلى نموذج «شبكة إخبارية اقتصادية عربية» متكاملة لا قناة تقليدية، بل شبكة تزاوج بين الخبر السريع والتفسير العميق والوثائقي الطويل، وتنتج محتوى يراعي اختلاف سلوك الاستهلاك بين شاشة التلفزيون والهاتف الجوال.

ويتمثل رهان المرحلة المقبلة في تعميق المنصات المتخصصة، وتوسيع التغطية الميدانية العابرة للعواصم، ومواصلة الاستثمار في الجودة البصرية والبيانية، مع الحفاظ على أهم ميزة تنافسية، وهي الثقة. وبقدر ما يشتدّ اعتماد الاقتصادات العربية على المعرفة والبيانات، تزداد قابلية هذا النموذج للانتشار والتأثير، داخل المنطقة وخارجها.


مقالات ذات صلة

«ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

يوميات الشرق «ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

«ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

قبل أيام احتفل «ويني الدبدوب» بعيدِه الـ100 وهو لا يزال في أوج شعبيّته. مثلُه رسوم متحركة أخرى، بلغت خريف العمر وهي لا تزال شابة، ومحبوبة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مي كساب (حسابها على فيسبوك)

«تي شيرت» مثير للجدل يعيد مي كساب للأضواء

عادت الفنانة المصرية مي كساب لدائرة الاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما استوقف متابعين الرسومات المطبوعة على «تي شيرت» ارتدته خلال برنامج عبر الإنترنت

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تنفرد «إم تي في» بعرض المسلسل المحلّي «بهو الست لميا» (إنستغرام)

من المنصات إلى الشاشة اللبنانية... مسلسلات تتصدَّر شبكة الخريف

تُحافظ المحطات على عرض أجزاء جديدة من مسلسلات تركية حقّقت نسب مشاهدة مرتفعة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد مسلسل «القصة الكاملة» (الشركة المنتجة)

ميشيل ميلاد يخرج من عباءة الكوميديا: «معتصم» اختبر قدراتي

ارتبط ميشيل ميلاد بالفنّ منذ طفولته، من خلال الراديو، إذ كان يستمع إلى البرنامج الثقافي الذي يعرض المسرحيات العالمية.

انتصار دردير (القاهرة)

الأمير هاري: أرغب في التصالح مع عائلتي

الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
TT

الأمير هاري: أرغب في التصالح مع عائلتي

الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)

كشف الأمير هاري أنه يأمل في التصالح مع والده الملك تشارلز ملك بريطانيا وبقية أفراد عائلته الذين ​انفصل عنهم عندما انتقل إلى الولايات المتحدة قبل 6 سنوات، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتسبب هاري، البالغ من العمر 42 عاماً وابن الملك الأصغر، في حدوث انقسام كبير داخل العائلة عندما تخلى هو وزوجته ميغان عن مهامهما الملكية، وانتقلا في 2020 إلى ولاية كاليفورنيا الأميركية التي ‌وجّها منها ‌انتقادات شديدة للمؤسسة الملكية.

ولم ​يتحدث ‌هاري ⁠مع ​شقيقه الأكبر، ⁠ولي العهد الأمير ويليام، إلا نادراً على مدى سنوات، ولم تلتقِ عائلته مع والده مجدداً إلا في الآونة الأخيرة. وقال هاري في مقابلة مع مجلة «جي كيو» إنه يرغب في إصلاح الأمور. وعاد هاري أخيراً ⁠إلى بريطانيا برفقة ميغان وابنيهما.

«التصالح هو ‌ما يهم»

قال هاري ‌للمجلة: «مع كل ما يجري في ​العالم، فإن التصالح ‌هو أهم شيء بالنسبة إليَّ».

وذكر أنه يتفهم ‌الاهتمام الكبير الذي تحظى به أوضاع عائلته.

وأضاف: «هناك خلافات بين الأشقاء، وهناك علاقات متصدعة بين الأبناء ووالديهم، أو بين الأبناء وأحد الوالدين». وأوضح: «وقد تلهم جهود ‌التصالح بعض الناس لتحسين علاقاتهم الخاصة».

وتابع: «وهناك من لا يريدون أن ينجح هذا ⁠التصالح. ⁠أما أنا فأريده أن ينجح».

وقال المتحدث باسم هاري إن أحدث تعليقاته لم تكن تهدف إلى توجيه انتقاد إلى ويليام أو أي فرد آخر من أفراد العائلة.

وأكمل هاري دوق ساسكس حديثه لمجلة «جي كيو» قائلاً إنه على الرغم من أن «الندوب تبقى إلى الأبد»، فإنه يريد تشجيع الجميع على نسيان الماضي.

وأردف: «بالنسبة إليَّ، هناك ما يكفي من المآسي ​في العالم وفي ​حياة الناس، ولا داعي لمواصلة الخلافات العائلية. الأمر لا يستحق العناء».


هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
TT

هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

قال المخرج العراقي النرويجي هلكوت مصطفى إن تصوير فيلمه «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» في المُوصل ارتبط بعلاقته الشخصية مع المدينة، وتكوّنت خلال عمله مصوراً للحروب وزياراته إليها أثناء المعارك ضد تنظيم «داعش»، موضحاً أن ما شاهده هناك ترك فيه أثراً دفعه إلى العودة بالكاميرا إليها، رغبة في تصوير الحكاية داخل المكان الذي تنتمي إليه، رغم الصعوبات الكبيرة التي فرضها هذا الاختيار على تنفيذ الفيلم وسلامة العاملين فيه.

وأضاف مصطفى، في حواره مع «الشرق الأوسط» على هامش عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان الجونة السينمائي»، أنه أراد منح المرأة موقعاً أساسياً في الحكاية، وإظهار قدرتها على الفعل واتخاذ القرار، مشيراً إلى أن «خبرته في تغطية الحرب عرّفته عن قرب إلى شجاعة المقاتلات الكُرديات، وما تحملنه من مسؤوليات، بينما لا تزال النساء في مجتمعات المنطقة يواجهن صعوبات عميقة في الوصول إلى مواقع صنع القرار».

ويتناول فيلم «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» الذي رشحه العراق إلى الأوسكار حكاية قناصة كردية تُدعى «فيان»، تخوض مهمة لإنقاذ شقيقتها الصغرى من قبضة تنظيم «داعش»، خلال عمليات تحرير المُوصل. وتؤدي شخصيتها الممثلة آفان جمال، التي خضعت لتحضيرات مطوّلة استهدفت بناء قدراتها الجسدية والعسكرية، إلى جانب استيعاب الحالة النفسية لامرأة تضطر إلى ضبط مشاعرها ومواجهة الخطر، فيما يرتبط استمرارها في القتال بأمل استعادة شقيقتها.

وأوضح مصطفى أن التصوير في الموصل كان من أكثر قراراته صعوبة، لأن المسؤولية امتدت إلى حماية فريق العمل والأشخاص الذين تعاونوا معه على الأرض مستعيداً رغبته في تجاوز الاعتماد المعتاد على مواقع بديلة.

وأوضح أن كثيراً من الأفلام الدولية التي تتناول العراق تُصوَّر في المغرب أو الأردن، بينما كان يريد البقاء داخل البيئة الحقيقية للحكاية. وأقر بأن التجربة كانت شديدة القسوة، إلى حد أنه لا يرغب في تكرارها.

انفعالات الشخصية

وعن بناء شخصية البطلة، قال إن اهتمامه انصبّ على الوصول إلى أداء مقنع، يستطيع حمل انفعالات الشخصية من دون الاعتماد على كثرة الكلام. ولهذا ارتبط الإعداد للدور بتدريبات القنص، والعمل على السلوك والحالة العاطفية، حتى تصبح حركة الممثلة وطريقة تعاملها مع المواقف جزءاً من التعبير عن تجربتها، مشدداً على أن تقديم المرأة بوصفها ضحية لم يكن ما يسعى إليه، إذ أراد أن يمنح قدراتها وقوتها حضوراً واضحاً على الشاشة.

وعن عنوان الفيلم، أوضح أن ما جذبه إليه هو قدرته على التعبير عن قوة النساء في مواجهة تنظيم بالغ الوحشية، كان يخشى أن يُقتل عناصره بأيديهن، مؤكداً أن هذه المفارقة أثّرت فيه، لكنه ربط اختياره أيضاً برغبة أوسع في منح النساء أدوار البطولة، في ظل غلبة الشخصيات الرجالية على أفلام المنطقة لكونه يريد إظهار ما تستطيع المرأة القيام به حين تُمنح مساحة تتسع لتجربتها وقدراتها.

وأشار مصطفى إلى أن الدافع العاطفي للحكاية ظل أساسياً بالنسبة إليه طوال العمل، فالفيلم يتصل بالحب والأمل والعلاقة بالأشخاص الأقرب إلينا، وبالمدى الذي يمكن أن يبلغه الإنسان لإنقاذ عائلته. ومن هذا المنطلق، رأى أن رحلة البطلة تستمد قوتها من ارتباطها بشقيقتها، وما يدفعها إلى مواصلة المحاولة، وسط ظروف تختبر قدرتها على الاحتمال، وتجعل إنقاذ فرد من الأسرة غاية تتحمل من أجلها مخاطر استثنائية.

المخرج العراقي هلكوت مصطفى (الشرق الأوسط)

وأوضح أن إنجاز الفيلم استغرق تسع سنوات، كان جانب أساسي منها مخصصاً للبحث عن اللغة السينمائية المناسبة للحكاية. ووصف الموازنة بين الحرب والدراما بأنها الجزء الأصعب في المشروع، إذ احتاج إلى وقت طويل ليحدد ما يمكن أن يقدمه بصورة مختلفة، مؤكداً أنه يرى العمل واقعاً في مساحة تتداخل فيها الأنواع، بحيث تحضر الحرب بما تفرضه من مخاطر، وتظل التجربة العاطفية للشخصيات عنصراً أساسياً في بنائه.

وتوقف مصطفى عند حضور الصمت في الفيلم، رابطاً إياه بذكريات عاشها خلال عمله مصوراً للحروب، حين كان يوجد داخل مبانٍ يسودها الهدوء، بينما يتواصل الخوف من غارة جوية أو هجوم لعناصر «داعش» أو انفجار قنبلة.

لغة الصمت

وأوضح أن هذه الخبرة جعلت الصمت جزءاً أساسياً من تصوره للفيلم؛ فالهدوء الذي عرفه في تلك الظروف كان مُحملاً بترقب الخطر، وبالعجز عن معرفة مصدره أو اللحظة التي قد يقع فيها.

وعن التقاء خلفيته العراقية الكردية بتجربته في النرويج، قال إن هذا التداخل جزء من تكوينه الشخصي، ووصف نفسه بأنه يحمل قلباً كردياً عراقياً وعقلاً نرويجياً، مشيراً إلى أنه أراد أن يظهر هذا التكوين في الفيلم لأنه يعبر عنه وعن الطريقة التي يرى بها الحكاية. وجاء حديثه عن هويته امتداداً لارتباطه بموضوع العمل، وبالخبرات التي اكتسبها خلال سنوات عاشها بين بيئتين مختلفتين.

وفيما يتعلق بالتمويل، أقر مصطفى بأن إنجاز مشروع بهذه الحالة يواجه صعوبات كبيرة في المنطقة، خصوصاً حين يحاول صاحبه تقديم منظور مختلف عما يتوقعه الممولون في الغرب، موضحاً أن بعض صناع الأفلام يجدون أنفسهم أمام ضغوط تدفعهم إلى تقديم الحكايات التي يرغب العالم الغربي في مشاهدتها، بينما يصبح تأمين التمويل أكثر تعقيداً عند محاولة الاقتراب من الموضوع من زاوية أخرى.

وعبّر مصطفى عن اعتزازه بالاعتراف الدولي الذي يحظى به عمله، وبفرصة تمثيل العراق سينمائياً، مؤكداً أن البلاد تضم ثقافات متعددة وخلفيات وتجارب مختلفة، يستطيع الفن أن يجمع بينها، معتبراً أن هذا الإيمان بقدرة الفن على التقريب بين الناس أحد أسباب استمراره في العمل، وما يمنح وصول الفيلم إلى مشاهدين من بيئات متنوعة معنى شخصياً ومهنياً بالنسبة إليه.


«مفيش راجل بيعيط» يكشف هشاشة عالم «الجاردات»

لقطة من الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)
لقطة من الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)
TT

«مفيش راجل بيعيط» يكشف هشاشة عالم «الجاردات»

لقطة من الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)
لقطة من الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)

يكشف الفيلم المصري «مفيش راجل بيعيط» عن هشاشة عالم «الجاردات»، أصحاب العضلات القوية والأجساد الضخمة الذين يعملون في حراسة الشخصيات المهمة، وينتشرون عبر حفلات وأفراح الأثرياء والملاهي الليلية لوقف أي تجاوز أو فض أي منازعات، ومع اقتراب الفيلم منهم تظهر الشروخ في صورة الرجل القوي.

الفيلم من كتابة وإخراج محمد مصطفى، وإنتاج شركة «حصالة» التي أسستها المخرجة ومنتجة الفيلم هالة لطفي، وحاز الفيلم دعم صندوق البحر الأحمر السينمائي، ومؤسسة الدوحة للأفلام والمورد الثقافي، ويضم فريق العمل مدير التصوير محمود لطفي، والمونتير أحمد مجدي مرسي، وقد استغرقت كتابته وتصويره نحو 10 سنوات، وعرض، الاثنين، ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة.

لا يسعى الفيلم إلى تناول أبطاله ظاهرياً، بل يتتبع تحولات حياتهم وأيامهم، بين التدريبات القاسية للحفاظ على لياقتهم، ويلتقط مشاهد من حياتهم الأسرية وجوانبهم الإنسانية عبر 4 شخصيات وهم: عبد الله العربي، وفارس سيد، وأحمد حمدي وهيثم الإسناوي.

ويستمد المخرج عنوان الفيلم من مقولة يرددها الآباء والأمهات في الأحياء المصرية حيث ينهرون أولادهم إذا ما بكوا لأي سبب، مرددين العبارة الشهيرة باللهجة العامية المصرية «مفيش راجل بيعيط»، كما لو أن مشاعر البكاء تنتقص من رجولتهم.

طاقم الفيلم على الرد كاربت بمهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

ويحاول المخرج طوال فيلمه تفكيك هذا المعنى الذي يُدين المجتمع بسببه، فيفتح لأبطاله مجالاً للفضفضة، فيتحدثون عن رؤية البعض لهم وكأنهم أجساد ضخمة بلا مشاعر، فيقول أحدهم أبي قال لي: «لا تبكي أمام أحد حتى لا تَظهر ضعيفاً»، بينما يسأله المخرج الذي يتدخل في بعض مشاهد الفيلم طارحاً أسئلة: متى شعرت بأنك ضعيف؟ فيقول لو أن أحداً أُحبه فارقني أبكي، لا يغرنك هذا الشكل والجسد، فلدينا قلوب تنبض بالرحمة، ويعلن آخر عن رغبته في اعتزال مهنة (البودي جارد) ويقول: «في أي مشكلة تحدث في وجودنا ودون تدخل منا يتم جرنا إلى أقسام الشرطة».

ويلفت المخرج محمد مصطفى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن فكرة كبت المشاعر التي تكاد تكون مفروضة على الرجال تشغله كثيراً، وقدمها من قبل في فيلم قصير عام 2014 عن مجموعة من الأولاد يدخلون عالم الرجولة، معتبراً أن «مفيش راجل بيعيط» امتداداً للفيلم القصير، لكنه يتناول النماذج المفرطة في الرجولة عن طريق شخصيات الجاردات ولاعبي كمال الأجسام.

كما أشار المخرج إلى أنه يطرح من خلال الفيلم أسئلة، على غرار: هل المجتمع هو الذي يفرض على هؤلاء الأشخاص مفهوم الرجولة؟ فالرجال لا يُسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم في الحزن والفرح، والشعور الوحيد الذي يعبر عنه الرجل هو الغضب، مؤكداً أن فكرة كبت المشاعر يظهر في صورة عنف».

لقطة من فيلم «مفيش راجل بيعيط» (الشركة المنتجة)

ويؤكد مصطفى أنه كتب سيناريو الفيلم، بينما ترك لأبطاله حرية الاختيار طوال الوقت ويقول: «كنا نعمل في أجواء يغلب عليها الارتجال، فأُنصت لأفكارهم؛ لأنني في النهاية أقدم فيلماً يعبّر عن حياتهم، ولا أرغب في فرض وجهة نظري بل لديّ أسئلة أريد أن أعرفها منهم».

ويبرر المخرج أن الفيلم أخذ وقتاً طويلاً في تنفيذه، كاشفاً عن أنه احتاج إلى عام ليوطد علاقته ببطله الأول عبد الله العربي لبناء علاقة ثقة معه، وكان يلتقيه خلالها ويستمع له، ويقول: «كنت أرغب في عمل فيلم قائم على مراقبة هؤلاء الرجال، كما لو كنت أرسم بورتريهاً لكل منهم، وقد بدأنا التصوير في 2021، وكنا نقوم بعمل المونتاج لما صورناه، ونكتب مشاهد جديدة؛ لأن اللغة السينمائية لم تكن محسومة منذ اللحظة الأولى بل كنا نكتشفها في أثناء العمل».

ويرى الناقد خيري زين العابدين أن فيلم «مفيش راجل بيعيط» يطرح فكرة إنسانية ثرية، تنطلق من عالم الرجال الذين اتخذوا من عضلاتهم وسيلة للعمل وإثبات القوة، بينما تختبئ خلف تلك الأجساد الصلبة هشاشة نفسية ومخاوف وتناقضات، وقد نجح المخرج في الاقتراب من شخصياته والتقاط لحظات صادقة تكشف عن الإنسان خلف استعراض الرجولة، مستفيداً من تصوير يمتلك حساسية بصرية واضحة.

المخرج محمد مصطفى مع أحد أبطال فيلمه (إدارة المهرجان)

ويرى الناقد المصري أن السنوات العشر التي استغرقها إنجاز الفيلم تبدو، للمفارقة، أقرب إلى رحلة طويلة لجمع الاكتشافات منها إلى رحلة لإنضاج بناء سينمائي متماسك؛ إذ تتزاحم الأفكار بين الرجولة والعنف والخوف والهوية، وصولاً إلى تأملات المخرج في علاقته بشخصياته، فتبدو النتيجة شذرات وتنويعات على موضوعات متعددة، تفتقد الخيط الدرامي القادر على جمعها، وربما كان العنوان الشعبي البسيط «مفيش راجل بيعيط» أكثر قدرة على اختزال جوهر الفيلم من المدخل والتعليق الصوتي اللذين اختارهما مخرجه.

وفي مفارقة غريبة، ضمت مسابقة الأفلام الوثائقية بالدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي فيلمين مصريين يطرحان موضوعين متشابهين، وهما «عودة كابتن كابونجا» و«مفيش راجل بيعيط»، ويعلق زين العابدين على ذلك قائلاً: «من اللافت جداً تشابه الفكرة بين الفيلمين، حيث تتوارى هشاشة الرجال خلف قوتهم الجسدية، لكن الفارق أن (كابونجا) يمتلك حكاية واضحة تتولد منها الأفكار، بينما يحاول (مفيش راجل بيعيط) بناء حكاية من أفكار متشعبة».