«جلباب المتحف الكبير» يفجر سجالاً بشأن الزي الشعبي المصري

انتقادات حادة لابنة فرج فودة... ومتابعون يشددون على تمسكهم به

المصريون من فئات مختلفة زاروا المتحف الكبير وعبروا عن فخرهم به (إ.ب.أ)
المصريون من فئات مختلفة زاروا المتحف الكبير وعبروا عن فخرهم به (إ.ب.أ)
TT

«جلباب المتحف الكبير» يفجر سجالاً بشأن الزي الشعبي المصري

المصريون من فئات مختلفة زاروا المتحف الكبير وعبروا عن فخرهم به (إ.ب.أ)
المصريون من فئات مختلفة زاروا المتحف الكبير وعبروا عن فخرهم به (إ.ب.أ)

تفجّر سجال حول «الزي الشعبي المصري» المتمثل في «الجلباب البلدي»، عقب تعليق من الإعلامية سمر فرج فودة (ابنة الكاتب الراحل فرج فودة) على صورة انتشرت بوسائل «السوشيال ميديا» خلال الأيام الماضية، لرجل وزوجته في زيارة للمتحف المصري الكبير وهما يرتديان الزي الشعبي الشهير في مصر.

وتصدر اسم سمر فودة «الترند» على «غوغل» و«إكس» في مصر، السبت، عقب تدوينة كتبتها معلقة على الصورة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر فيها زوجان بالجلباب البلدي البسيط يمسكان يد بعضهما، ويسيران في مدخل المتحف المصري، ويتأمل الزوج الآثار والمبنى المحيط بنظرة إعجاب وفخر، وهي الصورة التي حظيت بانتشار واسع واحتفاء من مستخدمي وسائل التواصل عدوها تعبر عن «الأزياء المصرية الأصيلة».

وكتبت سمر مؤكدة أن هذا الزي لا يمثل مصر، وأن مصر معروفة باعتدادها بالأزياء الأنيقة على أحدث الصيحات، وتمثلها أزياء السيدات في الأربعينات والخمسينات التي كانت تنافس أزياء الباريسيات والإنجليزيات في ذلك الوقت. منتقدة الملابس التي تعطي انطباعاً دينياً للسيدة الموجودة في الصورة.

لتعود بعد ساعات وتعتذر عن التعليق مدونة: «أعتذر عن أي شيء قد مس قلوب المصريين بالسلب، أعتذر للزوجين، فهما بالتأكيد فخر لنا جميعاً»، وأكدت أنها حذفت المنشور لأن المتابعين لم يفهموا وجهة نظرها، مؤكدة أن أهلها من الفلاحين، وأنها لم تتطرق لـ«الجلابية الفلاحي» للرجال.

وتوالت التعليقات على منشور سمر فودة، بل وظهر ما يمكن اعتباره «ترند» يدعو الجميع لارتداء الجلباب الصعيدي والفلاحي كدليل على الأصالة والزي الشعبي للمصريين، وتفاعلت سمر فودة نفسها مع هذا «الترند»، ونشرت تعليقاً على صفحتها بـ«فيسبوك» على سبيل المزاح والفخر لشخص كتب: «وسيشهد التاريخ أن سمر فودة لبّست مصر كلها جلاليب في 6 ساعات».

المتحف المصري شهد حضوراً متنوعاً منذ افتتاحه (إ.ب.أ)

وتوالت التعليقات التي استنكرت ما اعتبروه تهكماً من سمر فودة على الجلباب، وتعرضت لانتقادات حادة، في حين أوضحت هي في اعتذارها أنها تعتز بالجلباب البلدي ولم تقصد التطرق إليه، وإنما كانت تنتقد أزياء لها دلالات دينية، تراها دخيلة على المجتمع المصري.

وعدت المتخصصة في التراث الشعبي، الدكتورة فاتن صلاح سليمان: «الجلباب البلدي المصري مميز منذ المصريين القدماء»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «الصورة التي انتشرت والتعليق عليها بأنها لا تمثل المصريين أخذا منحى غريباً، وهناك أمثلة كثيرة تؤكد ارتباط هذا الزي بالمصريين منذ القدم، فهو قريب جداً من أزياء الكهنة المصريين المعروضة في بعض متاحف العالم»، وأكدت فاتن أن «الجلباب المصري لا مثيل له في العالم، ويختلف عن الجلباب السوداني أو العربي أو المغربي، وهذا الزي انتشر في الفترة القبطية، وكان يصنع من القماش القباطي المصري، وهو خليط من القطن والكتان، وله شكل مميز للغاية».

وقالت إن «هذا الزي يمثل الهوية المصرية ومشرّف لأي شخص يرتديه، ويعبر عن الأصالة والثقافة المصرية الخالصة، والمفروض أن نعتز بهؤلاء الناس لأنهم يعبرون عن جزء مهم من موروثنا الثقافي الشعبي المصري».

ووصفت الدكتورة نهلة إمام، مستشارة وزير الثقافة المصري لشؤون التراث غير المادي، التعليق الذي نشرته سمر فودة، بشأن عدم تمثيل هذا الزي لهوية المصريين، بأنه «مؤلم بالنسبة لها»، وقالت في تصريحات متلفزة إن «الجلابية هي زي الفلاح المصري التقليدي، وتُعد جزءاً من هوية الشعب المصري وتاريخه، وعلينا أن نقدر هذا التراث ونفخر به».

وأشار الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، إلى أن «الحديث عن الجلباب بأنه لا يعبر عن المصريين ولا يعبر عن وضعهم الحضاري، ويجب عدم الالتفات إليه لأنه يحمل قصوراً في الفكر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يصح بشكل من الأشكال أن نهين رمزاً يمثل الغالبية من سكان مصر، وأن نعتبر زياً لا يعبر عنا ولا يناسب المصريين حضارياً»، وأوضح أن «هذا الكلام حظي بتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنه يمس كل المصريين تقريباً، ففي كل منطقة بمصر هناك نمط معين من الجلباب، ومن ثم يجب الاعتداد به واحترامه كزي شعبي ممتد منذ سنوات طويلة، ويجب عدم التعرض له بالإهانة أو التقليل من شأنه».

وقال الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، مؤسسة حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن «معظم شعوب العالم لها زي قومي مميز تفتخر به وترتديه على المستويين: القومي والشعبي، ويعد جزءاً لا يتجزأ من هويتها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يوجد زي له احترامه مرتبط بثقافة مناطق معينة وهوية مصر بشكل عام، مثل الجلباب والعمامة في الصعيد، والجلباب والطاقية بوجه بحري»، لافتاً إلى التنوع الثقافي في مصر والذي يعكسه الزي والفنون المرتبطة، مطالباً بـ«السعي لتسجيل هذه المفردات تراثاً عالمياً ثقافياً ضمن التراث اللامادي بـ(اليونيسكو)».


مقالات ذات صلة

«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

يوميات الشرق مركبات «التوك توك» في الجيزة بشارع المريوطية (الشرق الأوسط)

«التوك توك» يراوغ حظر السير في شوارع القاهرة

بعد مرور نحو أسبوع على قرار محافظتي القاهرة والجيزة بحظر سير مركبات «التوك توك» بمحاور وشوارع رئيسية فيهما، يبدو أن القرار لم يلقَ استجابة كاملة.

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق جمهور يتعلّم الخروج عن المألوف (متروبوليس)

«متروبوليس»... 20 عاماً من المشاكسة السينمائية

ما يبدو برنامجاً طبيعياً في إحدى السينماتيك الأوروبية، هو في بيروت حدث يستحقّ التوقّف عنده...

فاطمة عبد الله (بيروت)
شمال افريقيا المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي

الحكم بسجن مرشحة سابقة لـ«رئاسية» تونس أربع سنوات

قضت المحكمة العسكرية في تونس بسجن المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي، أربع سنوات بتهم متعددة، من بينها «التآمر على أمن الدولة».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

جدل في مصر حول ألقاب السيسي

أثار إطلاق لقب «فخامة الرئيس الزعيم» على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بوسائل إعلام محلية محسوبة على الدولة ردود فعل متباينة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026».

محمد الكفراوي (القاهرة )

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.


مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)

أثارت واقعة السائحتين البرازيليتين اللتين تحرَّشتا بالمارة في شوارع الإسكندرية ومحافظات مصرية أخرى، وصوّرتا مقاطع فيديو تضمنت إيحاءات ومشاهد خادشة للحياء، جدلاً في مصر، خصوصاً بعد إعلان وزارة الداخلية القبض على المدونتين واعترافهما بتصوير مقاطع «الفيديو الخادشة للحياء» لحصد المشاهدات.

في حين ترددت أنباء عن إخلاء سبيل البلوغر البرازيلية ماليفولا ألفيس وصديقتها برونا ميركاتيلي في قضية الإيحاءات الجنسية والصور الخادشة، بكفالة قدرها 40 ألف جنيه، وترحيلهما إلى بلدهما، وفق ما نشره موقع «القاهرة 24»، دون تأكيدات رسمية.

وكانت وزارة الداخلية المصرية قد أعلنت قبل يومين توقيف سائحتين برازيليتين، وقالت في بيان لها إنه «في إطار كشف ملابسات مقاطع فيديو تم تداولها بمواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن قيام سائحتين (تحملان جنسية إحدى الدول) بحركات استعراضية إباحية وتلميحات جنسية والتحرش بالمارة حال سيرهما بعدد من الشوارع بعدة محافظات».

وأضافت الوزارة أنه «بالفحص أمكن تحديد وضبط السيدتين الظاهرتين بمقاطع الفيديو (إحداهما صانعة محتوى) بنطاق محافظة الإسكندرية، وبمواجهتهما اعترفتا بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، وقيامهما بتصوير تلك المقاطع ونشرها على صفحاتهما بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات».

وتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيالهما، وتولت النيابة العامة التحقيق. ونشرت مواقع مصرية معلومات عن الإفراج عن السائحتين بكفالة بعد تدخل سفارة بلدهما، وإعلان محامي الفتاتين أنه سدّد مبلغ الكفالة للإفراج عنهما، دون تأكيدات رسمية لخبر الإفراج.

وترى الخبيرة القانونية هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات من أجل حقوق المرأة، أن «الجدل المثار بشأن واقعة صانعتي المحتوى البرازيليتين في مصر يطرح تساؤلات قانونية مهمة حول حدود حرية صناعة المحتوى والمسؤولية القانونية عن الأفعال التي قد تمس كرامة الآخرين أو تنتهك الآداب العامة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية القانونية، فإن السعي إلى تحقيق المشاهدات والانتشار لا يبرر أي سلوك قد يشكّل تحرشاً بالآخرين أو اعتداءً على حقوقهم، على أن يتحدد التكييف القانوني وفقاً لطبيعة الأفعال والأدلة المتاحة والنصوص القانونية واجبة التطبيق».

وتابعت: «كما أن أنباء الإفراج عن المتهمتين، إن تأكدت رسمياً، لا تعني بالضرورة البراءة، إذ يجب التمييز بين قرارات إخلاء السبيل والأحكام القضائية النهائية. فالأصل هو قرينة البراءة، مع ضرورة احترام القانون وضمان حق الدفاع».

وتؤكد هبة عادل أن «سيادة القانون المصري واجبة على الجميع دون تمييز بسبب الجنسية، وأن مواجهة هذه الوقائع يجب أن تقوم على التحقيق الجاد والتطبيق العادل للقانون، بعيداً عن التشهير أو إصدار أحكام مسبقة، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات».

وتصدرت واقعة السائحتين «الترند» على «إكس» في مصر خلال اليومين الماضيين، وسط أنباء عن تصدرهما «الترند» أيضاً في البرازيل، مع انتشار مقاطع فيديو قامتا بتصويرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط حالة من الاستنكار والاستهجان للواقعة، مع تعليقات تشير إلى أن الفتاتين متحولتان جنسياً ودأبتا على تصوير مثل هذه المقاطع لحصد المشاهدات.

«تكشف واقعة المدونتين البرازيليتين في مصر عن تحول مهم في اقتصاد المحتوى الرقمي، حيث لم تعد المشاهدات مرتبطة بجودة المحتوى فقط، بل أصبحت أحياناً مرتبطة بقدرته على إثارة الجدل واستفزاز الجمهور»، وفق الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «يمكن فهم الواقعة باعتبارها نموذجاً لاقتصاد الانتباه، الذي تتحول فيه ردود الفعل الغاضبة والانتقادات إلى أدوات لزيادة الانتشار، وربما تحقيق عوائد مادية، فالهجوم على صانع المحتوى لا يعني بالضرورة تراجع شعبيته، بل قد يضاعف وصوله ويمنحه شهرة تتجاوز الحدود الجغرافية».

ويتابع: «كما أن انتقال القصة من مصر إلى البرازيل يعكس قوة المنصات الاجتماعية في إعادة صياغة الأحداث وفقاً للسياقات الثقافية والإعلامية المختلفة، فما يُقدَّم محلياً باعتباره قضية تتعلق بالآداب العامة واحترام حقوق الآخرين، قد يُناقَش خارجياً من زوايا تتعلق بالحريات الفردية والإجراءات القانونية».

وعدّ فتحي أن «التحدي الحقيقي أمام المنصات الرقمية هو ألّا تتحول الخوارزميات إلى مكافأة للسلوك الاستفزازي على حساب المسؤولية المجتمعية، فحرية صناعة المحتوى لا تعني انتهاك حقوق الآخرين».


500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
TT

500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)
التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

تستعد مؤسسة «رويال كوليكشن» لإقامة معرض استثنائي في الغاليري الملحق بقصر باكنغهام العام المقبل، يروي تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية عبر نحو 300 قطعة تعود أقدمها إلى القرن السادس عشر، وهي المرة الأولى التي تجتمع فيها أهم القطع المملوكة للعائلة المالكة البريطانية تحت سقف واحد.

ولا تكمن أهمية المجوهرات التي ارتداها ملوك وملكات بريطانيا في القيمة المادية فقط، بل في التاريخ والقصص التي عاصرتها كل قطعة، وهو الخط السردي الذي سيأخذه المعرض حيث سيعرض إلى جانب التيجان والأقراط والبروشات أيضاً اللوحات الفنية والوثائق التي سترسم صورة لما تكتنزه كل قطعة من تاريخ بريطانيا والعائلة.

الخاتم الذي ارتدته فيكتوريا وهي رضيعة (رويال كوليكشن ترست)

يتبع المعرض الذي يحمل عنوان «المجوهرات الملكية من التتويج إلى التذكارات» رحلة هذه القطع منذ تصميمها على أيدي الصاغة المعتمدين لدى القصر، حتى إبداعات دور مجوهرات رائدة، مثل فابرجيه وبوشرون وكارتييه وغيرها.

قصص وتاريخ

بحسب بيان لـ«رويال كوليكشن»، سوف تتاح للزوار رؤية قطع ارتداها الملك هنري الثامن والملكة فيكتوريا والملكة إليزابيث الثانية، وصولاً للملكة كاميليا. ولا يغيب عن الزائر أن قطع المجوهرات المختلفة يتداولها أعضاء الأسرة في المناسبات المختلفة، وبذلك تكتسب كل قطعة معاني جديدة وقصصاً مختلفة.

تمر بنا القطع ببلاغة عبر الأجيال المختلفة، فعلى سبيل المثال هناك التاج الماسي الذي صنعته دار راندل، «بريدج آند راندل» في عام 1820 لمراسم تتويج الملك جورج الرابع، الذي جرى العرف أن ترتديه الملكات في الافتتاح الرسمي للبرلمان، وظهرت به الملكة كاميلا أثناء مراسم افتتاح البرلمان في شهر مايو (أيار) الماضي. التاج مرصع بـ1333 ماسة تزن سوياً 320 قيراطاً، إلى جانب ماسة صفراء وصفين من اللؤلؤ تحيطان بقاعدة التاج، وقد ارتدته الملكة إليزابيث الثانية لاحقاً في الصور التي ظهرت على العملات المعدنية والأوراق النقدية والطوابع البريدية. وتبرز في العرض قلادة من «فابرجيه» مرصعة بحجر الأكوامارين، وهي هدية من الملكة ماري لحفيدتها الملكة إليزابيث الثانية.

قلادة من «فابرجيه» مرصعة بحجر الأكوامارين وهي هدية من الملكة ماري لحفيدتها الملكة إليزابيث الثانية (رويال كوليكشن ترست)

فيكتوريا وألبرت

ويمنح المعرض مساحة خاصة للعلاقة الشهيرة بين الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت من خلال مقتنيات شخصية تحمل طابعاً عاطفياً، بينها الخاتم الذي ارتدته فيكتوريا وهي رضيعة، ودبوس الزينة المرصع بالياقوت والألماس الذي أهداها إياه ألبرت في الليلة التي سبقت زفافهما. وهناك أيضاً سوارٌ مرصع بحصى جمعها الزوجان خلال رحلتهما الأولى التي سافرا فيها بمفردهما، ودبوسٌ على شكل زهرة الشوك يحتوي على أول سنٍ لبنية لابنتهما الكبرى، وهي السن التي خلعها ألبرت بنفسه.

دبوسٌ يحتوي على أول سنٍ لبنية للابنة الكبرى للملكة فيكتوريا والأمير ألبرت (رويال كوليكشن ترست)

تكتمل المجموعة بخاتم الحداد الخاص بفيكتوريا، الذي يحمل صورة ألبرت وحرفي اسميهما متشابكين. وقد ارتدت الملكة هذا الخاتم بعد وفاته عام 1861، حين كان في الثانية والأربعين من عمره. كما يضم العرض «التاج الماسي الصغير» الخاص بالملكة فيكتوريا، وهو تاج ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً لدرجة أنه وُضع فوق نعشها خلال فترة إلقاء نظرة الوداع عليها.

الملكات والقرينات

الملكة إليزابيث الثانية وهي ترتدي التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» في عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

وسيضم المعرض كذلك مجوهرات ارتبطت بكل ملكة أو قرينة ملك، بدءاً من الملكة شارلوت، وصولاً إلى الملكة إليزابيث الثانية، ما يبرز تطور الأنماط الملكية؛ من فخامة العصر الجورجي ومشاعر العصر الفيكتوري، مروراً بطراز «آرت ديكو» (Art Deco)، وصولاً إلى تصاميم منتصف القرن العشرين. ولأول مرة، سيُعرض طقم من مجوهرات حجر العقيق الأحمر (الجارنت)، التي ربطتها أبحاث حديثة بالملكة شارلوت، زوجة الملك جورج الثالث.

من جانبها، علّقت المنسقة المشاركة للمعرض كارولين دو غيتوت، في بيان: «هذا المعرض غير المسبوق سيجمع أهم وأفخم مجوهرات في التاريخ البريطاني، وعدد كبير منها لم يعرض من قبل ... كل جوهرة تجمل معها قصة إنسانية عن الحب أو الفقد، السلطة والسياسة، العائلة والعقيدة. مجتمعة شهدت القطع المعروضة على لحظات فاصلة في حياة أعضاء الأسرة، وتوفر لنا المشاهدين نظرة قريبة للأشخاص والعلاقات التي شكلت العائلة المالكة عبر الأجيال».

المعرض سيقام في «ذا كنغز غاليري» في شهر يونيو (حزيران) من العام المقبل، وسيستمر لـ9 أشهر.