ميهاي مينكان: عدتُ إلى زمن الطفولة في «أسنان لبنيّة»

المخرج الروماني تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن كواليس فيلمه

مخرج الفيلم الروماني (الشركة المنتجة)
مخرج الفيلم الروماني (الشركة المنتجة)
TT

ميهاي مينكان: عدتُ إلى زمن الطفولة في «أسنان لبنيّة»

مخرج الفيلم الروماني (الشركة المنتجة)
مخرج الفيلم الروماني (الشركة المنتجة)

قال المخرج الروماني ميهاي مينكان إن فيلمه «أسنان لبنيّة» الذي شارك في الدورة الماضية من مهرجان الجونة السينمائي بمصر، ينبع من عالم عرفه عن قرب؛ إذ تدور أحداثه في فترة الثورة الرومانية التي عايشها طفلاً، مشيراً إلى أنه كان في التاسعة من عمره حينها؛ أي أصغر بعام من بطلة الفيلم «ماريا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء على هامش المهرجان أنه «استطاع أن يفهم ذلك العالم ويستوعب كيف يمكن لطفل أن يختفي في بيئة كهذه»، مؤكداً أن «ذكرياته عن تلك المرحلة لا تزال حاضرة بقوة، وإن كانت مجزأة إلى أصوات وألوان وقطع من الضوء وملابس وأشياء صغيرة».

وأوضح أنه رأى أنه من المهم العودة إلى تلك الحقبة ليكتب قصة تخلو من الطابع السياسي المباشر، لكنها تدور حول طفل يعيش في زمن مشحون بالسياسة، معتبراً أن الفيلم أيضاً محاولة للحديث عن جيله، وعن الأطفال الذين كانوا آنذاك، وعن العالم الذي نشأوا فيه قبل أن يصبحوا آباء اليوم.

أواخر الثمانينات

وتدور أحداث الفيلم «أسنان لبنيّة» حول قصة «ماريا»؛ الطفلة التي تعيش في رومانيا أواخر الثمانينات، وتشهد اختفاء أختها الصغرى بشكل مفاجئ؛ ما يغيّر حياتها إلى الأبد. ويتابع الفيلم كيف تحاول الفتاة الصغيرة، التي لا تتجاوز العاشرة من عمرها، أن تفهم ما حدث في عالم يعاني من الفقر والظلام والخوف، ويبحث عن معنى جديد بعد الانهيار السياسي والاجتماعي الذي شهده البلد آنذاك. من خلال نظرتها، يرصد العمل تحولات أسرة كاملة تهتز بفعل الفقد، ويغوص في تفاصيل عالم الطفولة الممزق بين الواقع والخيال.

ورغم أن الفيلم يبدأ باختفاء طفلة صغيرة، لكن ميهاي مينكان لا يسعى إلى حل لغز الغياب بقدر ما يركّز على ما يحدث بعده من أثر إنساني عميق، فالأطفال ليسوا محققين يحاولون كشف الجرائم، بل يحاولون فهم العالم المكسور من حولهم والعيش داخله رغم كل ما يفتقدونه من معرفة كاملة بالأحداث، وفق تعبير المخرج الروماني.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واستقى المخرج الكثير من تجربته الشخصية وذكرياته ليحافظ على صدق تلك الرؤية، وفق تعبيره، مؤكداً أنه «استلهم أيضاً من علاقته بابنته ومن ملاحظاته عليها عندما كانت صغيرة وتواجه صعوبة في الاندماج مع الآخرين؛ لأن التعامل مع الطفل كشخص حقيقي وليس كصورة عاطفية هو ما جنّبه المبالغة أو التجميل».

وكانت العودة إلى تلك السنوات بالنسبة إليه وسيلة لفهم العلاقة بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي، فهو يرى في كل شيء بعداً سياسياً، فالحياة في جوهرها مشبعة بالسياسة سواء أراد الإنسان الاعتراف بذلك أو لا، على حد تعبيره.

وأوضح أنه «لم يكن معنياً بالفصل بين الشخصي والجماعي، بل بكيفية إدراك التاريخ من موقع الفرد»، مشيراً إلى أنه «حين كان طفلاً لم يعرف الكثير عن الرئيس نيكولاي تشاوشيسكو؛ إذ لم يكن يمثل بالنسبة إليه سوى صورة ضخمة معلقة في الفصل الدراسي، لكنه كان يشعر جيداً بآثار سلطته في الحياة اليومية من فقر، وانقطاع الكهرباء، والخوف»، ولفت إلى أنه «أثناء كتابة السيناريو وضع نفسه في موقع الطفل الذي لا يملك لغة سياسية لوصف ما يجري، لكنه قادر على الإحساس الكامل بما يعيشه».

«إيقاع بطيء»

وعن الإيقاع البطيء في الفيلم يقول إنه «لم يكن مقصوداً بحد ذاته، بل نابعاً من طبيعة الحكاية ومن احتياجه للزمن الذي يتيح له سردها بصدق مع الشخصية»، موضحاً أن «الحكاية تخص (ماريا) وحدها، وهي التي تحدد مقدار الزمن الذي يجب أن يُمنح لها لتروي قصتها على نحو صادق وحقيقي».

وأضاف أن «الشعور بالذنب يشكّل محوراً أساسياً في التجربة النفسية لـ(ماريا)؛ إذ تحمل في داخلها شعوراً دائماً بالمسؤولية عن اختفاء أختها»، موضحاً أن هذا الذنب ليس بلا سبب؛ لأن الفيلم يقدّم في بدايته إشارة إلى أن «ماريا» كانت هي من يُفترض بها أن تخرج لتلقي القمامة في ذلك اليوم، لكنها كذبت على والديها، فذهبت أختها بدلاً منها، ولم تعد بعد ذلك.

وأكد أن هذا الشعور يلازم «ماريا» طوال الوقت؛ إذ تظل تتساءل عما كان سيحدث لو أنها هي التي خرجت، فتتخيل نفسها في موضع الأخت المفقودة، وهو ما يجعلها تعيش حالة معقدة من الانقسام داخلها، مشيراً إلى أنه رسم شخصيتَي الأب والأم بعد استلهام تفاصيلهما من والديه وأصدقائهما، لكون النمط التقليدي الذي يجعل الأب قوياً والأم ضعيفة لا يعكس الواقع الذي عاشه في طفولته.

من كواليس تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

وعن تصميم الصوت في الفيلم يقول إنه «شكّل عنصراً جوهرياً في التعبير عن مشاعر (ماريا)»، موضحاً أنه «عمل مع مصمم الصوت نيكولا بيكر على خلق عالم صوتي يوحي بالهدوء المقلق، وكأن شيئاً عنيفاً يختبئ تحت السطح في انتظار الانفجار».

وأوضح أن «التصوير اعتمد على الارتجال واستخدام الكاميرا المحمولة باليد؛ لأنهما أرادا منح الطفلة حرية الحركة ومتابعتها من قرب بدلاً من تقييدها بحركة محسوبة حول الكاميرا»، مشيراً إلى أن «تشيبر يبدع حين يبحث عما لا يعرفه مسبقاً، لذلك كانت التجارب المستمرة قبل كل لقطة ضرورية للوصول إلى النغمة البصرية التي تشبه تنفس (ماريا)».

«ذاكرة العتمة»

وأكد أن «استخدام الظلام في الفيلم لم يكن رمزياً، بل امتداداً لذاكرته عن الطفولة التي كانت مليئة بـ(العتمة) والأشكال الغامضة والكوابيس التي قد تظهر في أي لحظة»، مشيراً إلى أن «الظلام بالنسبة إليه ليس استعارة بصرية، بل جزء من الواقع الذي نشأ فيه... عالم تغلب عليه القتامة والتهديد».

وأشار إلى أن «نهاية الفيلم تمزج بين الحزن والأمل»، معتبراً أن العمل في جوهره حكاية عن البقاء، لا عن الخيبة، وأن النجاة ليست انتصاراً خارجياً، بل فعل داخلي هادئ يعيد للطفلة توازنها مع العالم.


مقالات ذات صلة

كوسارا ميتيتش: اخترت نهاية مفتوحة لـ«17» لندرة الحياة الواقعية

يوميات الشرق ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)

كوسارا ميتيتش: اخترت نهاية مفتوحة لـ«17» لندرة الحياة الواقعية

فيلم «17» عُرض للمرة الأولى في «مهرجان برلين»، وهو العمل الروائي الطويل الأول للمخرجة المقدونية كوسارا ميتيتش، ويقدم دراما إنسانية تدور في فضاء المراهقة.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما ‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

عاد فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2»، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كالسابق.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق ثريا بغدادي تستعيد مارون من الذاكرة (المنتجة جانا وهبه)

«ثريا حبي» يُعيد المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته

الفيلم هو مراجعة؛ اعترافات لامرأة تجلس لساعات أمام حاسوبها بباريس، لتروي للمخرج الذي يحاورها على الجانب الآخر من بيروت...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق كلّ شيء في مكانه... ما عدا الداخل (IMDB)

الخوف الذي تعلَّم الرقص: الوجه الإنساني لمايكل جاكسون

لم يُرمِّم الفنّ طفولة مايكل، لكنه منحها شكلاً يمكن للجمهور أن يُصفِّق له...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

مسابقة «النقاد للأفلام العربية» تجتذب القضايا السياسية والإنسانية

أهمية جوائز «النقاد للأفلام العربية» لا تقتصر على تكريم أفضل الإنتاجات، وإنما تمتد إلى دورها الحيوي في تسليط الضوء على السينما العربية ضمن سياق دولي واسع.

أحمد عدلي (القاهرة)

حريق «بيت بابا» يعيد الجدل بشأن تأمين مواقع التصوير في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «بيت بابا» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «بيت بابا» (الشركة المنتجة)
TT

حريق «بيت بابا» يعيد الجدل بشأن تأمين مواقع التصوير في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «بيت بابا» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «بيت بابا» (الشركة المنتجة)

أعاد حريق الجزء الثاني من المسلسل الكوميدي «بيت بابا»، الذي يُصوِّر حالياً، الجدل بشأن تأمين «مواقع التصوير» في مصر، بعدما التهمت النيران ديكورات خشبية، صباح السبت، من دون حدوث أي إصابات بشرية.

ونشر الفنان عبد الرحمن حسن، أحد المشاركين في العمل، فيديو من موقع الحريق على خاصية «ستوري»، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، أظهر تصاعد النيران بشكل بالغ في الموقع قبل أن يُسيطر عليه سريعاً.

من جانبه، قال الفنان المصري محمد محمود، بطل مسلسل «بيت بابا»، إن ديكور منزل «أسعد»، الذي يجسد شخصيته خلال الأحداث لم يحدث به أي أضرار، موضحاً أن الحريق طال ديكور «منزل ابنته في العمل».

وأكد أنه لم يكن حاضراً في موقع التصوير في أثناء اندلاع الحريق، لكنه اطمأن على جميع العاملين في المسلسل، ولم تحدث أي إصابات بشرية، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «النيران التهمت الديكور بسبب خارج عن الإرادة، وهو انفجار جهاز إضاءة، ربما لتعرُّضه لأحمال زائدة، لكن المطافي سيطرت على الوضع».

وكشف محمد محمود عن استكمال التصوير بشكل طبيعي في مواقع التصوير الأخرى، على أن تُشيَّد ديكورات الموقع المحترق مجدداً، ويُعاد تصوير المشاهد التي تخصه.

مسلسل «بيت بابا»، الذي عُرض الجزء الأول منه قبيل بداية موسم دراما رمضان الماضي، بطولة محمد أنور، ومحمد محمود، وانتصار، ومريم الجندي، وسامي مغاوري، وأحمد عبد الحميد، ورانيا محمود ياسين، وعبد الرحمن حسن، وغيرهم، تدور أحداثه في إطار كوميدي اجتماعي حول مشكلات وتفاصيل أسرة مصرية.

لقطة من ستوري الفنان عبد الرحمن حسن عن الحريق (فيسبوك)

الناقد الفني المصري عماد يسري، أكد أن تجنب وقوع الحرائق المتكررة في مواقع التصوير بشكل عام هي مهمة إنتاجية في المقام الأول، ولا بد من تأمين الديكورات التي تحتوي على مواد سريعة الاشتعال، واعتماد منظومة حماية صارمة ومضمونة.

وأضاف يسري لـ«الشرق الأوسط» أن «استعمال بعض المواد والخامات الرديئة، بهدف التوفير في الميزانية أحياناً، هي أحد الأسباب الرئيسية فيما يحدث»، لافتاً إلى أن مضاعفة الجهد والأموال لإعادة تشييد الديكورات بعد أي حريق، ستكون أكبر مما توفّر.

وأشار الناقد الفني إلى أن هناك تهاوناً في بناء الديكورات أحياناً، فلا بد أن يكون التصريح بشروط وضوابط، وباستخدام خامات معينة، ونظم تأمينية شديدة، والاستعانة بمتخصص في هذا الشأن، حتى لا تتكرر تلك الكوارث مرة أخرى.

من جانبها، أكدت نقابة «الممثلين»، متابعتها لحريق موقع تصوير المسلسل، المفاجئ منذ اللحظات الأولى، والاطمئنان على فريق العمل، مشيرة، في بيان صحافي، السبت، إلى أنها أجرت اتصالات مباشرة مع الجهة المنتجة، وعدد من الأبطال، وتأكدت من سلامة الجميع عقب السيطرة على الحريق، إلى جانب متابعتها جميع التفاصيل الخاصة بالحادث حتى عودة التصوير بشكل طبيعي.

وأوضحت النقابة، في بيانها، أنها تواصلت مع المشرف العام على الإنتاج، الذي أكد أن قوات الحماية المدنية تمكنت من احتواء النيران سريعاً، وأن الحادث لم يُسفر عن إصابات بشرية، في حين تعرَّضت أجزاء كبيرة من الديكور للتلف.

وقبل حريق مسلسل «بيت بابا»، شهدت مواقع تصوير لمسلسلات رمضانية أخيراً حرائق أيضاً منها «علي كلاي» الذي تعرَّض لحريق محدود في أحد المواقع بسبب إشعال «ألعاب نارية»، وسُيطر عليه سريعاً من دون خسائر، وكذلك مسلسل «إفراج»، بسبب «ماس كهربائي».

وشهدت السنوات الماضية وقائع مماثلة، من بينها حريق «ستوديو الأهرام» خلال تصوير مسلسل «المعلم»، وحريق موقع تصوير في أثناء تصوير مسلسلي «جودر»، و«الكبير أوي»، وأيضاً «ستوديو مصر»، و«الحارة الشعبية» في مدينة الإنتاج الإعلامي.


محمد الزوعري: العمل بالإعلانات أفادني في «يوم سعيد»

المخرج السعودي محمد الزوعري (الشرق الأوسط)
المخرج السعودي محمد الزوعري (الشرق الأوسط)
TT

محمد الزوعري: العمل بالإعلانات أفادني في «يوم سعيد»

المخرج السعودي محمد الزوعري (الشرق الأوسط)
المخرج السعودي محمد الزوعري (الشرق الأوسط)

أكد المخرج السعودي محمد الزوعري أن مشاركة فيلمه الأول «يوم سعيد» في مهرجان «الإسكندرية للفيلم القصير» منحته فرصة مهمة للتواصل المباشر مع الجمهور المصري، مشيراً إلى أنه تلقّى ردود فعل إيجابية للغاية حول العمل. وأضاف أن المهرجان يتمتع بمكانة مميزة، ويولي اهتماماً خاصاً بصنّاع الأفلام الشباب.

وأوضح الزوعري أنه سعى من خلال فيلمه إلى تقديم تجربة ممتعة للمشاهد، إلى جانب تصوير ملامح مدينته الرياض بكل ما تحمله من زحام وإيقاع حياة متسارع. وعدَّ نفسه محظوظاً لانتمائه إلى جيل نشأ في ظل انفتاح سينمائي أسهم في تسهيل الكثير من التحديات، لافتاً إلى أن خبرته الطويلة في إخراج الإعلانات انعكست إيجاباً على تجربته السينمائية.

وقد لفت «يوم سعيد» أنظار جمهور الإسكندرية، حيث تفاعل الحضور مع مواقفه الكوميدية، وملأت الضحكات صالة العرض، في ظل ندرة هذا النوع من الأفلام ضمن فعاليات المهرجان.

تدور أحداث الفيلم حول «سعيد»، موظف يستيقظ متأخراً عن عمله، لينطلق يومه في حالة من الارتباك ويواجه سلسلة من المواقف غير المتوقعة؛ بدءاً من تعامله مع رئيسه، مروراً بمواقف معقدة يفقد خلالها حذاءه في أثناء الصلاة في المسجد، قبل أن يعثر عليه لدى شخص آخر في مطعم، وصولاً إلى أزماته الشخصية مع زوجته التي تطالبه بالطلاق، متهمةً إياه بعدم الوفاء بوعوده.

لقطة من فيلم «يوم سعيد» (الشرق الأوسط)

وعن فكرة الفيلم، أوضح الزوعري أنه يقدم يوماً واحداً في حياة موظف يحمل اسماً لا يعكس واقعه؛ إذ يعيش في مدينة مزدحمة كـالرياض، حيث يمكن لتأخير بسيط أن يربك اليوم بأكمله في ظل إيقاع لا يقبل التباطؤ. وأضاف أنه حرص على توثيق تفاصيل المدينة بكل عناصرها؛ من الشوارع والناس، إلى المسجد والمكتب والمنزل والمطعم والسيارات والمستشفى، مقدماً إياها ككائن حي يشبه فتاة جميلة، يجعلك ازدحامها تلهث، في انعكاس لحالة الإنسان المعاصر، خصوصاً في المدن الكبرى.

عمل محمد الزوعري مخرجاً في مجال الإعلانات على مدى 9 سنوات، خاض خلالها تجارب متعددة. ويقول: «أفادتني الإعلانات كثيراً، وما كسبته من أموال وجّهته لإنتاج الفيلم؛ إذ كان كل من يقرأ السيناريو يتحمس له ويؤكد تميّزه، ثم لا يُقدم على خطوة جادة، فقررت إنتاجه بنفسي. كما أتاحت لي الإعلانات خوض تجارب متنوعة في التكنيك والإيقاع والقدرة على التأثير، فكل إعلان كان يقودني إلى تجربة جديدة».

لكن الكتابة كانت طريقه إلى السينما، كما يوضح: «الكتابة هي البوابة التي دخلتُ منها إلى السينما. وكان الصديق الكاتب السعودي عبد الله أحمد قد اطَّلع على ما أكتبه، وقال لي: لماذا تكتب كل هذه التفاصيل المرتبطة بعمل المخرج؟ فقلت له: لأنني سأصبح مخرجاً. وبالفعل، بدأت بتنفيذ إعلانات أكتبها وأخرجها، ثم اتجهت إلى الكتابة الدرامية في مسلسل (كروموسوم)، قبل أن أشق طريقي نحو السينما».

ويشير إلى مشاركة فيلم «يوم سعيد» في نحو 25 مهرجاناً حتى الآن، منذ عرضه الافتتاحي في «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» 2024، ثم «مهرجان أفلام السعودية»، إضافة إلى مشاركاته في مهرجانات بأميركا وألمانيا، وأخرى في العراق والكويت.

وقد حرص المخرج على رصد ردود فعل الجمهور على الفيلم، رغم اختلاف الثقافات بين الدول التي عُرض فيها، ولاحظ تفاعلاً متشابهاً مع كوميديا العمل في المواقف نفسها؛ لأن قصة الفيلم تمسُّ الإنسان في أي مكان، حين يمر بيوم يشعر فيه أنه ليس يومه، مؤكداً أن هدفه الأساسي هو تحقيق المتعة للمشاهد.

الممثل السعودي عبد الحميد العمير بأحد مشاهد الفيلم (الشرق الأوسط)

وجذب الممثل عبد الحميد العمير، بطل الفيلم، الأنظار بأدائه لشخصية «سعيد»، ليكون الفيلم بمثابة اكتشاف له وللمخرج. ويقول إن العمير زميله في العمل، وقد كتب الفيلم واضعاً إياه في ذهنه، لما رآه فيه من موهبة لافتة. كما قدَّمه في البداية في أحد الإعلانات، فاختاره المخرج علي الكلثمي من خلال ذلك الإعلان ليشارك في فيلم «مندوب الليل».

ورغم تفوق الزوعري في مجال الكوميديا، فإنه يرى أنه لا يزال في طور التجربة، وأن الرحلة طويلة. غير أن أهم ما يحرص عليه هو امتلاكه «طاقة للتجريب في أفلام مختلفة»، لذا قرَّر إخراج 3 أفلام قصيرة بأشكال درامية متنوعة، تُتيح له اختيار الأنسب حين يشرع في تنفيذ فيلمه الطويل الأول، وفق قوله، مؤكداً اهتمامه «برصد العلاقة بين الرجل والمرأة في أفلامه، وهي العلاقة التي لم تتناولها السينما السعودية بشكل كافٍ حتى الآن».

ويُبدي الزوعري سعادته بانتمائه إلى جيل ظهر في ظل انفتاح سينمائي كبير على مختلف المستويات، من حيث تعدد الإنتاجات، ودعم الأفلام، وتوفر فرص الدراسة المتخصصة، إضافة إلى المهرجانات، مما يفتح آفاقاً واسعة أمام المواهب السعودية. ويقول: «لا شك أنني محظوظ لكوني أبدأ في ظل ظروف مشجعة للمواهب الحقيقية».

كما يعرب عن إعجابه بالتطور اللافت في الإنتاج السينمائي السعودي، وظهور أعمال تحمل أصواتاً حقيقية، على غرار فيلم «آخر سهرة في طريق (ر)» للمخرج محمود الصباغ، الذي يرصد من خلاله علاقة الإنسان بالمدينة.


«راقصة الزعماء»… سهير زكي ترحل بعد اعتزال طويل

سهير زكي (يوتيوب)
سهير زكي (يوتيوب)
TT

«راقصة الزعماء»… سهير زكي ترحل بعد اعتزال طويل

سهير زكي (يوتيوب)
سهير زكي (يوتيوب)

غيَّب الموت الفنانة الاستعراضية والراقصة المصرية المعتزلة سهير زكي، السبت، عن عمر ناهز 81 عاماً، تاركة وراءها حزناً في الأوساط الفنية، ولدى جمهورها الواسع الذي طالما ارتبط بفنها الاستعراضي.

جاءت الوفاة بعد أزمة صحية ألمت بالفنانة، نُقلت على أثرها إلى أحد مستشفيات العاصمة القاهرة؛ حيث مكثت لأكثر من شهر، وخضعت لسلسلة من الفحوصات الطبية، وأُدخِلت العناية المركزة إثر مضاعفات مرتبطة بالتهاب رئوي حاد، لتفارق الحياة صباح اليوم، مسدلة الستار على مشوار فني طويل.

ولدت سهير زكي عبد الله في 4 يناير (كانون الثاني) 1945 بمدينة المنصورة. تعود أصولها إلى صعيد مصر. بدأت خطواتها الأولى في عالم الفن من مدينة الإسكندرية، قبل أن تشدَّ الرحال إلى القاهرة بحثاً عن فرص أوسع. وهناك، وقفت لأول مرة على المسرح للرقص عام 1963 على نغمات أغنية «أنت عمري» للفنانة الراحلة أم كلثوم، لتكون أول فنانة استعراضية ترقص على نغمات «كوكب الشرق»، وفق قولها في إحدى مقابلاتها التلفزيونية.

شكَّلت مشاركتها في برنامج «أضواء المسرح» وعروضها في أبرز أماكن السهر نقطة تحوُّل حقيقية في مسيرتها الفنية، لتصبح في وقت قياسي إحدى أبرز نجمات الرقص الشرقي في عصره الذهبي.

شاركت الراحلة في أكثر من 50 عملاً سينمائياً جمعت فيها بين التمثيل والرقص، مؤسسة لأسلوب خاص تميز بالرشاقة، والإحساس العالي بالموسيقى.

لم يقتصر حضور الفنانة الراحلة على خشبات المسارح وشاشات السينما، بل امتد إلى القصور الرئاسية والمحافل السياسية الكبرى. فقد أحيَت حفلات زفاف أبناء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وقدَّمت عروضاً استعراضية داخل قصر شاه إيران محمد رضا بهلوي، كما رقصت أمام الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة.

ومن الطرائف اللافتة في مسيرتها إعجاب الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون بأدائها خلال إحدى زياراته إلى القاهرة، وأطلق عليها لقب «زغاريد» بعد أن تعرَّف على معنى الكلمة المرتبطة بالفرح والاحتفال في الثقافة العربية.

وزارت سهير زكي موسكو بدعوة خاصة من وزير الدفاع السوفياتي الجنرال أندريه غريتشكو، في عهد الرئيس ليونيد بريجنيف، وهي الزيارة التي تلت إعجابه الشديد بأدائها في القاهرة عقب نكسة 1967، وارتبطت بالواقعة الشهيرة التي عُرفت في الأوساط السياسية والفنية باسم قصة «طبق الجيلي» التي وثقها الكاتب ياسر ثابت في كتابه «قبل الطوفان».

كان فيلم «أنا اللي أستاهل» عام 1984 بمثابة مسك الختام لأعمالها السينمائية، قبل أن تقرر اعتزال الفن نهائياً في أوائل التسعينات. واختارت سهير بعد ذلك الابتعاد عن الأضواء والتفرغ لحياتها الخاصة مع زوجها المصور والمخرج محمد عمارة.

ويصف الناقد الفني المصري أحمد حسين صوان الراحلة بأنها «فنانة لا تعوض»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تُمثل سهير زكي مدرسة (السهل الممتنع) في الرقص الشرقي؛ فقد ابتعدت عن المبالغة واعتمدت على الرِّقة والإحساس العالي بالموسيقى، مما جعل فنها الراقي مقبولاً ومرحباً به في البيوت العربية خلال الستينات والسبعينات. ولم تكتفِ بذلك، بل تمردت بذكاء على النمط الكلاسيكي للرائدات مثل تحية كاريوكا، وسامية جمال، لتبتكر أسلوباً أكثر عصرية وسرعة يناسب جيلها. وتكتمل احترافيتها الاستثنائية بقرار اعتزالها الحاسم في قمة مجدها منتصف الثمانينات للتفرغ لأسرتها، لتضمن بقاء صورتها متوهجة في ذاكرة الجمهور».