«وي ديزاين بيروت»... جرعات من الإبهار بأنامل لبنانية

أكثر من 100 مصمم شارك فيه تحية للعاصمة الرائدة

الحرفي حسواني ينقش الخشب بأنامله (الشرق الأوسط)
الحرفي حسواني ينقش الخشب بأنامله (الشرق الأوسط)
TT

«وي ديزاين بيروت»... جرعات من الإبهار بأنامل لبنانية

الحرفي حسواني ينقش الخشب بأنامله (الشرق الأوسط)
الحرفي حسواني ينقش الخشب بأنامله (الشرق الأوسط)

فتحت بيروت ذراعيها متيحة لمجموعة من المصممين والمصممات إبراز رؤيتهم الإبداعية الخاصة بها. توزعوا على مساحات مختلفة من أحياء العاصمة ومبانيها التي تسكن ذاكرة الأجيال تحت عنوان: «نحن نصمم بيروت»، من بينها عمارة «برج المر» و«فيلا عودة» و«الحمامات الرومانية» و«بناية الاتحاد» ومصنع «أبرويان». أماكن زينها الفنانون بمنحوتات وصور فوتوغرافية، وأدوات إضاءة، وتجهيزات فنية وغيرها. فكانت بمثابة قصائد من نوع آخر، حاكت تاريخ المدينة بين الماضي والحاضر، ورسّخت الإبداع على سطح مدينة لم تفقد بريقها رغم محطات سوداء مرّت بها، فربحوا الرهان وصنعوا منها جوهرة نادرة، مطرّزة بأناملهم وأفكارهم غير التقليدية.

التجهيز الفني الخاص بالنساء العاملات في «سارزباغ» (الشرق الأوسط)

مساحات وتصاميم

كل مساحة من بيروت خُصصت للمعرض، حملت عنواناً يُشير إلى نوعية التصاميم فيها. «الحمامات الرومانية» وسط بيروت تحمل اسم «مياه وحجر»، وفيها تصاميم من الرخام لرانيا مالّي من تنسيق نور عسيران. وتعيد من خلالها تفسير تاريخ الموقع.

في حين تحتضن «بناية الاتحاد» معرضاً تحت عنوان «رحلة عبر العمارة والضوء». وهو بمثابة معرض استعادي لكريم نادر، يحوَّل خلاله المبنى موضوعاً وأداة في آن.

ويستضيف مبنى «برج المر» معرض «في صراع» لمجموعة من الطلاب المبدعين من 9 جامعات لبنانية؛ يبحث في كيفية تأثير الصراع على التجربة المكانية والشكل المعماري.

وفي «فيلا عودة» يقدم غريغوري غاتسيريليا «طواطم الحاضر والغائب»، تحية لمعرض «SMO» الرائد. وقد أسهم في إطلاق ورعاية كثيرين من أبرز أصوات التصميم في لبنان. ويستكشف هذا المعرض الذاكرة الشخصية والجماعية من خلال عدسة أعمال التصميم المعاصرة.

لوحة مصنوعة من قماش التول تمثّل أغصان شجرة (الشرق الأوسط)

مصنع «أبرويان»: إرث وأصوات جديدة

تحت عناوين عريضة وهي «خيوط الحياة» و«حرف فنية»، و«بشرة مدينة»، يستقبل مصنع «أبرويان» في منطقة برج حمود القسم الرئيسي من معرض «وي ديزاين بيروت» تحت اسم «إرث وأصوات جديدة».

تحتوي أقسامه على تجهيزات فنية ضخمة، وكذلك على أشغال يدوية شكّلت عرفاً متوارثاً على مر الأجيال. ويخصص مساحة للمنسوجات والتطريز والزجاج المنفوخ ومصنوعات القش والقصب وغيرها.

فلسطين تحضر من خلال جمعية «إنعاش»

من المحطات التي تستوقفك في مصنع «أبرويان» تلك المخصصة لفلسطين. تستحضرها جمعية «إنعاش» من خلال تصاميم الأزياء التقليدية لأهم مدنها. ومن بينها تلك الخاصة بغزّة والقدس والخليل وبيت لحم. وقد صمَّمها وخاطها مجموعة نساء في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

فستان تقليدي لنساء غزّة صنعته لاجئات فلسطينيات (الشرق الأوسط)

ويوضح مروان نعمان، من الجمعية المذكورة، أن هذا القسم هو بمثابة استعادة للأزياء التقليدية للنساء الفلسطينيات. ويتابع: «كل قطعة استغرقت نحو 8 أشهر من العمل، وجميعها من نوع الكانفاس المطرّز على اليد. ويتألّف كل زيّ مما يعادل الـ100 ألف قطبة وما فوق. كل زي تطبعه نوعية نسيج معينة. مجموعة ألوان تتراوح بين الأحمر والكحلي والأسود والبنفسجي». وعن الهدف من هذه التحية، يوضح مروان: «إنها مبادرة للحفاظ على إرث التطريز الفلسطيني وهويته الأصيلة».

حيكت الفساتين المعروضة بخيوط الحرير، ورسومات منمنمة تبرز جمالية اليد الحرفية التي صنعتها. كما تتلون بخيوط ذهبية لتؤلف أشكالاً مستوحاة من زهور حدائق يافا وغزة وبئر السبع.

عند مدخل المصنع يلفتك تجمّع من الكبار والصغار يتفرجون على حرفي يعمل في النجارة. اسمه نبيل حسواني ويعمل في مهنة النقش وتطريز الخشب منذ 55 عاماً، ومصنوعاته جميعها يدوية وتؤلف أسطح طاولات صغيرة. وكذلك طاولات النرد وصناديق المجوهرات. يوضح لـ«الشرق الأوسط»: «هي كناية عن خلطة من خشب الجوز والمانغا والكوتو. يضاف إليها مادة البلاستيك وقشور الخشب الملوّن».

تكمل مشوارك في مصنع «أبرويان» حيث تحتل المنسوجات قسماً لا يستهان به من المعرض.

فالنسيج بمثابة لغة حياة تدلّ على حقبات وتواريخ وتقاليد وثقافات وحضارات مختلفة. فالقطعة المنسوجة لطالما شكّلت حكايات وروت قصصاً ذكريات، فكانت بمثابة شاهد على الهوية. وفي هذا القسم تتنافس قطع القماش المصنوعة على شكل كرة أرضية، وأخرى تبدو كنُصب تذكارية تتدلّى منها منسوجات قطنية متراصة، في حين على الحائط تعلّق لوحة خيطت بحبال من قماش التول الأبيض، وأخرى مغطاة بمنسوجات ملونة تنتصب وسط المعرض كالشجر.

ومن التجهيزات الفنية التي تروي حكاية ممتعة تستوقفك تلك الخاصة بنساء مؤسسة «سارزباغ». فهذه المؤسسة التي أسستها سارة بيضون تعتمد فيها على أنامل النساء فقط. وتفتخر بأنها تحمل توقيع «صنع في لبنان». وفي معرض «وي ديزاين بيروت» يرتفع تجهيز فني مصنوع من القماش كتحية لهنَّ. وتوضح إحدى المشرفات على هذا القسم: «ما ترينه هنا هو كناية عن مجموعة أغطية للطاولات مصنوعة بسنارة الكروشيه. وقد أخذتها النساء العاملات في (سارزباغ) من خزانتها. فهي تشكّل واحدة من أغراض (جهاز العروس) التي حملتها معها من بيت عائلتها إلى منزلها الزوجي. وهذا التجهيز الفني بمثابة تحية تكريمية لهن».

ومن بين تلك الأقسام قسم خاص بالمصمم اللبناني سليم عزّام، يتألّف من طابقين، يروي فيه قصة حبّه الطويلة مع الإبرة والخيط.

في وسط هذه القاعة الشاسعة تمتد طاولة خشبية. وتحمل مجلات «بوردا» وخرائط وخيوطاً وقصاصات ورق تحكي عن تاريخ فن الخياطة بشكل عام. وتتوزع عليها مطرزات مشغولة باليد. وأخرى تتألف من أدوات خياطة قديمة. وفي زاوية تقبع ماكينة خياطة قديمة كانت تستخدمها نساء القرية التي يتحدّر منها سليم لحياكة الأزياء.

شرشف طاولة مطرّز بيد عاملات في دار المصمم حسن إدريس (الشرق الأوسط)

وفي استوديو خاص يحمل اسم صاحبه مصمم الأزياء حسن إدريس تستمع إلى قصة إبداع جديدة. وتطالعك في وسطه طاولة مغطاة بشرشف مطرّز برسومات الزهور، تؤلّف أشكالاً تشبه الأطباق، وفي وسطها باقة ورود ملونة تضفي البهجة على الغطاء. وتروي أندريا المشرفة على هذا القسم: «إنها نموذج عما يتقنه المصمم حسن إدريس في عالم التصميم. فهو يشتهر بتطريز فساتين السهرات والأعراس. وهذا الاستوديو بمثابة ملحق يعرض هذا الفن».

في قسم جانبي للمصنع وما إن تدخله حتى تشعر بارتفاع درجات الحرارة، لتكتشف أنه مخصص لصناعة الزجاج المنفوخ من ناحية وكيفية تذويب مادة الزجاج في فرن خاص من ناحية ثانية. ولد بعمر الثانية عشرة يقوم بمهمة تطويع الزجاج ونفخه. وبقربه يقف والده الذي يعرّف عن نفسه: «اسمي بطرس وأعمل في هذه المهنة منذ كنت صغيراً. ورثتها عن والدي، وقد علّمتها لابني. إنه إرثٌ نتغنَّى به ونحافظ عليه بوصفه مهنة أساسية في العائلة».


مقالات ذات صلة

سعيد قمحاوي في «بقاء مؤقت»: تجربة مفتوحة على تحوّلات المادة

يوميات الشرق عمل «زولية أمي» يستعيد الذاكرة عبر عرض بصري وصوتي على أرضية رملية (صور الفنان)

سعيد قمحاوي في «بقاء مؤقت»: تجربة مفتوحة على تحوّلات المادة

معرض سعيد قمحاوي الفردي يرتكز على مجموعة من الأعمال التركيبية واللوحات التشكيلية التي تتمحور حول الفحم ليس بوصفه وسيطاً...

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال العديد من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة «الأم الكبرى».

محمد الكفراوي (القاهرة )
خاص رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)

خاص ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

يحتفل متحف «ليتون هاوس» في لندن بالذكرى المئوية لإنشائه، وهو المنزل الذي بناه اللورد فريدريك ليتون في القرن الماضي، وبث فيه حبه للأسفار في الشرق الأوسط.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

يتحدى المعرض النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان كفترة اضمحلال فنرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً

إميلي لابارج (باريس)
يوميات الشرق الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

على المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية...

نادية عبد الحليم (القاهرة )

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.