ريما نجيم: أبرز عناوين عودتي الإذاعية تصويب النظرة إلى الرجولة والأنوثة

الإعلامية اللبنانية تطلّ بعد غياب بالصوت والصورة في برنامج صباحي غير تقليدي

الإعلامية اللبنانية ريما نجيم تعود إلى برنامجها الإذاعي بعد غياب 3 سنوات (صور نجيم)
الإعلامية اللبنانية ريما نجيم تعود إلى برنامجها الإذاعي بعد غياب 3 سنوات (صور نجيم)
TT

ريما نجيم: أبرز عناوين عودتي الإذاعية تصويب النظرة إلى الرجولة والأنوثة

الإعلامية اللبنانية ريما نجيم تعود إلى برنامجها الإذاعي بعد غياب 3 سنوات (صور نجيم)
الإعلامية اللبنانية ريما نجيم تعود إلى برنامجها الإذاعي بعد غياب 3 سنوات (صور نجيم)

أكثر من 25 عاماً استفاقت ريما نجيم خلالها ما بين الخامسة والخامسة والنصف فجراً. لا يُوقظها مُنبّه الواجب، بل شغف الأثير. تخبر الإعلامية اللبنانية «الشرق الأوسط» أنها لم تتعامل مع برنامجها يوماً على أنه وظيفة، فهذا الموعد الصباحي اليوميّ هو هواؤها وجرعتها الخاصة من الأكسجين.

لكن يحدث أن تقطع نجيم الهواء عن نفسها لفتراتٍ طويلة، فتقفل باب الاستوديو ويصمت أثيرها. تعود، اليوم، إلى الإذاعة بعد 3 سنوات من الغياب. تُصبّح على مستمعيها بعبارتها الشهيرة «الله معكن»، فيردّون فوراً «يا ريما»؛ وهو اسم برنامجها المتواصل منذ ربع قرن على إذاعة «صوت الغد» اللبنانية.

«طال غيابي. حذّرني كثيرون خلاله من ذاكرة المستمعين الضعيفة ومن مهنةٍ لا وفاء فيها». إلا أنّ أجمل ما اكتشفته ريما في أول «صبحيّة» بعد غياب، أنّ المستمعين كانوا على الموعد ومعها على الموجة نفسها.

أجمل ما في العودة وفاء المستمعين لي وللبرنامج- ريما نجيم (إنستغرام)

رغم تمسّكها بشغفها الإذاعي وبعلاقتها الوطيدة بالمستمعين، لكنها لا تسمح للهواء باستعبادها. ما إن تشعر باختناقٍ ما حتى تبتعد عن المذياع. تُشكّل ريما نجيم حالةً خاصة، إذ لا تكاد تمر سنوات قليلة على عودتها إلى الاستوديو، حتى تفاجئ جمهورها بغيابٍ جديد. أما السبب فغالباً ما يكون مرتبطاً بخلافات مع المؤسسة التي تعمل فيها، وفق ما تقول. «أجد أن المغادرة هي أفضل حل. أحرمهم مني لفترة حتى يعرفوا قيمتي»، كما تضيف ضاحكة.

تلك الثقة بالنفس استطاعت أن تبثّها ريما نجيم إلى جمهورها. ومن خلال الأفكار التي تناقشها، والحكايات التي تشاركها في برنامجها، حرّضتهم على حب الذات وتحطيم الخوف. نسجت علاقة وطيدة مع مستمعين نشروا كتاباً عنها لفرط ما تأثروا بها. «ذاك الكتاب الذي صنعه الجمهور هو أجمل ما حصدت من سنواتي الـ25 خلف الميكروفون»، كما تقول نجيم. «منهم مَن تبدّلت حياتهم جذرياً بسبب متابعة البرنامج؛ كهذا الذي عاد إلى الإيمان بسبب الصلاة الصباحية التي أرتجل يومياً، وكتلك التي تجرأت على الانفصال عن زوجها بعد سنوات من العذاب، إضافةً إلى حالات كثيرة أخرى سلكت طريق التحرّر ممّا كان يكبّلها».

غالباً ما تغيب نجيم لشهور وسنوات عن الهواء لتعود بعدها إلى مستمعيها (إنستغرام)

سبحت ريما نجيم عكس موجة البرامج الصباحية. مَن يتوقّع فقرة حركة السير والأحوال الجوية، أو وقفةً مع الأبراج، أو مقابلة مع اختصاصية تغذية أو طبيب، لن يجد مبتغاه في «يا ريما». توضح أنها منذ البداية انتفضت على تلك التركيبة التقليدية، وركّبت برنامجاً يشبهها. «لا أقرأ على الورق، ولا أحد يُعدّ لي المحتوى. أسلحتي على الهواء هي حواسي وعواطفي وشغفي»، كما تقول نجيم. وعلى ما يبدو، فإن تلك التوليفة راقت المستمعين، خصوصاً أنهم وجدوا أنفسهم جزءاً أساسياً من البرنامج.

تكون الانطلاقة مع فقرة Quote of the Day أو «مقولة اليوم»، وهي خواطر من تأليفها، غالباً ما تختزل فيها العلاقات الإنسانية المعقّدة أو الخيبات العاطفية. تتحوّل تلك المقولات إلى نقاشات بينها وبين المستمعين الذين يشاركون آراءهم عبر «واتساب» ووسائل التواصل الاجتماعي.

من الفقرات المستحدثة كذلك True Stories أو «قصص حقيقية». هذه المساحة يتحوّل فيها المستمعون إلى الشهود والنجوم، حتى وإن لم يفصحوا عن أسمائهم، فإنهم يُفصحون عن حكايات وتجارب إنسانية استثنائية، مثل الخيبات العائلية، والصدمات النفسية، وحالات الطلاق أو التعنيف، تتحوّل كلها إلى نقاش بين ريما والجمهور. تجد في هذا الغوص الإنساني مسؤولية كبيرة. «يخيفني المستمعون أحياناً لفرط ما يثقون بي ويفتحون لي قلوبهم»، كما تبوح الإعلامية.

انتفضت ريما نجيم على التركيبة التقليدية للبرامج الصباحية (صور نجيم)

في موسم العودة هذا، تتعمّد نجيم تصويب العلاقة مع الرجال. لطالما عُدَّت نصيرة المرأة وأطلقت «مواقف عنيفة تجاه الجنس الآخر»، تقرّ بأنها جمعت حولها «أعداء كثراً من الرجال، في الوقت الذي كان الهدف انتقاد التصرفات الذكورية وليس مهاجمة الرجال عموماً». أما اليوم فقد حان وقت تصحيح النظرة إلى مفهومَي الرجولة والأنوثة، من خلال الأفكار والقصص التي تشاركها في البرنامج.

التحدّي الآخر هو مجاراة جيلٍ جديد غير متآلف مع الراديو. «أصادفُ أحياناً فتيات يخبرنني بأنهن اعتدن الاستماع إليّ بسبب أمهاتهن، وهذا يسعدني»، كما تخبر نجيم. لكنّ استقطاب الجيل الصاعد لا يتّكل على التوريث فحسب، وتدرك نجيم هنا أهمية أسلوب الكلام مع «جيلٍ يحمل أفكاراً متقدّمة جداً، ولا سيما على المستويين النفسي والإنساني».

يحمل الموسم الجديد من البرنامج تغييراً في الشكل والمضمون (صور نجيم)

أثبتت تجربة ريما نجيم الإذاعية أن أحد المفاتيح الأساسية للوصول إلى آذان المستمعين ثم إلى أذهانهم، هو التوجّه إليهم باللغة التي تشبههم، «دون فلسفة»، وفق تعبيرها. توضح: «هذا لا يعني، على الإطلاق، تقديم محتوى تافه. أطرح عليهم أفكاراً عميقة تكون طريقةُ إيصالها مبسّطة».

لكن في عصر الصورة والفيديو والتفاعل المباشر بالتعليقات والـ«لايكات»، يجوز التساؤل عما إذا كانت الإذاعة قد لفظت أنفاسها الأخيرة. تُقرّ ريما نجيم بأن «الراديو بمفهومه التقليدي يعاني تراجعاً كبيراً»، موضحةً أنّ هذا الواقع الجديد فرض تركيب كاميرات داخل استوديو الإذاعة والإطلالة بالفيديو على الناس من خلال الموقع الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي.

من أجل ملاقاة متابعيها، تتأنّق ريما نجيم كما لو أنها تستعد لحفلة. كل يوم تطلّ بـ«لوك» جديد غالباً ما يكون مفاجئاً بالألوان والنظّارات والإكسسوار. «أحب الذهاب للأخير في المشهد، ثم إننا غالباً ما نضطر للتعامل مع الحياة كما لو أنها حفل كبير».

لا تعرف ما إذا كانت ستغيب عن السمع من جديد، لذلك فهي تَحضر إلى كل حلقة جديدة تجمعها بجمهورها مرتديةً «لوك العيد»، كما لو أن كل لقاء هو الأخير.


مقالات ذات صلة

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

يوميات الشرق فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

حصد صلاح لبن، المحرر في «إندبندنت عربية»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»، «جائزة فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»

«الشرق الأوسط» (ليماسول (قبرص))
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في روما يوم 15 أبريل 2026 (رويترز)

إيطاليا تستدعي سفير روسيا بعد إهانة مذيع تلفزيوني جورجيا ميلوني

انتقد السفير الروسي لدى إيطاليا الحكومة في روما، الأربعاء، بعد استدعائه بشأن تعليقات مسيئة من جانب مذيع تلفزيوني روسي بحق رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

«الشرق الأوسط» (روما)
خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

خاص بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)
إعلام مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.