التوأمتان التونسيتان بيسان وبيلسان كوكة تُتوجان بالمركز الأول في «تحدي القراءة العربي»

محمد بن راشد يؤكد أهمية تحصيل المعرفة للمضي في سباق الأمم

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوج الطالبتين التونسيتين التوأمتين بيسان وبيلسان كوكة بالمركز الأول في «تحدي القراءة العربي» (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوج الطالبتين التونسيتين التوأمتين بيسان وبيلسان كوكة بالمركز الأول في «تحدي القراءة العربي» (الشرق الأوسط)
TT

التوأمتان التونسيتان بيسان وبيلسان كوكة تُتوجان بالمركز الأول في «تحدي القراءة العربي»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوج الطالبتين التونسيتين التوأمتين بيسان وبيلسان كوكة بالمركز الأول في «تحدي القراءة العربي» (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوج الطالبتين التونسيتين التوأمتين بيسان وبيلسان كوكة بالمركز الأول في «تحدي القراءة العربي» (الشرق الأوسط)

تُوّجت الطالبتان التونسيتان التوأمتان بيسان وبيلسان كوكة بالمركز الأول في الدورة التاسعة من «تحدي القراءة العربي»، خلال الحفل الختامي الذي أقيم في دبي بمشاركة أكثر من 32 مليون طالب وطالبة من 50 دولة.

وأكد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن «شغف القراءة هو الصانع الحقيقي للتقدم البشري والمحرك الرئيسي لتطور المجتمعات»، مضيفاً أن «من يتأخر اليوم خطوة في تحصيل المعرفة، سيتأخر غداً أميالاً في سباق الأمم الطموحة لانتزاع قصب الريادة تنميةً وتأثيراً عالمياً».

تظاهرة قرائية

وشهد الحفل تكريم أصحاب المراكز الأولى في مختلف فئات «التحدي»؛ إذ نالت التوأمتان كوكة جائزة بقيمة نصف مليون درهم (136 ألف دولار)، تلاهما الطالب محمد جاسم إبراهيم من البحرين في المركز الثاني، والطالبة مريم محمد شامخ من موريتانيا في المركز الثالث.

كما كرّم الشيخ محمد بن راشد المشرفة المصرية سحر مصباح بعد فوزها بلقب «المشرفة المتميزة»، بحضور عدد من كبار الشخصيات، بينهم الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، والشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، والشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم.

وقال الشيخ محمد بن راشد: «أكثر من 32 مليون طالب عربي جديد في أكبر مشروع للقراءة في العالم. جيل واعد يستلهم تاريخنا الحضاري المجيد ويخاطب المستقبل بلسان فصيح. طلبة العرب يقرّبون اليوم مسافة الإنجاز بعقل وقّاد، وإرادة لا تنكسر، ورفيق لا غنى عنه اسمه الكتاب».

فئات متعددة

وتضمن الحفل تتويج الفائزين في فئات «المدرسة المتميزة»، و«بطل الجاليات»، و«أصحاب الهمم»، ونالت مدرسة عاتكة بنت زيد من الإمارات، ومدرسة طرابلس الحدادين من لبنان، مناصفةً، لقب «المدرسة المتميزة»، في حين حصلت «ابتدائية ابن خلدون» السعودية على المركز الثاني.

وفي فئة «أصحاب الهمم»، تُوّجت ماريا حسن عجيل من العراق بطلةً لـ«التحدي»، ونالت جائزة قدرها 200 ألف درهم (54.4 ألف دولار)، في حين نال جهاد محمد حسين فايد مراد من إيطاليا لقب «بطل الجاليات» وجائزة قدرها 100 ألف درهم (27.2 ألف دولار).

ترسيخ ثقافة القراءة

من جانبه، أكد محمد القرقاوي، الأمين العام لمؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية»، أن «تحدي القراءة العربي» يجسد رؤية الشيخ محمد بن راشد لأهمية نشر المعرفة وترسيخ القراءة كأساس للتنمية الحضارية.

وقال القرقاوي: «المبادرة نجحت في الوصول إلى الأجيال العربية الجديدة، وخلقت حراكاً معرفياً واسعاً يكرّس مكانة اللغة العربية، ويعزز انفتاح الأجيال على الثقافة الإنسانية».

الوزير محمد القرقاوي مع الفائزين خلال المؤتمر الصحافي (الشرق الأوسط)

وخلال مؤتمر صحافي عقب حفل التتويج، أكد القرقاوي أن معدلات القراءة ارتفعت بشكل لافت منذ انطلاق «التحدي» عام 2015؛ إذ قفز متوسط الوقت المخصص للقراءة خارج المدرسة من أقل من ساعة أسبوعياً إلى أكثر من أربع ساعات؛ أي ما يعادل نحو 200 ساعة قراءة سنوياً.

وأضاف أن الدراسة المشتركة مع «اليونيسكو» كشفت عن أثر عميق للمبادرة في تعزيز عادات القراءة وتنمية مهارات اللغة العربية؛ إذ ارتفع عدد الكتب التي يقرأها الطالب من ثمانية إلى أكثر من أربعين كتاباً سنوياً، مع تحسّن ملحوظ في الفهم القرائي والكتابة والمفردات.

وبيّن القرقاوي أن «التحدي» بات يحظى بتقدير واسع من المؤسسات التعليمية العربية والمنظمات الدولية، مؤكداً أنه أسهم في ترسيخ الهوية الثقافية العربية وتعزيز حضور اللغة العربية في المناهج والمجتمعات، مشيراً إلى أن أكثر من 80 في المائة من الطلبة المشاركين أصبحوا يقرأون بانتظام كل أسبوع، في مؤشر واضح إلى التحول الإيجابي الذي أحدثه «التحدي» في المشهد الثقافي العربي.

مشروع متجدد

وواصلت المبادرة ترسيخ مكانتها في العالم العربي؛ إذ دعت جامعة الدول العربية العام الماضي إلى اعتماد «تحدي القراءة العربي» كمشروع تربوي وثقافي دائم في مناهج التعليم العربي، كما أُطلقت مبادرات مكملة مثل «المكتبة الرقمية» بالشراكة مع «مؤسسة عيسى صالح القرق الخيرية»، لتعزيز وصول الطلاب إلى الكتب والموارد المعرفية.

أرقام قياسية

ومنذ انطلاقه، سجّل «تحدي القراءة العربي» مشاركة أكثر من 163 مليون طالب وطالبة عبر تسع دورات، بمساهمة 927 ألف مدرسة عربية، و877 ألف مشرف ومشرفة.

ويُعد المشروع إحدى أبرز المبادرات الثقافية في العالم العربي، الهادفة إلى ترسيخ حب القراءة وغرس الوعي المعرفي في نفوس الأجيال الجديدة، ليبقى الكتاب رفيقاً أساسياً في مسيرة التنمية العربية.


مقالات ذات صلة

«مركز دبي المالي العالمي» يسجل نمواً قوياً في قاعدة العملاء

عالم الاعمال «مركز دبي المالي العالمي» يسجل نمواً قوياً في قاعدة العملاء

«مركز دبي المالي العالمي» يسجل نمواً قوياً في قاعدة العملاء

أعلن «مركز دبي المالي العالمي» عن تحقيق نمو قوي في قاعدة عملائه خلال الربع الأول من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (دبي)
عالم الاعمال مركز دبي المالي العالمي يعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي

مركز دبي المالي العالمي يعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي

كشف مركز دبي المالي العالمي عن مبادرة استراتيجية لدمج قدرات الذكاء الاصطناعي في منظومته.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الخليج الشيخ محمد بن زايد والشيخ محمد بن راشد وعدد من الشيوخ والمسؤولين خلال لقاء عقد اليوم (وام)

قادة الإمارات يؤكدون قدرة البلاد على مواجهة التحديات

أكد قادة دولة الإمارات قدرة الدولة على التعامل مع مختلف التحديات، مشددين على متانة مؤسساتها وتماسك مجتمعها، وذلك في ظل استمرار التوترات الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
رياضة عالمية الشيخ حمدان بن محمد بن راشد ولي عهد دبي خلال تتويج «ماغنيتيود» باللقب (إ.ب.أ)

كأس دبي العالمية: «ماغنيتيود» يعيد الخيول الأميركية لمنصة التتويج

أعاد الجواد «ماغنيتيود» الخيول الأميركية إلى منصة التتويج للمرة الأولى منذ 10 سنوات بعد فوزه السبت بلقب كأس دبي العالمية في نسختها الثلاثين.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الخليج السيطرة على الحريق بشكل كامل من دون تسجيل أية إصابات (المكتب الإعلامي لحكومة دبي)

حريق محدود إثر سقوط «مسيّرة» على مبنى في دبي

أعلنت حكومة دبي، فجر الخميس، السيطرة على حريق محدود في مبنى بمنطقة «كريك هاربور»، بعد سقوط طائرة مسيّرة عليه.

«الشرق الأوسط» (دبي)

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.