قصور الأمن والتقشف في الإنفاق تسببا في سرقة «اللوفر»

تقرير سري لديوان المحاسبة انتقد متحف اللوفر لقصور نظام المراقبة بالفيديو في أجنحته الثلاثة

الزحام داخل إحدى غرف اللوفر بعد إعادة افتتاحه (أ.ب)
الزحام داخل إحدى غرف اللوفر بعد إعادة افتتاحه (أ.ب)
TT

قصور الأمن والتقشف في الإنفاق تسببا في سرقة «اللوفر»

الزحام داخل إحدى غرف اللوفر بعد إعادة افتتاحه (أ.ب)
الزحام داخل إحدى غرف اللوفر بعد إعادة افتتاحه (أ.ب)

كيف يُمكن حل مشكلة كمتحف اللوفر؟ ربما لا يُمكنك ذلك.

بدأ متحف اللوفر، أشهر متاحف العالم وأكثرها زيارةً، كحصن عسكري من العصور الوسطى، ثم أصبح قصراً. تطلّب الأمر ثورةً لتحويله إلى متحف. رمّمه الملوك والحكام أكثر من 20 مرة، مُرضين غرورهم، لكنهم تركوا وراءهم هيكلاً مُفككاً يقع على 25 طابقاً مختلفاً، ويمتد لمسافة نصف ميل. يعرض المتحف أكثر من 30 ألفاً من أصل 500 ألف عمل فني في أكثر من 400 غرفة. وهذا التاريخ المُعقّد والهوية المُتشابكة هما ما يجعلان اللوفر مبنىً يصعب مراقبته والإشراف عليه وحمايته.

قال جيرار أرو، رئيس جمعية أصدقاء اللوفر: «اللوفر قصرٌ لا يمتلك منطق المتحف. إنه عالمٌ قائمٌ بذاته». لقد أدت عملية السرقة الوقحة والتي بدت سهلة على ما يبدو، والتي استهدفت ثماني قطع من مجموعة جواهر التاج في متحف اللوفر صباح يوم الأحد، إلى جرح قيادة المتحف وسلطت الضوء على بروتوكولات الأمن في متحف اللوفر، والتي تم اختبارها على مر السنين من خلال عمليات الاقتحام والسرقات.

مجوهرات الإمبراطورة أوجيني في قاعة أبولو باللوفر (أ.ف.ب)

لم تتضرر سمعة المتحف بهذا القدر من جراء خطأ أمني منذ أن سرق فينتشنزو بيروجيا، الإيطالي الذي عمل زجاجياً في متحف اللوفر، لوحة الموناليزا عام 1911.

ومنذ يوم الأحد، تواصلت الاتهامات بالتراخي في حماية متحف اللوفر، لدرجة أن مجلس الشيوخ الفرنسي استدعى لورانس دي كار، مديرة المتحف، لتوضيح موقفها في جلسة استماع يوم الأربعاء.

وينتقد تقرير سري صادر عن ديوان المحاسبة، أعلى هيئة تدقيق في فرنسا، متحف اللوفر لقصور نظام المراقبة بالفيديو في أجنحته الثلاثة، والتخفيضات والتأخيرات الكبيرة في الإنفاق على الأمن في السنوات الأخيرة، واختلال الأولويات العامة.

وتشير الوثيقة إلى أن الإنفاق على الأمن في عام 2024 كان أقل بكثير مما كان عليه قبل 20 عاماً.

في جناح ريشيليو، الذي يضم لوحات لبوسان ودورر وفيرمير، بالإضافة إلى المجموعات الفارسية وبلاد الرافدين القديمة، لا تغطي كاميرات المراقبة سوى 25 في المائة من غرفه البالغ عددها 182 غرفة، وفقاً للتقرير.

ووفقاً لنسخة جزئية اطلعت عليها صحيفة «نيويورك تايمز»، أشار التقرير إلى وجود «تأخيرات كبيرة في الارتقاء بالمرافق التقنية للمتحف إلى المعايير الحديثة». ويلقي التقرير باللوم على إدارة المتحف لتركيزها على المشاريع الجديدة بدلاً من «الأعمال الضرورية» التي يحتاج إليها المتحف. ويضيف التقرير أن متحف اللوفر «يمتلك موارد وفيرة خاصة به، وينبغي استخدامه كأولوية للأعمال العاجلة».

مجوهرات اللوفر هدف اللصوص عبر التاريخ

تعكس المجوهرات التي يرعاها متحف اللوفر تقلبات التاريخ الفرنسي على مر العصور. من فرنسوا الأول إلى ماري أنطوانيت ونابليون بونابرت والإمبراطورة أوجيني، جمع أفراد العائلة المالكة الفرنسية كميات هائلة من الأحجار الكريمة. ارتدوها في التيجان والخواتم والدبابيس والأساور والأقراط والقلائد، ووضعوها فوق الصولجانات والعروش، أو أخفوها. خلال الحروب والتنافسات الملكية والثورات، بقيت عشرات الآلاف من هذه المجوهرات في حوزة الدولة الفرنسية. لطالما كانت هدفاً للصوص.

مجوهرات الإمبراطورة ماري لويز (أ.ف.ب)

أما بالنسبة للسرقات داخل متحف اللوفر، فقد كانت عملية اقتحام مشابهة إلى حد ما لتلك التي حدثت يوم الأحد في ديسمبر (كانون الأول) 1976 عندما اقتحم ثلاثة لصوص ملثمون المتحف فجراً. تسلقوا سقالة طاقم التنظيف، وحطموا نوافذ مكشوفة، وضربوا حارسين بالهراوات، وكسروا خزانة عرض زجاجية، واستولوا على سيف مرصع بالألماس كان ملكاً للملك تشارلز العاشر، الذي حكم في أوائل القرن التاسع عشر، خلال فترة استعادة النظام الملكي. لم يُعثر على السيف قط. وهو مُدرج على موقع متحف اللوفر الإلكتروني على أنه «غير معروض».

في عام 1998، سرق لصٌّ لوحة «درب سيفر»، وهي لوحة صغيرة لمناظر طبيعية للرسام جان باتيست كاميل كورو، من إطارها في وضح النهار. عُلّقت اللوحة في غرفة خالية من كاميرا مراقبة. هرب اللص، ولم تُستعَد اللوحة التي تُقدّر قيمتها بنحو 1.3 مليون دولار.

أمن المتحف

في حين يواصل عشرات المحققين البحث عن مرتكبي سرقة يوم الأحد، فإنهم يُكافحون أيضاً لفهم سبب الخلل في أمن متحف اللوفر. يتمتع متحف اللوفر بحماية بشرية مزدوجة: طاقم من الحراس (بلغ عددهم نحو 1200 حارس في عام 2024، وفقاً لمتحف اللوفر) ​​وقوة إطفاء دائمة قوامها 52 فرداً، وهم جزء من الجيش الفرنسي. لطالما اشتكى حراس الأمن من ظروف عملهم، وحتى كبار مسؤولي اللوفر يُقرّون بإمكانية تحسين وضع العمال وتدريبهم.

وقال دينيس فوس في مقابلة عام 2022، قبل تقاعده من منصب مدير خدمات الزوار والأمن في متحف اللوفر: «موظفو الخدمة المدنية في فرنسا لا يتقاضون رواتب جيدة. أنت تجتاز الامتحان، ثم ندربك. لسنا مهنةً تُدرّس فيها حراسة أمنية». أما رجال الإطفاء، فهم مدربون تدريباً عالياً، وهم خط الدفاع الأول ضد الحرائق والفيضانات، وهم المكلفون بإزالة الأعمال الفنية في حالات الطوارئ.

جواهر مستعادة تسرق مرة ثانية

أدت سرقة يوم الأحد إلى استنزاف مجموعة متضائلة من جواهر التاج. في السنوات التي تلت تأسيس الجمهورية الثالثة، وهي الحكومة البرلمانية التي شُكِّلت عام 1870 من رماد إمبراطورية نابليون الثالث، اجتاحت فرنسا موجة من الحماس الجمهوري المناهض للملكية.

في عام 1887، أقامت فرنسا مزاداً علنياً ضخماً استمر أحد عشر يوماً لمعظم جواهر التاج. انتُزعت الأحجار الكريمة من إطاراتها؛ ودُمّرت الحلي المرصعة بالجواهر، وتوافد تجار الألماس ومستورديه وصائغوه من جميع أنحاء العالم على باريس لحضور المزاد، وبيع أكثر من 77 ألف حجر. كان تشارلز لويس تيفاني، مؤسس شركة «تيفاني آند كو»، أكبر مشترٍ، حيث استحوذ على ما يزيد قليلاً على ثلث المخزون. لعدة عقود، كافح متحف اللوفر لاستعادة جواهر المجموعة، قطعةً قطعة، عند عرضها للبيع. من سخرية القدر في السرقة الحالية أن بعض جواهر التاج المسروقة بيعت في المزاد، ثم أُعيد شراؤها لاحقاً لمتحف اللوفر. والآن اختفت مجدداً.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أوروبا خلال العمل على تحصين النافذة التي استُخدمت لسرقة مجوهرات من متحف اللوفر (أ.ب)

«اللوفر» يحصّن نافذة استُخدمت في سرقة مجوهرات

عزّز متحف اللوفر في باريس إجراءات الأمن عبر تركيب شبكة حماية على نافذة زجاجية استُخدمت في عملية سرقة مجوهرات في 19 أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (باريس )
أوروبا زوار يصطفون قرب الهرم الزجاجي لمتحف اللوفر للدخول (رويترز)

بعد تعليق إضراب العاملين... «اللوفر» يعيد فتح أبوابه مجدداً

أعلنت إدارة متحف اللوفر في باريس، والنقابات المعنية، فتح أبواب المتحف بالكامل أمام الزوار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أشخاص يصطفّون لدخول متحف اللوفر (رويترز) play-circle

«اللوفر» يفتح أبوابه جزئياً رغم تصويت موظفيه على تمديد الإضراب

أعلن متحف اللوفر بباريس إعادة فتح أبوابه جزئياً، الأربعاء، رغم استمرار الإضراب، الذي صوّت عليه الموظفون في اجتماع الجمعية العامة خلال وقت سابق من اليوم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا لوحة إعلانية تُشير إلى تأجيل فتح أبواب متحف اللوفر الأكثر زيارة في العالم (أ.ب)

بسبب إضراب... متحف اللوفر في باريس يغلق أبوابه

أغلق متحف اللوفر الشهير بباريس، صباح الاثنين، بسبب إضراب، وفق ما أفاد عناصر أمن، في وقتٍ تواجه المؤسسة العريقة صعوبات منذ عملية السرقة الصادمة.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
TT

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

ضمن برامج موسم الدرعية 25 - 26 بالرياض انطلقت، الخميس، تجربة سياحية ترفيهية مستوحاة من جمال الحياة التقليدية وروح الضيافة السعودية العريقة ضمن برنامج «منزال» الذي يجمع بين السياحة البيئية والترفيه الثقافي بموقع يطل على وادي صفار على ضفاف وادي حنيفة. ويستعرض البرنامج، الذي يستقبل زواره يومياً من الساعة الخامسة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، ملامح الحياة في الدرعية من خلال تجربة متكاملة تعزز الجذب السياحي، وتشمل: سرد القصص التراثية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، والأمسيات الشعرية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب مجموعة من الأنشطة الترفيهية المتنوعة، كالفروسية، والصقارة، ورمي السهام، وتجارب الفلك.

ويضم البرنامج 4 مناطق رئيسية تبرز المكانة التاريخية والحضارية للدرعية بوصفها مهداً للثقافة السعودية، ويقدّم من خلالها تجارب نوعية، من أبرزها تجربة «العلوم» التي تتيح للزوار التعرّف على صناعة الجلود، والسجاد، والأخشاب، إلى جانب تجربة «سلوم» التي تعزز الوعي بالقهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وأساليب إشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، في إطار يعكس التراث بأسلوب تفاعلي ترفيهي.

ويقدّم البرنامج تجربة «فارس البادية» التي تمنح الزوار فرصة ركوب الخيل وممارسة الرماية، إضافةً إلى تجربة «الصقارة» التي يتعرّف الزائر من خلالها على فنون الصيد بالصقر العربي، وتجربة «المشرف» التي تتيح تأمل النجوم في سماء الدرعية الصافية؛ ما يعزز السياحة الفلكية، ويوفر أجواءً هادئة في أحضان البيئة الطبيعية.

ويُعد وادي صفار معلماً جيولوجياً وتاريخياً بارزاً، يتميّز بتكويناته الصخرية وأراضيه الزراعية التي شكّلت عبر العصور مصدراً للخير وملاذاً للسكان، وداعماً للزراعة والاستقرار على ضفاف وادي حنيفة، الذي عُرف بوصفه وجهة للتنزّه والاستجمام، لا سيما في فصل الشتاء، كما تبرز أهمية الموقع الاستراتيجية جنوب غربي الدرعية، حيث مثّل منطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهداً حياً على تاريخ راسخ في الوجدان الوطني.

ويأتي موسم الدرعية 25 - 26 بوصفه محطة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة، إذ يتيح للزوار من داخل المملكة وخارجها خوض رحلة عبر الزمن، لاكتشاف المواقع التراثية العريقة التي شكّلت مركز الثقل السياسي والثقافي للمنطقة، من خلال تجارب متنوعة وعروض مبتكرة بمعايير عالمية، تعكس هوية الدرعية التاريخية، وتمزج بين العراقة النجدية والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات.


تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)

أعلن الفنان المصري، أحمد السقا، اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي بعدما وصفه بالسخرية من كلامه والتقليل من شأنه، عقب ظهوره المتلفز في برنامج «واحد من الناس» الذي يقدمه الإعلامي عمرو الليثي، وذلك احتفالاً ببدء العام الميلادي الجديد، خلال حلقة بعنوان «سهرة رأس السنة».

وكتب السقا، عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، الجمعة: «حسبي الله ونعم الوكيل في كل من سخر وقلل من شأني، وكذبني في كل كلمة وردت على لساني، أنتم خصومي أمام الله»، واختتم منشوره بإعلانه وداع السوشيال ميديا.

وتناول السقا، خلال حديثه في «سهرة رأس السنة»، موضوعات عدة من بينها كواليس علاقته بأولاده، وبزوجته السابقة الإعلامية مها الصغير، وكواليس تصوير بعض أعماله، وكيف تلقى خبر وفاة صديقه الفنان سليمان عيد، حيث أكد السقا أن الفنان الراحل «سيدخل الجنة على مسؤوليتي الشخصية»، والتصريح الأخير عرضه لانتقادات بالغة، عقب تداوله على نطاق واسع بـ«السوشيال ميديا».

وتباينت التعليقات على حساب أحمد السقا بموقع «فيسبوك»، بين مؤيد ومعارض لاعتزاله مواقع التواصل، حيث أكدت تعليقات أن قراره سليم، وأن البعد سيعود عليه بالراحة والهدوء، بينما أشار البعض إلى أن تصريحاته كانت عادية ولا تحتمل كل هذه الانتقادات التي تعرض لها بعالم السوشيال ميديا الذي يضم فئات عدة، وبه الصالح والطالح، إذ طالبه البعض بالحذر فقط، مع اعتراضهم على اعتزاله بشكل نهائي.

ونال ظهور أحمد السقا في «سهرة رأس السنة»، ترحيباً «سوشيالياً» كبيراً، وتصدر هاشتاج «أحلى سهرة مع عمرو الليثي»، «الترند»، على موقع «إكس» بمصر، الجمعة، وأشاد باللقاء والتصريحات عدد كبير من المتابعين، مؤكدين بساطته وإنسانيته، بينما وصف البعض الحلقة بأنها كانت بطعم الفرحة.

الفنان أحمد السقا (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وعن رأيه في انتقاد الناس للمشاهير، والسخرية من تصريحاتهم، لدرجة إعلان البعض اعتزال مواقع التواصل لعدم تحملهم ما يجري، وهل الهروب من ساحة السوشيال ميديا أصبح هو الحل أو المواجهة أفضل؟ أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «كل شخص عادي في حياته اليومية مسؤول عما يحدث له بالمقام الأول، وفيما يخص المشاهير، فإن الفنان شخصية عامة، وعادة ما يكون في مرمى الانتقادات والهجوم بشكل أو بآخر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك البعد والاكتفاء بالظهور الفني هما الصواب في كثير من الأحيان»، لافتاً إلى أهمية «الهروب من ساحة (السوشيال ميديا) بالنسبة للمشاهير الذين لا يجيدون فن التعامل مع الجمهور، أو أن يلتزموا الحذر في تصريحاتهم».

ونوه يسري بأن العلاقة بين المشاهير والناس على مواقع التواصل، خرجت عن سياقها، وأصبحت التصريحات الجدلية سبباً رئيسياً في حالة الصدام والصراع التي انتشرت بشكل مكثف أخيراً.

وقبل أحمد السقا قاطع بعض الفنانين مواقع التواصل مؤقتاً، تفادياً للانتقاد أو السخرية، أو التدخل في حياتهم الشخصية، وكذلك لتجنب التعليقات المسيئة، أو لعدم رغبتهم بالتعامل من خلالها سوى لترويج أعمالهم الفنية، من بينهم شيرين عبد الوهاب، وكريم عبد العزيز، وماجد الكدواني، وغادة عبد الرازق، وغيرهم.

وتعرض أحمد السقا لانتقادات أخرى قبل تصريحات «سهرة رأس السنة»، مثل السخرية من حديثه بالإنجليزية في مقطع فيديو نشره على حساباته بمواقع التواصل، أعلن فيه دعمه لكابتن منتخب مصر، محمد صلاح، في أزمته التي أثيرت حينها مع نادي ليفربول الإنجليزي، إلى جانب الجدل حول منشوراته ومداخلاته الإعلامية خلال أزمته الأخيرة مع طليقته المذيعة مها الصغير.


جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.