كلود هيرنانديز: دوري في «عندما يصير النهر بحراً» مغامرة إنسانية عميقة

الفنانة الإسبانية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن مشاهد صمتها الطويلة بالفيلم ضرورية

عرض الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

كلود هيرنانديز: دوري في «عندما يصير النهر بحراً» مغامرة إنسانية عميقة

عرض الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت الممثلة الإسبانية كلود هيرنانديز إن تجربتها في فيلم «عندما يصير النهر بحراً» كانت مغامرة إنسانية عميقة قبل أن تكون عملاً فنياً؛ لأنها واجهت للمرة الأولى شخصية تحمل عبء صدمة العنف الجنسي وتعيش رحلة التعافي الطويلة منها.

وأضافت كلود هيرنانديز لـ«الشرق الأوسط» أن «الدور تطلّب منها أن تتجرّد تماماً من شخصيتها الواقعية، وأن تترك وراءها صوتها الصاخب وطبيعتها المنفتحة لتجسد الصمت الداخلي لامرأة يضج رأسها بالأفكار من دون أن تنطق بها، فكان عليها أن تتعلم كيف تصمت من الداخل قبل أن تنطق أمام الكاميرا».

وأوضحت أن «الصعوبة لم تكن في الكلمات أو الحوارات الطويلة التي تضمّها بعض المشاهد، بل في ترجمة كل ما لا يُقال؛ لأن فهم صمت البطلة هو المفتاح الحقيقي لفهم آلامها وأفكارها المشتتة، معتبرة أن التحدي الأكبر تمثل في أن تؤدي الشخصية بطريقة لا تجعلها مجرد ضحية، بل امرأة تحاول إعادة بناء نفسها بعد الانكسار».

وتتناول أحداث الفيلم الذي عرض في مهرجان «الجونة السينمائي» حكاية طالبة آثار تُدعى «غايا»، تتعرض لحادثة اعتداء جنسي تغيّر حياتها إلى الأبد، فتجد نفسها عاجزة عن الكلام وعن وصف ما حدث لها، ثم تبدأ شيئاً فشيئاً في التنقيب داخل ذاكرتها كما يفعل الآثاريون حين يبحثون عن شظايا الماضي ليعيدوا بناء الصورة الكاملة.

الممثلة الإسبانية كلود هيرنانديز (الشرق الأوسط)

وتتحول رحلتها إلى محاولة لاكتشاف ذاتها من جديد وسط خوفها من العالم وعدم ثقتها بمن حولها، لتكشف القصة عن مسار التعافي الذي لا يمكن التعجل فيه أو اختصاره؛ لأن الجروح النفسية تحتاج إلى وقت لتلتئم.

وقالت إن المخرج بيرا فيلا بارتسيلو طلب منها في بداية العمل أن تتخلى عن كل ما تعرفه عن الأداء التقليدي، وأن تكفّ عن التعبير المبالغ فيه، لأن الفيلم يعتمد على لغة التفاصيل الصغيرة والنظرات والصمت الطويل، وهو ما جعلها تشعر في البداية بأن التجربة شاقة وصعبة.

وأوضحت أن بارتسيلو كان يريد أن يخلق شخصية محايدة ومكثفة في الوقت نفسه، تبوح بألمها من دون أن تتكلم كثيراً، وهو ما جعلها تتعلم نوعاً جديداً من الصدق أمام الكاميرا، لافتة إلى أن «التواصل المستمر بينهما ساعدها على تجاوز مخاوفها، إذ كانا يقضيان ساعات طويلة في النقاش حول النغمة التي يجب أن تسود المشهد وطبيعة الطاقة الداخلية للشخصية في كل لحظة».

وأضافت أن المخرج أرسل إليها أعمالاً سينمائية مرجعية مثل فيلم «جان دارك» ليفهمها أكثر على اللغة الجسدية التي يريدها، حتى يصبح أداؤها أكثر تجريداً وأقرب إلى الحالة النفسية للبطلة، مؤكدة أن العمل على المشاعر الداخلية لم يكن ممكناً من دون العمل على الجسد، لأنها تؤمن بأن الجسد هو الذي يفكر أحياناً قبل الذهن.

وبيّنت أنها اعتمدت على تدريبات بدنية دقيقة لتكتشف كيف يمكن لجسد البطلة أن يتحرك بعد الألم، وكيف تعكس وقفتها وحركتها وطريقة تنفسها الصراع الداخلي الذي تمرّ به، مؤكدة أنها تستخدم جسدها بوصفه وسيلة للفهم أكثر من كونه أداة للأداء؛ لأن المشاعر الحقيقية لا يمكن أن تُفرض من الخارج، بل يجب أن تتكوّن تدريجياً داخل الجسد حتى تتحول إلى صدق بصري ملموس أمام الكاميرا.

تحدثت بطلة الفيلم عن صعوبات التجربة إنسانياً (الشركة المنتجة)

وأضافت أن «هذه الطريقة جعلتها تصل إلى لحظات عفوية ومليئة بالانفعال الصامت، إذ يمكن لحركة بسيطة أو نظرة أن تختصر ما لا تقوله عشرات الجمل»، لافتة إلى أن «التحضير للدور تطلّب بحثاً إنسانياً واسعاً أكثر من كونه تمريناً تمثيلياً، إذ التقت بعدد كبير من النساء اللواتي مررن بتجارب عنف مشابهة، واستلهمت من شهاداتهن تفاصيل دقيقة عن مراحل الألم والصمت والغضب، وكيف يتحول الخوف إلى قوة مع مرور الوقت».

وأكدت أن فريق العمل استعان بأطباء نفسيين أثناء كتابة النص لتأكيد مصداقية المشاهد والحوار؛ لأن الفيلم يقوم على قصص حقيقية لنساء روين معاناتهن بصدق، وهو ما جعلها تشعر بمسؤولية كبيرة تجاههن، فكانت تتعامل مع الشخصية كأنها صوت لجميع من لم يجدن وسيلة للكلام، موضحة أنها أرادت أن تقدّم شخصية امرأة لا تُختزل في صورة الضحية، بل كونها إنسانة تخوض رحلة معقدة نحو الشفاء، وهو ما جعل الفيلم مختلفاً عن معظم الأعمال التي تناولت العنف الجنسي من قبل.

اعتمدت الممثلة الإسبانية على التحضيرات النفسية للدور (الشركة المنتجة)

وأضافت أن أكثر ما أخافها أثناء التصوير هو الوقوع في التمثيل النمطي، لأن الكثير من الأفلام التي تتناول موضوعات مشابهة تقدم الشخصية في حالة دائمة من البكاء والانكسار، بينما في الواقع تمرّ الضحية بمراحل متناقضة من الضعف والقوة، ومن الإنكار إلى المواجهة، ومن العزلة إلى الرغبة في الحياة.

وأكدت أن هدفها كان أن تُظهر كيف تتحول «غايا» من امرأة مجروحة إلى ناجية قادرة على النظر إلى العالم من جديد، مؤكدة أن الفيلم لا يسعى إلى بث رسالة جاهزة أو شعارات نسوية مباشرة، بل يحاول أن يصوّر الحياة كما هي، بما فيها من فوضى وصمت وأمل، ليجعل المشاهد يعيش التجربة من الداخل.

عرض الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي (الشركة المنتجة)

ورغم أن الفيلم يمتد لـ3 ساعات، فإن هيرنانديز ترى أن ذلك أكثر ما يميّز التجربة، وتعتقد أنه ضروري لفهم بطء عملية التعافي النفسي؛ لأن التعافي لا يحدث في مشهد أو لحظة، بل سلسلة من الانكسارات الصغيرة التي تسبق الشفاء الحقيقي.

وكشفت الممثلة الإسبانية أن «المخرج أراد أن يمنح الشخصية الوقت الذي تحتاجه كي تستعيد أنفاسها، وأن يتيح للمشاهد أن يرافقها في رحلتها خطوة بخطوة، ولذلك جاءت اللقطات طويلة ومتأنية، محكومة بإيقاع يشبه إيقاع الحياة بعد الصدمة، لافتة إلى أن هذا التوجه جعل الفيلم صعباً من ناحية الإنتاج، لكنه في المقابل أكسبه صدقاً نادراً وجمالاً داخلياً لا يعتمد على الحبكة بل على الإحساس»؛ على حد تعبيرها.


مقالات ذات صلة

الفيلم الكندي «ذروة كلّ شيء»... تجربة سينمائية من رحم العزلة

يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في القاهرة السينمائي (الشركة المنتجة)

الفيلم الكندي «ذروة كلّ شيء»... تجربة سينمائية من رحم العزلة

لم تكن المخرجة الكندية آن إموند تتوقّع أن تقودها عزلتها خلال جائحة «كورونا» في 2020 إلى كتابة ما تصفه بأنه «أكثر أفلامها حميمية وقلقاً».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق ثقافتان تتشاركان التعبير عن الموروث وصور الإبداع في مكانٍ واحد (وزارة الثقافة)

«بين ثقافتين» يَعبر الحدود ويبرز تنوع الثقافتين السعودية والصينية تحت سقف واحد

يعود مهرجان «بين ثقافتين» ليعبر حدود الثقافة، ويحتفي بتجارب استثنائية تجمع بين الفنون والموسيقى، جامعاً في نسخته الثالثة بين الثقافتين السعودية والصينية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق خلال تسلم الجائزة في «مهرجان البحر الأحمر» (إدارة المهرجان)

كريم الألفي: «مهرجان البحر الأحمر» يتيح مساحة مميزة للأصوات الجديدة

يقدّم المخرج وكاتب السيناريو المصري كريم الدين الألفي عملاً سينمائياً ينتمي إلى عالم متخيَّل.

أحمد عدلي (جدة)
يوميات الشرق المخرج العراقي زرادشت أحمد (الشركة المنتجة للفيلم)

«الأسود على نهر دجلة»... صراع إنساني تكشفه بوابة نجت من الدمار

يقدّم فيلم «الأسود على نهر دجلة» تجربة تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية بالذاكرة الجماعية، ويعود فيها المخرج زرادشت أحمد إلى المُوصل.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان محمد بكري في لقطة مع أسرته من فيلم «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

كيف تمكنت 4 أفلام عربية من الوصول لقائمة الأوسكار المختصرة؟

لعلها المرة الأولى التي تنجح فيها 4 أفلام عربية في الوصول لـ«القائمة المختصرة» بترشيحات الأوسكار لأفضل فيلم دولي، وهو ما اعتبره سينمائيون عرب إنجازاً كبيراً.

انتصار دردير (القاهرة )

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
TT

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

ضمن برامج موسم الدرعية 25 - 26 بالرياض انطلقت، الخميس، تجربة سياحية ترفيهية مستوحاة من جمال الحياة التقليدية وروح الضيافة السعودية العريقة ضمن برنامج «منزال» الذي يجمع بين السياحة البيئية والترفيه الثقافي بموقع يطل على وادي صفار على ضفاف وادي حنيفة. ويستعرض البرنامج، الذي يستقبل زواره يومياً من الساعة الخامسة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، ملامح الحياة في الدرعية من خلال تجربة متكاملة تعزز الجذب السياحي، وتشمل: سرد القصص التراثية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، والأمسيات الشعرية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب مجموعة من الأنشطة الترفيهية المتنوعة، كالفروسية، والصقارة، ورمي السهام، وتجارب الفلك.

ويضم البرنامج 4 مناطق رئيسية تبرز المكانة التاريخية والحضارية للدرعية بوصفها مهداً للثقافة السعودية، ويقدّم من خلالها تجارب نوعية، من أبرزها تجربة «العلوم» التي تتيح للزوار التعرّف على صناعة الجلود، والسجاد، والأخشاب، إلى جانب تجربة «سلوم» التي تعزز الوعي بالقهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وأساليب إشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، في إطار يعكس التراث بأسلوب تفاعلي ترفيهي.

ويقدّم البرنامج تجربة «فارس البادية» التي تمنح الزوار فرصة ركوب الخيل وممارسة الرماية، إضافةً إلى تجربة «الصقارة» التي يتعرّف الزائر من خلالها على فنون الصيد بالصقر العربي، وتجربة «المشرف» التي تتيح تأمل النجوم في سماء الدرعية الصافية؛ ما يعزز السياحة الفلكية، ويوفر أجواءً هادئة في أحضان البيئة الطبيعية.

ويُعد وادي صفار معلماً جيولوجياً وتاريخياً بارزاً، يتميّز بتكويناته الصخرية وأراضيه الزراعية التي شكّلت عبر العصور مصدراً للخير وملاذاً للسكان، وداعماً للزراعة والاستقرار على ضفاف وادي حنيفة، الذي عُرف بوصفه وجهة للتنزّه والاستجمام، لا سيما في فصل الشتاء، كما تبرز أهمية الموقع الاستراتيجية جنوب غربي الدرعية، حيث مثّل منطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهداً حياً على تاريخ راسخ في الوجدان الوطني.

ويأتي موسم الدرعية 25 - 26 بوصفه محطة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة، إذ يتيح للزوار من داخل المملكة وخارجها خوض رحلة عبر الزمن، لاكتشاف المواقع التراثية العريقة التي شكّلت مركز الثقل السياسي والثقافي للمنطقة، من خلال تجارب متنوعة وعروض مبتكرة بمعايير عالمية، تعكس هوية الدرعية التاريخية، وتمزج بين العراقة النجدية والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات.


تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)

أعلن الفنان المصري، أحمد السقا، اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي بعدما وصفه بالسخرية من كلامه والتقليل من شأنه، عقب ظهوره المتلفز في برنامج «واحد من الناس» الذي يقدمه الإعلامي عمرو الليثي، وذلك احتفالاً ببدء العام الميلادي الجديد، خلال حلقة بعنوان «سهرة رأس السنة».

وكتب السقا، عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، الجمعة: «حسبي الله ونعم الوكيل في كل من سخر وقلل من شأني، وكذبني في كل كلمة وردت على لساني، أنتم خصومي أمام الله»، واختتم منشوره بإعلانه وداع السوشيال ميديا.

وتناول السقا، خلال حديثه في «سهرة رأس السنة»، موضوعات عدة من بينها كواليس علاقته بأولاده، وبزوجته السابقة الإعلامية مها الصغير، وكواليس تصوير بعض أعماله، وكيف تلقى خبر وفاة صديقه الفنان سليمان عيد، حيث أكد السقا أن الفنان الراحل «سيدخل الجنة على مسؤوليتي الشخصية»، والتصريح الأخير عرضه لانتقادات بالغة، عقب تداوله على نطاق واسع بـ«السوشيال ميديا».

وتباينت التعليقات على حساب أحمد السقا بموقع «فيسبوك»، بين مؤيد ومعارض لاعتزاله مواقع التواصل، حيث أكدت تعليقات أن قراره سليم، وأن البعد سيعود عليه بالراحة والهدوء، بينما أشار البعض إلى أن تصريحاته كانت عادية ولا تحتمل كل هذه الانتقادات التي تعرض لها بعالم السوشيال ميديا الذي يضم فئات عدة، وبه الصالح والطالح، إذ طالبه البعض بالحذر فقط، مع اعتراضهم على اعتزاله بشكل نهائي.

ونال ظهور أحمد السقا في «سهرة رأس السنة»، ترحيباً «سوشيالياً» كبيراً، وتصدر هاشتاج «أحلى سهرة مع عمرو الليثي»، «الترند»، على موقع «إكس» بمصر، الجمعة، وأشاد باللقاء والتصريحات عدد كبير من المتابعين، مؤكدين بساطته وإنسانيته، بينما وصف البعض الحلقة بأنها كانت بطعم الفرحة.

الفنان أحمد السقا (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وعن رأيه في انتقاد الناس للمشاهير، والسخرية من تصريحاتهم، لدرجة إعلان البعض اعتزال مواقع التواصل لعدم تحملهم ما يجري، وهل الهروب من ساحة السوشيال ميديا أصبح هو الحل أو المواجهة أفضل؟ أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «كل شخص عادي في حياته اليومية مسؤول عما يحدث له بالمقام الأول، وفيما يخص المشاهير، فإن الفنان شخصية عامة، وعادة ما يكون في مرمى الانتقادات والهجوم بشكل أو بآخر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك البعد والاكتفاء بالظهور الفني هما الصواب في كثير من الأحيان»، لافتاً إلى أهمية «الهروب من ساحة (السوشيال ميديا) بالنسبة للمشاهير الذين لا يجيدون فن التعامل مع الجمهور، أو أن يلتزموا الحذر في تصريحاتهم».

ونوه يسري بأن العلاقة بين المشاهير والناس على مواقع التواصل، خرجت عن سياقها، وأصبحت التصريحات الجدلية سبباً رئيسياً في حالة الصدام والصراع التي انتشرت بشكل مكثف أخيراً.

وقبل أحمد السقا قاطع بعض الفنانين مواقع التواصل مؤقتاً، تفادياً للانتقاد أو السخرية، أو التدخل في حياتهم الشخصية، وكذلك لتجنب التعليقات المسيئة، أو لعدم رغبتهم بالتعامل من خلالها سوى لترويج أعمالهم الفنية، من بينهم شيرين عبد الوهاب، وكريم عبد العزيز، وماجد الكدواني، وغادة عبد الرازق، وغيرهم.

وتعرض أحمد السقا لانتقادات أخرى قبل تصريحات «سهرة رأس السنة»، مثل السخرية من حديثه بالإنجليزية في مقطع فيديو نشره على حساباته بمواقع التواصل، أعلن فيه دعمه لكابتن منتخب مصر، محمد صلاح، في أزمته التي أثيرت حينها مع نادي ليفربول الإنجليزي، إلى جانب الجدل حول منشوراته ومداخلاته الإعلامية خلال أزمته الأخيرة مع طليقته المذيعة مها الصغير.


جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.