أعرف ما أريد أن أفعله... فلماذا لا أستطيع؟

 أحد الأعراض الأساسية للاكتئاب انخفاض الدافع وصعوبة إيجاد المتعة في الأنشطة اليومية (بكساباي)
 أحد الأعراض الأساسية للاكتئاب انخفاض الدافع وصعوبة إيجاد المتعة في الأنشطة اليومية (بكساباي)
TT

أعرف ما أريد أن أفعله... فلماذا لا أستطيع؟

 أحد الأعراض الأساسية للاكتئاب انخفاض الدافع وصعوبة إيجاد المتعة في الأنشطة اليومية (بكساباي)
 أحد الأعراض الأساسية للاكتئاب انخفاض الدافع وصعوبة إيجاد المتعة في الأنشطة اليومية (بكساباي)

كثير من الناس يرغبون في تحسين حياتهم، لكنهم لا يعرفون من أين يبدأون. قد يكونون عالقين في استجابة التجمّد، أو يواجهون صعوبة في الاستعانة بالدعم المناسب. كما قد يعانون من صراعات عاطفية أو مشكلات صحية نفسية تجعل خطوات التغيير أكثر تعقيداً. فهم هذه العوائق هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها وبدء التحوّل الحقيقي. إليكم أبرز الأسباب التي تقف وراء الجمود وعدم اتخاذ الخطوة:

1- هل أنت عالق في استجابة التجمّد؟

كما هي الحال في استجابات «القتال أو الفرار»، فإن استجابة التجمّد هي رد فعل لا إرادي على تهديدٍ مُدرَك - سواء أكان جسدياً أو اجتماعياً أو نفسياً - وتتحكم بها الجهاز العصبي اللاإرادي. لكن الصدمة السلوكية الناتجة عنها تختلف جذرياً؛ فما هو الفرق:

أ - استجابة «القتال أو الفرار» ناتجة عن فرط تنشيط الجهاز العصبي الودّي (sympathetic)، وتُولّد مشاعر الخوف أو الغضب، وسلوكيات الهرب أو العدوان.

ب - في المقابل، يؤدي فرط تنشيط الجهاز العصبي نظير الودّي (parasympathetic) - وهو الأقل شهرة - إلى استجابة التجمّد. وتشمل الأعراض الكلاسيكية صعوبة في الكلام أو حتى الحركة، وهو ما يُعرف بـ«الجمود التوتري» (tonic immobility).

إذا كنتَ تمر باستجابة التجمّد، فأنت لا تشعر بأنك عالق فقط... بل تكون عالقاً فعلاً.

2- هل تستعين بالداعمين من حولك؟

تقول اختصاصية النفس سريرية الدكتورة فاليري هوفر إنه بعد تخرجها في الجامعة، انتقلت إلى العاصمة واشنطن، واستأجرت شقة بالقرب من الكاتدرائية الوطنية. وأضافت: «كثيراً ما كنتُ أستقل المصعد إلى السطح ليلاً لأتأمل هذا البناء المهيب المتوهّج من الداخل... وأتذكر أنه لم يكن ليقوم لولا السقالات التي سمحت لمئات العمّال المهرة بالوصول إلى أعلى فأعلى».

وتابعت: «بالطريقة ذاتها، عندما تبدأ أي مسار جديد أو هدف كبير، فإن طلب الدعم أو الاستعانة بالآخرين لا يجعلك ضعيفاً... بل يجعلك واقعياً. لا أحد يبني كاتدرائية وحده».

3- هل تستعين بالدعم المناسب؟

لا أحد يدق مسماراً بملعقة... ولا يخلط عجينة الكعك بمفك براغٍ. وبالطريقة نفسها، لا تطلب من صديق عملي لا يتوقف عن تقديم الحلول أن يكون «مستمعاً متفهماً» حين كل ما تحتاج إليه هو مَن يصغي إليك.

الخطوة الذكية أن تحدد نوع الدعم الذي تحتاج إليه - هل هو استماع؟ نصيحة؟ توجيه؟ مساعدة عملية؟ - ثم تلجأ إلى الشخص الأنسب لتقديمه. الدعم ليس مجرد وجود أحد... بل أن يكون الشخص المناسب في اللحظة المناسبة.

4- هل تستثمر إرادتك بأفضل شكل؟

قوة الإرادة أو التحكُّم الذاتي ليست مجرد مسألة نفسية... بل فسيولوجية أيضاً. تشير الأبحاث إلى أن بعض الأنشطة والحالات الذهنية تستنزف الدوبامين - وهو ناقل عصبي مرتبط بالتحفيز والإرادة - بينما يمكن لأنشطة أخرى أن تعزز مستوياته.

إذا كنتَ تقوم بكثير من «السحوبات» من حساب إرادتك من دون «إيداعات» كافية، فقد تكون استنزفتَ رصيدك الداخلي. الإرادة مثل الطاقة... تحتاج إلى إعادة شحن منتظمة حتى تستمر.

5- هل خطوات الوصول إلى الهدف مُحبِطة أكثر من اللازم؟

من السهل تخيّل الشعور الرائع عند عزف الغيتار بطلاقة أو تنفيذ ضربة تنس مثالية. وعندما تتجاوز عتبة معيّنة من الإتقان، يصبح الأداء نفسه مصدر طاقة يدفعك للتقدّم.

لكن الطريق إلى تلك العتبة قد يكون مرهقاً ومحبطاً - نغمات نشاز، وأخطاء متكررة، ومحاولات غير مثالية. وإذا كانت قدرتك على تحمّل الإحباط منخفضة، فقد تتوقف قبل الوصول.

السر ليس في جَعْل الطريق سهلاً... بل في الاعتياد على قدرٍ من عدم الراحة. كلما ازدادت قدرتك على تحمّل هذا الإحباط المؤقت، اقتربت أكثر من لحظة المتعة والإنجاز.

6- هل تختطفك العواطف أحياناً؟

ربما كنتَ تنوي حقاً أن تقول: لا، لوعاء من الآيس كريم أو كأس من النبيذ مساء أمس... لكن مديرك فقد أعصابه، أو انفجر طفلك في نوبة بكاء، وفجأة طارت كل النيات الحسنة من النافذة.

اللوم هنا ليس على ضعفك فقط، بل على البيولوجيا أيضاً: فعندما ترتفع مستويات الضغط أو القلق أو الغضب، يتولّى الجهاز الحوفي (limbic system) زمام الأمور، فيغمر جسمك بهرموني الكورتيزول والأدرينالين. في الوقت نفسه، يُثبط نشاط قشرة الفص الجبهي (PFC) — وهي الجزء المسؤول عن ضبط الاندفاع، والوعي الذاتي، والتخطيط، وحل المشكلات.

بكلمات بسيطة: عندما تنفجر العواطف، العقل المنطقي ينسحب مؤقتاً... ما يجعل التراجع عن العادات القديمة أو الالتزام بالقرارات الجديدة أكثر صعوبة.

7- هل تريد التغيير... ولكنك لا تريده في الوقت نفسه؟

غالباً ما يكون لأي تغيير جوانب إيجابية وأخرى سلبية. ترقية وزيادة في الراتب؟ فكرة رائعة! لكنّها قد تعني أيضاً ساعات أطول في المكتب. العثور على شريك مناسب؟ حلم جميل... لكن الدخول في عالم المواعدة ليس دائماً سهلاً.

إذا لم تكن رغبتك في التغيير أقوى من العوائق، فستتردّد وتتأرجح. هذه الحالة تُسمّى الازدواجية أو التردد الداخلي (ambivalence)، وهي شائعة جداً. التغيير الحقيقي يتطلب أن تكون كفّة الرغبة أثقل من كفّة المخاوف.

8- هل تقع ضحية لـ«استبداد الواجبات»؟

هل دوافعك نابعة من قيمك الشخصية فعلاً، أم أنها انعكاس لأولويات الآخرين؟ نحن جميعاً نمتص قيم الأهل، الأصدقاء، زملاء العمل، المجتمع، وحتى وسائل التواصل. ولا يصبح ذلك مشكلة إلا عندما تصطدم هذه المؤثرات بقيمك العميقة ورغباتك الحقيقية.

الفرق بين «يجب أن أفعل» و«أريد أن أفعل» قد يحدد ما إذا كان التغيير حقيقياً ومستداماً... أو مجرد استجابة لضغط خارجي.

9- هل هناك مشكلة نفسية تُبقيك عالقاً؟

أحد الأعراض الأساسية للاكتئاب انخفاض الدافع وصعوبة إيجاد المتعة في الأنشطة اليومية. وخلط الاكتئاب بالكسل لا يزيد الأمر إلا سوءاً ويعزز صورة سلبية عن الذات.

كما أن اضطرابات نفسية أخرى يمكن أن تعيق القدرة على التغيير، وقد لا تتحسّن من دون مساعدة مهنية. إذا كنتَ تشك بأن مشكلة نفسية تساهم في شعورك بالجمود، اطلب الدعم من مختص نفسي أو طبيبك.


مقالات ذات صلة

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

يوميات الشرق دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك تفاصيل يومية صغيرة... وتأثير كبير في صحة العقل (مجلة ريل سمبل)

7 عادات يومية تُضعف دماغك من دون أن تنتبه

ماذا عن السلوكيات اليومية التي تبدو غير مؤذية، وإنما تؤثر تدريجياً في قدراتك الذهنية وأدائك المعرفي؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق رهاب الجديد هو خوف غير منطقي ومستمر من الأشياء أو البيئات أو التجارب الجديدة (بيكسلز)

هل يمنعك الخوف من خوض تجارب جديدة؟ تعرّف إلى الـ«نيوفوبيا»

ينجح كثيرون في التكيّف مع التحولات بمرور الوقت، ويجد آخرون أنفسهم أمام شعور عميق بالانزعاج أو الخوف كلما طُرحت أمامهم تجربة غير مألوفة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق مشاركة ما تشعر به قد تكون خطوة مفيدة سواء مع مديرك أو أطفالك (بيكسلز)

شعور بعدم التقدير؟ 7 استراتيجيات فعّالة لمواجهته

الشعور بعدم التقدير تجربة شائعة لكنها قد تكون مؤلمة، سواء في المنزل، العمل، أو العلاقات الاجتماعية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الآباء الأكثر وعياً بإدارة ضغوطهم يستبدلون بالمقارنات التعاطف مع الذات (بيكسلز)

التوتر تحت السيطرة: 5 خطوات للتعامل مع ضغوط الأبوة

تتصاعد متطلبات تربية الأبناء في عالم اليوم بوتيرة متسارعة، ما يجعل الضغوط النفسية جزءاً شبه يومي من حياة كثير من الآباء والأمهات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.