الواحات المصرية تسكب سحرها في الأغاني والأمثال الشعبية

كتاب جديد يوثّق حياة الصحراء وعادات سكانها

عمل للفنان ناصر محسب يجسد البيئة في الواحات (الكتاب)
عمل للفنان ناصر محسب يجسد البيئة في الواحات (الكتاب)
TT

الواحات المصرية تسكب سحرها في الأغاني والأمثال الشعبية

عمل للفنان ناصر محسب يجسد البيئة في الواحات (الكتاب)
عمل للفنان ناصر محسب يجسد البيئة في الواحات (الكتاب)

مساحات خضراء هادئة، تتخللها صحراء ممتدة على مرمى البصر، تجسد جواهر مصر الخفية، وكنوزها الغنية بعناصر الفن والثقافة، إنها الواحات المصرية، التي تتمتع كل منها بسحر خاص وتاريخ عريق ومعالم جغرافية مميزة وحكايات عتيقة عن الناس وتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم.

وفي كتاب جديد حول إحدى هذه الواحات، «واحة الخارجة»، يخوض القارئ رحلة ساحرة مستمتعاً بأجواء العيش داخل مجموعة من القرى الصغيرة التي تحتضنها كثبان رملية متدحرجة، ومناظر جبلية وعرة، أسهمت في تشكيل حياة سكان الواحة وطقوسهم اليومية.

ويغوص الكتاب، الصادر حديثاً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة» بعنوان «الناس في الواحات... دراسة عن السكان والزواج وعاداته وأغانيه في واحة الخارجة» للكاتب ناصر محسب، في قلب هذا المجتمع بسلاسة ولغة سهلة، متناولاً تاريخ هذه الواحات حتى دخول الإسلام، ومتطرقاً إلى العادات والمعتقدات الراسخة بها، خصوصاً ما يتعلق بالزواج والأمثال الشعبية والأغاني واسعة الانتشار التي تعكس نبض الحياة بالواحة.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

ويرى محسب أن الواحات ظُلمت تاريخياً وإبداعياً، كما أنه لم يتم إلى الآن توثيق تراثها الإنساني بالشكل الذي يناسب مكاناً بحجم هذا المكان، مشيراً إلى أن «بعض اللهجات التي كانت تنتشر بها، وكذلك بعض جوانب تراثها المادي وغير المادي قد تعرضت للاندثار، والبعض الآخر في طريقه إلى الاختفاء مثل بعض الملابس والأغاني».

ويضيف ناصر محسب لـ«الشرق الأوسط» أن «معظم الكتب التي تناولت الواحات في مصر لم تتطرق بشكل كافٍ إلى أنثروبولوجيا المكان، فلم تحتفِ بدراسة السكان المحليين، وما يتعلق بأمورهم المادية الشخصية، أو بالعلاقات الاجتماعية والثقافية، كما لم تهتم ببعض القضايا التاريخية الشائكة».

ويواصل: «حتى تلك الكتب التي تناولت هذه الأبعاد فإنها في الغالب تستند إلى مصادر ومؤرخين هم أنفسهم نقل بعضهم عن بعض، من دون دراسات ميدانية كافية، أو تتبع للعائلات وإجراء لقاءات حية معهم».

صور توثق للمكان (الشرق الأوسط)

ومن هنا اهتم محسب بتناول هذه الجوانب في كتابه: «على الرغم من أنني في الأصل روائي وشاعر فإنني وجدت نفسي شغوفاً بالتوثيق لحياة الناس في الواحات؛ إنصافاً لها وانطلاقاً من كوني أحد أبنائها»، على حد تعبيره.

ويوضح المؤلِّف أنه أجرى دراسات ولقاءات مع السكان، ورصد مشاهد وإرثاً اجتماعياً وثقافياً طويلاً سجَّله في هذا الكتاب، «حفظاً للهوية ومساهمة في تنشيط السياحة إليها، والكشف عن الكنوز المختبئة في مصر»، وفق قوله.

ويلفت الكتاب عبر صفحاته الأولى إلى موقع واحة الخارجة، مشيراً إلى أنها تقبع في جنوب مصر من جهة الغرب وتحدها جنوباً واحة «باريس» التابعة لها حتى حدود السودان، وتحدها غرباً واحة الداخلة، وتحدها من جهة الشرق محافظات أسيوط وسوهاج وقنا والأقصر.

لوحة للفنان في الكتاب معبرة عن أجواء الواحات (الكتاب)

ويحاول الكتاب الوصول إلى إجابة عن سؤال حول سبب اختلاف الشكل والصفات بين سكان الواحة، فمنهم أصحاب الوجوه العربية، والأفريقية ومنهم ذوو الشعر الأحمر والبشرة البيضاء والعيون الزرقاء كالأوروبيين، وغير ذلك، ووفق ما جاء به: «ربما يكون ذلك هو الدافع للبحث عن أصول السكان في الواحات؛ فلا صفات مميزة في الشكل أو اللون».

ويجيب: «ينتمي سكان الواحة إلى أجناس مختلفة، وقد يكون السبب وراء ذلك أن مناطق الواحات بعد دخول الإسلام، وتخلي الحاميات الرومانية عن الحماية قد تركت هذه البلاد عُرضة لغارات متعددة من القبائل المجاورة».

ويعد الزواج في الواحة بمنزلة العيد لدى الأهالي؛ لما يحققه لمجتمع الواحة من أواصر العلاقة بين أهلها، ويتبارى الجميع في تقديم المساعدات؛ فعلى سبيل المثال -وفق ما جاء في الباب الثاني من الكتاب- فإنه لا مقابل لمن يؤدي عملاً من أعمال بناء دار جديدة للعروسين.

ويشير إلى أن نظام التكافل الاجتماعي هو النظام السائد بين الجميع، وهو نظام أشبه بنظم المقايضة المؤجلة؛ فإن من يساعِد سيساعَد سواء عند الزواج أو أي مناسبة اجتماعية أخرى، وهو «نظام يُعرف باسم (الغرز والرد)، وهو من أهم سمات التكافل بين الناس في الواحة»، حسب المؤلف.

بيئة غنية ومتنوعة في الواحات المصرية (الشرق الأوسط)

ومن أبرز عادات الزواج، حسبما تضمنه الكتاب، هو أنه بعد الاتفاق بين الأهل يخصَّص يوم لتفصيل ملابس العروس؛ فيشتري العريس الأقمشة المتفق عليها، ومن ضمنها أقمشة حمراء وبيضاء وحذاء ومنديل وتوضع الأقمشة في «قُفّة»، وتُوضع عليها أفرع البرتقال والليمون وسعف النخيل للزينة، كما يُحضِر كسوة لوالدَي العروس.

وتحمل النسوة والبنات من أهل العريس الأقمشة، ويتجهن بها إلى بيت عروسه، ويتم البدء في تفصيل الملابس وتحضر المفصلة (الخيّاطة) منذ الصباح، وتقوم بالخياطة اليدوية، بمساعدة بعض نساء الواحة، وتوضع العروس في وسط دائرة من النساء ويبدأ الغناء، وهنا يرصد الكاتب كل أنواع الأغاني المرتبطة بالعرس.

ويُعد يوم الاثنين اليوم المخصص لكتابة عقد الزواج، وتجري مراسم الكتابة في منزل العروس الذي يزدان مدخله بجريد النخيل الأخضر ملتفاً بحبال الليف، مجدولة به أفرع شجر الكافور والزيتون والليمون، ويحضر العريس والمأذون إلى منزل أهل العروس في زفة من الطبول.

وفي يوم الزفاف نفسه فإن الأغاني الأكثر أهمية هي لأم العروس التي تحمل بين طياتها وصايا الأم لابنتها تجاه زوجها واحترامها له، وأن تكون صبورة في تعاملها معه ومع أسرته.

وخصص الكاتب باباً للأمثال الشعبية الشائعة في المكان، التي كما تعكس العادات والمعتقدات فإنها كذلك تؤكد اعتزاز السكان بانتمائهم إلى الواحات، ومنها على سبيل المثال: «إن فاتك بنات مصر (المقصود القاهرة) خد من بنات القصر»؛ و(القصر) هي قرية من قرى واحة الداخلة اشتهرت بجمال الفتيات بها. كما قدم الكاتب مجموعة صور ورسوم تجسد البيئة في الواحة وتبرز جمالياتها.


مقالات ذات صلة

موجة الحر في أوروبا تنعش السياحة بالساحل الشمالي المصري

يوميات الشرق الساحل الشمالي يشهد زخماً من السائحين الأجانب (مدينة العلمين الجديدة)

موجة الحر في أوروبا تنعش السياحة بالساحل الشمالي المصري

انعكست موجة الحر الشديدة التي داهمت دولاً أوروبية، خلال الفترة الماضية، بشكل إيجابي على الحركة السياحية الوافدة إلى الساحل الشمالي المصري.

محمد الكفراوي (القاهرة )
سفر وسياحة النفق البركاني لكهف ماكر الشياهين في المدينة المنورة (تصوير: بدور صالح)

الكهوف السعودية... سياحة تحت الأرض

تخبئ السعودية عالماً من الكهوف الطبيعية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى وجهات تجذب عشاق المغامرات، والاستكشاف، مستفيدة من التنوع الجيولوجي

فاطمة القحطاني (الرياض)
الاقتصاد أحد الشواطئ الساحلية في مصر (إكس)

أسعار الرحلات السياحية من ألمانيا إلى مصر ترتفع 5.2 % في النصف الأول

ارتفعت أسعار الرحلات السياحية الشاملة من ألمانيا إلى مصر خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 5.2 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
سفر وسياحة كيف تطور مفهوم «السياحة الشاملة» في  المنتجعات؟

كيف تطور مفهوم «السياحة الشاملة» في المنتجعات؟

لم يعد مفهوم «الإقامة الشاملة» أو ما يُعرف بالـ«All Inclusive» في المنتجعات السياحية يعني مجرد بوفيهات مفتوحة، بل تطور ليصبح تجربة متكاملة

جوسلين إيليا (بودروم)
خاص كورنيش جدة يتألق كأحد أبرز الوجهات الحاضنة للمشروعات السياحية والفندقية الرائدة (واس)

خاص طفرة الضيافة السعودية... 50 علامة عالمية تسابق الزمن وتضخ 120 مليار دولار

تواصل السعودية ترسيخ مكانتها كإحدى أسرع أسواق الضيافة نمواً في المنطقة، مدفوعة بالتوسع في المشروعات السياحية والوجهات الجديدة.

بندر مسلم (الرياض)