حبات المعمول الزجاجية وانفجار مرفأ بيروت في معرض لندني

عرض بعنوان «ليس شهيدك» للبناني رمزي ملاط... وتأملات في الهشاشة والعنف

حبات المعمول الملونة في عمل الفنان رمزي ملاط (الفنان)
حبات المعمول الملونة في عمل الفنان رمزي ملاط (الفنان)
TT

حبات المعمول الزجاجية وانفجار مرفأ بيروت في معرض لندني

حبات المعمول الملونة في عمل الفنان رمزي ملاط (الفنان)
حبات المعمول الملونة في عمل الفنان رمزي ملاط (الفنان)

في متحف فيكتوريا آند ألبرت، وفي قاعة مخصصة لعصر النهضة والعصور الوسطى تطغى عليها المنحوتات الضخمة تقبع مفاجأة. فعلى جانب من القاعة توجد بعض خزانات العرض التي تضم قطعاً لا تنتمي إلى عصور أوروبا القديمة، بل هي آتية من وقتنا الحاضر ومن عالمنا العربي، وهي ضمن معروضات أسبوع لندن للتصميم الجاري حالياً.

في إحداها نرى تنظيماً بصرياً ملوناً لقطع صغيرة من الزجاج الملون، ليست أية قطع، الشكل مألوف فهي تشبه قطع «المعمول» أو «الكعك» الذي يصنع في كل البلدان العربية بمناسبات مختلفة في الأعياد الدينية خاصة.

«ليس شهيدك» في المتحف اللندني (بيتر كيلر والمتحف)

لا نستطيع تجاوز ذلك العرض البصري، ليس فقط، بسبب جماله، ولكن أيضاً، بسبب إيحاءاته ومعانيه المشبعة بالحنين إلى ذكريات العائلة. غير أن العنوان الذي وضعه الفنان اللبناني رمزي ملاط لعمله هذا ينتزعنا من الحالة الوجدانية ليدخلنا في أجواء أثقل في معانيها وذكرياتها. يطلق ملاط على عمله عنوان «ليس شهيدك»، ويصفه البيان الصحافي بأنه «نصب تذكاري مضاد». نعود لقطع المعمول المنقوشة والزاهية الألوان فلا تغيب عنا رمزيتها بوصفها تمثيلاً لتقاليد مشتركة بين أفراد المجتمع اللبناني، فهي تصنع للاحتفال بالأعياد لدى المسلمين والمسيحيين. نكاد نسمع جلبة العائلات المجتمعة كل في بيت ليصنع أفرادها حبات المعمول، تمزج بين علاقات مشتركة وذكريات بين العائلات والجيران متوجة برائحة زكية تتصاعد من الأفران لتداعب أنوف الأطفال والكبار.

ما الذي يريد الفنان أن يعبر عنه عبر هذا العمل؟ أتحدث مع رمزي ملاط لمناقشة العمل، الذي ردّ على مباركتي له بعرض عمله في فيكتوريا آند ألبرت، وقال: «إنه إنجاز أن نرى العمل في مثل هذه المساحة التي تعج بالإشارات التاريخية».

«ليس شهيدك» في المتحف اللندني (بيتر كيلر والمتحف)

يتابع: «أعتقد أيضاً أن من النقاط المهمة في العمل هو وضعه على مستوى منخفض حتى يضطر الناظر إلى الانحناء قليلا لرؤيته (وكأنما ينحني احتراماً لما يمثله) وللانغماس فيه بالانجذاب بإغراء الألوان المتنوعة».

في نصبه التذكاري المضاد يحاول الفنان التعامل مع تبعات انفجار الرابع من أغسطس (آب)، بالنسبة إليه ولأبناء جيله يمثل الانفجار صدمة جماعية، يصف الصدمة والألم بأنهما «إرث»، ولكنه يرفض الانصياع للقتامة: «أردت أن أتناقض مع ذلك أيضاً من خلال إظهار الجمال والثراء الكامن». لعل ذلك ما يعنيه بوصف العمل بأنه «نصب تذكاري مضاد»، ويعلق شارحاً: «لم يكن هناك نصب تذكاري لضحايا الحرب الأهلية، فهي حرب لم يكن بها منتصر، ولا آيديولوجية مهزومة. أردتُ حقاً أن أُسلِّط الضوء على هذا الأمر في الوعي الجماعي، لأنني أشعر بأننا لا نملك طقوساً تُنظِّم جراحنا».

الانفجار وتأثيره

نعود للعنوان مرة أخرى، فهو عنوان لا يهادن، به مزيج من التحدي والألم، وهو ما لا يستقيم مع كل تلك القطع المرهفة من الزجاج الملون مع كل الطبقات الدفينة من الأحاسيس المختزنة في داخل كل قطعة.

رمزي ملاط (الفنان)

يعود بالذاكرة لما حدث: «كنت في بيروت في أثناء الانفجار، عندما وقع لأول مرة، كنت على بعد أقل من كيلومتر واحد من مركز الزلزال، وأتذكر أنه بعد عدة أيام اجتمعنا بصفتنا أفراد مجتمع مدني لنتمكن من إعادة البناء، وداخلنا هذا الفهم بأن المجتمع هو ما يوجهنا حقاً إلى الأمام، وليست الحكومة، حيث إنه لا توجد مؤسسات حقيقية تساعد في إعادة البناء على الإطلاق». أثارت الحياة بعد الانفجار والتعامل مع آثاره لدى ملاط الرغبة في ترجمة كل هذه الأحاسيس إلى نصب تذكاري «لنتمكن أولاً من وضع علامة على هذا الحدث».

يعترض ملاط على وصف ضحايا الانفجار بأنهم «شهداء»، ويوضح «شعرتُ بأن في هذا ظلماً كبيراً لهم، فكان من المتوقع أن نحزن عليهم، وكفى وكنت أشعر بأنه لم يكن هناك نوع من الفهم الملائم للضحايا، لأن هؤلاء الناس لم يموتوا في الواقع على خطوط المواجهة في المعركة، بل ماتوا في منازلهم، وفي الشوارع.» يتابع : «الشهيد، على ما أعتقد، عادةً ما يكون أمراً محسوماً. إنه شخص قُتل في معركة أو جراء قصف كما يحدث في غزة، لكن انفجار الميناء ظل أمراً غير محسوم. قُتل أناس، لكن لم يعرف أحد سبب مقتلهم. لهذا السبب أردتُ وضع هذا الأمر في صدارة العمل. تجدر الإشارة إلى أنه لم يُجرَ حتى الآن أي نقاش حول تورط الأفراد المسؤولين عن هذا الانفجار. لم يدفع أحد ثمنه لقد اتفقنا جميعاً على أن هذه مأساة، وعلينا المُضي قُدماً، وإلا فسننهار».

رمزي ملاط يجهز عمله «ليس شهيدك» للعرض في متحف فيكتوريا آند ألبرت (الفنان)

يربط الانفجار وما تبعه بشعور جيله في لحظة ما بإمكانية التشارك في بناء المجتمع «أتذكر أن الانفجار وقع مباشرةً عقب ثورة، حيث شعر جيلي بإمكانية الإسهام في إعادة بناء وطننا، شعرنا وكأن الوطن ملكنا، ولكن في الواقع ما تعلمناه هو أن علينا دائماً الهجرة خارج الوطن لنتمكن من بناء مستقبلنا. لذا، ربما أصبحت هذه المأساة السبب الأكبر لرحيل مزيد من الناس. أتذكر أنه بعد عام من الانفجار، غادر كل أصدقائي البلد».

المعمول... تراث مشترك

أتساءل عن العمل بتفصيلاته الدقيقة: كعكات المعمول، لماذا اخترت هذا الشكل، خصوصاً أنها تأتي داخل منظومة مختلفة من المعاني والروابط والإشارات؟ يقول: «أعتقد أنها كانت لحظة اكتشاف عندما كنتُ أتعامل بجدية مع تداعيات الانفجار. كنت أفكر كيف يُمكنني تصوير وإنشاء نصب تذكاري لا يستغل الانقسامات الطائفية التي واجهتنا جميعاً في لبنان، ولهذا اخترتُ المعمول لما له من خاصية فهو تراث مشترك، يُحتفل به في عيد الأضحى، وفي عيد الفصح أيضاً. لذا كان هذا أفضل شكل لوصف هذه التقاطعات التي لدينا».

«اخترتُ المعمول لما له من خاصية فهو تراث مشترك» (الفنان)

يصف رحلة البحث عن الحرفيين لتنفيذ مشروعه والحديث معهم: «أتذكر عندما كنتُ أحاول تكليف حرفيين مختلفين في لبنان، أدركتُ أن الأشكال قوالب المعمول تُترجم في الواقع بأشكال أوراق الشجر، وأنماط الزهور، وإشراقات الشمس». ينظر إلى القطع الهشة والملونة بمنظور أعمق «عندما يذهب الناس إلى قبور أحبائهم، يضعون الزهور في علامة على الاحترام والذكرى والإخلاص. وأعتقد أن المَعمول، بوصفه شكلاً فنياً، قد جسّد كل هذه المنظورات. لذا أردتُ أن أحتفل باللحظات السعيدة التي قضاها الناس مع هؤلاء الضحايا، من خلال استحضار تلك الذكريات التي جمعتهم في الاحتفالات، وكذلك في أوقات تحضير المعمول الذي يتطلب جهداً كبيراً، ومساهمة من عدة أشخاص يجتمعون معاً في المطبخ لصنعه، عادةً ما تكون الجدات مع الأمهات والأطفال. إنه أمرٌ ننقله أيضاً من جيل إلى جيل».

سمفونية المدينة

تلفتنا بشدة فكرة استخدام الزجاج لصنع حبات المعمول الملونة، فالزجاج يرتبط مباشرة بالانفجار الذي خلف دماراً هائلاً كان الزجاج المهشم أبرز علاماته. يقول الفنان إن الزجاج المهشم أصبح «سمفونية المدينة» بعد الانفجار، واصفاً صوت المشي عليه في أثناء عمليات التنظيف، «أتذكر أنه أصبح صوتاً يدل على هذا الانفجار المحدد. لأن الزجاج كان في المادة التي تحطمت أكثر، بسبب شدة الانفجار الفعلية، وليس المنازل التي انهارت، مع أن بعضها قد انهار. وهي المادة التي تسببت في إصابات معظم الناس أيضاً. لذلك شعرت بأنه من المناسب دمج ذلك في العمل كأنه علامة مباشرة على هذا الحدث المحدد، وفي الوقت نفسه، يتمتع الزجاج بهذه القدرة على إعادة التشكل بطريقة لا نهائية». لكل هذه الدلائل أصبح الزجاج رمزاً ووسيلة لإنجاز هذا العمل يضيف إليها الفنان أنه يمكن رؤية أشكال المعمول الزجاجية بأنها تعبر عن الهشاشة والعنف «وهما جانبان مما مررنا به في الانفجار. كنا نشعر بالمأساة، وأصبح الزجاج مادةً صادمةً للجميع. لم يستطع الناس الجلوس بجانب النوافذ لشهور خوفاً من أن يتحطم الزجاج مجدداً ويؤذي الجميع. أصبح التفاعل مع الزجاج مرة أخرى بمكانة رد فعلٍ قويٍّ من الصدمة».


مقالات ذات صلة

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

يوميات الشرق لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات من الحياة اليومية للريف (الشرق الأوسط)

«مربعات النيل»... قراءة تشكيلية معاصرة تنبض بروح التراث المصري

يذهب التشكيلي المصري عاصم عبد الفتاح أبعد من تصوير الواقع، ليُقدّم ما يسميه «هندسة المشاعر»...

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق ماء من «ينبوع الشباب» معروض في معرض «بلوغ سن الرشد» في متحف «ويلكوم كوليكشن» بلندن (جوانا يي - نيويورك تايمز)

«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

أكثر من 120 قطعة معروضة في متحف «ويلكوم كوليكشن» توفِّر أمثلةً متنوعةً على رغبة الإنسان ليس فقط في العيش لفترة أطول، بل في الحفاظ على شبابه.

يوميات الشرق عمل «زولية أمي» يستعيد الذاكرة عبر عرض بصري وصوتي على أرضية رملية (صور الفنان)

سعيد قمحاوي في «بقاء مؤقت»: تجربة مفتوحة على تحوّلات المادة

معرض سعيد قمحاوي الفردي يرتكز على مجموعة من الأعمال التركيبية واللوحات التشكيلية التي تتمحور حول الفحم ليس بوصفه وسيطاً...

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال العديد من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة «الأم الكبرى».

محمد الكفراوي (القاهرة )

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.