حبات المعمول الزجاجية وانفجار مرفأ بيروت في معرض لندني

عرض بعنوان «ليس شهيدك» للبناني رمزي ملاط... وتأملات في الهشاشة والعنف

حبات المعمول الملونة في عمل الفنان رمزي ملاط (الفنان)
حبات المعمول الملونة في عمل الفنان رمزي ملاط (الفنان)
TT

حبات المعمول الزجاجية وانفجار مرفأ بيروت في معرض لندني

حبات المعمول الملونة في عمل الفنان رمزي ملاط (الفنان)
حبات المعمول الملونة في عمل الفنان رمزي ملاط (الفنان)

في متحف فيكتوريا آند ألبرت، وفي قاعة مخصصة لعصر النهضة والعصور الوسطى تطغى عليها المنحوتات الضخمة تقبع مفاجأة. فعلى جانب من القاعة توجد بعض خزانات العرض التي تضم قطعاً لا تنتمي إلى عصور أوروبا القديمة، بل هي آتية من وقتنا الحاضر ومن عالمنا العربي، وهي ضمن معروضات أسبوع لندن للتصميم الجاري حالياً.

في إحداها نرى تنظيماً بصرياً ملوناً لقطع صغيرة من الزجاج الملون، ليست أية قطع، الشكل مألوف فهي تشبه قطع «المعمول» أو «الكعك» الذي يصنع في كل البلدان العربية بمناسبات مختلفة في الأعياد الدينية خاصة.

«ليس شهيدك» في المتحف اللندني (بيتر كيلر والمتحف)

لا نستطيع تجاوز ذلك العرض البصري، ليس فقط، بسبب جماله، ولكن أيضاً، بسبب إيحاءاته ومعانيه المشبعة بالحنين إلى ذكريات العائلة. غير أن العنوان الذي وضعه الفنان اللبناني رمزي ملاط لعمله هذا ينتزعنا من الحالة الوجدانية ليدخلنا في أجواء أثقل في معانيها وذكرياتها. يطلق ملاط على عمله عنوان «ليس شهيدك»، ويصفه البيان الصحافي بأنه «نصب تذكاري مضاد». نعود لقطع المعمول المنقوشة والزاهية الألوان فلا تغيب عنا رمزيتها بوصفها تمثيلاً لتقاليد مشتركة بين أفراد المجتمع اللبناني، فهي تصنع للاحتفال بالأعياد لدى المسلمين والمسيحيين. نكاد نسمع جلبة العائلات المجتمعة كل في بيت ليصنع أفرادها حبات المعمول، تمزج بين علاقات مشتركة وذكريات بين العائلات والجيران متوجة برائحة زكية تتصاعد من الأفران لتداعب أنوف الأطفال والكبار.

ما الذي يريد الفنان أن يعبر عنه عبر هذا العمل؟ أتحدث مع رمزي ملاط لمناقشة العمل، الذي ردّ على مباركتي له بعرض عمله في فيكتوريا آند ألبرت، وقال: «إنه إنجاز أن نرى العمل في مثل هذه المساحة التي تعج بالإشارات التاريخية».

«ليس شهيدك» في المتحف اللندني (بيتر كيلر والمتحف)

يتابع: «أعتقد أيضاً أن من النقاط المهمة في العمل هو وضعه على مستوى منخفض حتى يضطر الناظر إلى الانحناء قليلا لرؤيته (وكأنما ينحني احتراماً لما يمثله) وللانغماس فيه بالانجذاب بإغراء الألوان المتنوعة».

في نصبه التذكاري المضاد يحاول الفنان التعامل مع تبعات انفجار الرابع من أغسطس (آب)، بالنسبة إليه ولأبناء جيله يمثل الانفجار صدمة جماعية، يصف الصدمة والألم بأنهما «إرث»، ولكنه يرفض الانصياع للقتامة: «أردت أن أتناقض مع ذلك أيضاً من خلال إظهار الجمال والثراء الكامن». لعل ذلك ما يعنيه بوصف العمل بأنه «نصب تذكاري مضاد»، ويعلق شارحاً: «لم يكن هناك نصب تذكاري لضحايا الحرب الأهلية، فهي حرب لم يكن بها منتصر، ولا آيديولوجية مهزومة. أردتُ حقاً أن أُسلِّط الضوء على هذا الأمر في الوعي الجماعي، لأنني أشعر بأننا لا نملك طقوساً تُنظِّم جراحنا».

الانفجار وتأثيره

نعود للعنوان مرة أخرى، فهو عنوان لا يهادن، به مزيج من التحدي والألم، وهو ما لا يستقيم مع كل تلك القطع المرهفة من الزجاج الملون مع كل الطبقات الدفينة من الأحاسيس المختزنة في داخل كل قطعة.

رمزي ملاط (الفنان)

يعود بالذاكرة لما حدث: «كنت في بيروت في أثناء الانفجار، عندما وقع لأول مرة، كنت على بعد أقل من كيلومتر واحد من مركز الزلزال، وأتذكر أنه بعد عدة أيام اجتمعنا بصفتنا أفراد مجتمع مدني لنتمكن من إعادة البناء، وداخلنا هذا الفهم بأن المجتمع هو ما يوجهنا حقاً إلى الأمام، وليست الحكومة، حيث إنه لا توجد مؤسسات حقيقية تساعد في إعادة البناء على الإطلاق». أثارت الحياة بعد الانفجار والتعامل مع آثاره لدى ملاط الرغبة في ترجمة كل هذه الأحاسيس إلى نصب تذكاري «لنتمكن أولاً من وضع علامة على هذا الحدث».

يعترض ملاط على وصف ضحايا الانفجار بأنهم «شهداء»، ويوضح «شعرتُ بأن في هذا ظلماً كبيراً لهم، فكان من المتوقع أن نحزن عليهم، وكفى وكنت أشعر بأنه لم يكن هناك نوع من الفهم الملائم للضحايا، لأن هؤلاء الناس لم يموتوا في الواقع على خطوط المواجهة في المعركة، بل ماتوا في منازلهم، وفي الشوارع.» يتابع : «الشهيد، على ما أعتقد، عادةً ما يكون أمراً محسوماً. إنه شخص قُتل في معركة أو جراء قصف كما يحدث في غزة، لكن انفجار الميناء ظل أمراً غير محسوم. قُتل أناس، لكن لم يعرف أحد سبب مقتلهم. لهذا السبب أردتُ وضع هذا الأمر في صدارة العمل. تجدر الإشارة إلى أنه لم يُجرَ حتى الآن أي نقاش حول تورط الأفراد المسؤولين عن هذا الانفجار. لم يدفع أحد ثمنه لقد اتفقنا جميعاً على أن هذه مأساة، وعلينا المُضي قُدماً، وإلا فسننهار».

رمزي ملاط يجهز عمله «ليس شهيدك» للعرض في متحف فيكتوريا آند ألبرت (الفنان)

يربط الانفجار وما تبعه بشعور جيله في لحظة ما بإمكانية التشارك في بناء المجتمع «أتذكر أن الانفجار وقع مباشرةً عقب ثورة، حيث شعر جيلي بإمكانية الإسهام في إعادة بناء وطننا، شعرنا وكأن الوطن ملكنا، ولكن في الواقع ما تعلمناه هو أن علينا دائماً الهجرة خارج الوطن لنتمكن من بناء مستقبلنا. لذا، ربما أصبحت هذه المأساة السبب الأكبر لرحيل مزيد من الناس. أتذكر أنه بعد عام من الانفجار، غادر كل أصدقائي البلد».

المعمول... تراث مشترك

أتساءل عن العمل بتفصيلاته الدقيقة: كعكات المعمول، لماذا اخترت هذا الشكل، خصوصاً أنها تأتي داخل منظومة مختلفة من المعاني والروابط والإشارات؟ يقول: «أعتقد أنها كانت لحظة اكتشاف عندما كنتُ أتعامل بجدية مع تداعيات الانفجار. كنت أفكر كيف يُمكنني تصوير وإنشاء نصب تذكاري لا يستغل الانقسامات الطائفية التي واجهتنا جميعاً في لبنان، ولهذا اخترتُ المعمول لما له من خاصية فهو تراث مشترك، يُحتفل به في عيد الأضحى، وفي عيد الفصح أيضاً. لذا كان هذا أفضل شكل لوصف هذه التقاطعات التي لدينا».

«اخترتُ المعمول لما له من خاصية فهو تراث مشترك» (الفنان)

يصف رحلة البحث عن الحرفيين لتنفيذ مشروعه والحديث معهم: «أتذكر عندما كنتُ أحاول تكليف حرفيين مختلفين في لبنان، أدركتُ أن الأشكال قوالب المعمول تُترجم في الواقع بأشكال أوراق الشجر، وأنماط الزهور، وإشراقات الشمس». ينظر إلى القطع الهشة والملونة بمنظور أعمق «عندما يذهب الناس إلى قبور أحبائهم، يضعون الزهور في علامة على الاحترام والذكرى والإخلاص. وأعتقد أن المَعمول، بوصفه شكلاً فنياً، قد جسّد كل هذه المنظورات. لذا أردتُ أن أحتفل باللحظات السعيدة التي قضاها الناس مع هؤلاء الضحايا، من خلال استحضار تلك الذكريات التي جمعتهم في الاحتفالات، وكذلك في أوقات تحضير المعمول الذي يتطلب جهداً كبيراً، ومساهمة من عدة أشخاص يجتمعون معاً في المطبخ لصنعه، عادةً ما تكون الجدات مع الأمهات والأطفال. إنه أمرٌ ننقله أيضاً من جيل إلى جيل».

سمفونية المدينة

تلفتنا بشدة فكرة استخدام الزجاج لصنع حبات المعمول الملونة، فالزجاج يرتبط مباشرة بالانفجار الذي خلف دماراً هائلاً كان الزجاج المهشم أبرز علاماته. يقول الفنان إن الزجاج المهشم أصبح «سمفونية المدينة» بعد الانفجار، واصفاً صوت المشي عليه في أثناء عمليات التنظيف، «أتذكر أنه أصبح صوتاً يدل على هذا الانفجار المحدد. لأن الزجاج كان في المادة التي تحطمت أكثر، بسبب شدة الانفجار الفعلية، وليس المنازل التي انهارت، مع أن بعضها قد انهار. وهي المادة التي تسببت في إصابات معظم الناس أيضاً. لذلك شعرت بأنه من المناسب دمج ذلك في العمل كأنه علامة مباشرة على هذا الحدث المحدد، وفي الوقت نفسه، يتمتع الزجاج بهذه القدرة على إعادة التشكل بطريقة لا نهائية». لكل هذه الدلائل أصبح الزجاج رمزاً ووسيلة لإنجاز هذا العمل يضيف إليها الفنان أنه يمكن رؤية أشكال المعمول الزجاجية بأنها تعبر عن الهشاشة والعنف «وهما جانبان مما مررنا به في الانفجار. كنا نشعر بالمأساة، وأصبح الزجاج مادةً صادمةً للجميع. لم يستطع الناس الجلوس بجانب النوافذ لشهور خوفاً من أن يتحطم الزجاج مجدداً ويؤذي الجميع. أصبح التفاعل مع الزجاج مرة أخرى بمكانة رد فعلٍ قويٍّ من الصدمة».


مقالات ذات صلة

«بدايات جديدة»... لقاء الروح بالحب في معرض ترايسي شمعون

يوميات الشرق معرض «بدايات جديدة» يستمر لغاية 27 يونيو الحالي (الشرق الأوسط)

«بدايات جديدة»... لقاء الروح بالحب في معرض ترايسي شمعون

وجدت ترايسي شمعون في أحضان الطبيعة السكينة والطمأنينة، ومنها استمدّت الإلهام الذي تحوّل إلى لوحات تحتفي بالحياة والحرية والتجدّد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أشكال مختلفة يجمعها شغف التحوّل (الشرق الأوسط)

«خزفة من أجل طفل»... السيراميك يُداوي جراح الطفولة

راكمت «دار الطفل اللبناني» تجارب آلاف المسارات الإنسانية التي عَبَرَت برامجها خلال العقود الـ5 الماضية ثم شقَّت الطُرق نحو حياة مختلفة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

وافقت الجمعية العامة للمكتب الدولي للمعارض على «اتفاقية الامتيازات والمزايا الممنوحة للمشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جانب من افتتاح المعرض الفني «خارج السرب» ضمن الفعاليات (وزارة الثقافة المصرية)

«متحف التعافي» بمصر لمعالجة القضايا الاجتماعية بالفن

تحت عنوان «متحف التعافي والتنمية» انطلقت في القاهرة، الثلاثاء، فعاليات مشروع مشترك لمبادرة اجتماعية تستهدف تناول ومعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية بالفن.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمنت مشاهد من الحياة باليمن (الشرق الأوسط)

من بلقيس إلى نفرتيتي... معرض فني يحاكي حضارتي مصر واليمن

تحت عنوان «من بلقيس إلى نفرتيتي» يسعى الفنان اليمني محمد سبأ إلى محاكاة العمق الثقافي والفني الذي يربط بين الحضارتين المصرية واليمنية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

امتحانات «الثانوية العامة»... موسم التوتر والقلق في البيوت المصرية

عدد طلاب الشهادة الثانوية العامة هذا العام يزيد على 900 ألف طالب (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على «فيسبوك»)
عدد طلاب الشهادة الثانوية العامة هذا العام يزيد على 900 ألف طالب (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على «فيسبوك»)
TT

امتحانات «الثانوية العامة»... موسم التوتر والقلق في البيوت المصرية

عدد طلاب الشهادة الثانوية العامة هذا العام يزيد على 900 ألف طالب (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على «فيسبوك»)
عدد طلاب الشهادة الثانوية العامة هذا العام يزيد على 900 ألف طالب (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على «فيسبوك»)

يفرض موسم امتحانات الثانوية العامة في مصر نفسه كل عام على صدارة المشهد. وبوجود أكثر من 922 ألف طالب وطالبة على مستوى الجمهورية، لا تبدو الامتحانات شأناً يخص الطلاب وحدهم، بل تتحول إلى حالة أوسع تخوضها الأسر معهم يوماً بيوم، مشاركةً في توترها وصخبها وتوابعها النفسية والاجتماعية التي تمتد إلى معظم البيوت المصرية.

وتتولى مواقع البحث ووسائل التواصل الاجتماعي المتابعة اللحظية لامتحانات الدور الأول للشعبتين العلمية والأدبية، التي تستمر حتى 16 يوليو (تموز) المقبل، إلى جانب استعدادات اللجان، وغرف العمليات في المحافظات، والتقارير اليومية عن سير الامتحانات وإجراءات تأمينها... ولعل هذا الرصد اليومي أحد أبرز ملامح هذا «الموسم» السنوي، الذي تنظر إليه كثير من الأسر المصرية بوصفه محطة مصيرية في تحديد مستقبل أبنائها.

موسم امتحانات الثانوية مصدر توتر وقلق للأسر المصرية (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على «فيسبوك»)

ويؤدي امتحانات الثانوية العامة هذا العام طلاب المدارس الحكومية والخاصة ومدارس اللغات الملتحقون بالنظام المصري، إلى جانب طلاب النظام القديم، في حين يخضع طلاب المدارس الدولية لنظمهم التعليمية الخاصة، ويؤدون المواد القومية التي تقررها وزارة التربية والتعليم، وفق ضوابط خاصة.

وتصف داليا مهدي، والدة طالبة بالثانوية العامة في محافظة الجيزة، هذه المرحلة بأنها «ذروة عام كامل من الضغوط»، مضيفة: «دخول الامتحانات هو المرحلة المتقدمة من حالة الضغط التي نعيشها في البيت منذ الصيف الماضي، بدأ الأمر مع الدروس الخصوصية والاستعداد المبكر قبل العام الدراسي، ثم على مدار عام دراسي ممتد، وما يوازيه من ضغط مادي بالقياس بعدد الدروس الخصوصية المخصصة لكل مادة، والتي يتكثف عددها مع الفصل الأخير قبل الامتحانات»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وانطلقت امتحانات الثانوية العامة في مصر الأحد حيث أدى الطلاب امتحان مادتَي «التربية الدينية» و«التربية الوطنية».

ويعتبر خالد عماد، ولي أمر طالب بالثانوية العامة بمحافظة القاهرة، أن «أكثر ما يفرض ضغوطاً على الأسر هو هاجس التنسيق، خصوصاً مع اعتماد الامتحانات خلال السنوات الأخيرة على أسئلة تقيس الفهم أكثر من الحفظ، وهو ما يستلزم إحاطة عالية بالمناهج وتوقع أسئلتها».

وزير التربية والتعليم يتابع سير الامتحانات (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على «فيسبوك»)

وتابع عماد لـ«الشرق الأوسط»: «أصبح تفاوت الدرجات محدوداً جداً، لكنه قد يشكل فارقاً كبيراً في النتيجة النهائية، وبالتالي في فرص الالتحاق بالجامعة، سواء كانت حكومية أو أهلية أو خاصة، وهو ما يجعل كل درجة مصدر قلق بالنسبة للأسرة».

وتؤكد وزارة التربية والتعليم أن امتحانات الثانوية العامة تُبنى وفق مواصفات فنية تستهدف قياس نواتج التعلم، وتعتمد على الفهم والتحليل والتطبيق، وليس الحفظ والتلقين، مع الالتزام بتدرج مستويات الأسئلة بما يحقق التمييز بين مستويات الطلاب.

وفي موازاة الضغوط التي تعيشها الأسر، تواصل وزارة التربية والتعليم استعداداتها لضبط سير الامتحانات؛ إذ شددت، في بيانها الصادر الأحد، على إحكام إجراءات التفتيش قبل دخول اللجان، ومنع اصطحاب الهواتف الجوالة أو أي وسائل إلكترونية قد تُستخدم في الغش، مع تكثيف أعمال المتابعة داخل اللجان، وتطبيق الإجراءات الحاسمة لضمان نزاهة الامتحانات.

امتحانات الثانوية العامة تمثل ذروة عام كامل من الضغوط (صفحة وزارة التربية والتعليم المصرية على «فيسبوك»)

ومن أبرز ملامح امتحانات الثانوية العامة هذا العام، بحسب الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوي وأستاذ المناهج بكلية التربية في جامعة عين شمس، تطبيق نظام «التجمعات الامتحانية» لأول مرة. ويقول شحاتة لـ«الشرق الأوسط»: «فكرة جمع الطلاب داخل مقار امتحانية رئيسية بدلاً من توزيعهم على عدد كبير من اللجان الصغيرة، تسهم بشكل كبير في إحكام الرقابة على اللجان، ورفع كفاءة التأمين والإشراف، والحد من محاولات الغش الإلكتروني، إلى جانب تسهيل تأمين محيط اللجان، والسيطرة على أي محاولات للإخلال بنظام الامتحانات».

ويتوقع شحاتة ارتفاع نسبة النجاح في الثانوية العامة هذا العام بنحو 3 في المائة مقارنة بالعام الماضي، مرجعاً ذلك إلى «إتاحة وزارة التربية والتعليم نماذج استرشادية للامتحانات عبر منصاتها الإلكترونية وإجاباتها النموذجية، ما أتاح للطلاب في مختلف المحافظات التدريب على نمط الأسئلة، ورفع جاهزيتهم للتعامل مع الأسئلة التي تعتمد بدرجة أكبر على الفهم والتحليل أكثر من الحفظ».


الإقبال على دور السينما المصرية لم يتأثر بالمونديال

فيلم «إذما» يُنافس على إيرادات موسم الصيف السينمائي (حساب أحمد داود على فيسبوك)
فيلم «إذما» يُنافس على إيرادات موسم الصيف السينمائي (حساب أحمد داود على فيسبوك)
TT

الإقبال على دور السينما المصرية لم يتأثر بالمونديال

فيلم «إذما» يُنافس على إيرادات موسم الصيف السينمائي (حساب أحمد داود على فيسبوك)
فيلم «إذما» يُنافس على إيرادات موسم الصيف السينمائي (حساب أحمد داود على فيسبوك)

رغم تأثيرات نُسخ سابقة من بطولة كأس العالم لكرة القدم على شباك التذاكر في السينما المصرية، فإن النسخة الحالية من المونديال، التي تستضيفها الولايات المتحدة إلى جانب كندا والمكسيك، تبدو أقل تأثراً لأسباب تتعلق بفروق التوقيت التي تجعل غالبية المباريات تُقام في ساعات الصباح الأولى وفق التوقيت المصري، بحسب تصريحات موزعين سينمائيين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط».

جانب من تدريبات المنتخب المصري في كندا (أ.ب)

وتشهد دُور العرض السينمائية خلال الأسبوع الحالي عرض 7 أفلام محلية، بعد انضمام فيلم «صقر وكناريا» لمحمد إمام وشيكو إلى قائمة الأفلام المعروضة في الصالات، إلى جانب فيلم «القصص» لأمير المصري ونيللي كريم، الذي طُرح في دور العرض الأسبوع الماضي، وفيلمي «إذما» و«الكراش» للممثل المصري أحمد داود. في المقابل، يواصل فيلم «سيفن دوجز» للثنائي أحمد عز وكريم عبد العزيز تصدّر شباك التذاكر منذ بداية عرضه في موسم عيد الأضحى الماضي.

وإلى جانب مجموعة من الأفلام الأجنبية التي تعرضها الصالات، ويتصدرها فيلما «توي ستوري 5» و«مايكل»، يتواصل عرض فيلمي «أسد» لمحمد رمضان و«الكلام على إيه؟!» الذي يعتمد على البطولة الجماعية بمشاركة أحمد حاتم وحاتم صلاح، إلى جوار مصطفى غريب وسيد رجب، مع انتصار ودنيا سامي. كما تستقبل الصالات السينمائية الشهر المقبل عدداً من الأفلام العربية، منها «شمشون ودليلة» الذي يجمع أحمد العوضي ومي عمر، بالإضافة إلى «ابن مين فيهم» للثنائي ليلى علوي وبيومي فؤاد.

مونيكا بيلوشي مع أبطال «سيفن دوجز» خلال عرضه في المغرب (الشركة المنتجة)

وقال الموزع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن معدل طرح الأفلام خلال الفترة الحالية يُعد طبيعياً مع انطلاق موسم الصيف، الذي يشهد عادة زيادة في عدد الأعمال الجديدة المطروحة بدور العرض، موضحاً أن طرح فيلم جديد كل أسبوع تقريباً يتماشى مع طبيعة الموسم ورغبة الشركات في الاستفادة من فترة الإقبال الجماهيري.

وأشار الدفراوي إلى أن مباريات كأس العالم قد تؤثر في الإيرادات خلال بعض الأيام، لافتاً إلى أن تأثير المباراة الأولى للمنتخب المصري كان واضحاً على شباك التذاكر، غير أن ذلك لا يعني توقف طرح الأفلام أو تأجيلها بشكل كامل، إذ ظل التأثير محدوداً ومرتبطاً بمواعيد المباريات وأهميتها، بينما تواصل دور العرض استقبال الأفلام الجديدة بصورة طبيعية.

وهو ما أكده الموزع السينمائي طارق صبري، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن دور العرض شهدت تراجعاً ملحوظاً في الإقبال يوم حفل افتتاح المونديال، حيث فضّل عدد كبير من الجمهور متابعة الحدث الرياضي على الذهاب إلى السينما، وهو ما انعكس على حركة الحضور وإيرادات شباك التذاكر في ذلك اليوم، إضافة إلى يوم المباراة الأولى للمنتخب المصري، التي تزامنت مع الحفلة المسائية، الأمر الذي انعكس بوضوح على الإيرادات.

وأضاف صبري أن تأثير البطولة على السينما بشكل عام ظل محدوداً للغاية بعد ذلك، موضحاً أن فروق التوقيت ساهمت في تقليص أي تأثير محتمل للمباريات الأخرى على دور العرض، فمعدلات الإقبال اليومية بقيت ضمن مستوياتها الطبيعية، كما أن المباريات اللاحقة، التي أُقيمت غالبيتها بعد انتهاء مواعيد العروض، لم تُسجل تأثيراً يُذكر على شباك التذاكر حتى الآن.

الملصق الترويجي لفيلم «صقر وكناريا» (الشركة المنتجة)

وفي السياق نفسه، أكد الموزع السينمائي شادي الزند لـ«الشرق الأوسط» محدودية تأثير مباريات كأس العالم على دور العرض المصرية بسبب فارق التوقيت بين مصر والدول المستضيفة، موضحاً أن غالبية المباريات تُقام في ساعات متأخرة من الليل أو مع الفجر بتوقيت القاهرة، وهي مواعيد تأتي بعد انتهاء معظم العروض السينمائية اليومية، الأمر الذي حمى شباك التذاكر من التأثيرات المباشرة التي كانت تشهدها مواسم كروية سابقة أُقيمت مبارياتها في أوقات تتزامن مع ذروة النشاط السينمائي.

وأشار الزند إلى أن العلاقة بين جمهور كرة القدم ورواد السينما ليست بالضرورة علاقة تطابق كامل، لافتاً إلى أن «قطاعاً من جمهور السينما، وخصوصاً من متابعي الأفلام الأجنبية، لا يضع متابعة المباريات على رأس أولوياته الترفيهية. كما أن تنوع الشرائح العمرية والاهتمامات داخل السوق السينمائية أسهم في استمرار معدلات الإقبال بصورة طبيعية، ما جعل تأثير البطولة محدوداً للغاية، خلافاً للتوقعات التي سبقت انطلاقها».


على مشارف الدورة 12... «أفلام السعودية» يرفع سقف المنافسة

ينطلق المهرجان مساء يوم الجمعة في مركز إثراء بالظهران (المهرجان)
ينطلق المهرجان مساء يوم الجمعة في مركز إثراء بالظهران (المهرجان)
TT

على مشارف الدورة 12... «أفلام السعودية» يرفع سقف المنافسة

ينطلق المهرجان مساء يوم الجمعة في مركز إثراء بالظهران (المهرجان)
ينطلق المهرجان مساء يوم الجمعة في مركز إثراء بالظهران (المهرجان)

يصعب النظر إلى الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية بوصفها مجرد نسخة جديدة من حدث سينمائي سنوي؛ فالمهرجان الذي ينطلق، مساء الجمعة المقبل في الظهران (شرق السعودية)، واكب مراحل مختلفة من نمو السينما المحلية، ويعود هذا العام وسط صناعة أكثر نضجاً، ومنافسة أكثر كثافة، وأسئلة جديدة تتعلق بمستقبل الأفلام وصناعها.

ويبدو هذا التحوّل واضحاً في طبيعة المنافسة على الوصول إلى برنامج المهرجان... وعند سؤال مؤسس ومدير المهرجان أحمد الملا عما إذا كانت عملية قبول الأعمال أصبحت أكثر صرامة مقارنة بالدورات السابقة، يجيب بثقة: «بلا شك». ويشير إلى أن معايير الاختيار ارتفعت تدريجياً بالتوازي مع تطور الإنتاج المحلي، بينما يحرص المهرجان على تجديد لجان الاختيار بصورة مستمرة، بما يضمن تنوع الرؤى الفنية والنقدية.

يتابع حديثه لـ«الشرق الأوسط» أولوية «العرض الأول» تحظى باهتمام خاص خلال عملية البرمجة، غير أن جودة الفيلم تبقى العامل الأكثر تأثيراً في قرار القبول، مؤكداً أن حجم المنافسة اليوم يعكس النمو الذي شهدته السينما السعودية خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث عدد الأفلام المنتجة أو تنوع التجارب المشاركة.

المهرجان الذي يأتي بتنظيم جمعية السينما، بالشراكة مع مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء»، وبدعم هيئة الأفلام، مر بظرف صعب هذا العام، يتمثل في تغيير موعد الدورة قبل انطلاقتها بأسابيع قليلة بسبب التوترات السياسية في شهر أبريل (نيسان)، وهو أمر حاولت إدارة المهرجان التغلب عليه باختيار موعد جديد لا يبتعد كثيراً عن السابق، مع تأكيد الملا أن ذلك كان «تحدياً حقيقياً».

هيفاء المنصور... أول امرأة تُكرَّم

من أبرز محطات الدورة الجديدة، يبرز تكريم المخرجة السعودية هيفاء المنصور بوصفه حدثاً يحمل دلالات خاصة في تاريخ المهرجان. وعند سؤال الملا عن هذه الخطوة، أشار إلى أن المنصور تمثل أول شخصية نسائية تحظى بالتكريم الرئيس منذ انطلاق المهرجان، مضيفاً أن حضور المرأة ظل جزءاً أصيلاً من برامجه وفعالياته المختلفة على امتداد الدورات السابقة.

وتحدث الملا بحفاوة عن المنصور، التي تعد أحد أبرز الأسماء السعودية على الساحة السينمائية الدولية، كاشفاً عن حضورها إلى الظهران للمشاركة في فعاليات التكريم رغم ارتباطاتها المهنية في الولايات المتحدة، كما تشهد الدورة إصدار كتاب يتناول تجربتها السينمائية، إلى جانب فيلم يسلط الضوء على مسيرتها الفنية.

ويأتي هذا التكريم بعد مسيرة امتدت بين الأفلام السعودية والإنتاجات الدولية، كما شكل فيلم المنصور «وجدة» محطة مفصلية في تاريخ السينما السعودية، بوصفه أول فيلم روائي طويل يُصوّر بالكامل داخل المملكة، وأول عمل سعودي يصل إلى الترشيحات الأولية لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 2013.

تركز الدورة الجديدة على محور سينما الرحلة (المهرجان)

المهرجان... أكثر من منصة عرض

وعند التوقف لتأمل أثر المهرجان بعد 12 دورة، يبتعد الملا عن لغة الأرقام وعدد الأفلام والجوائز، ليرى أن القيمة الحقيقية تكمن في الدور الذي أصبح يؤديه المهرجان داخل الصناعة نفسها، عبر جمع صنّاع الأفلام والمنتجين والجهات الداعمة في مساحة واحدة تتيح ولادة أفكار جديدة ومشروعات مستقبلية.

ويشير إلى أن مسار المسابقات والعروض السينمائية يمثل جانباً واحداً من التجربة، بينما تشكل «سوق الإنتاج» في المهرجان وبرامج دعم المشروعات مساراً موازياً يزداد تأثيراً عاماً بعد آخر. ويضيف أن كثيراً من المشاريع تبدأ من نقاشات ولقاءات تحدث خلال أيام المهرجان، قبل أن تتحول لاحقاً إلى أفلام ومبادرات وشراكات مهنية.

وبدا الملا مقتنعاً بأن بناء شبكة العلاقات المهنية يمثل إحدى أهم الوظائف التي يؤديها المهرجان اليوم، خصوصاً في ظل النمو المتسارع الذي تشهده السينما السعودية؛ فوجود المخرجين والمنتجين والكتاب والممولين في مكان واحد يخلق فرصاً للتعاون يصعب تكرارها خارج هذه البيئة المكثفة التي يوفرها المهرجان.

مؤسس ومدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)

كوريا والرحلة... ملامح دورة جديدة

أما على مستوى البرامج الجديدة، فيوضح الملا أن الدورة الثانية عشرة تحمل مجموعة من الإضافات التي تعكس توجه المهرجان نحو تعميق البعد المهني والمعرفي. ويأتي برنامج «أضواء على السينما الكورية» في مقدمة هذه المحاور، امتداداً لتجارب سابقة سلطت الضوء على سينمات عالمية مختلفة.

ويشير إلى تعاون مع مهرجان بوسان السينمائي الدولي ومؤسسات سينمائية كورية، إلى جانب استضافة ضيوف ومتخصصين من كوريا الجنوبية، وإصدار كتاب يتناول التجربة الكورية. ويرى أن السينما الكورية تقدم نموذجاً مهماً لتجربة استطاعت الحفاظ على هويتها المحلية بالتوازي مع تحقيق حضور عالمي واسع، وهو ما يجعلها تجربة ثرية للنقاش والاستفادة.

وتقام الدورة الجديدة تحت ثيمة «سينما الرحلة»، وهي الفكرة التي يربطها الملا بطبيعة الجغرافيا السعودية نفسها. فامتداد المملكة وتنوع طبيعتها يمنحان صنّاع الأفلام مساحة واسعة لاستلهام الرحلة بوصفها عنصراً درامياً وسينمائياً قادراً على إنتاج الحكايات واكتشاف الشخصيات وتحولات المكان. ويرى أن أفلام الطريق تمثل أحد الأجناس السينمائية المهمة التي تمتلك حضوراً خاصاً في التجارب العالمية، كما تفتح أمام السينمائي السعودي آفاقاً واسعة للتعامل مع المكان والحركة والانتقال بوصفها عناصر أساسية في السرد البصري.

من ناحية أخرى، تواصل الموسوعة السينمائية السعودية إصدار عناوين جديدة ضمن مشروعها التوثيقي والمعرفي، حيث تشهد الدورة الحالية إصدار كتاب عن السينما الكورية، إلى جانب كتاب متخصص في سينما الطريق، في خطوة تعكس حرص المهرجان على بناء محتوى معرفي موازٍ للفعاليات والعروض السينمائية.

أبرز أفلام الدورة 12

وعلى مستوى الأعمال، تضم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة هذا العام مجموعة من الأعمال السعودية والخليجية والعربية التي تعكس تنوعاً واضحاً في الموضوعات والأساليب السينمائية، من بينها «هجرة» للمخرجة السعودية شهد أمين، و«باب» للمخرجة الإماراتية نائلة الخاجة، و«إركالا: حلم كلكامش» للمخرج العراقي محمد الدراجي، إلى جانب «ربشة» لمحمد مكي، و«مسألة حياة أو موت» لأنس باطهف، و«سعود وينه؟» لمحمد الإبراهيم.

أما مسابقة الأفلام الوثائقية فتضم أعمالاً تتناول موضوعات إنسانية وشخصية متنوعة، من بينها «ملك الأكتاف» لمرام الخالدي، و«عمق» لعبد الرحمن صندقجي، و«ضباب البارود» لسعد طحيطح، إضافة إلى «نور» لعمر المقري، و«قفشة سعد» لمجبل الفرج، و«فريحة» لبدر يوسف، بما يعكس اتساع الحضور الوثائقي في الدورة الجديدة وتعدد الموضوعات التي تتناولها الأفلام المشاركة.

وتنسجم هذه العروض مع توجه المهرجان نحو توسيع الجانب المعرفي والمهني، عبر استضافة عدد من صناع السينما في جلسات متخصصة ضمن برنامج «لقاء الخبراء». ومن الأسماء المشاركة المخرج والكاتب العراقي حسن هادي، صاحب فيلم «مملكة القصب»، الذي يعد أول فيلم عراقي يصل إلى القائمة المختصرة لجوائز الأوسكار، إلى جانب أسماء أخرى تواصل إدارة المهرجان إعلانها تباعاً، مع ترقب انطلاقة الدورة الجديدة، مساء الجمعة، في مركز إثراء بالظهران.