لماذا جوائز نوبل مهمة للعلم؟

تُمنح لمن قدموا خدمات «استثنائية» لصالح البشرية

تُمنح جوائز نوبل في 10 ديسمبر من كل عام (موقع جوائز نوبل)
تُمنح جوائز نوبل في 10 ديسمبر من كل عام (موقع جوائز نوبل)
TT

لماذا جوائز نوبل مهمة للعلم؟

تُمنح جوائز نوبل في 10 ديسمبر من كل عام (موقع جوائز نوبل)
تُمنح جوائز نوبل في 10 ديسمبر من كل عام (موقع جوائز نوبل)

ربما لا يقدم أي حدث علمي للعلم مثل ما يقدمه الإعلان عن جوائز نوبل للعلوم من فرص الدعاية والاهتمام العالمي، بدءاً من محاولات التنبؤ بأسماء الفائزين وانتهاءً بالمتابعة المستمرة الممتدة لنحو شهرين متصلين من كل عام، بما يضاهي أو ربما يفوق ترقب أسماء المرشحين لجوائز الأوسكار.

فمنذ بداية إطلاقها، جذبت جوائز نوبل للعلوم اهتمام الرأي العام، كما أنها كانت دوماً الأكثر قدرة على الوصول إلى وسائل الإعلام المختلفة، مقارنةً بأي جائزة علمية أخرى. وما بين عشية وضحاها، يصبح العلماء الحائزون على نوبل من المشاهير. كما تدفع الجائزة بالعلوم الأكثر تعقيداً إلى دائرة الضوء لتثير حالة غير مسبوقة من التساؤلات والنقاشات حول ماهية هذه الاكتشافات وأهميتها للعلم وللبشرية.

يقول الدكتور عبد الجبار المنيرة، أستاذ علم الأعصاب في معهد كارولنسكا بالسويد، وأحد أعضاء لجنة مُحكّمي جائزة نوبل في الطب أو الفسيولوجيا، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تُمنح الجائزة للاكتشافات التي كان لها أعمق الأثر على البشرية، وتعترف بالعلماء الذين قرروا المغامرة في مناطق علمية مجهولة وتجاوزوا حدود المعرفة البشرية التقليدية».

ويشدد الدكتور ماهر القاضي، الأستاذ المساعد في قسم الكيمياء بجامعة كاليفورنيا الأميركية بلوس أنجليس، على أن: «جائزة نوبل هي أعلى وسام علمي في العالم يسلط الضوء على الأبحاث والاكتشافات التي غيّرت حياة البشر. هذا بالإضافة إلى أنها تتسبب في حركة علمية واسعة، وتخلق بيئة من الحماس والاكتشاف داخل المجتمع العلمي».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أسماءً مثل ألبرت أينشتاين وماري كوري وألكسندر فليمنغ أصبحوا رموزاً خالدة في الذاكرة الإنسانية لأن الجائزة لا تكتفي بتكريم الإنجاز العلمي فقط، لكنها تحوِّل صاحب الإنجاز إلى قدوة تلهم أجيالاً كاملة من الباحثين والعلماء حول العالم».

المكانة المرموقة للجوائز

وفق القائمين على موقع «لينداو» المنظِّم للاجتماع السنوي لحائزي جوائز نوبل للعلوم، فإنهم يبحثون في الجوائز عن مرجعية، ليس فقط للتميز، ولكن أيضاً للمصداقية والدافعية والالتزام بالمثل العليا التي تُلهم الأشخاص العاديين والعلماء والباحثين الشباب.

ويقول الدكتور طارق قابيل، عضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية، بكلية العلوم، جامعة القاهرة المصرية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تُكرِّم الجوائز الاكتشافات التي تحقق أكبر منفعة للبشرية»، مما يربط الابتكار العلمي بالمنفعة الإنسانية المباشرة.

حفل توزيع جائزة نوبل لعام 2016 - استوكهولم (فعالية جائزة نوبل للتوعية 2016 - بي فريسك)

ويفسر جوستاف كالستراند، كبير أمناء متحف نوبل في تصريح لصحيفة «وايرد» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2014، أسباب المكانة التي تحظى بها الجائزة بقوله: «مسألة أن مخترع الديناميت يخصص أمواله لإنشاء جائزة للسلام، أثارت اهتمام الكثير من الناس بالجائزة، كما اجتذبت الجائزة الكثير من الاهتمام بسبب قيمتها النقدية الضخمة».

في السنوات الأولى، كانت قيمة جوائز نوبل المادية تعادل نحو 20 عاماً من العمل الأكاديمي، مما جعلها بمنزلة «الجائزة العبقرية» النموذجية التي سمحت للعلماء بمتابعة اهتماماتهم الأخرى بحرية كاملة تقريباً. كما أنه عادةً ما يحظى حائزوها برغبة شديدة من الجماهير في مشاركة تجاربهم، والاستماع إلى نصائحهم، بل الشعور بالتضامن معهم.

يقول قابيل: «تعمل الجوائز مصدرَ إلهام للعلماء الشباب، مؤكدةً أن العمل المتقن للبحث والجرأة الفكرية يمكن أن يغيرا العالم»، مشدداً على أن «جوائز نوبل أصبحت معياراً عالمياً للتميز العلمي، حيث تظهر أن الإنجازات التي تشكل مستقبلنا تحصل على الاعتراف والدعم اللازمين لمواصلة رحلة الاكتشاف».

ومع الضجة الكبيرة التي صاحبت الجائزة منذ البداية وكذلك بريقها الذهبي، اكتسبت في نهاية المطاف سمعة طيبة في اختيار الفائزين البارزين، بفضل المنهجية التي وضعتها لجان التحكيم في عام 1901، وهو ما يعلق عليه كالستراند بالقول: «قرر أعضاء الأكاديمية التماس توصيات المجتمع العلمي الدولي منذ البداية، حيث تقوم لجنة مكونة من 5 أعضاء لكل جائزة بطلب ومراجعة آلاف الترشيحات. تحصل اللجنة على قدر هائل من المعلومات، ثم تُجري بحثاً دقيقاً ومراجعة صارمة، قبل اتخاذ القرار النهائي».

يقول البروفسور توماس بيرلمان، من معهد كارولنسكا، وسكرتير لجنة نوبل للطب أو الفسيولوجيا: «يتعلق الأمر بالتقاليد والتاريخ الطويل لهذه الجوائز. عندما بدأت في عام 1901، كانت الجوائز الدولية أمراً غير معتاد».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لقد اختارت نوبل العديد من الاكتشافات التي تميزت في تاريخ العلوم بأنها تحويلية ومبتكرة، لذا تطورت الجائزة لتصبح الأولى دولياً».

سفانتي بابو يتسلم جائزة نوبل من جلالة ملك السويد كارل السادس عشر غوستاف (جوائز نوبل - ناناكا أداتشي)

125 عاماً من الجوائز

في كل عام منذ 1901، وباستثناء بضع سنوات خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، تُمنح جوائز نوبل في 10 ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، تاريخ وفاة مؤسس الجائزة ألفريد برنهارد نوبل (1833-1896). في ذلك التاريخ، يتسلم الفائزون ميدالياتهم الذهبية وجوائزهم النقدية، قبل أن يُلقوا محاضرة عن إنجازاتهم العلمية، كما يتم تكريمهم في مأدبة أنيقة يستضيفها ملك وملكة السويد في مدينة استوكهولم.

في حين يتم الإعلان عن أسماء الفائزين بالجوائز في شهر أكتوبر، أي قبل تسلم الجوائز بشهرين تقريباً، وهو الشهر ذاته الذي وُلد فيه ألفريد نوبل، مؤسس الجائزة الذي كان يملك رؤية لعالم أفضل. إذ كان يعتقد أن العلماء قادرون على المساعدة في تحسين المجتمعات من خلال نشر قيم المعرفة والعلم والإنسانية. لقد تم وضع الأسس الاقتصادية لتمويل جائزة نوبل في عام 1895، عندما وقَّع نوبل وصيته الأخيرة وترك الكثير من ثروته لإنشاء الجائزة ومؤسسة نوبل المكلَّفة بإدارة ثروته.

وتُمنح جائزة نوبل في مجالات: الفيزياء، والكيمياء، وعلم وظائف الأعضاء أو الطب، والأدب، والسلام، فيما أُضيفت جائزة تذكارية في العلوم الاقتصادية عام 1968. ومن بين جميع جوائز نوبل الست، تتمتع جوائز العلوم بطابع يتسم بالتفرد، «إذ ترتبط هذه الجوائز بدرجة من الثقة والقبول لدى الجمهور العام ربما لا تتوفر بالقدر ذاته في جوائز نوبل للسلام والأدب الاقتصاد»، وفق خبراء.

وترى غابرييلا غونزاليس، عالمة الفيزياء التجريبية في جامعة ولاية لويزيانا الأميركية، في تعليق لها على أهمية جوائز نوبل للعلوم، ضمن مقال تحليلي نُشِر على موقع الجمعية الفيزيائية الأميركية (APS)، 31 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022: «الفائدة الأساسية لجوائز نوبل هي أن هناك أسبوعاً من كل عام يظهر فيه العلم بشكل مؤكد في الأخبار، بالإضافة إلى برامج إذاعية وتلفزيونية تشرح نتائج الأبحاث المهمة التي أثَّرت في مسيرة العلوم الحديثة».

ويفسر قابيل قدرة جوائز نوبل على اختراق كل المنصات الإعلامية حول العالم وخلق حالة من الاهتمام غير المسبوق بأن: «الجائزة تمثل قصة إنسانية وعلمية فريدة تسمح لوسائل الإعلام بالاحتفاء بالعبقرية والابتكار، وتسليط الضوء على كيفية تأثير الاكتشافات العلمية المعقدة على حياة الناس اليومية، مما يثير الاهتمام العالمي بالعلم».

وحتى هذه اللحظة، لا توجد أي جائزة أخرى تعادل هيبة جوائز نوبل وما تلقاه من تقدير عالمي. بل إنه غالباً ما يتم استحضار جوائز نوبل باستمرار للإشارة إلى أهمية الجوائز الأخرى؛ إذ يطلق على جائزة تورينغ «جائزة نوبل للكمبيوتر»، وجائزة بريتزكر «جائزة نوبل في الهندسة المعمارية»، وفي الرياضيات تتنافس «جائزة أبيل» و«ميدالية فيلدز» على أيهما أجدر بالمقارنة بجائزة نوبل. ولكن لماذا هي مهمة إلى هذا الحد؟ وما مدى إسهامها في الارتقاء بمسيرة العلم الحديث؟

أهم وأبرز جوائز نوبل

هناك اتفاق بين العلماء على أن جوائز نوبل التي تُمنح للعلماء الذين قدموا مساهمات ملموسة في مجالات الكيمياء والفيزياء والطب، هي أبرز الجوائز العلمية التي تعكس حالة الإنجاز البشري في هذه المجالات الثلاثة. لقد أسهمت غالبية الإنجازات العلمية التي حازت تلك الجوائز في التقدم العلمي والحضاري للبشرية خلال الأعوام الماضية، كما ساعدت المجتمعات على التطور، بل الأهم أنها ساعدتنا على معرفة أنفسنا، وكذلك القوانين والآليات التي تحكم الكون والطبيعة، لقد جعلتنا ندرك مكاننا الحقيقي في الكون.

يقول القاضي: «جائزة نوبل مليئة بالمحطات المهمة والملهمة، والبداية كانت في عام 1901 عندما حصل العالم الألماني فيلهلم رونتغن على الجائزة الأولى في التاريخ لاكتشافه الأشعة السينية، مما أطلق ثورة في الطب والعلاج والتشخيص. محطة أخرى في عام 1945 عندما تم منح الجائزة للعالم ألكسندر فليمنغ بعد اكتشافه البنسلين، أول مضاد حيوي في التاريخ. كما شهدت بدايات القرن العشرين سلسلة من الجوائز المرتبطة بفهم تركيب الذرّة، وهو ما أحدث ثورة معرفية في الكيمياء والفيزياء والطب، وفتح الطريق لعصر العلم الحديث».

من جانب أخر، يرى الدكتور أحمد بن حامد الغامدي، من جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، أن «أهم تلك الجوائز هي المرتبطة باكتشافات فيزياء الكم والجسيمات الأولية، وكذلك المرتبطة باكتشافات الجينات في مجالَي الطب وعلم الأحياء الجزيئية».

ويفسر الغامدي لـ«الشرق الأوسط» ذلك بأن «فهمنا للكون والعالم من حولنا لم يكن ممكناً لولا معرفتنا الدقيقة بعوالم الذرة والنواة والإلكترونات، وكذلك لم يكن ممكناً تصور وجود التقنيات الحديثة مثل الكمبيوتر والأقمار الاصطناعية والبث الإذاعي والتلفزيوني وأشعة الليزر وتكنولوجيات الطيران والصواريخ والأسلحة الذرية، من دون التقدم العلمي الذي فتحت أبوابه جوائز نوبل».

وأضاف أنه «على نفس النسق، يقف تحديد تركيب جزيء الـ(دي إن إيه) وراء الطفرة الكبيرة في مجالات علم الوراثة والتقنية الحيوية وهندسة الجينات، وما لها من تطبيقات هائلة في الطب وصناعة الدواء والمنتجات الزراعية».

في حين يرى قابيل أن «أبرز محطات نوبل للعلوم هي الإنجازات التي أعادت تعريف مسار البشرية، مثل اكتشاف الأشعة السينية، والبنسلين، وتركيب الحمض النووي، وتقنية كريسبر أو ما يعرف بـ(مقص الجينات) الذي يتيح تعديل أشرطة الحمض النووي بدقة فائقة، فاتحاً آفاقاً غير مسبوقة لعلاج الأمراض الوراثية وتطوير المحاصيل». كما لا ينسى قابيل «علوم فيزياء الكم التي أسست لفهمنا للعالم تحت الذري، ومهَّدت الطريق لتطوير التكنولوجيا الحديثة».

إيمانويل شاربنتييه من مطوري تقنية كريسبر الثورية تتسلم ميدالية جائزة نوبل (جوائز نوبل)

القليل من الجدل

وفي وقت، أثارت جوائز السلام والآداب الكثير من الجدل، لم تثر جوائز نوبل في العلوم سوى القليل من الجدل حول مدى استحقاقها، على الرغم من أن بعض الأعمال المهمة لم تعترف بها الجائزة.

ومن أمثلة ذلك، جائزة الطب التي ذهبت إلى طبيب الأعصاب البرتغالي، إيغاس مونيز، الذي قدم في عام 1936، عملية جراحية لعلاج مرض انفصام الشخصية. لقد أظهرت هذه العملية نجاحاً كبيراً في بادئ الأمر، حيث تحولت سلوكيات المرضى من الحدة والعنف إلى الهدوء، ولكن على المدى الطويل طرأ على المرضى بعض التغيرات والاضطرابات الحادة في الشخصية والسلوك وفقدان الطموح والحافز في الحياة.

في ذلك الوقت لم يكن هناك أي علاج فعال على الإطلاق لمرض انفصام الشخصية، وقد أصبحت هذه العملية شائعة وحصل مونيز على جائزة نوبل في عام 1949. ولكن في عام 1952، تم تقديم أول دواء للمرض، ما أثار حالة من السخط العام. ووفق موقع الجائزة على الإنترنت، فإنه لا يوجد أي سبب لهذا السخط على ما حدث في الأربعينات، حيث لم تكن هناك بدائل أخرى في وقت الإعلان عن الجائزة.

وكذلك الحال، عندما اعتقدت لجنة الفيزياء أن ابتكارات الإنارة بالمنارات البحرية تستحق أعلى جائزة علمية في العالم، تلك التي نالها المخترع السويدي، جوستاف دالين، قبل علماء آخرين أكثر تأثيراً وأهمية، من أمثال ألبرت أينشتاين ونيلز بور، وهو ما علق عليه الغامدي: «حالة التعاطف الإنساني مع دالين هي سبب ترشيحه ثم حصوله على الجائزة في عام 1912. وكان دالين قد أصيب بالعمى بسبب انفجار غاز الأسيتيلين في أثناء إجرائه تجارب لتصميم منظِّم وصمام خاص لتدفق الغاز في شعلة المنارة البحرية».

في هذا الصدد، يقول الغامدي: «أشعر بالإحباط بسبب خلو سجل الفائزين بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2019 -خُصّصت لمن أسهموا في تطوير بطاريات الليثيوم- من اسم العالم الفرنسي الجنسية والمغربي الأصل، رشيد اليزمي. فعلى الرغم من المكانة العلمية الرفيعة التي يحظى بها اليزمي في هذا المجال، وأنه سبق أن نال عدداً من الجوائز المرموقة بالاشتراك مع العلماء الذين نالوا جائزة نوبل في الفيزياء 2019، فإنه جرى استبعاد اسمه من جوائز نوبل».

وتابع الغامدي أنه «من الأمور المثيرة للجدل في تاريخ الجائزة، أنها لم تُمنَح لعالم الكيمياء الروسي المعروف ديمتري مندلييف، صاحب الجدول الدوري للعناصر الكيميائية. في حين جرى منح الجائزة لكيميائي أقل بكثير في الأهمية من مندلييف وهو الفرنسي، هنري مواسان، مكتشف عنصر الفلور. وكذلك الحال مع الفيزيائي الاسكوتلندي ذائع الصيت، اللورد كالفن، ذي الأثر البالغ في علم (الثيرموديناميك)».

هل هناك حاجة إلى التطوير؟

وهنا يطفو على السطح سؤال مهم: «هل يجب أن تستمر جوائز نوبل كما هي، أم يجب تطويرها في المستقبل القريب؟ يقول الدكتور عبد الجبار المنيرة: «جوائز نوبل والطرق المنظمة لمنحها راسخة بقوة في وصية ألفريد نوبل».

ويضيف: «لذلك، فإن معاييرنا صارمة، ويجب أن تكون أهمية الاكتشاف استثنائية حقاً؛ يجب أن يمثل اختراقاً حقيقياً يحمل تميزاً استثنائياً، مع مساهمة واضحة في تحسين البشرية. تلتزم جميع لجان الجائزة بشكل صارم بوصية ألفريد نوبل، وعلى مدار القرن الماضي، أثبت هذا النهج باستمرار أنه المسار الصحيح للمستقبل».

وفيما يتعلق بمحاولات البعض التشكيك في نزاهة جوائز نوبل، أجاب المنيرة بأن «دور لجنة نوبل يتمثل في تقييم واختيار الاكتشاف الأكثر استحقاقاً كل عام. ومن الضروري أن يحافظ حائزو الجائزة على إرث وصية ألفريد نوبل، وقد نص صراحةً على أنه في منح الجوائز لا ينبغي النظر إلى الجنسية؛ بل يجب منح الجائزة للأفراد الأكثر استحقاقاً».

وفيما يتعلق بوجود أي نوايا لتطوير الجائزة لتشمل مجالات علمية أخرى أو إضافة قواعد جديدة لعملية الاختيار، نفى البروفسور بيرلمان، وجود أي خطط من هذا النوع: «لا توجد مثل هذه الخطط، على الأقل لا نية لأي تغييرات كبيرة. من الضروري الإشارة إلى أن إضافة مجالات علمية جديدة تتطلب تغييرات كبيرة في النظام الأساسي لمؤسسة نوبل»، مضيفاً أنه «من الناحية القانونية، مثل هذه التغييرات معقَّدة لأن النظام الأساسي يستند إلى وصية ألفريد نوبل، وهناك قيود صارمة لضمان الالتزام بالوصية الأصلية».


مقالات ذات صلة

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

لجنة «نوبل» تستنكر توقيف نرجس محمدي و«إساءة معاملتها» في إيران

أعربت لجنة نوبل، اليوم (الأربعاء)، عن استيائها الشديد إزاء اعتقال نرجس محمدي الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2023 في ديسمبر.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
شؤون إقليمية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الحكم على نرجس محمدي الحائزة جائزة نوبل للسلام بالسجن 6 أعوام في إيران

أصدرت محكمة إيرانية حكماً بسجن الناشطة الحقوقية نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام 6 أعوام، حسب ما أفاد محاميها وكالة الصحافة الفرنسية اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (طهران)
يوميات الشرق البروفسور عمر ياغي يتحدث خلال احتفاء مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية به الخميس (واس)

ياغي: دعم القيادة السعودية للعلماء وفّر بيئة مُحفِّزة للإنجازات العالمية

أكد البروفسور عمر ياغي، الفائز بـ«نوبل» في الكيمياء، أن دعم القيادة السعودية وتمكينها للعلماء واهتمامها بهم وفرت بيئة محفزة مكنتهم من تحقيق إنجازات نوعية عالمية

جبير الأنصاري (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال استقباله البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 (واس)

ولي العهد السعودي يستقبل الفائز بـ«نوبل» عمر ياغي

استقبل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، في الرياض، البروفسور عمر ياغي بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي في روما (إ.ب.أ) p-circle

ميلوني تعد بترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام إذا أنهى حرب أوكرانيا

أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن أملها في أن ينهي الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب في أوكرانيا حتى ترشحه لجائزة نوبل للسلام.

«الشرق الأوسط» (روما)

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended