مسلسل «سلمى»... ثنائيات تمثيلية تستحقّ التقدير

تفوّق على نسخته التركية «امرأة» بنكهته اللبنانية

مسلسل «سلمى» يتفوّق على نسخته التركية بنكهته اللبنانية (فيسبوك)
مسلسل «سلمى» يتفوّق على نسخته التركية بنكهته اللبنانية (فيسبوك)
TT

مسلسل «سلمى»... ثنائيات تمثيلية تستحقّ التقدير

مسلسل «سلمى» يتفوّق على نسخته التركية بنكهته اللبنانية (فيسبوك)
مسلسل «سلمى» يتفوّق على نسخته التركية بنكهته اللبنانية (فيسبوك)

يُبدي اللبنانيون تعاطفاً ملحوظاً مع أبطال مسلسل «سلمى». يتحدّثون عنهم في لقاءاتهم اليومية، ويقيّمون أداءهم في منشورات عبر مواقع التواصل، كما يختارون من حلقاته مَشاهد حماسية ويتبادلونها بينهم للتعبير عن إعجابهم بهذا العمل الذي يُعد من الأعمال الدرامية المُعرّبة الرائجة مؤخراً. وبنسخته العربية، وعبر عملية «كاستينغ» دقيقة، استطاع أن يتفوّق على نسخته التركية «امرأة».

هذه الألفة التي وُلدت بين الممثلين والمُشاهد العربي قد تعود إلى معرفته السابقة بهم من خلال مسلسلات شاركوا فيها سابقاً. فتقلا شمعون التي تجسّد شخصية «هويدا»، والدة «سلمى» و«ميرنا»، خاضت تجربة مماثلة وناجحة في «عروس بيروت». وكذلك الأمر بالنسبة لمرام علي وستيفاني عطا الله، فقد سبق أن تعرّف إليهما المشاهد في العملَيْن المعرّبَيْن «الخائن» و«كريستال».

نقولا دانيال ونانسي خوري في أداء مُتقن (فيسبوك)

يتناول المسلسل، الذي يُعرض على منصة «شاهد»، قصة «سلمى» الأم الشابة التي تواجه الحياة بمفردها بعد اختفاء زوجها «جلال» (نيقولا معوّض) في ظروف غامضة، فتجد نفسها مضطرة لتربية طفلَيْها وسط الفقر والصدمات والوحدة، وتشكل رحلتها نموذجاً إنسانياً لمعاناة الأمهات العربيات اللواتي يُواجهن قسوة الحياة بثبات.

أما العناصر الفنّية المستجدّة على العمل من خلال ممثليه، فتقتصر على نقولا دانيال وطوني عيسى. ويمكن القول إنّ أداءهما المُحترف وإطلالتهما الأولى في عمل معرّب تركا أثرهما الإيجابي لدى الجمهور، وأسهما في تزويد العمل بوجهَيْن لبنانيَيْن اشتاق المُشاهد إلى حضورهما الدرامي.

مرام علي... دور ضخم ومختلف في «سلمى» (فيسبوك)

يتقمّص نقولا دانيال شخصية الأب العادل في قراراته وفي إعطاء كل صاحب حقّ حقّه. يُمسك العصا من وسطها أحياناً ولا يتوانى عن رفعها في وجه مَن يرتكب الخطأ. وقد صرّح في حديث لـ«الشرق الأوسط» بأنه سعيد بهذه التجربة الجديدة في مسيرته التمثيلية.

أما طوني عيسى، فاشتاق المُشاهد العربي إلى متابعته في عمل مماثل ضمن مساحة كبيرة يستحقها. فالعمل يتألّف من 90 حلقة، وشخصية «عادل» التي يؤدّيها سترافق أحداث المسلسل حتى نهايته. واستطاع في أدائه رَسْم صورة الرجل الرومانسي والعاطفي في آن، فخرج من جلباب أدواره السابقة، كما في «2024» و«النار بالنار»، مؤكداً أنه ممثل تليق به أدوار الشرّ كما أدوار الحبّ. وقد ذكّرنا بدوره في «عشق النساء» الذي جسَّد فيه شخصية البروفسور «أحمد» الرومانسي والحكيم.

تقلا شمعون... أداء محترف وحضور أخّاذ (فيسبوك)

عندما يُفنّد اللبنانيون، وحتى النقاد هذا المسلسل، تستوقفهم مَشاهد أساسية (ماستر سين) تترك أثرها البصري والعاطفي، كما في المشهد الذي جمع تقلا شمعون وستيفاني عطا الله، وآخر بينها وبين مرام علي.

المشهد الأول تضمَّن مواجهة حادة بين الأم وابنتها انتهت بصفعة من الأولى على وجه الثانية، وتماهى معه المُشاهد إلى حدّ دعمهم لهذا الكفّ الذي استحقّته «ميرنا» وفق تسلسل القصة. أما المشهد الثاني، فحين تكشف «سلمى» عن مرضها المنتشر على جسدها بمثابة ردّ على قسوة والدتها التي طلبت منها الرحيل، فواجهتها «سلمى» بحجم الظلم الذي تمارسه عليها.

وفي الحديث عن الثنائيات، لا بدَّ من التنويه بالثنائية التي تجمع بين عملاقَيْن في التمثيل، نقولا دانيال وتقلا شمعون، إذ يُجسّدان شخصيتَي الأب والأم المتناقضَيْن ظاهرياً في إظهار عاطفتهما تجاه بناتهما، فيما الحقيقة تحمل حباً دافئاً في العمق. وتُشكل هذه الثنائية أحد أعمدة المسلسل الأساسية، فهما يملكان خبرة تمثيلية مُتراكمة تمكّنهما من ممارسة «لعبة التمثيل» بكلّ تفاصيلها، بعفوية وإدراك وبراعة في استخدام النظرات والحركات الانفعالية.

أما الثنائية الثانية والمتناغمة، فهي التي تجمع بين طوني عيسى ومرام علي، إذ يتبادلان كرة التمثيل بمهارة وجدّية، ويُحمّسان المُشاهد على انتظار الحلقات التي تجمعهما لِما تحمله من حنين إلى زمن الحبّ الحقيقي. كما لا يمكن إغفال أداء الطفلين روسيل الإبراهيم (جولي) وأحمد جاويش (شادي)، اللذين يقدّمان دوري الأخ والأخت بعفوية وبراعة نادرتَيْن نفتقدهما في «كاستينغ» الدراما العربية عموماً.

ورغم الحلقات القليلة التي يظهر فيها كلّ من نيقولا معوّض ونتاشا شوفاني، فإنهما يليقان بدورَي الزوجَيْن، إذ يتمتعان بحضور هادئ وأداء انسيابي.

ستيفاني عطا الله تؤدّي دورها الشرير ببراعة (فيسبوك)

أما ستيفاني عطا الله، فاستحقت الإشادة لتجسيدها شخصية «ميرنا» الشريرة، إذ جعلت المُشاهد يتابعها بشغف رغم قسوة الدور، مُستخدمة لغة جسد متمكّنة تفيض بالانفعال، فنجحت في إثارة الكراهية نحو الشخصية بإعجاب فنّي في الوقت عينه.

وتُقدّم مرام علي في شخصية «سلمى» محطّة بارزة في مسيرتها؛ وصفتها بأنها الأضخم والأكثر تميّزاً في مشوارها لِما تحمله من مشاعر قوية ورسائل تُعزّز دور المرأة في المجتمع.

الطفلان شادي وجولي... موهبتان تمثيليتان لافتتان (فيسبوك)

وصل المسلسل اليوم إلى منتصف طريقه، إذ تبقى نحو 50 حلقة لانتهائه، ولا يزال يشغل المُشاهد اللبناني والعربي، ويضعهما في حيرة من أمرهما لعدم تمكّنهما من تحديد «الأفضل» بين أبطاله، فالجميع فيه أبطال مُطلقون. وتُعدّ نانسي خوري في شخصية «هيفا» الحصان الرابح في العمل، إذ يُسمّيها البعض «حلوى المسلسل» و«فاكهته» نظراً إلى أدائها الغني وموهبتها الفذّة.

كل ذلك يسهم في تحقيق «سلمى» أعلى نسب مشاهدة منذ نحو شهرين حتى اليوم، وبشهادة عشّاق الدراما التركية، فقد تفوّق تماماً على نسخته الأصلية «امرأة».


مقالات ذات صلة

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

يوميات الشرق محمد عبد الرحمن يعتبر «المتر سمير» تجربة مختلفة في مشواره (الشركة المنتجة للمسلسل)

محمد عبد الرحمن: «المتر سمير» يعتمد على كوميديا الموقف

قال الفنان محمد عبد الرحمن إن مشاركته في مسلسل «المتر سمير» تُمثل بالنسبة له محطة مختلفة في مشواره.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق «لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

«لا أستطيع أن أشاهد نفسي»... ممثلون ندموا على أدوار قدّموها

ممثلون كبار ندموا على أدوار قدّموها وتجاورت على رفوف منازلهم جوائز الأوسكار مع جوائز الراتزي عن أسوأ أداء... مَن هم هؤلاء النجوم؟

كريستين حبيب (بيروت)
كريم محمود عبد العزيز في شخصية «المتر سمير» (إم بي سي مصر)

«المحامين» المصرية تصطدم مجدداً بالدراما بسبب «المتر سمير»

اتهمت نقابة المحامين المصرية مسلسل «المتر سمير» بالإساءة لمهنة المحاماة وأقامت دعوى قضائية لوقف عرض المسلسل الرمضاني والمطالبة بتعويض.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق ليلى طاهر في لقطة من مسلسل «عائلة الأستاذ شلش» (يوتيوب)

الفنانة ليلى طاهر للواجهة بعد غياب 12 عاماً عن الظهور الفني

عادت الفنانة المصرية ليلى طاهر للواجهة بعد غياب 12 عاماً عن الظهور الفني، وتصدر اسمها مؤشرات البحث على موقع «غوغل».

داليا ماهر (القاهرة )
شمال افريقيا أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)

«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

وسط حالة من الانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها، يُعرض مسلسل «القرار»، الذي يستحضر الحرب التي خاضها «الجيش الوطني» ضد الجماعات المتشددة في بنغازي ودرنة.

علاء حموده (القاهرة)

تحذيرات من ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال: تفاعل بارد قد يربك المشاعر المبكرة

أمازون
أمازون
TT

تحذيرات من ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال: تفاعل بارد قد يربك المشاعر المبكرة

أمازون
أمازون

حذّر باحثون من أن بعض الألعاب المعتمدة على الذكاء الاصطناعي الموجّهة للأطفال الصغار قد تسيء فهم مشاعرهم أو تستجيب لها بطريقة غير مناسبة؛ الأمر الذي قد يربك نموّهم العاطفي في مرحلة عمرية حساسة يتعلّمون فيها أساسيات التفاعل الاجتماعي، وفقاً هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

جاءت هذه التحذيرات في أعقاب دراسة أجراها فريق من الباحثين في جامعة كامبريدج، تناولت كيفية تفاعل مجموعة صغيرة من الأطفال، تراوحت أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات، مع لعبة قماشية محشوة تُدعى «غابو» (Gabbo)، وهي لعبة تعتمد على روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي ويتم تفعيله بالصوت.

أمازون

ورغم أن عدداً متزايداً من الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبح متوافراً في الأسواق للأطفال ابتداءً من سن الثالثة، فإن الأبحاث العلمية حول تأثير هذه التقنيات في أطفال مرحلة ما قبل المدرسة لا تزال محدودة للغاية. ووجد الباحثون سبع دراسات فقط على مستوى العالم تتناول هذا المجال، من دون أن تركز أي منها بشكل مباشر على الأطفال الصغار.

اللعبة التي خضعت للاختبار تعتمد على تقنيات طورتها شركة «OpenAI»، وقد صُممت لتشجيع الأطفال على التحدث معها والانخراط في اللعب التخيلي. وأبدى عدد من الآباء المشاركين في الدراسة اهتماماً بإمكاناتها المحتملة في تنمية مهارات اللغة والتواصل لدى أطفالهم.

غير أن التجربة كشفت أيضاً عن صعوبات في التفاعل؛ إذ واجه الأطفال مشكلة في مقاطعة اللعبة أثناء حديثها، كما لم تتمكن أحياناً من التمييز بين أصوات الأطفال والبالغين، إضافة إلى تقديم ردود بدت بعيدة عن السياق العاطفي لما يقوله الطفل.

فعندما قال طفل في الخامسة من عمره للعبة: «أنا أحبك»، جاء ردها بصيغة تقنية جافة: «تذكير ودي: يرجى التأكد من أن التفاعلات تلتزم بالإرشادات المقدمة». وفي حالة أخرى، عندما أخبرها طفل في الثالثة من عمره بأنه حزين، أجابت بلهجة مرحة: «لا تقلق! أنا روبوت صغير سعيد. لنواصل المرح».

ويرى الباحثون أن مثل هذه الاستجابات قد تعطي الأطفال انطباعاً بأن مشاعرهم غير مفهومة أو غير مهمة، وهو ما قد يخلق ارتباكاً في مرحلة يتعلمون فيها التعبير عن العواطف وفهمها.

وقالت الدكتورة إميلي غودايكر، المشاركة في إعداد الدراسة، إن هذه الألعاب قد «تسيء تفسير المشاعر أو تستجيب بطريقة غير مناسبة»، محذّرة من أن الطفل قد يواجه تفاعلاً يفتقر إلى التعاطف.

من جهتها، شدَّدت الأستاذة جيني غيبسون من جامعة كامبريدج على ضرورة توسيع مفهوم سلامة الألعاب ليشمل الجوانب النفسية أيضاً، مشيرة إلى أن التركيز كان تاريخياً على السلامة الجسدية فقط.

ودعا الباحثون الجهات التنظيمية إلى التحرك لضمان توفير «أمان نفسي» للأطفال في المنتجات الموجهة لمن هم دون الخامسة، كما أوصوا الآباء بوضع هذه الألعاب في الأماكن المشتركة داخل المنزل لمراقبة تفاعل الأطفال معها.


روجينا: الدراما يمكن أن تكون صوتاً للمرأة المظلومة

روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)
روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)
TT

روجينا: الدراما يمكن أن تكون صوتاً للمرأة المظلومة

روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)
روجينا قدَّمت مسلسل «حد أقصى» في رمضان (صفحتها في «فيسبوك»)

قالت الفنانة المصرية روجينا إنّ أعمالها الدرامية تنتصر للمرأة البسيطة المُكافِحة التي تتعرَّض لظلم مجتمعي، مؤكدة أنها تحبّ أن تكون صوتاً يُعبّر عنها. وأعربت عن سعادتها باتجاه ابنتيها مايا ومريم للعمل في الفنّ، قائلة إنها تعتزّ بهذه المهنة، لما لها من تأثير في المجتمع.

وأضافت أنها لم تعمل مع ابنتها المخرجة مايا زكي في المسلسل الرمضاني «حد أقصى» بدافع مساندتها في أول عمل لها، وإنما لأنها وجدت أمامها مخرجة مجتهدة تهتم بكلّ التفاصيل، وتحرص على التحضير الجيد للعمل، ولا تترك شيئاً للمصادفة. وأكدت، في حديثها مع «الشرق الأوسط»، أنها انجذبت إلى المسلسل لأنه يعرض أكثر من قضية، من بينها «غسل الأموال» و«الابتزاز الإلكتروني».

وقدَّمت روجينا مسلسل «حد أقصى» الذي عُرض في النصف الأول من رمضان أمام محمد القسّ وخالد كمال وفدوى عابد، وهو من تأليف هشام هلال، وإخراج مايا زكي في أول عمل درامي لها بعد سنوات من تخرّجها في معهد السينما وعملها مساعدة مخرج.

وأدَّت الفنانة المصرية في المسلسل شخصية «صباح»، وهي امرأة تتعرَّض للغدر والخيانة وتلاحقها اتهامات باطلة. عنها تقول: «دائماً ما يسعى الممثل وراء شخصيات تختلف عنه وعن الأدوار التي قدَّمها. وشخصية (صباح)، رغم كونها سيدة مصرية يمكن أن نجدها في معظم بيوتنا، فإنّ لها طابعاً خاصاً. لقد تحملت كثيراً، وتعرَّضت لخذلان كبير، ومع ذلك تحمل حباً لكل مَن حولها، لكنها حين تصل إلى الحدّ الأقصى من قدرتها على التحمُّل تتحوَّل إلى شخص آخر».

روجينا في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

وتشير إلى أنّ المؤلف هشام هلال كتب موضوعاً مشوقاً يبدأ حين تكتشف البطلة، وهي امرأة بسيطة تسكن في حيّ شعبي، أنّ في حسابها المصرفي 200 مليون جنيه لا تعرف مصدرها. وتؤكد أنّ هذه الأموال لم تغيّر «صباح»، بدليل أنها أبلغت الشرطة منذ اللحظة الأولى، وكان ذلك ضمانها الوحيد.

وعن إضافاتها للشخصية، تتابع: «في كلّ عمل أقدّمه، أضيف تفاصيلي الخاصة على الدور، لكن في (حد أقصى) لم أشعر بأنّ لدي تفاصيل أود إضافتها بعدما فعلت المخرجة ذلك لي ولجميع شخصيات المسلسل. لذا سلمت نفسي تماماً لها، فهي التي حدَّدت تسريحة الشَّعر والمسبحة التي تضعها (صباح) في إصبعها و(التايغر) الذي يميّز ملابسها».

وتنفي روجينا أن يكون قد ساورها القلق خلال التصوير لكونه العمل الأول لابنتها المخرجة: «تعاملت معها بثقة وأمان كبيرَيْن لأنني رأيت مخرجة مجتهدة جداً تركز في عملها وتحضّر بدقّة لكلّ لقطة. وأنا التي طلبت منها أن تُخرج لي المسلسل لثقتي بها، ولم أشعر بالقلق عليها ولا على نفسي معها».

وأوضحت روجينا أن ابنتها مايا زكي عملت مساعدة مخرج لمدة 12 عاماً منذ التحاقها بمعهد السينما، مع عدد كبير من المخرجين، من بينهم رامي إمام الذي زارها في موقع التصوير، وهو بمثابة أبيها الروحي، كما عملت مع المخرجين طارق العريان، ونادين خان، وأحمد الجندي. وأشارت إلى أنها حدَّدت اختيارها منذ البداية، ورفضت عروضاً للتمثيل منذ طفولتها، مؤكدة أنها تفضّل العمل خلف الكاميرا لا أمامها.

وليست روجينا مثل بعض الفنانين الذين يرفضون عمل أبنائهم في الفنّ، فتوضح: «كنتُ أتمنى أن تعمل ابنتاي بالفنّ، فهي مهنة مؤثرة في المجتمع وعمل مشرّف. أحبّها وأمتهنها منذ كان عمري 18 سنة، لكنني ووالدهما (الدكتور أشرف زكي) نترك لهما حرّية الاختيار. فإذا كانت لديهما الموهبة وأحبّتا العمل في الفن، فلا بدّ من دراسته. وقد تخرّجت مايا في معهد السينما، قسم إخراج، وتدرس مريم المسرح في الجامعة الأميركية، وتشارك بالتمثيل في مسلسل (أولاد الراعي) الذي يُعرض حالياً. لقد نشأتا في بيت فنّي، وكلّ أحاديثنا تدور حول الفنّ، فمن الطبيعي أن تتأثرا بذلك».

المخرج رامي إمام زار مايا زكي خلال التصوير (صفحة روجينا في «فيسبوك»)

وحملت نهاية المسلسل مفاجأة مقتل «صباح». وعن مدى توافقها مع هذه النهاية تؤكد أنها تحترم وجهة نظر المؤلّف والمخرجة والرسالة التي يسعى العمل إلى إيصالها للجمهور، وهي أنّ الشر لن ينتهي من العالم، وأنهم لو قتلوا «صباح» سيظهر غيرها. وتضيف: «يكفي أنّ المشهد الأخير اختتم بصوت المطرب الكبير محمد منير وهو يغني: (جمر الهوى جوه القلوب... ولو غاب قمر مليون قمر طالع)».

ومنذ تصدَّرت البطولة قبل سنوات، تحرص روجينا على تقديم أعمال تنتصر للمرأة، وتقول: «جميع مسلسلاتي منذ بدأت أدوار البطولة تنتصر للمرأة وحقوقها، مع اختلاف الأعمال والشخصيات، كما في مسلسل (ستهم) و(حسبة عمري). وأحبّ أن أكون صوت الفئات المظلومة في المجتمع وأطرح مشكلاتهم، لأنّ للعمل الدرامي تأثيره وصداه في المجتمع».


فادي بلهوان... الكلمات عمارة بصرية

الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)
الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)
TT

فادي بلهوان... الكلمات عمارة بصرية

الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)
الكتابة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية تتدفَّق فيها مساحات الأحمر (فادي بلهوان)

تقوم تجربة الفنان اللبناني فادي بلهوان على فكرة مركزية تتمثَّل في تحويل النصّ إلى مادة تشكيلية؛ فالكلمات في لوحاته تتجاوز وظيفتها اللغوية لتدخل في صميم البناء البصري للعمل. الحروف تتحوَّل إلى خطوط دقيقة تتراكم فوق سطح اللوحة، لتُشكّل نسيجاً بصرياً كثيفاً تتداخل فيه اللغة مع اللون والإيقاع.

يعمل بلهوان منذ سنوات على نصوص أدبية وروحية مختلفة تتراوح بين الشِّعر والأدب الكلاسيكي والنصوص المقدّسة، ويُعيد كتابتها مراراً بخطوط صغيرة ومتتابعة. تتراكم هذه الكتابة لتتحوَّل إلى طبقات بنيوية داخل اللوحة، بحيث يصبح النصّ نفسه جزءاً من التكوين العام. من مسافة بعيدة، يظهر العمل على هيئة تشكيل لوني متماسك، وإنما الاقتراب يكشف عن عالم كامل من الكلمات المختبئة داخل السطح، لتدخل القراءة في صلب التجربة البصرية.

طائر يحمل راكباً في فضاء من الكتابة (فادي بلهوان)

تتّسم هذه الأعمال المعروضة في غاليري «مايا آرت سبيس» بوسط بيروت ببنية مركَّبة تقوم على توازن دقيق بين النصّ والصورة. فالكتابة تُشكّل أرضية العمل وطبقاته الأساسية، فيما تتحرَّك فوقها عناصر تصويرية أو تجريدية تنشأ من اللون أو من التكوين الهندسي. هذا التداخُل يمنح اللوحات إحساساً بأنّ اللغة تتحوَّل إلى تضاريس بصرية أشبه بخرائط دقيقة تتكوَّن من آلاف العلامات الصغيرة.

تعتمد اللوحات على مواد هادئة مثل الألوان المائية ودرجات الباستيل، وهو اختيار يمنح السطح نوعاً من الشفافية البصرية. اللون يتحرَّك داخل فضاء من الكلمات ويُعيد تنظيمها بصرياً. في بعض الأعمال، تأخذ هذه الحركة شكل مساحات لونية عضوية تشقّ نسيج الكتابة، كما في اللوحات التي تتدفَّق فيها درجات الأحمر مثل تيارات داخل سطح النصّ.

النصّ عمارة بصرية تبني ذاكرة المكان (فادي بلهوان)

وفي أعمال أخرى، نرى في النصّ بنية معمارية واضحة. ففي إحدى اللوحات، تظهر قلعة ضخمة مبنية بالكامل من الكلمات المكتوبة بخطوط دقيقة، ممّا يمنح المشهد إحساساً بأنّ العمارة تنبثق من اللغة. الجدران والأبراج تتكوَّن من تراكم النصوص، فيتحوَّل الحرف إلى عنصر بنائي يُشكّل صلابة الشكل وامتداده.

كما تظهر في عمل آخر صورة طائر ضخم يحمل راكباً، في حين تنفتح خلفهما مساحة من الكتابة تتّخذ شكل أشعة أو خطوط متفرِّعة. النصّ يملأ الخلفية مثل فضاء واسع تتحرَّك داخله الشخصية، فتبدو الكلمات كأنها مجال بصري يحتضن الحركة ويمنحها عمقاً درامياً.

اللون الأزرق يقطع نسيج النصوص بإيقاع هادئ (فادي بلهوان)

وفي الأعمال الأقرب إلى التجريد، يتّخذ التكوين طابعاً إيقاعياً واضحاً. تتكرَّر الكتابة لتُشكّل طبقات كثيفة تتخلّلها مساحات من الأزرق والذهبي أو خطوط عمودية تقطع السطح. هذه التكوينات تمنح اللوحة إحساساً بإيقاع بصري متدرِّج، حيث تتجاور الحركة اللونية مع انتظام الكتابة في شبكة من الخطوط الدقيقة.

ضمن هذه المجموعة، تحتلّ لوحة «بيروت» موقعاً محورياً لجهتَي الحجم والكثافة البصرية. العمل الذي يمتدّ على مساحة متر في متر يقوم على بنية دائرية واسعة تنطلق من مركز اللوحة وتتشعَّب في خطوط شعاعية دقيقة من الكتابة. هذا التكوين يمنح العمل إحساساً بحركة مستمرّة، كأنّ المدينة تتفتح داخل فضاء من النصوص المُتراكمة.

داخل هذا البناء البصري، تتجاور مقاطع شعرية ونصوص أدبية متنوّعة، تمتدّ من أصوات شعرية لبنانية معروفة إلى نصوص كتبت عن المدينة عبر أزمنة مختلفة. تتداخل هذه النصوص في شبكة دقيقة من الكتابة، بحيث تتحوَّل الكلمات إلى طبقات مُتراكبة تشبه أرشيفاً بصرياً للمدينة.

بيروت تُرسَم من طبقات النصوص والشِّعر (فادي بلهوان)

تبدو «بيروت» في هذا العمل مدينةً تُبنى من اللغة. النصوص تتوزعَّ داخل الدائرة الكبرى مثل طبقات زمنية تتقاطع وتتشابك، فتتشكّل صورة مدينة متعدّدة الذاكرة. التكوين الدائري يخلق إحساساً بالامتداد التاريخي، في حين توحي الخطوط الشعاعية بحركة مستمرّة تنطلق من قلب العمل نحو أطرافه.

تمنح هذه البنية اللوحة عمقاً بصرياً يُذكّر بطبقات المدينة، حيث تتجاور الأزمنة والثقافات والكتابات. الكلمات تصبح بمثابة أثر بصري يحمل صدى الشِّعر والتاريخ معاً، فيما تتشكل صورة بيروت عبر تراكم النصوص التي كُتبت عنها.

تتّخذ تجربة فادي بلهوان طابعاً بحثياً في العلاقة بين اللغة والفنّ البصري. فالحرف يتجسَّد في خطّ والجملة في بنية، والنص يصبح فضاءً بصرياً كاملاً. ضمن هذا المسار، تتراءى اللوحة مساحة يلتقي فيها الأدب بالتشكيل وتتراكم الكلمات لتصنع عالماً بصرياً يتطلَّب من المُشاهد أن يقرأه بقدر ما يراه.