«يوم المخطوط العربي» يحتفي برحلة يحيى بن جنيد في حفظ التراث العربي

بن جنيد: السعودية قادت عملية إنقاذ كبيرة للتراث العربي

الدكتور يحيى بن جنيد خلال تكريمه شخصية العام (مركز الملك فيصل)
الدكتور يحيى بن جنيد خلال تكريمه شخصية العام (مركز الملك فيصل)
TT

«يوم المخطوط العربي» يحتفي برحلة يحيى بن جنيد في حفظ التراث العربي

الدكتور يحيى بن جنيد خلال تكريمه شخصية العام (مركز الملك فيصل)
الدكتور يحيى بن جنيد خلال تكريمه شخصية العام (مركز الملك فيصل)

احتفى «يوم المخطوط العربي» الذي تنظمه سنوياً منظمة «الألكسو»، بالرحلة العلمية التي قطعها البروفسور السعودي يحيى بن جنيد على مدى 6 عقود في مجال خدمة التراث والمكتبات، عكف خلالها على إصدار عشرات المؤلفات في تاريخ الكتب والمكتبات، والحضارة الإسلامية، والوقف الثقافي، ورعى أجيالاً من المكتبيين عبر العقود.

جاء ذلك خلال الاحتفال الرسمي بيوم المخطوط العربي في دورته الثالثة عشرة 2025، الذي أقيم (الأحد) في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، بالتعاون مع معهد المخطوطات العربية، تحت شعار «المخطوط العربي: حياة أُمّة ورائد حضارة».

الأمير تركي الفيصل خلال كلمته في «يوم المخطوط العربي» (مركز الملك فيصل)

وقال الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، في كلمته خلال الحفل، إن هذا اليوم يستدعي ذاكرة الفكر، وتصغي فيه الروح إلى صدى القرون، مؤكداً أن استضافة المركز لهذه المناسبة ليست من قبيل المصادفة، فمنذ أكثر من 50 عاماً، وتحديداً في السابع عشر من محرم عام 1393هـ (19 فبراير/ شباط 1973)، استقبل الملك فيصل بن عبد العزيز، بعثة معهد المخطوطات العربية بمدينة الرياض، بالقرب من موقع الحفل، في لقاءٍ لم يكن استقبالاً تقليدياً، بل ومضة فكر وبادرة رسالة أضاء فيها الفيصل مكانة التراث العربي كرافد أصيل للهوية ونبع دائم للثقافة الأصيلة.

واختير الأستاذ الدكتور يحيى محمود بن جنيد شخصية العام التراثية في الاحتفال بيوم المخطوط العربي لعام 2025، تقديراً لإسهاماته الواسعة في خدمة التراث وصون المخطوط العربي، وتكريماً لمسيرة امتدت عقوداً في البحث والتأليف والتحقيق.

اختير «المخبر الوطني لصيانة وترميم الرقوق والمخطوطات بالقيروان» مؤسسة العام للعمل التراثي (مركز الملك فيصل)

كما تم اختيار «المخبر الوطني لصيانة وترميم الرقوق والمخطوطات بالقيروان» في تونس، مؤسسة العام للعمل التراثي بالوطن العربي في احتفالية «يوم المخطوط العربي» بوصفها إحدى أبرز المؤسسات المتخصصة في حفظ وصيانة التراث المخطوط في الوطن العربي، إضافة إلى ذلك اختير كتاب «جامع فرائد الملاحة في جوامع فوائد الفلاحة»، بتحقيق الأستاذ الدكتور إحسان ذنون الثامري (العراق)، ليكون كتاب العام التراثي بالوطن العربي في الاحتفالية، تقديراً لقيمته العلمية وما يحمله من معارف زراعية وصحية تعكس ثراء التراث العربي المخطوط.

كتاب من تحقيق الدكتور إحسان ذنون الثامري من العراق اختير كتاب العام التراثي (مركز الملك فيصل)

وأشاد الدكتور محمد ولد أعمر، المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، بجهود الدكتور بن جنيد، وقال إن بن جنيد «علم بارز أدرك الرياض الحضارية للتراث العربي، وتمتع برحلة بحثية واسعة جابت مناحي متنوعة من حقول التراث، وأسهم في حقول المخطوطات وفهرستها وتحقيقها، وعمل على رصد حركة النشر النقدي والحياة الثقافية».

من حفل «يوم المخطوط العربي» في الرياض (مركز الملك فيصل)

السعودية قادت عملية لإنقاذ التراث

قال الدكتور يحيى بن جنيد إن السعودية قادت عملية إنقاذ كبيرة للتراث العربي، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وكانت موطناً وملاذاً لآلاف المخطوطات العربية التي تعرضت للإهمال، ووجدت طريقها إلى المراكز والجامعات السعودية، وحظيت بالاهتمام اللائق والاستثمار الواعي.

وأضاف بن جنيد في كلمته خلال حفل يوم المخطوط العربي: «عندما تُذكر المخطوطات، تتجه الأنظار إلى عدد من العواصم العربية، ولكن في الوقت الراهن أستطيع أن أجزم بأن السعودية تعدّ أهم مركز من مراكز المخطوطات في العالم العربي».

وتابع: «يكفي أن مدينة الرياض وحدها تضم أكثر من 100 ألف مخطوط، موزعة بين مراكزها وجامعاتها، وتضم النفائس التي قد لا يكون لها نظير في العالم العربي». وقال بن جنيد إن هذه المخطوطات جمعت من خلال عملية إنقاذ واسعة تولتها السعودية، وذلك عندما كان سماسرة المخطوطات يتوجهون إلى السعودية في وقت لم يكن هناك من يهتم بالمخطوطات، نظراً لتكلفة شرائها ورعايتها، بينما اقتنت السعودية آلاف المخطوطات ودفعت من أجلها ملايين الريالات، وحفظت في مراكزها وجامعاتها بشكل سليم، وخدمت من خلال الترميم والفهرسة والتصنيف وإتاحتها للباحثين.

أثرى بن جنيد الساحة العلمية بأكثر من 35 كتاباً و150 دراسة ومقالة (مركز الملك فيصل)

ريادة بن جنيد في حفظ التراث

ويُعد بن جنيد واحداً من أبرز الأسماء الثقافية والعلمية في السعودية والعالم العربي؛ لما قدّمه من إسهامات رائدة في مجالات المخطوطات والمكتبات والدراسات الإسلامية. وُلد الدكتور يحيى بن جنيد في مكة المكرمة عام 1947م، وتلقى تعليمه الأولي فيها، قبل أن يكمل مراحله الدراسية في الطائف، ثم اتجه إلى التعليم الجامعي حيث حصل على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة الملك سعود عام 1969، ثم الماجستير في المكتبات والمعلومات من جامعة ميزوري الأميركية عام 1976، وأعقبها بالدكتوراه في المكتبات والوثائق من جامعة القاهرة عام 1983.

وتنقّل بن جنيد بين مواقع أكاديمية وإدارية بارزة، فعمل أستاذاً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتولى رئاسة قسم المكتبات والمعلومات، كما شغل منصب أمين عام مكتبة الملك فهد الوطنية، وأمين عام مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وأسهم في تطوير مشاريعه وخططه البحثية، وعضو سابق في مجلس الشورى، إلى جانب عضويته في مؤسسات ثقافية كبرى مثل مكتبة الملك فهد الوطنية ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، وهو رئيس مركز البحوث والتواصل المعرفي حالياً.

وقد أثرى بن جنيد الساحة العلمية بأكثر من 35 كتاباً و150دراسة ومقالة، تناولت قضايا التراث والمخطوطات والتاريخ والببليوغرافيا، ومن أبرز مؤلفاته: «أمير المؤمنين الإمام المستعصم بالله (رؤية تصحيحية)»، و«سيدة عصرها: الكاتبة شُهدة»، فضلاً عن تحقيقه لعدد من النصوص التراثية المهمة مثل «رفع الباس عن بني العباس» و«جذوة الاقتباس في نسب بني العباس».

ونال الدكتور يحيى بن جنيد جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية عام 1998، تكريماً لإسهاماته العلمية الرصينة التي عكست عمق خبرته في دراسة التراث وصيانته، ولا يزال عطاؤه ممتداً عبر مشاركاته في الفعاليات الثقافية والبحثية العربية والدولية، ليبقى علامة بارزة في خدمة الهوية الثقافية للأمة وحفظ ذاكرتها الحيّة.


مقالات ذات صلة

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

يوميات الشرق الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

تستضيف محافظة العلا، يومي 22 و23 يناير الحالي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، الذي تنظمه هيئة الموسيقى داخل التحفة المعمارية العالمية قاعة «مرايا».

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق عمل للفنانة صفية بن زقر إحدى رائدات الحداثة الفنية في السعودية خلال عرضه في احتفال نور الرياض (نور الرياض)

معرض استثنائي يسرد تاريخ بدايات الحركة الفنية السعودية

تحتضن الرياض معرضاً فريداً في موضوعه، يوثّق المراحل التأسيسية للفن الحديث في السعودية خلال الفترة الممتدة من ستينات إلى ثمانينات القرن العشرين.

عمر البدوي (الرياض)
عالم الاعمال جامعة الأمير سلطان و«رودر فين» تطلقان برنامجاً تدريبياً تنفيذياً

جامعة الأمير سلطان و«رودر فين» تطلقان برنامجاً تدريبياً تنفيذياً

أعلنت جامعة الأمير سلطان ووكالة «رودر فين» إطلاق برنامج التدريب التنفيذي لـ«رودر فين»، بعدما يقرب من 50 عاماً من النتائج المثبتة في أميركا الشمالية وخارجها…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص خبراء: سيادة الذكاء الاصطناعي باتت محوراً استراتيجياً يُعاد عبرها تعريفه بوصفه بنية تحتية وطنية وصناعية لا أدوات تقنية منفصلة (شاترستوك)

خاص من التجارب إلى المصانع... كيف يتحول الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتية وطنية؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي في الخليج من مرحلة التجارب إلى أنظمة تشغيلية سيادية، تُبنى بوصفها بنيةً تحتية صناعية وطنية قادرة على التوسع والحوكمة وتحقيق قيمة اقتصادية

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق يلتزم الملتقى بقيم الاستدامة والاستكشاف المادي والابتكار الفني (الرياض آرت)

فنانو «طويق للنحت» يشكّلون أعمالهم في قلب الرياض

يعكف 25 مشاركاً من نخبة الفنانين السعوديين والدوليين على إنتاج أعمال إبداعية عامة بأحجام فنية كبيرة ضمن ملتقى «طويق للنحت» في نسخته السابعة.

عمر البدوي (الرياض)

تقرير: خوليو إغليسياس يواجه اتهامات بالتحرش من امرأتين

المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)
المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)
TT

تقرير: خوليو إغليسياس يواجه اتهامات بالتحرش من امرأتين

المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)
المغني الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)

كشفت تقارير إعلامية أن امرأتين وجّهتا اتهامات إلى النجم الإسباني خوليو إغليسياس بالاعتداء الجنسي عليهما خلال فترة عملهما موظفتين منزليتين في قصوره بمنطقة البحر الكاريبي، بحسب ما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وتزعم إحدى الموظفتين أنها أُجبرت على الدخول في علاقة مع المغني الإسباني، مشيرةً إلى تعرضها للصفع والاعتداء الجسدي واللفظي.

أما اختصاصية العلاج الطبيعي، التي عملت أيضاً لدى المغني، فقد ادعت أنها تعرضت للمس غير اللائق والإهانات خلال فترة عملها، في أجواء من السيطرة والمضايقات المستمرة.

ويواجه إغليسياس، أحد أحدث المشاهير المرتبطين بفضيحة «مي تو» (حراك اجتماعي عالمي يهدف إلى تسليط الضوء على انتشار الاعتداء والتحرش الجنسي، خاصة في بيئات العمل)، اتهامات بالاعتداء على الامرأتين عام 2021، عندما كانت إحداهما تبلغ من العمر 22 عاماً.

ويُزعم أن الاعتداءات وقعت في منزليه الكائنين في بونتا كانا بجمهورية الدومينيكان، وليفورد كاي في جزر البهاما.

ونُشرت هذه الادعاءات اليوم الثلاثاء عقب تحقيق مشترك أجرته صحيفة elDiario.es الإسبانية وقناة Univision التلفزيونية.

وتقول إحدى الضحايا المزعومات، التي تُدعى ريبيكا (اسم مستعار)، إن الفنان الإسباني، الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 77 عاماً، كان يستدعيها إلى غرفته في نهاية كل ليلة.

وأضافت قائلة: «كان يستغلني كل ليلة تقريباً. شعرتُ وكأنني عبدة».

وأشارت إلى أن اللقاءات الجنسية المزعومة كانت تحدث في أغلب الأحيان بحضور أحد أفراد طاقم الخدم، الذي كان أعلى رتبةً منها.

وتزعم امرأة أخرى، تُدعى لورا (وهو اسم مستعار أيضاً)، أن إغليسياس قبّلها ولمسها رغماً عنها.

النجم الإسباني خوليو إغليسياس (أ.ف.ب)

وأفادت كل من elDiario.es وUnivision بأنهما حاولتا مراراً وتكراراً التواصل مع إغليسياس ومحاميه، لكنهما لم تتلقيا أي رد على استفساراتهما عبر البريد الإلكتروني أو الاتصالات الهاتفية أو الرسائل التي وُجهت إلى منزله.

كما حاولت الوسيلتان الإعلاميتان التواصل مع الشخص المسؤول عن إدارة المنزل الذي يُزعم وقوع الاعتداءات فيه، إلا أن المحاولات باءت بالفشل.

وفي المقابل، نفت المرأة التي عرّفتها ريبيكا بوصفها أول مشرفة لها في القصر الكائن في بونتا كانا هذه الادعاءات، ووصفتها بأنها «محض هراء».

وقالت الموظفة السابقة إنها لا تكنّ سوى الامتنان والإعجاب والاحترام لهذا الفنان، واصفةً إغليسياس بأنه «متواضع وكريم ورجل نبيل يحترم جميع النساء».

ويُذكر أن نجم إغليسياس سطع في المملكة المتحدة عندما حققت أغنيته Begin the Beguine نجاحاً باهراً، متصدرةً قوائم الأغاني البريطانية عام 1981.

وباع إغليسياس أكثر من 300 مليون أسطوانة حول العالم.


«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية» تصافح «مرايا» العلا

الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)
الأوركسترا السعودية تواصل حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح (واس)

تستضيف محافظة العلا، يوميْ 22 و23 يناير (كانون الثاني) الحالي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية»، الذي تنظمه هيئة الموسيقى داخل التحفة المعمارية العالمية قاعة «مرايا»، تحت رعاية وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان. يأتي الحفل استمراراً للرحلة الإبداعية للأوركسترا والكورال الوطني السعودي في حمل الإرث الموسيقي للبلاد إلى أبرز المسارح المحلية والعالمية، وتمثل العُلا وجهة مهمة ومتقدمة على خريطة السياحة الثقافية الدولية. وحققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية، وسط إشادات واسعة وتفاعل جماهيري لافت، لتلتقي، اليوم، بجمهورها في واحدة من أهم مناطق البلاد ثقافياً.

حققت «الأوركسترا» سلسلة نجاحات في عدة عواصم ومدن عالمية (واس)

وتُعد العلا إحدى أبرز الوجهات الثقافية والسياحية عالمياً، بما تحمله من تاريخ ضارب في عمق الحضارة الإنسانية، وإرث ثقافي ممتد لقرون طويلة جعل منها مقصداً للسائح الدولي، وملتقى حضارياً يعكس ثراء الهوية الثقافية للسعودية. ويُشكِّل اختيار قاعة «مرايا» لاستضافة هذه التجربة الموسيقية حدثاً مميزاً، حيث تُمثِّل نموذجاً فريداً في العمارة المعاصرة، ومسرحاً يعكس التلاقي بين الفن والطبيعة، ويمنح العروض بُعداً بصرياً استثنائياً. وتسعى الهيئة، عبر هذه المحطة، إلى تعزيز حضور الموسيقى السعودية، وإبراز التنوع الثقافي والفني الذي تزخر به المملكة، ومنح الجمهور المحلي والدولي الموجود في العلا فرصة الاستمتاع بتجربة موسيقية تُجسد الهوية الوطنية، وتُسهم في إثراء المشهد الثقافي للبلاد.


فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
TT

فيلم «يونان»... ثقل الغربة وقسوة المنفى في شريط مؤثّر

جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)
جورج خبّاز وهانا شيغولا في مشهد من فيلم «يونان» (سينما متروبوليس)

يُسلّمك المخرج السوري أمير فخر الدين مفاتيح مشواره مع الغربة وقسوة المنفى خارج وطنه منذ اللقطة الأولى لفيلم «يونان». فيلمٌ كُتب بقلم مجروح، وأُخرج بعين دامعة، فتحوّل ولادةً جديدةً أشبه بعملية قيصرية شاقّة. أخرج فخر الدين أوجاعه وآلام انسلاخه عن أرضه في نصّ مكثّف وحوارات قصيرة ومختزلة، فطغى الصمت على حبكته السينمائية بوصفه لغة أساسية.

إنما هذا الصمت كسره أداء جورج خباز بقدراته التمثيلية الفذّة، فحمل شخصية «منير» المركّبة الآتية من الشتات وضياع الهوية، عبر تعابير وجهه ولغة جسده، وترجم مآسي المهاجر بهدوء مكثّف، مشحون بمشاعر مكبوتة لا تحتاج إلى كلمات.

من ناحية ثانية، تلاقيه الممثلة الألمانية هانا شيغولا بشخصية «فاليسكا» بأداء ناضج ومتّزن. فيما تنثر نضال الأشقر بحضورها المُتقن نفحات من نسمة الوطن الأم. وهكذا تكتمل دائرة شريط سينمائي إنساني، يرسّخ مكانة الشاشة الذهبية بوصفها مساحة للتأمل والوجع والصدق الفنّي بامتياز.

حصد فيلم «يونان» عدداً من الجوائز العربية والعالمية في فئات «أفضل ممثل» و«أفضل مخرج» و«أفضل ممثلة» ضمن مهرجانات سينمائية مرموقة، كان أحدثها «مهرجان هونغ كونغ السينمائي الدولي» و«مهرجان البحر الأحمر السينمائي». واليوم يحطّ في بيروت ليُعرض في صالاتها؛ بينها سينما «متروبوليس».

يحكي مخرج الفيلم أمير فخر الدين وجعه مع الغربة من خلال «يونان» (سينما متروبوليس)

استغرق تصوير الفيلم نحو 3 سنوات، اعتمد خلاله أمير فخر الدين على كاميرا إنسانية هادئة، بعيدة عن الصخب السردي، تحرّض المُشاهد على الغوص في أعماقه والدخول في حالة شاعرية وتأمّلية طويلة. قدَّم الغربة بإيقاع بطيء، تفترسها الوحدة والعزلة الداخلية، ويترجم ثقلهما بالصمت أكثر مما تفعل الكلمات.

يروي الفيلم قصة كاتب عربي يُدعى «منير»، هاجر إلى ألمانيا، منفصلاً عن أرضه وأمه وأخته. ومع تراكم خساراته وانكساراته، يفكّر في الانتحار، فيقصد جزيرة نائية لتنفيذ قراره. هناك، يتعرَّف إلى امرأة مسنّة تدير بيت ضيافة تُدعى «فاليسكا»، تعيش مع ابنها «كارل» (توم والشيها)، فتشكّل هذه العلاقة الإنسانية الهشّة مدخلاً لإعادة إشعال شغفه بالحياة تدريجياً.

وعلى امتداد نحو ساعتين، يعيش المتفرّج في حضن الطبيعة: طقس عاصف، وفيضانات، ورياح قوية، وأمواج بحر عالية، وسهول خضراء شاسعة، فتعكس حالات داخلية تعيشها الشخصيات. ويدور معظم المَشاهد في أجواء صامتة، يتّكئ عليها المخرج لترجمة ثقل الوحدة والغربة على صاحبهما، فيتحوَّل الصمت لغةً قائمة بذاتها. كما يستخدم شعر المتنبي في بداية الفيلم مُعبّراً عن مشاعره العميقة، فتحضر عبارة من إحدى قصائده:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلبُ

وأعجبُ من ذا الوصلِ والهجرِ أعجبُ

أما السؤال الرئيسي الذي يطرحه فخر الدين بشأن معاني الهجرة، فيختصره بعبارة: «ماذا لو في هذا البُعد نسيَتك أمّك؟»، مشيراً إلى انسلاخه المرّ عن أمّه البيولوجية، وتلك التي تتمثّل في الأرض والوطن.

يطوي جورج خباز من خلال هذا الدور صفحة طويلة من الأدوار الدرامية والكوميدية التي برع فيها، لينقل المُشاهد إلى ضفّة تمثيلية مغايرة تماماً؛ ضفّة عنوانها العريض «الانسلاخ الإنساني» بكلّ معانيه. يرتقي خباز بأدائه إلى تخوم الصوفية؛ تنقطع أنفاسه فيتنفّس المُشاهد الصعداء بدلاً منه. تنهمر دموعه بهدوء طفل يبحث عن حضن أمّه. يرتشف كوب العصير مثل مَن يروي عطشاً امتدّ عقوداً، وتضيئه ابتسامة اشتاق إليها منذ دهور. حتى مشهد عراكه مع ابن صاحبة بيت الضيافة، الذي انتهى بخسارة تثير ضحكاته، يترجم علاقته الملتبسة بالفقد، كأنه يتلذّذ بإضافة خسارة جديدة إلى أرشيف أوجاعه المتراكمة.

يُجسّد جورج خباز شخصية كاتب عربي (فيسبوك)

يختصر الفيلم، بمَشاهده وأحداثه، معاناة الغربة، وبين الخيال والواقع، يحمل سرداً لذاكرة صامتة. فالجراح غير الملتئمة، والعزلة المفروضة، وأنين الشوق إلى الوطن، يُعبّر عنها المخرج بالسكوت، ممّا يفرز حالة إنسانية دائمة تحلّق في فضاء الفيلم لتبني المواجهة مع الزمن.

استخدم فخر الدين موهبة خباز على أنها مرآة صادقة لذاته، فمزجها بأوجاعه وأحلامه الكئيبة، ليُعبّر عن حالة البحث عن الهوية التي يخوضها، فجاء الفيلم انعكاساً لواقعه بوصفه شاباً سورياً من الجولان المحتلّ يعيش في برلين، بعيداً عن أرضه ووطنه وأمه، خائفاً من الترحال الدائم والرحيل المتكرر. وتبقى علامة استفهام كبرى يردّدها خباز بصوته في القسم الأخير من الفيلم: «ستُنسى... كأنك لم تكن حلماً جميلاً... كأن وجودك لم يكن إلا وهماً. ستُنسى... كأنك لم تكن».

في مَشاهد تجمع جورج خباز وهانا شيغولا، نلمس بوضوح توق المهاجر إلى دفء العائلة. وفي مواجهة وهمية مع والدته، التي تؤدّيها نضال الأشقر، تتكسّر مشاعر الوحدة ويتحوّل الكاتب «منير» إلى طفل يستعيد الأمل في الحياة. ويأتي أداء الأشقر مثل طوفان من المشاعر، يغمره بحنان الأم ودفئها، ليمنح الفيلم إحدى أعمق لحظاته الإنسانية صفاءً وتأثيراً.

في استعادة رمزية لأسطورة يونان (النبي يونس)، يناجي المخرج الله طلباً للرحمة والخلاص. فنرى الكاتب العربي، بطل الحكاية، واقفاً أمام حوت ضخم لفظته أمواج المحيط، في صورة بصرية كثيفة الدلالة، تدفعه إلى إعادة التأمُّل في شريط حياته بعيداً عن فكرة الموت والانتحار. هنا يتحوّل الحوت من رمز للهلاك إلى علامة خلاص وفرصة ولادة جديدة.

وإلى جانب الحالات الإنسانية العميقة التي يتناولها الفيلم، يُعرّج المخرج على أبعاد اجتماعية وسياسية، فيمرّر رسائل مبطّنة عن المجتمع الأوروبي ونظرته إلى النازح العربي؛ بين الشفقة والريبة، والاحتواء المشروط والعزلة المقنّعة.

وفي أحد أهم مَشاهد الفيلم، حيث تختلط مشاعر الهجرة بالحنين إلى الوطن، نُتابع جورج خبّاز يرقص مذبوحاً من الألم على إيقاع أغنية «حوّل يا غنّام» للراحلة نجاح سلام. مشهد يُذكّرنا برقصة أنطوني كوين في فيلم «زوربا»، فيتفوّق على نفسه، مُعبّراً عن وجع مكبوت يتحوّل تدريجياً إلى فعل تحرُّر. وينقلنا خباز بخطواته التعبيرية إلى مساحة من الفرج والرجاء، راسماً إحدى أجمل اللوحات الفنّية التي يتضمّنها الفيلم.

هي رحلة إنسانية عميقة؛ بسيطة في شكلها، غنية بفلسفة حياة قاسية، يُقدّمها فيلم «يونان»، ليغدو مرجعاً سينمائياً يُوثّق الغربة بحسّ مرهف ومقاربة روحية عالية، بعيداً عن السردية التقليدية، ومُحمَّلاً بأسئلة الوجود والهوية ومعنى الخلاص.