من اعتصام السرير وصولاً إلى قوافل غزة... فنانون بمواجهة قرونٍ من الحروب

TT

من اعتصام السرير وصولاً إلى قوافل غزة... فنانون بمواجهة قرونٍ من الحروب

تشابلن وساراندون وبيكاسو ولينون... فنانون ضد الحرب (أ.ب – رويترز – أ.ف.ب)
تشابلن وساراندون وبيكاسو ولينون... فنانون ضد الحرب (أ.ب – رويترز – أ.ف.ب)

مع مرور سنتَين على المجزرة الإسرائيلية المتواصلة في غزة، تتصاعد أصوات الفنانين العالميين اعتراضاً على ما يُرتكب من جرائم ضد الإنسانية على أرض القطاع. أكثر من أي وقت، يتجنّد الممثلون والموسيقيون والكتّاب والرسّامون لرفع صوتٍ جامع، ويتّخذون خطواتٍ عمليّة كأن يوقّعوا على عرائض تلتزم بمقاطعة المؤسسات الثقافية الإسرائيلية.

قبل شهر، أبحرت الممثلة الأميركية الفائزة بجائزة أوسكار سوزان ساراندون، على متن إحدى سفن «أسطول الصمود العالمي» المتجهة من برشلونة إلى غزة. وسط تهديدات إسرائيل بمنع وصول الأسطول، تواصل الممثلة الأميركية ورفاق الرحلة طريقهم في مسعى لإيصال المساعدات الإنسانية إلى أهل القطاع.

الممثلة سوزان ساراندون تستعد للانطلاق ضمن قافلة الصمود إلى غزة (فيسبوك)

من جانبهم، وقّع الممثلون خواكين فينيكس، وإيما ستون، وخافيير بارديم و4000 من زملائهم على عريضة تلتزم بمقاطعة هيئات السينما الإسرائيلية. لحقَ بهم أكثر من 400 موسيقيّ أطلقوا حملة «لا موسيقى للإبادة الجماعيّة». وقد استتبع الموسيقيون خطوتهم تلك بوقف بثّ أغانيهم داخل إسرائيل، ومن بينهم فريق «ماسيف أتاك» والمغنية بيورك.

أمّا المغنية البريطانية دوا ليبا فقد طردت وكيل أعمالها بعد توقيعه على عريضة تدعو إلى استبعاد إحدى الفرق الموسيقية الداعمة لفلسطين عن مهرجان غلاستونبري.

علم فلسطين في صدارة حفل فريق Massive Attack البريطاني العام الماضي (إكس)

«في السرير من أجل السلام»

إذا كانت الموسيقى مرسال حبٍ وسلام، فإنه من البديهيّ أن يجاهر الملحّنون والمغنّون بعَدائهم للعنف والحرب. ولعلّ أبرز مَن حمل مشعل السلام من خلال موسيقاه ومواقفه، مؤسّس ومغنّي فريق «بيتلز» البريطاني جون لينون.

في نهاية الستينات وبالتزامن مع استعار حرب فيتنام، بدأ خطاب لينون يركّز على السلام. كان الفنان على مشارف الثلاثين من العمر، وقد اكتفى من الشهرة متطلّعاً إلى العمق الإنساني، لا سيّما بعد انفراط عقد الفريق الغنائي الأسطوري.

لم يكتفِ بالغناء من أجل السلام في Imagine، وWar is Over بل أطلق، إلى جانب زوجته يوكو أونو، حملة مناهضة للحرب. اعتصما لفترة أسبوعَين داخل السرير في فندقَين في أمستردام ومونتريال أمام عدسات الصحافة، ضمن حركة عُرفت بـ«في السرير من أجل السلام». وخلال ذلك الاعتصام الخارج عن المألوف، سجّل لينون أغنية Give Peace a Chance (أعطوا السلام فرصة)، والتي أصبحت نشيداً في المظاهرات الداعية لوقف حرب فيتنام، علماً بأن عدداً من تلك التحرّكات كان مموّلاً منه شخصياً.

اعتصام «في السرير من أجل السلام» بمبادرة من جون لينون وزوجته يوكو أونو (إ.ب.أ)

ديلان ضد «أسياد الحرب»

من بين الفنانين العالميين الذين لم يكتفوا بالغناء من أجل الشهرة والجماهيريّة والمال، بوب ديلان. منذ بداية مسيرته، التزم المغنّي الأميركي قضية مناهضة الحرب. كان في مطلع العشرينات من عمره عندما غنّى Masters of War (أسياد الحرب)، وذلك تزامناً مع الحرب الباردة وحرب فيتنام. انتقد في تلك الأغنية «مَن يتسبّبون بإطلاق النار ثم يجلسون ويتفرّجون على ارتفاع أعداد الضحايا». تلك الأغنية، وسواها ممّا أصدرَ ديلان خلال مسيرته، تحوّلت إلى شعاراتٍ ضد الحرب والأسلحة النووية، وهي ما زالت تواكب كل تحرّك عالمي مناهض للحروب أينما دارت.

تشابلن خرج عن صمته

في وقتٍ يتردّد عدد كبير من نجوم هوليوود حالياً في اتخاذ موقفٍ من الحرب على غزة، خوفاً ربما من عقابٍ مهني أو شعبي، جاهرَ كبار الشاشة الفضية عبر التاريخ بعدائهم للعنف المسلّح. هكذا فعل أسطورة السينما الصامتة تشارلي تشابلن خلال الحرب العالمية الثانية.

خارج الشاشة، قدّم الممثل البريطاني نفسه كمدافع عن الحرية والسلام، ومعارضاً شرساً للفاشيّة. وفي فيلم The Great Dictator (الديكتاتور العظيم) عام 1940، أطلق موقفاً صارخاً دخل تاريخ السينما. بأسلوبه الكوميدي الساخر، خرج تشابلن عن صمته المعهود ليختتم الفيلم بخطاب مناهض للحرب. أدان تشابلن الفاشية ودعا إلى عالم موحّد ديمقراطي خالٍ من الجشع والكراهية. النداء المؤثّر امتدّ 4 دقائق وانتقد بشكلٍ مباشر الاستبداد، وقد حمّله تشابلن لشخصيته في الفيلم الحلّاق اليهودي «هينكل».

آلة كيوبريك المناهضة للحرب

من بين السينمائيين الذين جنّدوا أعمالهم رفضاً للحرب وأسلحة الدمار الشامل، المخرج الأميركي ستانلي كيوبريك. خصّص أفلاماً مثل Paths of Glory (مسارات المجد – 1957)، وDr. Strangelove (دكتور سترينجلوف – 1964)، وFull Metal Jacket (سترة معدنية كاملة – 1987) للتعبير عن معارضته للآلة العسكرية ولعبثيّة الحرب ومجازرها، منتقداً الدوافع السياسية التي تؤدّي إلى موت الجنود والمدنيين. ولم ينحصر انتقاد كيوبريك بحرب واحدة، بل شمل الحرب العالمية الأولى، والحرب الباردة، وحرب فيتنام.

المخرج الأميركي ستانلي كيوبريك خلال تصوير أحد أفلامه عام 1975 (أ.ب)

رسم في خدمة السلام

شكّل الرسم كذلك أداة تعبيرٍ فني ضد الحرب. في مطلع القرن التاسع عشر، خصّص الرسّام الإسباني فرانشيسكو غويا 80 لوحة لتصوير فظائع ما ارتُكب خلال الاجتياح الفرنسي لإسبانيا والبرتغال. عُرفت بحرب شبه الجزيرة واستمرت من 1807 حتى 1814.

في زمنٍ لم تكن فيه الصورة ولا الفيديو شاهداً على المآسي، وثّق غويا كل ما عاين من خلال سلسلة لوحات بعنوان «كوارث الحرب». بدل أن يرسم الانتصارات والمعارك على غرار ما كان يفعل الرسّامون في تلك الآونة، ركّز غويا على الضحايا وعلى بشاعة الحرب. وهو يُعتبر من أول الفنانين الذين أدانوا العنف من خلال فنّهم.

المقاومة الإسبانية لجيوش نابليون في إحدى لوحات فرانشيسكو غويا (ويكيبيديا)

مثله فعل بابلو بيكاسو الذي تحوّلت لوحته الشهيرة Guernica (غيرنيكا) إلى رمز عالميّ ضدّ أهوال الحرب. رسمَها الفنان الإسباني عام 1937 مستلهماً تفاصيلها من القصف الجوي العنيف الذي تعرضت له بلدة غرنيكا الإسبانية من قِبَل القوى الألمانية النازية، والإيطالية الفاشية خلال الحرب الأهلية الإسبانية.

رغم أسلوبها التجريدي السريالي ولونَيها الأسود والأبيض تماهياً مع صفحات الصحف، فإن هذه اللوحة ما زالت حتى اليوم بمثابة صرخة ضدّ كل الحروب، أينما حلّت.

Guernica لبابلو بيكاسو إحدى أهم اللوحات المناهضة للحروب (أ.ف.ب)

من بين أبرز الأدباء الذين أخذوا موقفاً ضد الحرب، الروائية البريطانية فرجينيا وولف، لا سيما في كتابها Three Guineas (ثلاث جنيهات – 1938)، والمفكّران الروسي ليو تولستوي والألماني برتولت برشت.


مقالات ذات صلة

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

يوميات الشرق الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

لم يخطر ببال والدَي زيندايا أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفظة. أما اليوم فهي نجمة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تخلَّت شيلوه جولي منذ سنتين عن اسم عائلة والدها براد بيت (إنستغرام)

«شيلوه أنجلينا جولي»... كيف تحولت من «جون» إلى نسخة من أمها؟

ضجّت وسائل التواصل في الأيام الماضية بلقطات لشيلوه، إينة أنجلينا جولي وبراد بيت، وهي تشارك كراقصة في أحد الفيديوهات الغنائية. ماذا نعرف عن الفتاة التي تحب الظل؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

لم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

فيفيان حداد (بيروت)
خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

خاص كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ياسر السقاف يحاور أحمد حلمي في جامعة عفت (الشرق الأوسط)

أحمد حلمي: الموهبة وحدها لا تكفي... والاستمرار هو التحدّي الحقيقي

لا يخلو حديث أحمد حلمي من الصدمات، إذ يكشف أنّ أكبر موقف واجهه لم يكن في الفنّ...

أسماء الغابري (جدة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.