«سرديات المستقبل» بين الكوكب والآلة والثقافة

ندوات استضافتها الجامعة الأنطونية أتاحت لمفكرين مساءلة الغد

بين الكوكب والآلة والثقافة... الإنسان هو السؤال الأكبر (بوستر الندوات)
بين الكوكب والآلة والثقافة... الإنسان هو السؤال الأكبر (بوستر الندوات)
TT

«سرديات المستقبل» بين الكوكب والآلة والثقافة

بين الكوكب والآلة والثقافة... الإنسان هو السؤال الأكبر (بوستر الندوات)
بين الكوكب والآلة والثقافة... الإنسان هو السؤال الأكبر (بوستر الندوات)

اجتمع باحثون ومفكرون من أوطان عربية وأجنبية في أروقة الجامعة الأنطونية بمنطقة الحدت اللبنانية، ليخوضوا حواراً حول ما ينتظرنا في الغد. كان اللقاء محاولة لالتقاط التحوّلات الكبرى التي تهزّ العالم وتُعيد رسم حدوده. فالأزمات البيئية تتفاقم حتى تُهدّد الحياة على الكوكب، والتكنولوجيا تتسارع بوتيرة تجعل الإنسان يتساءل عن موقعه أمام الآلة، والثقافة تبحث عن معنى جديد في زمن يطغى فيه الاستهلاك على القيمة.

كانت «سرديات المستقبل» عنواناً جامعاً لهذه الندوات، فتناول النقاش مصير الإنسان نفسه، والعلاقة التي تربطه بالأرض والتقنية والمخيال الثقافي. بين جدران «قاعة الأباتي أنطوان راجح»، ارتسمت صورة أولية لعالم يُعاد تشكيله، بكلّ ما يحمله من خوف ورجاء؛ من انهيار مُحتمل وفرص للتجدُّد.

في كلمتها الافتتاحية للندوات، أكدت الدكتورة باسكال لحود أنّ المستقبل أصبح مجالاً تتصارع فيه المصالح وتتنافس فيه الرؤى. وأوضحت أنّ هذه السرديات لا تقوم على أحداث مُنجَزة، وإنما على «عُقد» تفتح مسارات متعدّدة، ويُطلب من المتلقّي أن يشارك في تحديد اتجاهها وتحمُّل مسؤولية نتائجها. ودعت إلى الانتقال من أخلاقيات الاحتمال التي تنظر إلى الماضي، إلى أخلاقيات الإمكان المُرتكزة على القدرة على الاختيار. كما أشارت إلى أنّ الرأسمالية جعلت من المستقبل مورداً أساسياً لها عبر «نبوءات تتحقّق ذاتياً»؛ الأمر الذي يكثّف الحاجة إلى مقاربة نقدية عربية تطرح بوضوح: أي مستقبل نريد أن نصنعه؟

كلّ نقاش عُقد في الجامعة تفرَّغت منه احتمالات الغد (فيسبوك)

الكوكب: التاريخ رهينة الطبيعة

أولى الجلسات انطلقت من هذا الاستفهام: كيف يمكن للإنسان أن يعيش على كوكب يختنق بفعل يده؟ طرح المتحدّثون مفهوم «الأنثروبوسين»، بكونه العنوان الأكبر لمرحلة جيولوجية جديدة رسمها النشاط البشري على الأرض. فالمسألة تتجاوز التغيُّر المناخي أو التلوّث البيئي، لتغدو تحوّلاً جذرياً يمسّ التوازنات الكبرى، من السياسة والاقتصاد إلى الاجتماع والثقافة.

تطرَّق الحديث إلى بدائل مفهومية ظهرت في السنوات الأخيرة، منها مَن يُحمِّل النظام الرأسمالي مسؤولية الخراب، ومنها ما يُركّز على أثر التكنولوجيا، ومنها ما يضع الكارثة عنواناً دائماً للوجود الإنساني. كلّها مقاربات تُحاول الإحاطة بعمق الأزمة، لكنها تتّفق على حقيقة أنّ بقاء الإنسان مشروط بقدرته على إعادة بناء علاقة متوازنة مع الأرض. عندها، يصبح المستقبل رهاناً فلسفياً وأخلاقياً على مصير الحياة ذاتها، وليس محدوداً بمسار التطوُّر التقني أو الاقتصادي.

التكنولوجيا: «الصندوق الأسود» الذي يكتب غد الإنسان

من الكوكب إلى الآلة، انتقل النقاش إلى الذكاء الاصطناعي؛ ذاك الكائن الجديد الذي يتسلَّل إلى تفاصيل حياة البشر ويعيد رسم الحدود بين الإنسان وما اخترعه. كان السؤال المطروح: أي عالم ينتظر البشرية حين يصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً، وربما ندّاً، في اتخاذ القرارات؟

توقّفت المداخلات عند فكرة «الصندوق الأسود»، أي غياب الشفافية عن الخوارزميات التي تُدير العالم، وما يترتَّب على ذلك من مخاطر أخلاقية وسياسية. كيف يمكن أن نثق بآلة لا نعرف آلياتها الداخلية؟ وما الذي يبقى من حرّية الإنسان إن سلَّم زمام مصيره إلى أنظمة لا تُفسِّر ذاتها؟

لكنّ النظرة لم تكن تشاؤمية بالكامل. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للابتكار والبحث والطبّ والتعليم، شرط أن يُحاط بإطار من القيم الإنسانية. والندوة رأت أنّ الخوف الحقيقي لا يكمن في الآلة وحدها، وإنما في الإنسان الذي يستخدمها بلا بوصلة أخلاقية. من هنا، يصبح النقاش حول التكنولوجيا نقاشاً حول معنى الإنسانية نفسها، وهل نظلُّ أسياداً على اختراعاتنا، أم نصير امتداداً لها؟

أصوات مختلفة تتقاطع لتروي سردية مشتركة عن المصير (الجهة المنظّمة)

الثقافة: مختبر الخيال الإنساني

المحور الثالث حمل روحاً مغايرة. إذا كان الكوكب يُواجه خطر الفناء، والتكنولوجيا تُثير قلق السيطرة، فإنّ الثقافة تُتيح الأمل، أو على الأقل مساحة للتفكير. ولمّا طُرح سؤال عن دور الأدب والإبداع في بلورة نزعة إنسانية مستقبلية، رأى المشاركون في الأدب مختبراً يُجرَّب فيه ما لا يمكن اختباره في الحياة اليومية. النصوص، برأيهم، قادرة على فتح احتمالات متعدّدة، من اليوتوبيا الحالمة إلى الديستوبيا القاتمة، ومن السرد الواقعي إلى التخييل الفلسفي. والأهم أنها تمنح الإنسان فرصة لطرح الأسئلة التي يخنقها التسارع التقني والاستهلاكي، منها: ما معنى الحرّية؟ وما موقع العدالة؟ وكيف نُعيد صياغة الهوية في عالم يتشظّى؟

وبيَّن الحوار أنّ الثقافة العربية، إنْ قُرئت في ضوء التحوّلات البيئية والرقمية، قد تُسهم في إنتاج سرديات بديلة تصنع أفقاً للمستقبل. هنا، يتحوَّل الأدب إلى موقف ضدّ التبسيط، وفضاء يحفظ للإنسان قدرته على الحلم.

في ختام هذه الندوات، بدت المَحاور الثلاثة كأنها خيوط في نسيج واحد. فالكوكب يُطالب بميثاق جديد مع الإنسان، والتكنولوجيا تدعو إلى وعي نقدي يقي من تحوّلها إلى أداة هيمنة، والثقافة تُذكّر بأنّ المعنى تصنعه الكلمة وليس العلم وحده.

وسط اجتماع هذه الأصوات، خرجت صورة للمستقبل لا تنحصر في التوقّعات العلمية ولا فقط في الأرقام. مستقبلٌ يتشكَّل من الطريقة التي نُعيد بها صلتنا بالأرض، ومن حدود السيطرة التي نرسمها للآلة، ومن المساحة التي نتركها للثقافة لتبقى للإنسان قوة السؤال.


مقالات ذات صلة

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

يوميات الشرق «إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، إلى كابوس.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عمرو سعد (حسابه على موقع «فيسبوك»)

تصاعد الخلافات بين أسرة نجيب محفوظ وعمرو سعد بسبب «أولاد حارتنا»

قالت أم كلثوم ابنة «أديب نوبل» المصري نجيب محفوظ، إنها لن تتعامل مع الفنان عمرو سعد مجدداً، وذلك عقب نشره مستندات وإيصالات «شراء حقوق».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق شوارع وسط القاهرة تشهد نشاطاً قبل ساعات الإغلاق (أ.ف.ب)

«الإغلاق المبكر» في مصر... رابحون وخاسرون

كان الشاب العشريني حسين عبد الله يذهب يومياً للسهر مع أصدقائه بمقاهي وسط القاهرة بعد انتهاء عمله.

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا وزيرا خارجية الجزائر وسويسرا (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وسويسرا لتسريع إجراءات استرداد الأصول الناتجة عن جرائم الفساد

صعّدت الجزائر من ضغوطها على عواصم غربية لتسليمها شخصيات نافذة صدرت بحقها أحكام في قضايا غسل أموال وتهريبها إلى ملاذات ضريبية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
يوميات الشرق لم يتعلَّم وحده... لقد تعلَّموا جميعاً من أجله (شاترستوك)

من أجل طالب أصمّ... مدرسة تتعلَّم لغة الإشارة

نيو هامبشاير من الولايات القليلة في الولايات المتحدة التي لا توجد بها مدرسة مخصَّصة للصم. ويُعدّ بن الطالب الأصمّ الوحيد في منطقته التعليمية بأكملها...

«الشرق الأوسط» (نيو هامبشاير (الولايات المتحدة))

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.