وصفاتٌ للقلوب المتكسرة... بينالي بخارى يجمع فناني العالم على وليمة ثقافية

توأمة الحرفيين التقليديين مع الفنانين منحت الفعالية شخصية مميزة

داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)
داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)
TT

وصفاتٌ للقلوب المتكسرة... بينالي بخارى يجمع فناني العالم على وليمة ثقافية

داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)
داخل الخان «كارافان سراي» الفن يعيد إحياء الأماكن المهجورة (الشرق الأوسط)

زيارة مدينة بخارى في أوزبكستان تأخذنا عبر القصص والحكايات عن رحلات التجارة وطريق الحرير والقوافل المسافرة التي تلتقط أنفاسها في الخانات المتناثرة على الطريق، ولا يختفي الطعام عن المخيلة، فبخارى لها تأثير كبير في المطبخ الشرقي يبدأ من البهارات، ولا ينتهي بأشهر أطباق الأرز فيها: البلوف الأوزبكي.

وبعنوان يستوحي الطعام، وهو «وصفات للقلوب المتكسرة» تبدأ رحلتنا مع بينالي بخارى للفن المعاصر في أوزبكستان، الذي انطلق في يوم 5 من هذا الشهر، واتخذ من المدينة الأثرية مقراً لفعالياته. للعنوان قصة تضرب بجذورها في أعماق التراث الأوزبكي بطلها العالم ابن سينا، حيث يعتقد أنه وصف طبق «بلوف» المكون من الأرز واللحم والجزر لأحد الأمراء الذي وقع مريضاً بسبب عدم قدرته على الزواج من ابنة أحد الحرفيين، ليستعيد عافيته.

الأعشاب الطبية تنتظم في عمل فني لمونيسا خولخوجايفا بالتعاون مع أنتون نوزينكو (ACDF)

القصة اليوم في بينالي بخارى تدور حول الفن والحرف التراثية وأيضاً عن الطعام، فالبينالي اعتمد على الطعام تيمة تظهر من خلال بعض الأعمال المشاركة، حيث استخدم الفنانون عناصر تراثية مثل الزعفران والسكر البلوري والرمان، إضافة إلى استضافة طهاة من أوزبكستان وخارجها لتقديم ابتكارات غذائية مختلفة لتضفي نكهاتها المختلفة على البينالي.

لتوضيح دلالة العنوان تقول ديانا كامبل، المديرة الفنية لبينالي بخارى: «مشروع (وصفات للقلوب المنكسرة) يتجاوز مجرد إنتاج أعمال فنية أو تنظيم معرض؛ بل هو محاولة للتعافي من أساليب مُسبقة، مؤلمة، وبالية في كثير من الأحيان، طُلب منا فيها النظر إلى الفن من منظور هرمي».

بينالي معاصر في مدينة تراثية

التجول على أقسام البينالي يتحول لجولة تاريخية على مواقع أدرجتها اليونيسكو ضمن قوائمها التراثية، يبدأ البينالي من توقی سرافون، إحدى «قبب التجارة» العديدة، وهي نموذجٌ من الأسواق المغطاة يعود للقرن السادس عشر. وتتبع منطقة البينالي بأكملها مسار قناة شهرود القديمة، التي كانت تنقل المياه إلى المدينة من نهر زرافشان عبر نظامٍ متطورٍ من أحواض الهاوز. لم يبقَ منها سوى القليل قيد الاستخدام.

قدمت الفنانة أويجون خيرولايفا جداريات من الفسيفساء تُخفي خلفها أعضاء بشرية (ACDF)

اتخذ الفنانون من كل ركن في هذه المساحة المدهشة منصات لعرض أعمالهم فقدمت الفنانة أويجون خيرولايفا بالتعاون مع فناني الفسيفساء راكسمن تويروف ورؤوف تكسيروف جداريات من الفسيفساء تخفي خلفها أعضاء بشرية مثل الرئتين، واستلهمت الفنانة عملها من وصفات الشفاء التقليدية للجسد والروح.

وفي عرض يستعيد نسيج الأيكات التراثي قدم الثنائي الفني هيلوزويك/ديزارز بالتعاون مع رسولجون ميرزا أحمدوف، قطعة ضخمة من نسيج الإيكات تطفو على القنال التي تربط بين بداية ونهاية مواقع البينالي، وتتبع اختفاء بحر آرال ليمثل في عين المشاهد حضور الغياب.

تتتبع قطعة نسيج الإيكات اختفاء بحر آرال (ACDF)

نمر في جولتنا على عمود خشبي يأخذ من الأعمدة الخشبية في البيوت والمساجد الأثرية إلهاماً، لكنه يختلف عنها في أنه محفور على هيئة ثمرات رمان متراصة، فيما يمكن رؤيته على أنه ترجمة بالخشب لرمزية الرمان في التراث رموزاً للخصوبة والازدهار، عرضت الفنانة إريكا فيرزوتي عملها الذي تعاونت فيه مع النحات شونازار جومايف بالقرب من أحد متاجر السجاد القديمة الذي يزهو بأعمدته الخشبية التقليدية.

الفنانة المصرية ليلى جوهر تقدم هيكلاً مبنياً بحبات «سكر النبات». يقول دليل البينالي إنَّ الفنانة تستخدم الطعام في أعمالها لتخاطب الطفل داخل الناظر لعملها، وهو ما يتجسد بالفعل أمامنا فأعمدة السكر الكريستالية التي تشكل هذا الكيان تعود بنا للطفولة والتهام حبات السكر، ولم يكن الإقبال على الهيكل المشيد بالسكر جاذباً للزوار فقط، بل سرعان ما أسالت أشعة الشمس الحارة قطرات منه على الأرض لتجذب أفواجاً من النحل والدبابير، وهو ما منح العمل تأثيراً مدهشاً.

عمل الفنانة ليلى جوهر (ACDF)

خلال الجولة تبدو لنا قبة مغطاة بالكامل بالصحون والأواني الملونة، تحولت إلى نقطة جذب للزوار على مدار أيام الافتتاح. البناء عبارة عن قبةٍ تجاريةٍ تاريخيةٍ مُعاد تصميمها، كانت في السابق وجهةً للتجار الهنود، ولكن الفنان الهندي سوبود غوبتا أضاف لمسات خاصة للقبة. استوحى الفنان عمله من تاريخ المنطقة كسوق للتوابل، وجسد ذلك عبر أدوات المائدة الملونة التي شكلت الطبقة الخارجية والداخلية للمبنى، واحتفى الفنان، وهو طاهٍ أيضاً، عبر المجسم الجاذب بتراث الطهي لوسط وجنوب آسيا، وأعد أطباقاً خاصة لزوار القبة ودعاهم للاستمتاع بالخصائص العلاجية للوجبة المشتركة.

قبة سوبود غوبتا (ACDF)

داخل الخان والمدرسة

أمر ملهم أن نخطو داخل المباني التي كان التجار المسافرون يلجأون إليها للراحة، ويطلق عليها اسم «كارافان ساراي» أو الخان. وظف البينالي أربعة من الخانات في مدينة بخارى القديمة لعرض أعمال الفنانين المشاركين، وقد بُنيت هذه الخانات الأربعة المترابطة، وهي: فتح الله، وآيوزجون، وأحمدجون، وميرزو أولوغ بيك تاماكيفوروش، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لإيواء التجار المسافرين وبيع البضائع، وعبر البينالي تستضيف الخانات الأربع مشاركين من كل أنحاء العالم، ينظرون إلى الحزن كجزء من رحلة الحياة.

في نهار مشمس وشديد الحرارة تأخذنا الجولة لمساحات «الكارفان ساراي» لرؤية الأعمال المتناثرة فيها. ورغم عدم وجود ملصقات تشير إلى أسماء الفنانين أو الأعمال أمامنا فقد قام فريق من المرشدين بتلك المهمة بجدارة. الأعمال المشاركة كثيرة ومحاولة رؤية أكبر عدد منها في فترة قصيرة صعبة للغاية. نصيحة للزائر: البينالي ضخم، ويحتاج إلى وقت لاكتشاف الأعمال الموجودة (200 مشارك من 39 بلداً) وإعطائها حقها من الاهتمام.

وائل شوقي ومنمنمات النحاس

تتعدد الأعمال المعروضة في غرف الخانات الأربع، ونمضي من غرفة لأخرى مع تعبيرات مختلفة عن موضوع البينالي عن الحزن والتعافي. نتوقف عند عملين للفنان المصري وائل شوقي، تعاون فيهما مع الحرفي جورابك سيدكوف. يرى شوقي الخانات رموزاً لمدينة بخارى باعتبارها بوتقةً تنصهر فيها الثقافات، مع التركيز على التأثيرات العربية من خلال شجرة نخيل ترتفع من ألواح نحاسية محفورة بين الخانات. ويأتي استخدام النحاس في إشارة إلى تاريخ بخارى التي عُرفت باسم «المدينة الصفرية». شوقي يعرض أيضاً لوحة مصغرة لعمله في جانب آخر من الخان عبارة عن تصوير منقوش على النحاس يستلهم من المنمنمات والمخطوطات من تاريخ المنطقة.

عمل للفنان وائل شوقي (الشرق الأوسط)

أحمد عنقاوي وخوارزمات التعافي

الفنان السعودي أحمد عنقاوي يقدم عمله «الجبر والجزر... خوارزميات التعافي» الذي يتعاون فيه مع الحرفي إليور جومايف. عنقاوي عرف باهتمامه بفن المنجور في الحجاز، وهو فن تشكيل الشاشات الخشبية (الرواشين أو المشربيات) التي تغطي النوافذ في مكة وجدة، في بخارى وجد عنقاوي المرادف للرواشين فيما يطلق عليه «البانجارا»، وهي الشاشات الخشبية التي تستخدم لحجب أشعة الشمس على النوافذ. يقول لـ«الشرق الأوسط» أن الأشكال المتحركة خلف الشاشة الخشبية كلها مستوحاةً من الخوارزميات، مضيفاً: «أسميها خوارزميات الشفاء». يضيف شارحاً أن العمل متأثر بابن سينا واستخدامه للألوان في العلاج وأيضاً بالخوارزمي وعلم الجبر «أرى في كلمة الجبر معنى التعبير الشائع (جبر الخواطر)، ويعكس الترميم والتعافي».

«خوارزميات الشفاء» للفنان السعودي أحمد عنقاوي (إنستغرام)

عن الفرق بين فن «المنجور» القريب من قلبه وفن «البانجارا»، يقول: «عملت مع حرفي من أوزبكستان لتنفيذ الشاشات الخشبية أو (البانجارا)». خلف الشاشة الخشبية هناك شريط مرسوم عليه الرموز والصور والأشكال الأساسية لفن «البانجارا». يقول: «(البانجارا) مثل (المنجور) تعتمد على فكرة العاشق والمعشوق في تكوين الأشكال الخشبية، أما الشاشة الخلفية فتضم أشكالاً وأيضاً أذكاراً مثل (الشافي)، (المعافي)، وهي أذكار لها علاقة بالشفاء... تجدين هذه الكلمات مكتوبة بالخط الكوفي في المباني القديمة في مدينة بخارى، وكذلك في الزخارف».

تظل شاشة «بانجارا» الخشبية، المصنوعة من قبل نحات الخشب من الجيل الثاني إليور جومايف، ثابتة مثل هيكل جبري. خلفها، تتحرك الألوان المتعددة الطبقات بإيقاع خوارزمي. تستحضر هذه الألوان العلاج اللوني لابن سينا: الأحمر للحيوية، والأصفر للوضوح، والأزرق للهدوء. مع تحوّل التركيب الفني، يشهد المشاهدون كيف تتوافق دقة الخوارزمي الرياضية مع فلسفة ابن سينا في العلاج الشامل. كما يلعب العنوان على كلمة «جبيرة عظمية»، مقترحاً شفاء جدار متصدع بارز في مدينة بخارى القديمة. بكلمات الفنان: «أقدم لفتة ترميم، حيث تصبح الحرفة رمزاً، وتبدأ المدينة، كالقلب، بتذكر كيفية الشفاء».

الوقوف على الأطلال لدانا عورتاني

أرضيات حمام السمرة من غزة تلتئم في بخارى (ACDF)

«الوقوف على الأطلال» عنوان عمل الفنانة السعودية من أصل فلسطيني دانا عورتاني، تعالج فيه فكرة زوال الأشكال والحرف التراثية، يرتبط عنوان العمل بمفهوم الفقد، والحزن والذكرى والتهدم، من خلال عرض قطع تمثل أرضيات حمام السمرة الأثري في غزة الذي هدم في عام 2023. باستخدام طين من فلسطين تعيد عورتاني تشكيل قطع من أرضيات الحمام التاريخي بالتعاون مع حرفي السيراميك بهزود تيردييف الذي يقدم من خبرته في صناعة الخزف في أوزبكستان وبذلك يصبح العمل بمكانة الحوار ما بين التاريخ والحرفة والجغرافيا في حالة من التذكر، وأيضاً التعاون للحفاظ على التراث الثقافي. بشكل ما يصبح عملها مثل محاولة جبر كسر الحمام التاريخي في غزة. تعبر الفنانة عن عملها بالقول: «كل عمل في أصله هو محاولة لجبر قلب مكسور. يكمن جرح القلب في المادة نفسها في التراب، وفي الطين، وهي الأشياء التي لا يمكن لأي منا ممن يعيش في الشتات من امتلاكها».


مقالات ذات صلة

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

يوميات الشرق أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً (مسك للفنون)

«على امتداد الطريق»... 34 فناناً يُعيدون رسم معنى السفر في الرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
TT

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)

أثار مقطع مصوّر ظهر فيه صاحب أحد المطاعم الشهيرة في مصر منتقداً أحد صنّاع محتوى الطعام، جدلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليطرح مجدداً تساؤلات حول مدى أحقية «الفوود بلوجرز» في تقييم المطاعم.

واعترض صاحب المطعم في المقطع على فكرة قيام أحد «الفوود بلوجرز» المعروفين بتقييم الطعام في مطعمه، معتبراً أن تقييم المطاعم «ليس من اختصاص (الفوود بلوجرز)»، وأن تقييم المطاعم له متخصصون يمتلكون الخبرة والمعايير اللازمة للحكم على جودة ما تقدمه.

وقوبل فيديو صاحب المطعم بردود فعل متباينة؛ إذ دافع جانب من المتابعين عن رأي صاحب المطعم في ضرورة الفصل بين التجربة الشخصية والتقييم المتخصص، في حين رأى آخرون أن حديثه يحمل هجوماً على «الفوود بلوجرز»، وأن طريقة الرد قد تتحول في حد ذاتها إلى دعاية سلبية للمطعم.

ودافع متابعون عن حق صانع المحتوى في التعبير عن تجربته بوصفه مستهلكاً اشترى الطعام ودفع ثمنه، وليس باعتباره خبيراً أو ناقداً متخصصاً، وكتب أحدهم تعليقاً على الواقعة: «واحد شاري أكل بفلوسه وقرر يقيم تجربة الأكل»، مشيراً إلى أنه لم يقدم نفسه باعتباره «خبيراً»، في حين رأى أن تجاهل الفيديو أو الرد على ما ورد فيه كانا خيارين أفضل من نقل الخلاف إلى المستوى الشخصي.

ويعيد الجدل طرح مسألة الفارق بين نقل تجربة شخصية وتقديم تقييم مهني للمطاعم؛ ففي حين يستند الأخير إلى معايير وخبرة متخصصة، اكتسبت تجارب «الفوود بلوجرز» وزناً أكبر مع اتساع أعداد متابعيهم وتأثيرهم في اختيارات الجمهور.

لقطة من الفيديو المثير للجدل (إكس)

وترى مروة السيد، المدرّسة بقسم العلاقات العامة والإعلان في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن «(الفوود بلوجرز)، شئنا أو أبينا، أصبحوا جزءاً كبيراً من صناعة الدعاية»، لافتة إلى أن المطاعم نفسها أسهمت في تعزيز هذا الدور عبر استقطاب صنّاع المحتوى والتعاون معهم، لدرجة أن «كثيراً منهم أصبح لديه حضور وشعبية وكلمة مؤثرة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإشكالية لا تتعلق فقط بحق «الفوود بلوجر» في النقد، بقدر ما تتصل بالفاصل بين التقييم والإعلان، خصوصاً مع تحول صنّاع محتوى الطعام إلى إحدى أدوات التسويق للمطاعم، بحيث لا يكون المتابع دائماً أمام رأي شخصي مستقل، وإنما قد يكون أمام محتوى تجاري جرى الاتفاق عليه مسبقاً.

وتوضح أن «التعاون التجاري بين المطاعم وصنّاع المحتوى تختلف قيمته وفق عدد المتابعين، وطبيعة المحتوى المطلوب، وحجم التفاعل»، معتبرة أن «ما يهدم مصداقية صانع المحتوى هو أن تصبح الفلوس أول همه، وأن تبدو جميع المطاعم التي يزورها جيدة؛ لأن المتابع سيفقد ثقته به في النهاية».

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة «الفوود بلوجرز» التي بدأت بشباب يرصدون تجاربهم في أحد المطاعم وتذوق ما يقدمه، ثم إبداء رأيهم فيما تناولوه، ونشر هذا الرأي في مدونات أو على صفحات «سوشيالية» مع الوقت أصبحت تحظى بمتابعات لافتة، وأصبحت الظاهرة «صناعة ضخمة» تدر مكاسب مادية على صنّاع المحتوى، وفي الوقت نفسه أصبحت وسيلة للدعاية تقوم بها العديد من المطاعم.

وترى خبيرة التسويق الرقمي داليا الشافعي أن قوة «الفوود بلوجر» ترتبط في الأساس بالثقة التي بناها مع متابعيه، وهي الثقة التي قد تتراجع عندما يشعر الجمهور بأن التقييمات الإيجابية مرتبطة بالتعاون التجاري أكثر من ارتباطها بالتجربة الفعلية.

وتقول داليا لـ«الشرق الأوسط» إن «خروج صاحب المطعم للتقليل من دور (الفوود بلوجرز) قد يتحول في حد ذاته إلى دعاية سلبية للمطعم»، موضحة أنه «كان من الممكن التعامل مع التقييم باعتباره تجربة شخصية، فمن الطبيعي أن يحب البعض المطعم، وألا يعجب آخرين».

وتضيف أن «التسويق في الوقت الحالي لا يمكنه تجاهل التأثير الذي باتت تتمتع به منصات التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، باعتبارهم قطاعاً مؤثراً في تشكيل آراء الجمهور وقراراتهم الشرائية».


مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
TT

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية، وذلك بمقرها التاريخي في منطقة باب الخلق، وأبرز متخصصون ومؤرخون الدور الذي قامت به الدار في حفظ المخطوطات وكتب التراث حتى اليوم، مع التأكيد على رقمنة آلاف المخطوطات لحفظها ضمن مشروع عالمي.

وبينما أكد رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، الدكتور أسامة طلعت، على أن التراث المصري من وثائق وآثار ومخطوطات يمثل حصن الأمة الأخير، مشيداً، خلال بيان للهيئة، بدور العاملين بدار الكتب والوثائق القومية وكوادرها المتتابعة في حمل هذه الأمانة العظيمة وصونها، شدد على أن التاريخ يؤكد قدرة مصر على تجاوز جميع التحديات، والحفاظ على ذاكرتها وتراثها الحي.

بينما أشار المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن دار الكتب المصرية تعد أول وأقدم مكتبة وطنية أُنشئت في الشرق. وتطرق إلى تاريخ خزائن الكتب التي كانت تنتشر قديماً في المدارس والمساجد الجامعة، مستحضراً تجربة «دار الحكمة» ببغداد التي أسسها هارون الرشيد، و«بيت الحكمة» بالقاهرة في العصر الفاطمي، اللذين ضما أعداداً ضخمة من المخطوطات والكتب، وفق ما ذكره المؤرخون.

وعن قصة تأسيس «الكتبخانة الخديوية»، استعرض المؤرخ المصري بداية الفكرة التي تبلورت عند عودة البعثات المصرية من فرنسا (بعثة الأنجال عام 1844) والتي شارك فيها علي مبارك والخديوي إسماعيل، حيث اقترح علي مبارك إنشاء مكتبة وطنية على غرار المكتبات الأوروبية، وعليه صدر قرار التأسيس في مارس (آذار) 1870، وافتُتحت في 24 سبتمبر (أيلول) 1870 بالطابق الأرضي لقصر مصطفى فاضل بـ درب الجماميز»، وجمعت الدار عند تأسيسها مجموعات الكتب المتناثرة في المدارس والخزائن (باستثناء الأزهر)، إضافة إلى مكتبة مصطفى فاضل باشا التي اشتراها الخديوي إسماعيل، وكان من بينها أعرق المخطوطات.

وتابع أنه «مع ازدياد الرصيد وتأثره بالرطوبة، تقرر بناء المبنى الحالي لدار الكتب بباب الخلق في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث وُضع حجر الأساس له عام 1897 وافتُتح عام 1904، وتولى إدارتها في البداية أربعة من المستشرقين الألمان، حتى تولى أحمد لطفي السيد باشا رئاستها كأول رئيس مصري لها عام 1916».

دار الكتب المصرية في باب الخلق (دار الكتب)

وأضاف فؤاد سيد لـ«الشرق الأوسط» أن «دار الكتب والوثائق القومية تعد ثروة قومية لما تضمه من مخطوطات ومجلدات تصل إلى 60 ألف مخطوط، وكانت قد بدأت تجميع نحو 16 ألف مخطوط ومجلد»، لافتاً إلى جهود متواصلة لرقمنة وأرشفة وتطوير البحث والإتاحة في دار الكتب ليمكن الاطلاع على محتوياتها بطرق آمنة مع حفظ التراث الخطي (المخطوط) وحمايته للأجيال المقبلة.

جانب من الفعاليات في دار الكتب المصرية (دار الكتب والوثائق المصرية)

وأوضح رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، الدكتور مينا رمزي، أن قطاع التحول الرقمي شهد تدشين معمل رقمنة جديد للمخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، يجري العمل فيه على مشروع عالمي لرقمنة وإتاحة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة وإصدار دليل استرشادي عالي الجودة لتسويقها دولياً، مع إنجاز 50 في المائة من العمل حتى الآن، كما أضاف رمزي أنه تم تطوير معمل المسح الرقمي بدعمه بستة أجهزة حديثة؛ ما أسفر عن رقمنة أكثر من 7 ملايين لقطة من أوعية المعلومات المختلفة، وربط 84 ألف مصدر رقمي متاح عبر القاعة الرقمية، فضلاً عن فهرسة ورقمنة أكثر من 4700 أسطوانة صوتية نادرة وتحويلها من النظام التناظري إلى الرقمي.

واستعرض رمزي، وفق البيان، اكتمال مشروع ترميز (بار كود) قرابة 60 ألف مجلد مخطوط؛ ما اختصر مدة الجرد إلى أيام معدودة، وسمح بتتبع حركة المقتنيات بدقة، وتطبيقاً لسياسة تداول المقتنيات والدورة المستندية الجديدة، لم تسجل الدار أي حالة فقد في رصيدها التراثي.


حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
TT

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

من موقع المُراقب الذي يكتفي بالنظر ولا يتدخَّل، ظلَّ الفنان التشكيلي حسني أبو بكر، لسنوات طويلة، يتابع تفاصيل الحياة المصرية في الشوارع والحارات والنجوع والميادين. يرصد حركة الناس وعلاقاتهم وطرائق احتفالهم ومظاهر حزنهم، من دون أن يعرف في البداية أنّ تلك المشاهد العابرة ستتحوّل يوماً ما إلى مخزون بصري واسع يستعيده في لوحاته.

ومن هذه المَشاهد تشكّل معرضه «دراما مصرية»، المُقام حالياً في «غاليري سماح» بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، والمستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي.

لوحة لأبو بكر تستعيد أجواء الاحتفاء بالعائدين من الحج (الشرق الأوسط)

يقدّم الفنان نحو 20 لوحة تنشغل بالحياة المصرية في تنوّعها، وتضع الإنسان وتفاصيل يومه العادي في قلب المشهد.

يقول حسني أبو بكر: «اهتمامي بالناس في بلدي بدأ منذ طفولتي، فكنت أراقبهم، وأحتفي بمعرفة أحوالهم، وأتجوّل في أماكن مختلفة متابعاً الحياة من بعيد. وخلال ذلك، كنت أستمتع بالأجواء المصرية وحبّ الناس للحياة».

ومع اكتشاف حبّه للفنّ والرسم، أدرك أن ما اختزنته ذاكرته البصرية كان أكثر ثراءً مما يتصوَّر؛ فالبيئة المصرية تمنح الفنان مادة لا تنضب، وفق ما يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة اليومية، والضحك والترفيه، والطقوس الاجتماعية، والحِرف، وأساليب البيع والشراء، والعلاقات الإنسانية بما تحمله من حبّ وجفاء ومودّة ومصالح، هي قلب أعمالي».

من هنا، وجد الفنان أنّ أمامه «قماشة واسعة» يستطيع من خلالها الاقتراب من المجتمع المصري بكلّ تناقضاته وتفاصيله، وأنّ تجسيدها بات شديد الأهمية. ويوضح: «أعمالي في المعرض محاولة لحفظ جانب من الذاكرة المصرية في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتبدَّل الصور والمعلومات باستمرار».

الفنان التشكيلي المصري حسني أبو بكر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يطرح سؤالاً محورياً: «مَن يستطيع حفظ شكل الحياة المصرية للأجيال المقبلة؟». ويجيب: «أرى أنّ ذلك دوري، ودور كلّ فنان مصري عاشق لبلده. ولذلك قرّرتُ أن أكون بمنزلة الموثّق أو المؤرّخ لها، لكن عبر أدوات الفنّ التشكيلي».

ويفسّر ذلك كيف يمكن للمتلقّي أن يعيش عبر لوحات المعرض تفاصيل الحياة المصرية من قرب، فيشاهد حِرفاً مهدّدة بالاندثار، وطرائق متنوّعة للاحتفال والحزن، فضلاً عن العلاقات بين الناس وإيقاع الحياة اليومية.

يقول أبو بكر: «لوحاتي كأنها سرديات اجتماعية لمصر؛ إذ يستطيع مَن يأتي بعد سنوات أن يعود إليها ليرى كيف كانت تعيش وتتحرّك».

ويبدو أنه، خلال ذلك كلّه، لم يتخلَّ عن موقعه مراقباً من بعيد، ما يساعده على إثراء مخزونه البصري. ويُعلّق: «صحيح، تمسّكت بالمراقبة فقط؛ لأن الابتعاد قليلاً عن الحدث يسمح برؤية الصورة كاملة، بينما يؤدّي الدخول في تفاصيل المشهد إلى رؤية أجزاء منه فقط؛ لذلك أراقبُ ولا أتدخّل، وأترك للمتلقّي أيضاً حقّ التفاعل مع اللوحة».

اختار أبو بكر لمشروعه عنوان «دراما مصرية» تأثّراً بعمله في التمثيل مدّةً، وانطلاقاً من مفهوم الدراما، بوصفها مساحة تتّسع لمختلف أنماط الحياة والسلوك الإنساني؛ فالحياة ليست مساراً واحداً، وإنما مزيج من الكوميديا والتراجيديا والحركة والفرح والحزن، وفق قوله.

لوحات أبو بكر تغوص في تفاصيل الحياة المصرية (الشرق الأوسط)

ومن هذا المنظور، يتعامل الفنان مع اللوحة كما لو كانت مشهداً سينمائياً، ويتقمّص دور المخرج الذي يوزّع أدوار الشخصيات داخل الكادر. في لوحاته أبطال وكومبارس، وإضاءة وديكور وملابس وإكسسوارات، وحوار صامت بين الشخصيات، لكنّ المخرج هنا لا يكتب الحوار، بل يترك الحياة نفسها تتولَّى أداء المشهد.

وتتجاوز هذه الرؤية الزمن الراهن لتصل إلى الماضي البعيد؛ فقد وجد أبو بكر، خلال دراسته للحياة في مصر القديمة، تشابهاً لافتاً بين كثير من أنماط السلوك آنذاك وبعض تفاصيل الحياة المصرية المعاصرة. ويقول: «تغيّرت الأشكال الخارجية، وتطوّرت الوسائل، لكن لا يزال الإنسان المصري يبحث عن الفرح، ويتعامل مع قسوة الحياة، ويمارس البيع والشراء، ويحتفي بالفنون والثقافة والعمران. باختصار، الحياة في مصر هي الحياة».

لوحة «بناء الأهرامات» تتخيّل تفاصيل الحياة اليومية حول ورشة تشييدها (الشرق الأوسط)

أمام لوحة «بناء الأهرامات»، وقف الفنان طويلاً يتأمّلها وكأنه يراها للمرة الأولى، وقال مشيراً إليها: «هذا العمل أعتزّ به كثيراً؛ لأنه يلخّص جانباً مهماً من الحضارة المصرية». وتابع: «الجميع ينبهر بالأهرامات، لكن تفاصيل الحياة التي أحاطت ببنائها تظلّ أقل حضوراً في الصورة الشائعة عنها. وفي هذا العمل، تخيّلت ذلك المشروع الضخم من الداخل: كيف كان المصريون يبنون، وكيف كانت الحياة تدور في محيط تشييد أحد أعظم الإنجازات في التاريخ الإنساني».

لوحاته ترصد الشخصيات وتفاصيل العلاقات الإنسانية في المجتمع المصري (الشرق الأوسط)

ولا يحصر أبو بكر اهتمامه في المحلّي والتراثي؛ فالفنان، في رأيه، «ابن زمنه» أيضاً؛ ولذلك لا يعزل نفسه عن الأحداث العالمية.

ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في لوحة «سوق ديانا» التي يستعيد فيها أجواء مرتبطة بالتوتر بين إيران وأميركا وقضية مضيق هرمز، في إشارة إلى أنّ الفنان، مهما انشغل بالتراث والماضي، يظلّ جزءاً من عالم متشابك تفرض أحداثه نفسها عليه. يقول: «لا ينبغي للفنان أن يعيش داخل شرنقة منفصلة عن الواقع، فمواكبة الأحداث جزء من صدقيته تجاه زمنه».

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها؛ لأنها تمنحه القدرة على التركيز في الشخصيات والأحداث والتفاعلات، من دون إضافة عناصر قد تشتّت المتلقّي، كما يعتمد على مجموعة لونية تحافظ على بصمته الخاصة، حتى مع اختلاف الموضوعات.

لوحة «سوق ديانا» بألوانها الزاهية وطابعها الكرنفالي (الشرق الأوسط)

فاللون الصارخ أو المُبهج ذو الطابع الكرنفالي ليس هدفاً في حد ذاته، «وإنما ينبغي أن يوضع في المكان الذي يخدم فكرة العمل»، وفق قوله.

ولعلّ أكثر ما يراهن عليه أبو بكر في «دراما مصرية» هو البساطة، وأن يجد المثقّف والمتلقّي العادي على السواء مدخلاً إلى العمل. ويرتبط ذلك، كما يقول، بشخصيته نفسها؛ فهو يحتفي بالبساطة، ويرى أنها أقصر الطرق للوصول إلى الناس، ولذلك يفضّل أن تظلّ لوحاته مفتوحة على أكثر من قراءة.