روبرت مانش... ذاكرة تتلاشى وقصص أطفال باقية

قصص الكاتب نمت من خيال الصغار وحياتهم اليومية

روبرت مانش في مكتبة «دافيرين سانت كلير» يروّج ليوم الأسرة لمحو الأمية (غيتي)
روبرت مانش في مكتبة «دافيرين سانت كلير» يروّج ليوم الأسرة لمحو الأمية (غيتي)
TT

روبرت مانش... ذاكرة تتلاشى وقصص أطفال باقية

روبرت مانش في مكتبة «دافيرين سانت كلير» يروّج ليوم الأسرة لمحو الأمية (غيتي)
روبرت مانش في مكتبة «دافيرين سانت كلير» يروّج ليوم الأسرة لمحو الأمية (غيتي)

روبرت مانش، المؤلف المحبوب لكتب مثل «الأميرة ذات الرداء الورقي»، و«سأحبك إلى الأبد»، وعشرات الكلاسيكيات الأخرى، بنى مسيرته الإبداعية من خلال أداء قصصه مباشرة أمام الأطفال، مجرّباً ومعدّلاً إياها حتى تصل إلى صورتها المثالية للنشر. لكن اليوم، وقد بلغ الـ76 من عمره، بدأ الخرف ينهش الخيال الذي غذّى واحدة من أبرز المسيرات الأدبية في أدب الطفل.

أشعر بأفكاري وقصصي تبتعد شيئاً فشيئاً بسبب الخرف وباركنسون (نيويورك تايمز)

في عام 1989، بدأت الطفلة غاه - نينغ تانغ، (8 أعوام)، بمراسلة مانش من بلدتها الصغيرة هيرست في أونتاريو، وكانت رسائلها غالباً تُكتب على قصاصات من مفارش مطعم والديها. وعلى عكس كثير من المؤلفين، كان مانش يحرص على الرد على كل طفل بشكل شخصي، مهما كان بسيطاً أو عابراً.

امتلأت رسائل غاه - نينغ تانغ بتفاصيل الحياة اليومية في بلدة صغيرة، مليئة بالإحباطات والفضول الطفولي، وكانت الشرارة التي أطلقت مراسلات طويلة مع مانش، وألهمته في نهاية المطاف لكتابة كتابه الصادر عام 1994 بعنوان «أين هي غاه - نينغ؟». وكان مانش يؤمن بأن الطفل الذي يُلهم قصة ما، يمتلكها بحق، فيُدرج اسمه، وشخصيته، وصورته الحقيقية داخل الحكاية، كما لو كان شريكاً أصيلاً في صناعتها.

من الرهبنة إلى أدب الطفل

هذا الإخلاص العميق لأصوات الأطفال، وقدرته على تحويلهم من مجرد مستمعين إلى شركاء في الإبداع، جعلا منه واحداً من أكثر كتّاب أدب الأطفال مبيعاً في أميركا الشمالية، إذ تجاوزت أعماله 85 كتاباً، وبيعت منها أكثر من 87 مليون نسخة.

ورغم هذا النجاح، فإن رحلة مانش إلى عالم القصص لم تكن تقليدية. فقد وُلد في بيتسبرغ بأميركا لعائلة كاثوليكية كبيرة، وبدأ دراسته في سلك الرهبنة ساعياً ليصبح كاهناً. لكن أثناء تطوعه في دار للأيتام، اكتشف ميله العميق للعمل مع الأطفال، فقرر التخلي عن الرهبنة، والتحق بجامعة «تافتس» لدراسة تعليم الطفولة المبكرة. ومن هناك بدأت رحلته الحقيقية حين عمل في رياض الأطفال.

وهناك، في لحظات ما قبل قيلولة الأطفال، اكتشف مانش قدرته الفريدة على جذب انتباههم من خلال القصص. فكان يحكي بعفوية، فيسكن الضجيج وتُفتح العيون. ومع تشجيع زملائه، بدأ بتدوين تلك القصص التي أحبها الأطفال.

في عام 1975، وبعد انتقاله إلى كندا مع زوجته آن، قدَّم مجموعة من القصص للناشرين. لم يُقبل منها سوى واحدة فقط بعنوان «بركة الطين»، لكنها كانت كافية لتكون بداية انطلاقته الأدبية.

أما انطلاقته الكبرى فجاءت عام 1980، حين نشر كتاب «الأميرة ذات الرداء الورقي» بالتعاون مع الرسام مايكل مارتشينكو. في هذه القصة، تُنقذ الأميرة إليزابيث الأمير رونالد من التنين، لكنه بدلاً من شكرها ينتقد مظهرها الرث. فترد عليه بجملتها الشهيرة: «تبدو أميراً حقيقياً، لكنك أحمق». وقد بيع من هذا الكتاب أكثر من 7.5 مليون نسخة، وأصبح يُحتفى به بوصفه واحداً من أبرز الكتب النسوية التي قلبت موازين القصص الخيالية التقليدية.

غلاف كتاب «سأحبك إلى الأبد»

أما كتابه الأشهر الآخر «سأحبك إلى الأبد» (1986)، فقد كان بطابع مختلف تماماً. كتبه بعد فقدانه لطفلين وُلدا ميتين، فجاءت القصة نوعاً من الرثاء الحنون. وتتابع الحكاية حياة الأم وهي تردد لابنها، في كل مرحلة من عمره، عبارة تؤكد حبها غير المشروط له. ورغم أن بعض النقاد رأوا فيه مبالغة عاطفية، فإن الكتاب لامس وجدان ملايين الآباء والأمهات بعمق، وتسلل بهدوء إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، حتى أصبح من أكثر كتب الأطفال تأثيراً وانتشاراً.

قصص صنعتها عفوية الأطفال

كان مانش يؤكد دائماً أنه راوٍ للقصص قبل أن يكون مؤلفاً. وكان يقدم عروضه في المدارس في جميع أنحاء أميركا الشمالية، وغالباً ما يُفاجِئ الجمهور بظهوره دون سابق إنذار، ويقيم مع العائلات المحلية لجمع الأفكار من الحياة اليومية. وكانت عروضه المليئة بالطاقة والمرح والتفاعل تُشكّل مختبره الإبداعي الخاص.

الأطفال كانوا هم صانعي قصصه الحقيقيين؛ يقاطعونه، ويضحكون، ويقترحون إضافات تُدمج أحياناً في الحبكة. وتطورت القصص عبر ما يصل إلى 50 عرضاً حياً قبل أن تستقر على شكلها النهائي. وكان مانش يوضح أن هذه العملية تُزيل الدروس التي يفرضها الكبار، وتحتفظ فقط بما يجده الأطفال مضحكاً ومفاجئاً ومثيراً.

كما قالت محررته ديان كورنر: «يستمع مانش للأطفال أكثر من أي مؤلف آخر عرفته». وعلى عكس الكتب المليئة بالعبر الأخلاقية الصارمة، كانت كتب مانش خالية من الدروس المباشرة، ومليئة بحفلات الميلاد، والمقالب، وحتى النكات عن التبول، وكلها أشياء يحبها الأطفال فعلاً.

ورغم بهجة قصصه، فإن مانش كان يعاني من الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب، بالإضافة إلى الوسواس القهري. ففي ثمانينات القرن الماضي، انضم إلى جمعية مدمني الكحول المجهولين، ولاحقاً تلقى علاجاً نفسياً. وقد ساعدته الأدوية على الاستقرار من دون أن تخمد شرارة إبداعه.

لكن في سنواته الأخيرة، تعرض لانتكاسات، مع إدمان الكحول ثم الكوكايين. ورغم ذلك، أبقى هذه الصراعات بعيدة عن كتبه للأطفال، مصرّاً على ألا تسمح آلام البالغين بتدمير عالم الطفولة في قصصه.

الخرف وسرقة الخيال

وفي عام 2008، أصيب بجلطة دماغية أفقدته مؤقتاً القدرة على سرد القصص. وبمساعدة معالج نطق، تعافى وعاد ليزور المدارس مجدداً. لكن بحلول عام 2021، أعلن تشخيصه بالخرف ومرض باركنسون.

بدأ المرض يسلبه كلماته وتوازنه، فأصبح يتعثر كثيراً، وبدأ ينسى الأسماء، ولم يعد قادراً على قراءة الكتب، إذ بدت له النصوص مشوشة وغريبة. ومع الإرهاق الشديد، لم يعد يخرج من المنزل، وقال ذات مرة: «حياتي تنكمش بهذه الطريقة».

غلاف كتاب «الأميرة ذات الرداء الورقي»

لكن الأكثر إيلاماً كان توقف تدفق القصص. فعلى مدى عقود، كانت الأفكار تأتيه كاملة، وكأنها من دون حدود. أما الآن، فعندما ينتظر الإلهام، «لا يحدث شيء».

وفي عام 2023، حدث أمر استثنائي: ظهرت قصة جديدة. أثناء تفكيره في شقيقتين مسنّتين يعرفهما، تخيلهما كأنهما طفلتان مشاغبتان تثيران الفوضى في مستشفى. وعلى مدى أيام، كتب وعدّل القصة مسترشداً فقط بالأطفال الوهميين في رأسه. وكانت النتيجة كتاب «اقفز!» الذي نُشر عام 2024، وهو أول كتاب جديد له منذ سنوات. لكنه لم يكتب شيئاً منذ ذلك الحين.

ولا يزال مانش مدركاً لتدهور حالته الصحية، إذ يمزح بسخرية قاتمة قائلاً إنه سيصبح مثل «نبات اللفت». لكنه يتحدث بصراحة مع أحفاده عن الموت. وبعد تشخيصه، تقدم بطلب للانضمام إلى برنامج المساعدة الطبية على الموت في كندا، موضحاً أنه لا يرغب في الاستمرار في الحياة بعد فقدانه القدرة على التواصل.

ومع ذلك، تبقى قصصه القديمة محفوظة في ذاكرته، لم يمسّها المرض. فما زال قادراً على سرد «مورتيمر» أو «الأميرة ذات الرداء الورقي» من البداية إلى النهاية، مؤدياً إياها بالحيوية الكوميدية نفسها التي كانت تملأ قاعات المدارس.

وفي أحد اللقاءات، وبعد حديثه عن مرضه، بدأ مانش فجأة في سرد قصة «مورتيمر». فتغيرت ملامحه، وارتفعت نبرته بأصوات «عميقة، تشبه أصوات رجال الشرطة» التي أسعدت أجيالاً من الأطفال. ولبرهة قصيرة، بدا المرض وكأنه اختفى، وبقي روبرت مانش، راوِي القصص، حيّاً في كلماته الخالدة.

خدمة: «نيويورك تايمز»*



«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم «غايتواي».

وقال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية استمرت ليوم كامل في مقر وكالة «ناسا» بواشنطن: «تعتزم الوكالة إيقاف مشروع (غايتواي) بشكله الحالي، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تُمكّن من استدامة العمليات على سطح القمر».

وأضاف: «على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف».

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من بين الشركاء في مشروع «غايتواي».

يأتي هذا التغيير الأخير لخطط «ناسا» بعد تعديلات طرأت على برنامج «أرتيميس» الذي يهدف إلى إعادة رواد فضاء أميركيين إلى القمر، والتأسيس لوجود طويل الأمد هناك، تمهيداً لبعثات مستقبلية إلى المريخ.

وكان من المُفترض أن تكون محطة «غايتواي» المدارية القمرية بمثابة نقطة عبور لرواد الفضاء المتجهين إلى القمر، ومنصة للأبحاث.

لم يكن تعليق المبادرة مفاجئاً، إذ انتقدها البعض باعتبارها تهديداً للموارد أو تشتيتاً للانتباه عن طموحات أخرى متعلقة بالمهام إلى القمر.

وقال إيزاكمان إن «ناسا» تخطط حالياً لإنفاق 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة لبناء القاعدة القمرية عبر عشرات المهمات، «بالتعاون مع شركاء تجاريين ودوليين لوضع خطة مدروسة وقابلة للتنفيذ».

وأضاف: «سيكون هناك مسار تدريجي لبناء أول قاعدة دائمة للبشرية خارج كوكب الأرض، وسنأخذ العالم معنا في هذه الرحلة».

«أرتيميس 2»

أعلن إيزاكمان الذي تولى قيادة «ناسا» أواخر العام الماضي، على نحو مفاجئ قبل أقل من شهر، إعادة هيكلة برنامج «أرتيميس» الذي شهد تأجيلات متكررة في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف ضمان عودة الأميركيين إلى سطح القمر بحلول عام 2028.

وأوضح إيزاكمان أن هذا الهدف لا يزال قائماً، لكن وكالة الفضاء الأميركية تُجري تعديلات على برنامج رحلاتها ليشمل مهمة تجريبية قبل الهبوط النهائي على سطح القمر، وذلك لتحسين «الخبرة العملية» في عمليات الإطلاق.

جاء هذا التعديل الاستراتيجي بعد تأجيلات متكررة لمهمة «أرتيميس 2» التي كان من المقرر إطلاقها في فبراير (شباط)، ولكنها باتت مرتقبة حالياً في أبريل (نيسان). وتهدف المهمة إلى تحقيق أول تحليق قريب من القمر منذ أكثر من نصف قرن.

خلال ولايته الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته في أن تطأ أقدام الأميركيين سطح القمر مجدداً.

وتواصل الصين المضي قدماً في خططها لأول مهمة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.

ويعتمد الجهد الأميركي جزئياً على تقدم شركاء «ناسا» من القطاع الخاص.

وقد تعاقدت «ناسا» مع شركتي الفضاء «سبايس إكس» و«بلو أوريجين»، التابعتين للمليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس، لتطوير مركبات الهبوط القمرية المستخدمة في برنامج «أرتيميس».


القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر، وأكدت الوزارة في بيان، الثلاثاء، أن المقال المنسوب للمدعو فؤاد الهاشم، الصحافي الكويتي، تضمن إساءات إلى مصر وشعبها والقيم الأخلاقية العربية، إضافة إلى ادعاءات تسيء إلى الجوانب الصحية والسياحية في مصر.

وعدّ البيان «وقوع هذا الشخص في مستنقع البذاءات التي استخدمها تجاه مصر وشعبها أمراً مرفوضاً، وانحطاطاً أخلاقياً قبل أن يكون سقوطاً مهنياً وإعلامياً، وهو تصرف لا يمكن التسامح معه أو الصمت إزاءه».

ووجهت الوزارة التحية للأصوات الكويتية ومن سائر دول الخليج العربية من إعلاميين ومثقفين ومسؤولين ومواطنين شرفاء، سارعوا لإدانة ما اقترفه ذلك الشخص تجاه مصر وشعبها، وعبروا عن المشاعر الوطنية والقومية الطبيعية والمتجذرة لدى الشعبين في مصر والكويت، وما تضمنته مقالاتهم وآراؤهم بما يربط البلدين الشقيقين عبر التاريخ القديم والحديث من روابط اجتماعية وسياسية وثقافية.

وأهاب البيان بالإعلاميين والمواطنين المصريين عدم الوقوع في فخ الخلط بين انحراف هذا الشخص عن كل القيم والأعراف والأخلاقيات، وبين الشعب الكويتي الشقيق المحب لمصر بقيادته ومواطنيه ونخبه الثقافية والإعلامية، والحريص دائماً على العلاقات الطيبة مع مصر وقيادتها وشعبها، وعدم الانسياق وراء الفتنة التي أرادها هذا الشخص المسيء فى هذا التوقيت تحديداً للوقيعة بين الشعبين، فكاتب المقال لا يمثل في نظرنا إلا نفسه، ونربأ بإعلام وشعب الكويت أن يكون معبّراً عنهم».

وقال السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصر للشؤون الخارجية، إن «العلاقة بين مصر والكويت لن يؤثر فيها سلباً مثل هذه المقالات، لكن من المناسب الرد وتوضيح علاقتنا بالكويت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكويتي يقدرون دور مصر في بناء الكويت الحديثة ودورها في تحرير الكويت بداية التسعينات، ومن ثم يجب عدم الالتفات لمثل هذا الرجل الذي كتب كلاماً لا يستحق القراءة فضلاً عن الرد عليه».

ولفت سعد إلى أن إصدار بيان والتحرك قانوناً في مثل هذه المواقف أمر يعود لتقديرات وزارة الدولة للإعلام، مضيفاً: «في مناسبات سابقة كان هناك دائماً ذوو نفوس ضعيفة يكتبون مثل هذه الكلمات غير المسؤولة والتي تحتاج إلى دليل ملموس يدعمها، وهي صغائر لا تستحق الاهتمام».

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تم اتخاذها تجاه الموضوع بالتنسيق بين وزارتي الخارجية في مصر والكويت، وإحالة الموضوع برمته إلى النائب العام في الكويت الشقيقة لاتخاذ ما يلزم قانوناً إزاءه، كما قام وزير الدولة للإعلام بمصر بالاتصال هاتفياً بوزير الإعلام بدولة الكويت، للتعبير عن الرفض التام لهذا المقال الذي نُشر في إصدار إعلامي كويتي، وهو تصرف غير مقبول، ويسيء للعلاقات الوطيدة بين البلدين، معرباً عن ثقته بأن الجانب الكويتي لن يتهاون إزاء هذا السلوك.

ويرى العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الدكتور حسن عماد مكاوي، أن «المقال المسيء صدر عن شخص ليس له حيثية، وليس له ثقل في المجتمع الكويتي، فهو شخص بلا جنسية (بدون)، وهو كاتب صحافي غير معروف ومحدود القيمة، ولا يستحق الرد على ما قاله من تفاهات وعبث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات بين مصر والكويت أكبر من هذا الأمر، ومثل هذه الكتابات سواء صدرت عن شخص كويتي أو شخص مصري يجب ألا يُعتد بها؛ لأنها لا يمكن أن تؤثر في علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية عبر عشرات السنين الماضية».

وفي الوقت نفسه، جدد وزير الدولة للإعلام خلال الاتصال الهاتفي التأكيد على دعم مصر حكومة وشعباً لدولة الكويت الشقيقة في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية غير مبررة. وأكد البيان أنه يتم التنسيق حالياً بين وزارتي الخارجية فى مصر والكويت بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات قضائية وفق القوانين الكويتية تجاه الشخص المذكور.

وجددت الوزارة عزمها وكل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أي تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية، وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة، القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها.

ووصفت المتخصصة في الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، البيان الصادر عن وزارة الدولة للإعلام في مصر بأنه «متوازن جداً»، وثمنت خطوات الوزارة في سرعة الرد على كل ما يتم نشره دولياً ومحلياً وما يتم تداوله من شائعات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز البيان التفرقة بين الآراء الفردية، والروابط القوية بين الكويت ومصر وغيرها من دول الخليج خصوصاً في وقت الأزمات والحروب».

ولفتت إلى أن «التحرك القضائي وتصعيد الأمر ضد أي شخص يتجاوز أمر مهم جداً، حتى لا نرى كتّاباً آخرين يحاولون التطاول على مصر»، وأكدت أنه «إلى جانب قوة مصر الناعمة يجب أن يعرف المتجاوزون أن مصر يمكنها أن تضرب بيد من حديد على المسيئين والمتجاوزين حتى لا يتكرر الأمر».

وأشارت سارة إلى حوادث عالمية كثيرة تم التحرك فيها قضائياً من قبل الدول ضد مقالات نشرت في دول أخرى تنال من هيبة الدولة المتضررة، وتسيء لها أو لأحد رموزها أو تطلق اتهامات جزافية ضدها.

وكان المقال المنشور في إحدى الصحف الكويتية قد أثار ضجة كبيرة في مصر، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت ابنة كاتب المقال وهي المخرجة السينمائية فرح الهاشم بياناً ورسالة موجهة للرئيس المصري على صفحتها بموقع «فيسبوك» تنفي فيه علاقتها بما يصدر عن هذا الشخص الذي وصفته بأنه «والدها البيولوجي»، وقالت في منشورها إن علاقتها به منقطعة منذ أعوام طويلة، وأنها تختلف تماماً مع آرائه، مؤكدة محبتها وتقديرها لمصر وشعبها.


مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان، بجانب تطور النسق المعماري عبر عصور مختلفة.

وأعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين «المجلس الأعلى للآثار» و«كلية الآثار بجامعة القاهرة»، الثلاثاء، عن اكتشاف بقايا مبنى دير أثري يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، بمنطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والتي تُعد من أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والأثار المصرية، «يمثل هذا الكشف مرحلة هامة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة».

وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيَّد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما يتراوح سُمك الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.80 و2.20 متر.

ويضم المبنى فناءً مركزياً مكشوفاً يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي (حجرات الرهبان) بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل. كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن.

المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور فنون العمارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي أن الاكتشاف يمثل «إضافة نوعية لفهمنا لبدايات الرهبنة في مصر، والتي انطلقت من أرض مصر لتنتشر في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف في إفادة رسمية أن «وادي النطرون يُعد أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر، وهذا الاكتشاف يعزز من مكانته على خريطة السياحة الدينية والثقافية الدولية».

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عدد من أماكن الدفن داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير، في دلالة على الطابع الجنائزي المرتبط بالحياة الرهبانية في تلك الفترة.

ويرى أستاذ الآثار بجامعة القاهرة الدكتور جمال عبد الرحيم أن «الاكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات العلمية حول حياة الرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الآثار المكتشفة ستسهم في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية واليومية للرهبان، بشكل مغاير وأكثر عمقاً مما ورد في كتب التاريخ، حيث تقدم الحفريات تفاصيل مختلفة عن الروايات التاريخية»، مؤكداً أن «الدير المكتشف يبرز تطوراً كبيراً في العناصر المعمارية الخاصة بالأديرة».

يحتوي على عناصر معمارية فريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتضمن الكشف الأثري الجديد تفاصيل معمارية وفنية عدة، حيث تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، وهو ما عدته البعثة «يسهم في تأريخ المبنى، وتوثيق الحياة اليومية للرهبان».

ورأى أستاذ الاجتماع بالكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، الدكتور نصيف فهمي أن «اكتشاف الدير الجديد يفتح مجالاً واسعاً لدراسة الحياة الاجتماعية للرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحياة الاجتماعية للرهبان بها تفاصيل غير معروفة للكثيرين، وتوفر الاكتشافات الأثرية معلومات جديدة».

وبحسب وزارة السياحة، أظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، بمبنى الدير المكتشف، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم عدداً من الصلبان وأشجار النخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.

المبنى يعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الدكتور محسن صالح أن «البعثة وضعت خطة متكاملة لتوثيق المبنى المكتشف وصيانته وفقاً لأحدث المعايير العلمية، مع مراعاة طبيعة مواد البناء الطينية وتحقيق مبادئ الاستدامة». بينما أكد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة الدكتور ضياء زهران، أن المبنى يعد «نموذجاً متكاملاً لمباني الرهبنة المبكرة، حيث يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية»، بينما أوضح رئيس البعثة الأثرية الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام، أن هذا الكشف «يمثل دليلاً مادياً هاماً يؤكد الروايات التاريخية حول نشأة الرهبنة في وادي النطرون»، مشيراً إلى أن «المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور العمارة الرهبانية بين القلالي الفردية والأديرة الكبيرة».