ماذا نعرف عن جيورجيو أرماني ملك الموضة؟

ظل مراقباً لكل التفاصيل إلى آخر رمق

أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)
أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)
TT

ماذا نعرف عن جيورجيو أرماني ملك الموضة؟

أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)
أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)

غيّب الموت أحد أعمدة الموضة العالمية: جيورجيو أرماني، الملقب بـ«ملك الموضة». ونعت مجموعة أرماني الراحل في بيان رسمي أمس، من دون الإفصاح عن الكثير من التفاصيل، كأن الأمر بحد ذاته يكفي، خصوصاً بعد تراجع صحته في الأشهر الأخيرة، التي أدت إلى تغيبه عن عرضين مهمين: الأول كان للأزياء الرجالية ضمن أسبوع الموضة في ميلانو في يونيو (حزيران) الماضي، والثاني خلال عرض «أرماني بريفيه» (Armani Prive) في باريس في يوليو (تموز) الماضي.

جيورجيو أرماني يختتم عرض أزياء ربيع/صيف 2025 في باريس (رويترز)

ورد في البيان فقط، أن أرماني «عمل حتى أيامه الأخيرة، وكان محاطاً بأحبائه»، وأضافت المجموعة: «في هذه الشركة، شعرنا دائماً كأننا عائلة. واليوم، نواجه فراغاً عميقاً خلَّفه الرجل الذي أسس هذه العائلة ورعاها برؤية وشغف وتفانٍ».

ربما تكون دوناتيلا فيرساتشي، المديرة الإبداعية السابقة في دار «فيرساتشي»، أكثر من لخص حجم الفقد، قائلة إن العالم خسر «عملاقاً».

بالنسبة لمتابعي الموضة، لم يكن الخبر مفاجئاً. فقد تسابقت وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة الماضية على نشر لقاءات معه بحجة الاحتفال معه بمرور 50 عاماً على تأسيسه دار «جيورجيو أرماني»، وكأنها تستبق النهاية المحتومة.

جيورجيو أرماني يحيي الجمهور في ختام عرض 2024 بميلانو (أ.ف.ب)

غيابه المتكرر في الآونة الأخيرة أثار قلقاً واسعاً، فحتى مع بلوغه الـ91 عاماً، كان يحرص على الإشراف شخصياً على أدق التفاصيل ومقابلة ضيوفه ولو مستنداً على أحد، لكن للعمر أحكامه. والسؤال الذي ظل يلوح دوماً: من سيخلفه؟ فقد رفض المصمم لفترة طويلة تعيين خليفة رسمي له.

بموته يفقد عالم الموضة أحد أعمدته، وواحداً من أبرز مصممي القرن الماضي، وأكثرهم نجاحاً من الناحيتين الفنية والتجارية، رغم استقلاليته، رافضاً إدراج أسهم المجموعة في البورصة. فقد أدار شركته على مدى 50 عاماً، التي تحقق حالياً نحو 2.3 مليار يورو (2.7 مليار دولار) سنوياً. لم يقتصر نشاطه على الأزياء فحسب، بل امتدت أعماله إلى العطور ومستحضرات التجميل والفنادق والديكورات المنزلية.

نعومي كامبل وجيورجيو أرماني في عرض «أرماني بريف» ببيفرلي هيلز 2007 (أ.ب)

رغم تجاوزه التسعين، ظل أرماني يراقب كل تفصيلة ويؤثر على الذوق العام بهدوء ودون صخب، وتابع تطورات العصر وتغيراته، من دون تغيير جله كلياً، بل ظل وفياً لتفاصيله الدقيقة، وكانت النتيجة أنه نجح في استقطب جيلي البنات والأمهات على حد سواء. ظل أسلوب مشبعاً بروح العمارة، يستلهمه تارة من الهندسة وتارة من الضوء والظل.

في أحد لقاءاته، أبدى إعجابه بالراحلة كوكو شانيل، قال «إنها قدوته». وبالفعل، نجح في ما نجحت فيه. كما أبدعت هي الجاكيت التويد، نجح هو في وضع بصمته على البدلة بأن خففها وجعلها بمثابة زي رسمي للجنسين.

تشرح ديبورا نادولمان لانديس، مصممة أزياء ومؤرخة، ومديرة مركز «ديفيد سي كوبلي» لتصميم الأزياء في جامعة كاليفورنيا: «كانت تصاميم السيد أرماني محايدة للجنسين، فخمة وأخاذة، وتشغل موقعاً وسطاً بين الزي الرسمي الممل الذي كان منتشراً بين المديرين التنفيذيين الذكور في ذلك الوقت، وسترات (التنورة) الأنيقة التي تفضلها نساء مهنيات كثيرات. وكانت تصاميمه أسلوباً بديلاً للأزياء التي تُظهر القوة».

جيورجيو أرماني في افتتاح معرضه «A Retrospective» بلندن 2003 (د.ب.أ)

ما سيُحسب له وستتذكره به كتب الموضة أنه لم يغير الموضة فقط بل مفهوم الأناقة نفسها، جعلها أسلوب حياة لأنه جمع بين ذوق المصمم ومهاراته الفنية وفطنة رجل الأعمال.

البدايات

ولد جيورجيو أرماني عام 1934 في عائلة متواضعة؛ أب يعمل في الشحن، وأم ربة منزل علّمته حس الجمال والتنظيم. كان يحلم بدراسة الطب والتحق بجامعة ميلانو ليدرس علم الأحياء، لكنه ترك الجامعة بعد 3 سنوات، خدم في الجيش، ومن ثَمّ عمل مساعداً في تصميم نوافذ متجر «لاريناتشينتي» الشهير في ميلانو.

بسرعة تطورت مهاراته، ولنتقل للعمل مصمماً داخلياً ومشرفاً على المشتريات، حتى التحق بدار «نينو تشيروتي» في أوائل الستينات للعمل في قسم التصميم الرجالي، حيث ازداد حبه للتصميم.

وفي عام 1975، وبعمر يقترب من الأربعين، أطلق ماركته الخاصة «جيورجيو أرماني»، مدركاً أن تميزه سيكون مفتاحه لفرض مكانته بين الكبار، ولا بدّ من قيامه بثورة.

جيورجيو أرماني وجوليا روبرتس في حفل جوائز الموضة 2019 بلندن (أ.ف.ب)

أدرك أن قوته تكمن في التفصيل الرجالي فركز عليها، وأعاد تشكيل البدلة، فأخرجها من جمودها بتفكيكها وتحريرها. خفف من سماكة البطانة، وتخلص منها تماماً، وجعل الأكتاف أكثر نعومة وانسيابية. كما ابتكر ألوانه الترابية والمحايدة التي أصبحت علامته المميزة في الثمانينات والتسعينات.

المرأة والتمكين

لم يغفل المرأة أبداً، بل كان رفيقها وداعمها في الثمانينات، حين بدأت تخطو بقوة نحو ميادين العمل لتنافس الرجل على المناصب التنفيذية العليا. كانت البدلة التي صممها لها بمثابة «جواز ثقة»، تجمع بين القوة والنعومة في آن واحد. لقد حقق المعادلة التي لم يحققها كثيرون: أن تكون قوية دون أن تُفقد أنوثتها.

جيورجيو أرماني مع عارضات في عرض ربيع/صيف 2018 بميلانو (رويترز)

مؤسس علاقة الموضة بالسينما

في الثمانينات، ومع انطلاق ثورته الناعمة في عالم الأزياء الرجالية، كانت السينما الباب الذي اختاره لاستقطاب جمهور عالمي. صمم جميع بدلات الممثل ريتشارد غير في فيلم «American Gigolo»، وبفضل هذا العمل تغيّرت قواعد الموضة الرجالية بين ليلة وضحاها. أضفت الألوان الترابية والرماديات جاذبية على الإطلالات، فيما كانت الأكتاف الناعمة تنساب على الجسم بخفة وثقة، فكسرت القواعد التقليدية وأصبحت محط أنظار الجميع. كان هذا الفيلم نقطة انطلاق مشرقة له، إذ أصبح اسم أرماني مرتبطاً بالسينما، وظهرت تصاميمه في نحو 200 فيلم تقريباً، من بينها «وول ستريت» لليوناردو دي كابريو. كما ارتداها نجوم كبار مثل آل باتشينو، وشون كونري، وتوم كروز في السينما وعلى السجاد الأحمر، كلهم وقعوا تحت سحر خطوطه الأنيقة والسلسة.

جيورجيو أرماني خلال عرض «إمبريو أرماني» في ميلانو عام 1998 (أ.ب)

في عام 2005، توسع أرماني رسمياً من تصميم الأزياء الجاهزة إلى عالم «الهوت كوتور» بإطلاقه خط «أرماني بريفيه»، الذي أسر قلوب نجمات السينما. أصبحت له مخلصات مثل كايت بلانشيت، ونيكول كيدمان، وبيونسيه. وكان أرماني، بحسه التجاري الثاقب، يعرف أن هذا الخط أصبح ضرورة في زمن انفتحت فيه أسواق جديدة تتوق إلى قطع فريدة، فحرص على تلبية متطلبات هذه الأسواق وأخذ لنفسه نصيباً من هذه الفرصة الكبيرة.

وتمكن من منافسة من سبقوه بعقود في هذا المجال، ومع ذلك ظل وفياً لجيناته. ابتعد عن بهرجة الألوان وعرض التفاصيل المبالغ فيها، وجعل أزياء هذا الخط مشبعة بالفخامة، متقنة في أدق تفاصيلها، متعاملاً معها بعقلية مهندس معماري وبصيرة جراح تجميل، ليحافظ على التوازن بين الفن والدقة المطلقة.

أشخاص أمام منزل جيورجيو أرماني في ميلانو بعد وفاته عن 91 عاماً (رويترز)

وداعاً الأسطورة

بعد إعلان خبر وفاته، صرح وزير الثقافة الإيطالي أليساندرو جولي قائلاً: «برحيل جيورجيو أرماني، يغيب أحد رموز الثقافة الإيطالية، الذي عرف كيف تحوّل الأناقة إلى لغة عالمية. لقد أعاد بأسلوبه البسيط والمبتكر تعريف العلاقة بين الموضة والسينما والمجتمع».

أما شركته، فأعلنت أنها ستجهز قاعة في ميلانو لإقامة الجنازة يومي السبت والأحد، تليها جنازة خاصة لم يُحدد موعدها بعد، لتبقى ذكرى عرضه الأخير في ميلانو خالدة، ولو من دونه هذه المرة.


مقالات ذات صلة

في عصر البوتوكس وشَدّ الوجه... نجمات يفضّلن التجاعيد

يوميات الشرق مجموعة من نجمات هوليوود الرافضات للتجميل (رويترز)

في عصر البوتوكس وشَدّ الوجه... نجمات يفضّلن التجاعيد

تعارض مجموعة من نجمات الصف الأول في هوليوود الخضوع لأي إجراء تجميلي، حفاظاً على التعابير الطبيعية الضرورية في التمثيل.

كريستين حبيب (بيروت)
خاص الممثلة أندريا طايع تطلّ قريباً كمقدّمة برنامج «ذا فويس كيدز» (صور طايع)

خاص أندريا طايع من «مدرسة الروابي» إلى «ذا فويس كيدز»... رحلةٌ بأحلامٍ كثيرة

هي (مريم) في «مدرسة الروابي» و(لارا) في «مش مهم الإسم» وأندريا طايع في «ذا فويس كيدز». حوار خاص مع الممثلة التي تخوض التقديم ولا تتنازل عن طموح السينما والدراما

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق جورج وأمل كلوني يحصلان على الجنسية الفرنسية لإسهاماتهما الثقافية (رويترز)

فرنسا تدافع عن منح كلوني الجنسية رغم الانتقادات

فرنسا دافعت عن منح جورج وأمل كلوني الجنسية رغم الانتقادات واتهامات بتلقيهما «معاملة تفضيلية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جورج وأمل كلوني (رويترز)

وزيرة فرنسية تنتقد منح الجنسية لجورج كلوني وعائلته

اعتبرت الوزيرة المفوّضة لشؤون الداخلية في فرنسا أن منح الجنسية للممثّل الأميركي جورج كلوني وعائلته لا يوجّه «رسالة جيّدة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق صبري الشريف بجانبه فيروز وسيدات «مهرجانات بعلبك» 1956 (أرشيف الشريف)

شراكة «الإشعاع»: فيروز والأخوان رحباني مع صبري الشريف

فيروز والأخوان رحباني وصبري الشريف، الأضلاع الثلاثة لمؤسسة فنية أرست لأغنية جديدة سيكون لها ما بعدها، ليس فقط في لبنان، بل في الوطن العربي كله.

سوسن الأبطح (بيروت)

هل تحتفظ القهوة منزوعة الكافيين بفوائد «السمراء» الصحية؟

تُظهر القهوة السوداء فوائد مفاجئة تتعلّق بتقليل معدلات الوفاة بشكل عام (بكسلز)
تُظهر القهوة السوداء فوائد مفاجئة تتعلّق بتقليل معدلات الوفاة بشكل عام (بكسلز)
TT

هل تحتفظ القهوة منزوعة الكافيين بفوائد «السمراء» الصحية؟

تُظهر القهوة السوداء فوائد مفاجئة تتعلّق بتقليل معدلات الوفاة بشكل عام (بكسلز)
تُظهر القهوة السوداء فوائد مفاجئة تتعلّق بتقليل معدلات الوفاة بشكل عام (بكسلز)

لطالما ارتبطت القهوة بتأثيرات فورية تعزّز اليقظة وتحسّن المزاج، إلى جانب فوائد صحية بعيدة المدى، أبرزها خفض مخاطر الإصابة بأمراض القلب وبعض أنواع السرطان، فضلاً عن أمراض مزمنة أخرى.

وفي هذا الإطار، يؤكد إدوارد جيوفانوتشي، أستاذ علم الأوبئة والتغذية في كلية «هارفارد تي. إتش. تشان» للصحة العامة، أن «الأدلة العلمية الداعمة للفوائد الصحية للقهوة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم»، وذلك في مقال بمجلة «Consumer Report»، استعرض فيه طيفاً واسعاً من المنافع المرتبطة باستهلاك هذا المشروب واسع الانتشار.

غير أن التساؤل يظل مطروحاً: هل تتمتع القهوة منزوعة الكافيين بالفوائد الصحية ذاتها التي توفرها القهوة العادية؟

يذهب جيوفانوتشي إلى أن الكافيين ليس العنصر الحاسم في هذه المعادلة، موضحاً أن «معظم التأثيرات الأيضية الإيجابية للقهوة لا ترتبط بالكافيين بحد ذاته، إذ إن كثيراً من الخصائص الوقائية التي تُلاحظ عند شرب القهوة المحتوية على الكافيين تظهر أيضاً لدى مستهلكي القهوة منزوعة الكافيين». وفقاً لموقع «هارفارد. تي آش. تشان».

ويشير المقال إلى أن كلا النوعين يحتويان على مركبات البوليفينول، وهي مضادات أكسدة يُعتقد أنها تلعب دوراً مهماً في دعم عمليات الأيض وتحسين صحة الجهاز الهضمي، ما يعزز القيمة الصحية للقهوة بصرف النظر عن محتواها من الكافيين.

كما تطرق التقرير إلى جملة من الإرشادات الصحية المدعومة بالدراسات، من بينها أن طرق التحضير غير المُفلترة قد تسهم في رفع مستويات الكوليسترول الضار (LDL)، وأن توقيت شرب القهوة قد يكون عاملاً مؤثراً، إذ إن استهلاكها بعد منتصف النهار قد يقلل من بعض فوائدها الصحية.

بهذا، تبدو القهوة منزوعة الكافيين خياراً لا يقل قيمة من الناحية الصحية، لا سيما لمن يسعون إلى تجنّب تأثيرات الكافيين، من دون التخلي عن فوائد «السمراء» المثبتة علمياً.


نجومية «لابوبو» تُخفي وجهاً آخر

ألعاب تُباع بالآلاف... وأسئلة عن ثمنها الحقيقي (رويترز)
ألعاب تُباع بالآلاف... وأسئلة عن ثمنها الحقيقي (رويترز)
TT

نجومية «لابوبو» تُخفي وجهاً آخر

ألعاب تُباع بالآلاف... وأسئلة عن ثمنها الحقيقي (رويترز)
ألعاب تُباع بالآلاف... وأسئلة عن ثمنها الحقيقي (رويترز)

زعمت منظّمة معنيّة بحقوق العمال عثورها على أدلة تشير إلى استغلال العمال في مصنع صيني يُنتج دمى «لابوبو» التي اكتسبت شهرة واسعة حول العالم.

وزعمت منظّمة «مراقبة العمل في الصين»، وهي منظّمة غير حكومية مقرّها الولايات المتحدة، أن تحقيقها كشف عن قيام أحد مورّدي شركة «بوب مارت» بإجبار الموظفين على العمل لساعات إضافية مُفرطة، وإلزامهم بتوقيع عقود عمل غير مكتوبة أو غير مكتملة، فضلاً عن حرمانهم من الإجازات مدفوعة الأجر.

وشهدت دمى «لابوبو» المغطَّاة بالفرو إقبالاً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، وتُعرف الشركة المُنتجة لها بأسلوب بيع يعتمد على «الصناديق العمياء»، التي لا تتيح للمشتري معرفة محتواها إلا بعد فتح العبوة.

وقالت شركة «بوب مارت» لـ«بي بي سي»، إنها بصدد التحقيق في هذه المزاعم. وأوضحت شركة التجزئة، التي تتّخذ من بكين مقراً لها، أنها تُقدّر المعلومات الواردة في التقرير، وستُلزم «بحزم» الشركات المصنّعة لمنتجاتها بتصحيح مسار ممارساتها في حال ثبوت صحة الادّعاءات.

وأضافت «بوب مارت» أنها تُجري عمليات تدقيق منتظمة لمورّديها، بما في ذلك مراجعات سنوية مستقلّة من أطراف ثالثة تنفّذها جهات تفتيش مُعترف بها دولياً.

وأفادت منظّمة «مراقبة العمل في الصين» في تقريرها بأنها أجرت تحقيقاً مُعمّقاً في شركة «شونجيا للألعاب المحدودة» الواقعة في مقاطعة غوانغدونغ بجنوب الصين.

وقالت المنظّمة إنّ باحثيها أجروا 51 مقابلة مباشرة مع عمال المصنع لمناقشة قضايا التوظيف والعقود وظروف العمل. ووفق التقرير، يُعدّ المصنع منشأة تصنيع «محورية» لمنتجات «بوب مارت»، ويعمل فيه أكثر من 4500 موظف.

وأضاءت المنظّمة على عدد من المشكلات العمالية في مصنع «شونجيا» الواقع في مقاطعة شينفينغ، من بينها ما وصفته بساعات عمل إضافية غير قانونية، وممارسات تعاقدية غير واضحة، ونقص في التدريب على السلامة وإجراءات الحماية.

وأشارت إلى أنها لم ترصد عمالة أطفال في المصنع، وإنما جرى توظيف عمال يبلغون 16 عاماً، خضعوا لظروف العمل نفسها المفروضة على البالغين، من دون توفير الرعاية الخاصة التي ينصّ عليها القانون الصيني لهذه الفئة العمرية.

ودعت «مراقبة العمل في الصين» شركة «بوب مارت» إلى اتخاذ «إجراءات فورية» لمعالجة هذه القضايا في سلسلة التوريد الخاصة بها، مطالبةً بتعويض العمال المتضرّرين وضمان امتثال خطوط الإنتاج لقوانين العمل الصينية والمعايير العمالية المُعترف بها دولياً.

وأوضحت المنظّمة أنّ هذه المصانع، المعروفة باسم «مُصنّعي المعدات الأصلية» («أو إي إم»)، تنتج السلع وفق الأسعار وجداول الإنتاج التي يُحدّدها العميل. وقالت: «نتيجة لذلك، فإنّ ظروف العمل في منشآت (أو إي إم) تتأثَّر بشكل مباشر بممارسات التوريد التي تعتمدها العلامات التجارية».

وتُعدّ دمى «لابوبو»، وهي كائنات خيالية ذات أسنان مسنّنة، من أكثر الألعاب رواجاً حالياً، إذ تسبَّبت موجة الإقبال عليها في صفوف انتظار طويلة أمام المتاجر حول العالم. كذلك أسهمت توصيات عدد من المشاهير ودعمهم، من بينهم كيم كارداشيان، وليزا من فرقة «بلاكبينك» الكورية، في ترسيخ مكانة «بوب مارت» لتصبح من كبرى شركات بيع الألعاب عالمياً.


«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
TT

«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)

أضاء باحثون على القرون الأخيرة من حياة وحيد القرن الصوفي، بعد دراستهم كتلة لحم مكسوّة بالشعر عُثر عليها في معدة جرو ذئب قديم تحنّط طبيعياً في جليد سيبيريا الدائم (الأرض دائمة التجمّد).

ووفق «الغارديان»، كانت البقايا المحفوظة بشكل مدهش لجرو ذئب أنثى يبلغ من العمر شهرين قد اكتُشفت عام 2011 قرب قرية تومات في شمال شرقي سيبيريا. ويُعتقد أن الحيوان قد نفق قبل نحو 14 ألفاً و400 عام، بعدما أدّى انهيار أرضي إلى تدمير جحره واحتجاز الجرو وأفراد آخرين بداخله.

وقد ساعدت الظروف شديدة البرودة على حفظ جسد الذئب لآلاف السنوات، وعند فحص البقايا لاحقاً، تبيَّن للعلماء أنّ محتويات معدته كانت محفوظة أيضاً. وكان جزء من آخر وجبة تناولها الذئب قطعة من لحم وحيد القرن الصوفي، وهو حيوان عاشب ضخم انقرض قبل نحو 14 ألف عام.

وقال الدكتور كاميلو تشاكون دوكي، الباحث السابق في «مركز علم الوراثة القديمة»، وهو تعاون بين جامعة استوكهولم والمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي، إنّ هذا الاكتشاف شكّل فرصة نادرة. وأضاف أنه إذا أمكن استخراج التركيب الوراثي لوحيد القرن من هذه القطعة من اللحم المهضوم جزئياً، فقد يتيح ذلك فهماً أعمق لحالة هذا النوع في لحظاته الأخيرة قبل الانقراض.

وأوضح تشاكون دوكي أن الحصول على عيّنات محفوظة جيداً من الأيام الأخيرة لعدد من الأنواع المُنقرضة يُعدّ أمراً نادراً، كما أنّ استعادة التركيبات الوراثية لحيوانات عاشت قبيل انقراضها مباشرةً تُعد «مهمّة صعبة». ومع ذلك، قد تحمل الشيفرة الوراثية، لجهة المبدأ، دلائل مهمّة حول الأحداث التي أدَّت إلى انقراض هذه الكائنات.

وفي دراسة نُشرت في مجلة «بيولوجية التركيب الوراثي والتطوّر»، شرح الباحثون كيف تمكّنوا من فكّ شيفرة التركيب الوراثي لوحيد القرن الصوفي من قطعة اللحم المتشابكة. وتُعدّ هذه المرة الأولى التي يتحقَّق فيها مثل هذا الإنجاز الخاص بكائن من العصر الجليدي يُعثَر عليه داخل معدة حيوان آخر. وقال تشاكون دوكي: «وفق علمنا، يُعدّ هذا أصغر وحيد قرن صوفي نعرف تركيبه الوراثي حتى الآن».

وكان العلماء يتوقّعون العثور على دلائل لما يُعرف بـ«تآكل الجينوم»، وهي ظاهرة تفقد فيها الأنواع المتراجعة تنوّعها الوراثي نتيجة تقلّص أعدادها، والتزاوج الداخلي، والضغوط البيئية في أسوأ الأحوال، وهو ما يؤدّي غالباً إلى تراكم طفرات ضارّة تجعل الأنواع أكثر عرضة للانقراض. مع ذلك، جاءت هذه النتائج مُخالفة للتوقعات.

وتابع تشاكون دوكي: «ما وجدناه لم يكن كذلك إطلاقاً». وبعد مقارنة الحمض النووي لوحيد القرن الصوفي مع التركيب الوراثي لعيّنتين أقدم تعودان إلى 18 ألفاً و49 ألف عام، خلص الباحثون إلى أنّ أعداد هذا النوع ظلّت كبيرة ومستقرّة نسبياً قبل أن تنقرض بسرعة لافتة. وأضاف: «أيّاً كان السبب الذي قضى على هذا النوع، فقد حدث على نحو سريع نسبياً»، مُرجّحاً أن يكون ذلك خلال 300 إلى 400 عام سبقت اختفاء وحيد القرن الصوفي.

من جانبه، قال أستاذ علم الجينوم التطوّري في مركز علم الوراثة القديمة، لوف دالين، إنّ وحيد القرن الصوفي يبدو أنه احتفظ بتعداد قابل للحياة لمدة 15 ألف عام بعد وصول البشر الأوائل إلى المنطقة، ممّا يشير إلى أنّ التغيُّر المناخي، وليس الصيد، كان السبب الرئيسي لانقراضه. ولفت إلى أنّ العامل الأبرز كان مرحلة الاحترار المفاجئ في أواخر العصر الجليدي، المعروفة باسم «المرحلة الدافئة بولينغ أليرود»، التي غيَّرت ملامح المشهد الطبيعي بين 14 ألفاً و700 و12 ألفاً و900 عام مضت.

ولا يزال من غير الواضح كيف انتهى الأمر بجرو الذئب إلى التهام لحم وحيد القرن الصوفي، وإنما الباحثون يرجّحون أنه ربما تغذَّى على جثة الحيوان بعدما اصطاده قطيع من الذئاب، أو أنه تلقّى هذه «الوجبة» من أحد أفراد القطيع الذي تقيّأ قطعة اللحم ذات الشعر.

وعام 2015، عُثر في الموقع نفسه على بقايا جرو ذئب ثانٍ يُعتقد أنه شقيق الأول. وأظهرت الفحوص أنّ كليهما كانا قد بدآ بتناول الطعام الصلب، لكنهما ظلّا يعتمدان أيضاً على حليب الأم.