ماذا نعرف عن جيورجيو أرماني ملك الموضة؟

ظل مراقباً لكل التفاصيل إلى آخر رمق

أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)
أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)
TT

ماذا نعرف عن جيورجيو أرماني ملك الموضة؟

أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)
أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)

غيّب الموت أحد أعمدة الموضة العالمية: جيورجيو أرماني، الملقب بـ«ملك الموضة». ونعت مجموعة أرماني الراحل في بيان رسمي أمس، من دون الإفصاح عن الكثير من التفاصيل، كأن الأمر بحد ذاته يكفي، خصوصاً بعد تراجع صحته في الأشهر الأخيرة، التي أدت إلى تغيبه عن عرضين مهمين: الأول كان للأزياء الرجالية ضمن أسبوع الموضة في ميلانو في يونيو (حزيران) الماضي، والثاني خلال عرض «أرماني بريفيه» (Armani Prive) في باريس في يوليو (تموز) الماضي.

جيورجيو أرماني يختتم عرض أزياء ربيع/صيف 2025 في باريس (رويترز)

ورد في البيان فقط، أن أرماني «عمل حتى أيامه الأخيرة، وكان محاطاً بأحبائه»، وأضافت المجموعة: «في هذه الشركة، شعرنا دائماً كأننا عائلة. واليوم، نواجه فراغاً عميقاً خلَّفه الرجل الذي أسس هذه العائلة ورعاها برؤية وشغف وتفانٍ».

ربما تكون دوناتيلا فيرساتشي، المديرة الإبداعية السابقة في دار «فيرساتشي»، أكثر من لخص حجم الفقد، قائلة إن العالم خسر «عملاقاً».

بالنسبة لمتابعي الموضة، لم يكن الخبر مفاجئاً. فقد تسابقت وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة الماضية على نشر لقاءات معه بحجة الاحتفال معه بمرور 50 عاماً على تأسيسه دار «جيورجيو أرماني»، وكأنها تستبق النهاية المحتومة.

جيورجيو أرماني يحيي الجمهور في ختام عرض 2024 بميلانو (أ.ف.ب)

غيابه المتكرر في الآونة الأخيرة أثار قلقاً واسعاً، فحتى مع بلوغه الـ91 عاماً، كان يحرص على الإشراف شخصياً على أدق التفاصيل ومقابلة ضيوفه ولو مستنداً على أحد، لكن للعمر أحكامه. والسؤال الذي ظل يلوح دوماً: من سيخلفه؟ فقد رفض المصمم لفترة طويلة تعيين خليفة رسمي له.

بموته يفقد عالم الموضة أحد أعمدته، وواحداً من أبرز مصممي القرن الماضي، وأكثرهم نجاحاً من الناحيتين الفنية والتجارية، رغم استقلاليته، رافضاً إدراج أسهم المجموعة في البورصة. فقد أدار شركته على مدى 50 عاماً، التي تحقق حالياً نحو 2.3 مليار يورو (2.7 مليار دولار) سنوياً. لم يقتصر نشاطه على الأزياء فحسب، بل امتدت أعماله إلى العطور ومستحضرات التجميل والفنادق والديكورات المنزلية.

نعومي كامبل وجيورجيو أرماني في عرض «أرماني بريف» ببيفرلي هيلز 2007 (أ.ب)

رغم تجاوزه التسعين، ظل أرماني يراقب كل تفصيلة ويؤثر على الذوق العام بهدوء ودون صخب، وتابع تطورات العصر وتغيراته، من دون تغيير جله كلياً، بل ظل وفياً لتفاصيله الدقيقة، وكانت النتيجة أنه نجح في استقطب جيلي البنات والأمهات على حد سواء. ظل أسلوب مشبعاً بروح العمارة، يستلهمه تارة من الهندسة وتارة من الضوء والظل.

في أحد لقاءاته، أبدى إعجابه بالراحلة كوكو شانيل، قال «إنها قدوته». وبالفعل، نجح في ما نجحت فيه. كما أبدعت هي الجاكيت التويد، نجح هو في وضع بصمته على البدلة بأن خففها وجعلها بمثابة زي رسمي للجنسين.

تشرح ديبورا نادولمان لانديس، مصممة أزياء ومؤرخة، ومديرة مركز «ديفيد سي كوبلي» لتصميم الأزياء في جامعة كاليفورنيا: «كانت تصاميم السيد أرماني محايدة للجنسين، فخمة وأخاذة، وتشغل موقعاً وسطاً بين الزي الرسمي الممل الذي كان منتشراً بين المديرين التنفيذيين الذكور في ذلك الوقت، وسترات (التنورة) الأنيقة التي تفضلها نساء مهنيات كثيرات. وكانت تصاميمه أسلوباً بديلاً للأزياء التي تُظهر القوة».

جيورجيو أرماني في افتتاح معرضه «A Retrospective» بلندن 2003 (د.ب.أ)

ما سيُحسب له وستتذكره به كتب الموضة أنه لم يغير الموضة فقط بل مفهوم الأناقة نفسها، جعلها أسلوب حياة لأنه جمع بين ذوق المصمم ومهاراته الفنية وفطنة رجل الأعمال.

البدايات

ولد جيورجيو أرماني عام 1934 في عائلة متواضعة؛ أب يعمل في الشحن، وأم ربة منزل علّمته حس الجمال والتنظيم. كان يحلم بدراسة الطب والتحق بجامعة ميلانو ليدرس علم الأحياء، لكنه ترك الجامعة بعد 3 سنوات، خدم في الجيش، ومن ثَمّ عمل مساعداً في تصميم نوافذ متجر «لاريناتشينتي» الشهير في ميلانو.

بسرعة تطورت مهاراته، ولنتقل للعمل مصمماً داخلياً ومشرفاً على المشتريات، حتى التحق بدار «نينو تشيروتي» في أوائل الستينات للعمل في قسم التصميم الرجالي، حيث ازداد حبه للتصميم.

وفي عام 1975، وبعمر يقترب من الأربعين، أطلق ماركته الخاصة «جيورجيو أرماني»، مدركاً أن تميزه سيكون مفتاحه لفرض مكانته بين الكبار، ولا بدّ من قيامه بثورة.

جيورجيو أرماني وجوليا روبرتس في حفل جوائز الموضة 2019 بلندن (أ.ف.ب)

أدرك أن قوته تكمن في التفصيل الرجالي فركز عليها، وأعاد تشكيل البدلة، فأخرجها من جمودها بتفكيكها وتحريرها. خفف من سماكة البطانة، وتخلص منها تماماً، وجعل الأكتاف أكثر نعومة وانسيابية. كما ابتكر ألوانه الترابية والمحايدة التي أصبحت علامته المميزة في الثمانينات والتسعينات.

المرأة والتمكين

لم يغفل المرأة أبداً، بل كان رفيقها وداعمها في الثمانينات، حين بدأت تخطو بقوة نحو ميادين العمل لتنافس الرجل على المناصب التنفيذية العليا. كانت البدلة التي صممها لها بمثابة «جواز ثقة»، تجمع بين القوة والنعومة في آن واحد. لقد حقق المعادلة التي لم يحققها كثيرون: أن تكون قوية دون أن تُفقد أنوثتها.

جيورجيو أرماني مع عارضات في عرض ربيع/صيف 2018 بميلانو (رويترز)

مؤسس علاقة الموضة بالسينما

في الثمانينات، ومع انطلاق ثورته الناعمة في عالم الأزياء الرجالية، كانت السينما الباب الذي اختاره لاستقطاب جمهور عالمي. صمم جميع بدلات الممثل ريتشارد غير في فيلم «American Gigolo»، وبفضل هذا العمل تغيّرت قواعد الموضة الرجالية بين ليلة وضحاها. أضفت الألوان الترابية والرماديات جاذبية على الإطلالات، فيما كانت الأكتاف الناعمة تنساب على الجسم بخفة وثقة، فكسرت القواعد التقليدية وأصبحت محط أنظار الجميع. كان هذا الفيلم نقطة انطلاق مشرقة له، إذ أصبح اسم أرماني مرتبطاً بالسينما، وظهرت تصاميمه في نحو 200 فيلم تقريباً، من بينها «وول ستريت» لليوناردو دي كابريو. كما ارتداها نجوم كبار مثل آل باتشينو، وشون كونري، وتوم كروز في السينما وعلى السجاد الأحمر، كلهم وقعوا تحت سحر خطوطه الأنيقة والسلسة.

جيورجيو أرماني خلال عرض «إمبريو أرماني» في ميلانو عام 1998 (أ.ب)

في عام 2005، توسع أرماني رسمياً من تصميم الأزياء الجاهزة إلى عالم «الهوت كوتور» بإطلاقه خط «أرماني بريفيه»، الذي أسر قلوب نجمات السينما. أصبحت له مخلصات مثل كايت بلانشيت، ونيكول كيدمان، وبيونسيه. وكان أرماني، بحسه التجاري الثاقب، يعرف أن هذا الخط أصبح ضرورة في زمن انفتحت فيه أسواق جديدة تتوق إلى قطع فريدة، فحرص على تلبية متطلبات هذه الأسواق وأخذ لنفسه نصيباً من هذه الفرصة الكبيرة.

وتمكن من منافسة من سبقوه بعقود في هذا المجال، ومع ذلك ظل وفياً لجيناته. ابتعد عن بهرجة الألوان وعرض التفاصيل المبالغ فيها، وجعل أزياء هذا الخط مشبعة بالفخامة، متقنة في أدق تفاصيلها، متعاملاً معها بعقلية مهندس معماري وبصيرة جراح تجميل، ليحافظ على التوازن بين الفن والدقة المطلقة.

أشخاص أمام منزل جيورجيو أرماني في ميلانو بعد وفاته عن 91 عاماً (رويترز)

وداعاً الأسطورة

بعد إعلان خبر وفاته، صرح وزير الثقافة الإيطالي أليساندرو جولي قائلاً: «برحيل جيورجيو أرماني، يغيب أحد رموز الثقافة الإيطالية، الذي عرف كيف تحوّل الأناقة إلى لغة عالمية. لقد أعاد بأسلوبه البسيط والمبتكر تعريف العلاقة بين الموضة والسينما والمجتمع».

أما شركته، فأعلنت أنها ستجهز قاعة في ميلانو لإقامة الجنازة يومي السبت والأحد، تليها جنازة خاصة لم يُحدد موعدها بعد، لتبقى ذكرى عرضه الأخير في ميلانو خالدة، ولو من دونه هذه المرة.


مقالات ذات صلة

بريتني سبيرز تبيع حقوق أعمالها الموسيقية

الوتر السادس نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز (أ.ف.ب)

بريتني سبيرز تبيع حقوق أعمالها الموسيقية

باعت نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز حقوق استغلال أعمالها الموسيقية لشركة النشر الموسيقي المستقلة «برايماري ​ويف».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء p-circle 02:00

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

بعد سنوات من التهجّم عليه، تنغمس مغنية الراب نيكي ميناج أكثر فأكثر في دعم دونالد ترمب. فهل هي ساعية خلف الجنسية الأميركية؟ أم أكثر من ذلك؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حيوانات غريبة وغير أليفة على أكتاف المشاهير وفي غرف نومهم

حيوانات غريبة وغير أليفة على أكتاف المشاهير وفي غرف نومهم

غرائب المشاهير تطول حيواناتهم غير الأليفة ولا المألوفة؛ الأمر لا يقتصر على أفعى أو قرد، بل يشمل أسداً وأخطبوطاً وبومة وخنازير وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق فينوس خوري غاتا ابنة بشري بلدة جبران خليل جبران (وسائل التواصل)

رحيل الشاعرة فينوس خوري غاتا صاحبة كل سنة كتاب

عاشت الشاعرة والروائية اللبنانية الفرنكوفونية، فينوس خوري غاتا، حياةً صاخبةً مليئةً بالمتناقضات بين الفرح والألم، والحب والغربة.

سوسن الأبطح (بيروت)

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة السعودية الرياض خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، مع تنوع تشهده بين حي وآخر في الميزات المختلفة، والمظاهر الجاذبة.

وعلى الرغم من وجود إحدى فعاليات «الحوامة» في حي حطين (شمال الرياض) أثناء تصدِّي وزارة الدفاع السعودية لـ4 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه العاصمة، أُقيمت «الحوامة» في الحي ذاته بمشاركة العوائل، والأطفال الذين جابوا البيوت طلباً للحلوى وسط أجواء يغمرها الفرح والبساطة، ويسودها الأمن والاستقرار.

ونظّمت مؤسسة الحوامة هذه الفعالية، التي انطلقت عام 2015 كمبادرة بسيطة بين جيران الحي، وتحولت مع مرور السنوات إلى تجربة مجتمعية ينتظرها كثيرون كل عام.

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

وترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد، وارتبطت هذه المناسبة بعادات الجيران وتقاربهم، قبل أن تتراجع ممارستها مع تغير أنماط الحياة، غير أن إحياءها في مدينة الرياض جاء بدافع من مجموعة من سكان المنطقة لإعادة هذه العادة إلى الواجهة، والحفاظ على هذا الموروث الشعبي من الاندثار، وتلقت توسعاً تدريجياً عاماً بعد آخر.

وقالت نجلاء المنقور، المديرة التنفيذية لـ«الحوامة»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهدف من الفعالية لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يمتد إلى إحياء الموروث الشعبي وتعريف الأجيال الجديدة به، إضافة إلى تعزيز روح الجيرة والتواصل الاجتماعي، خصوصاً في ظل تراجع هذه المظاهر في الحياة اليومية».

وأضافت المنقور أن «رسوم المشاركة، البالغة نحو 185 ريالاً (49 دولاراً)، تمثل مساهمة مجتمعية لدعم إقامة الفعالية، في غياب الرعايات الرسمية»، مشيرةً إلى أنها «تُستخدم لتغطية تكاليف التنظيم، بما في ذلك تجهيز الشوارع، وتركيب الإنارة والزينة، وإعداد أكياس الحلوى والأنشطة المصاحبة، بما يضمن تجربة آمنة ومنظمة للأطفال».

تحولت «الحوامة» من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات (تصوير: تركي العقيلي)

وشهدت «الحوامة» منذ انطلاقتها إقبالاً متزايداً، إذ تحولت من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات، ويتم خلالها توزيع الحلوى على الأطفال والعروض الترفيهية والثقافية المرتبطة بالتراث الشعبي، بالإضافة إلى الشوارع المزينة بالأنوار.

وبحسب المنقور، يحرص كثيرون على تكرار التجربة لما تحمله من أجواء تراثية واجتماعية مميزة، لكن تنظيم الفعالية لا يخلو من التحديات، حيث يحمل كثيراً من الجهد المطلوب لإقامتها سنوياً، ومع ذلك، يواصل فريق عمل المؤسسة الحفاظ على هذا التقليد وإحياءه بروح معاصرة.

وأكدت نجلاء حرصها على إقامة «الحوامة» في كل عام، واستيفاء التراخيص اللازمة من «أمانة الرياض»، إيماناً منها بأهمية استمرار هذا الموروث، مُنوِّهة أنه رغم التحديات، فإن الحماس الذي تبديه الأطفال والعائلات يدفعها إلى مواصلة العمل سنوياً بإصرار وشغف، وتسعى لتطوير الفعالية تدريجياً في السنوات المقبلة، مع الحفاظ على طابعها التراثي.


بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.


محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
TT

محمد سيد بشير: «الست موناليزا» مستوحى من قصة حقيقية

المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)
المؤلف محمد سيد بشير (الشرق الأوسط)

تحدث المؤلف محمد سيد بشير عن كواليس كتابته مسلسل «الست موناليزا»، الذي عُرض في موسم الدراما الرمضاني الحالي، وحقق جدلاً وحضوراً لافتاً، مؤكداً أن «الفكرة بدأت من رغبته في تقديم قضية لها علاقة بالمرأة، وأن هذا الشعور نتج من الحكايات التي تدور من حوله أو اطلع عليها عامة»، كما تحدث بشير عن علاقته بالمخرج محمد سامي، وتفاصيل الأيام الأخيرة من تصوير «الست موناليزا»، خصوصاً بعد وفاة والد الفنانة مي عمر بطلة العمل.

وقال محمد سيد بشير، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت حكاية (الست موناليزا) عندما تم التوافق بيني وبين الفنانة مي عمر على طرح قضية تخص المرأة، وشعرنا أن أحداث (الست موناليزا) هي هدفنا المشترك لتنفيذ الفكرة».

يذكر أن مسلسل «الست موناليزا»، مستوحى من قصة حقيقية، حسبما أكد الكاتب محمد سيد بشير، من بطولة مي عمر، وأحمد مجدي، وشيماء سيف، وسوسن بدر، ومحمد محمود، ومصطفى عماد، وإنجي المقدم، ومحمود عزب، ووفاء عامر، وإخراج محمد علي.

ويصف بشير الفنانة مي عمر بأنها «فنانة محترفة ومهنية جداً، ومن أمهر مَن عملت معهم في الدراما، فهي دؤوبة بشكل لا يوصف، وقبل بداية التصوير جمعتنا جلسات عمل مطولة فيما يتعلق بكل تفاصيل السيناريو، وهذا أفاد الشخصية التي خرجت للناس طبيعية على الشاشة ونالت إعجابهم».

الملصق الترويجي لمسلسل «الست موناليزا» (الشركة المنتجة)

وعن تعمده جذب الناس واستفزازهم عبر إظهار البطلة ساذجة وغبية أحياناً، أوضح بشير أنه عرض الشخصية بكل تفاصيلها، مضيفاً: «لدينا فئات بالمجتمع لا تملك الوعي الكافي، و(موناليزا) كانت طيبة، وليس لديها إدراك بالشخصيات السامة بالمجتمع، ولم تكن ساذجة كما يقال، لذلك كانت ضحية لهم».

ويستكمل بشير حديثه قائلاً: «(موناليزا) كانت تملك مشكلة فقد أسرتها منذ الصغر، ولذلك كانت متعلقة بكل مَن تحبهم وقلقة من فكرة ابتعادهم، وعندما أحبت (حسن) كان لديها هذه الأزمة ولم تكن ترغب في فقدانه، وبالتالي كانت تصدقه وتجد له مبررات طوال الوقت، وهذا الأمر استفز الجمهور الذي يرى المشكلة من منظوره ومدى وعيه وتربيته، ولا يعرفون أن هناك شخصيات بهذا الشكل فعلاً، ويملكون هذا الشعور»، مؤكداً أن الطيبة هي السبب في إيصال بعض الفتيات لمثل هذا المصير والتدمير المعنوي.

وعن استعانته أو تأثره أثناء الكتابة ببعض أبطال حوادث حقيقية شهيرة انتشرت أخيراً على «السوشيال ميديا» من بينها حادث «عروس المنوفية»، خصوصاً شخصيتي «الحماة والزوج»، نفى محمد سيد بشير هذا الأمر، مؤكداً أن «نهاية القصة الحقيقية التي استوحى منها (الست موناليزا) كانت أسوأ مما شاهده الناس، وأن هذا النوع من القصص كثير جداً، فقد عرض علينا بعد المسلسل أسوأ من ذلك وأتمنى ألا يخوض أحد مثل هذه التجربة مطلقاً».

كواليس مسلسل «الست موناليزا» (فيسبوك)

وكشف المؤلف المصري أن نهاية العمل كانت مكتوبة منذ البداية وقبل التصوير، ولم يحصل تعديلات أثناء العرض مثلما يعتقد البعض، مضيفاً: «عندما حدثت أزمة وفاة والد مي عمر، كان قد بقي 3 أيام تصوير ومروا بصعوبة بالغة، ولكن في حقيقة الأمر مي عمر كانت بطلة وقوية، وعلى قدر المسؤولية لاستكمالها التصوير في هذه الظروف، وعلى الرغم من قسوة الموقف لكنها عبرت بالعمل وفريقه لبر الأمان».

وعن حديث البعض عن وجود تدخلات مستمرة بالعمل من ناحية المخرج محمد سامي زوج الفنانة مي عمر، قال بشير إن «المخرج محمد سامي بالنسبة لي (الأب الروحي) وأول عمل لي ضمن ورشة كان من إخراجه، ولم أرَ منه أي تدخلات في (الست موناليزا) بل كان يعطينا رأيه ونتناقش معه ويدعمنا طوال الوقت، كما أنني حريص على التواصل معه دوماً للحديث عن أعمالي»، لافتاً إلى أن «السوشيال ميديا»، بالغت في هذا الجانب، خصوصاً أنه العمل الأول لمي عمر بعيداً عن محمد سامي سواء في الإخراج أو الكتابة.

ونفى محمد سيد بشير أن يكون المؤلف في أي عمل هو العامل الأساسي في تغيير جلد الفنان وتقديمه على الشاشة بشكل مختلف، مؤكداً أنه من أنصار العمل الجماعي، وأن جميع صناع العمل الدرامي يفضلون التغيير عادة، كما أن فريق (الست موناليزا)، كان يرغب في تقديم دراما مختلفة تنال رضا واستحسان الناس».