وهج «الترند» لا يسطع على «البسطاء» طويلاً

«طفلة الشيبسي» الأحدث بعد «عامل النظافة» و«بنت البواب»

الطفلة هايدي حظيت باهتمام كبير (المجلس القومي للطفولة والأمومة)
الطفلة هايدي حظيت باهتمام كبير (المجلس القومي للطفولة والأمومة)
TT

وهج «الترند» لا يسطع على «البسطاء» طويلاً

الطفلة هايدي حظيت باهتمام كبير (المجلس القومي للطفولة والأمومة)
الطفلة هايدي حظيت باهتمام كبير (المجلس القومي للطفولة والأمومة)

بين حين وآخر، يصعد إلى الواجهة «ترند» لأحد البسطاء، ليحوله من شخص عادي بسيط إلى شخص مشهور، يبحث الكثيرون عن أخباره ويتتبعون حكايته، وكانت واقعة «طفلة كيس الشيبسي» هي الأحدث في مصر، ومن قبلها، تصدر «الترند» شخصيات بسيطة، مثل «عامل النظافة» في واقعة محل الكشري، و«ابنة البواب» التي شهدت اهتماماً كبيراً بقصتها، لكن هذا «الترند» لا يلبث أن ينطفئ بعد فترة قصيرة.

«الترند» الأحدث الذي تعيشه مصر حالياً «طفلة الشيبسي»، شهد اهتماماً إعلامياً و«سوشيالياً» كبيراً بالفتاة التي ظهرت في مقطع فيديو وهي تهم بشراء بضاعة من أحد المحال، ولكنها تشاهد رجلاً عجوزاً يبدو عليه أنه محتاج للمساعدة، فأعادت «كيس الشيبسي» الذي أرادت شراءه إلى مكانه، وأعطت الرجل ثمن كيس الشيبسي، في لفتة عطف جعلت الطفلة محل تقدير وتكريم.

ولأن الطفلة دخلت عالم الشهرة عبر الترند، بعد أن كرمها المجلس القومي للطفولة والأمومة، فقد أصبحت ضيفة على الكثير من القنوات والمنصات وحتى المحلات الشهيرة، لدرجة أن البعض تساءل: وماذا عن «الرجل الغلبان» الذي اعتلى هو الآخر قوائم «الترند»، وحكى قصته لوسائل إعلام محلية؟

يقول الخبير بـ«السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، خالد البرماوي، إن هذه الظاهرة تكررت في مصر بشكل لافت، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الاحتفاء باللقطات الإيجابية والأمور التي بها أعمال الخير مهم جداً، ومن المهم للصحافة أن تغطيه، ولكن الاحتفاء الزائد بهذه المواقف يضعها في موضع الأمر المستغرب وغير الطبيعي في المجتمع وهذا غير طبيعي»، وأوضح: «فلو أن فعل الخير البسيط التلقائي الذي قامت به الطفلة يستحق كل هذا الاحتفاء فهذا يعني أنه نادر وغريب على المجتمع، وهذا مؤشر خطر وكارثي».

ولفت البرماوي إلى أن «السرعة والزخم اللذين يتم بهما الاحتفاء بمثل هذه المشاهد عادة ما يقابلهما سرعة في اختفاء الحدث وصاحبه عن قوائم الترند والاهتمام عموماً، وهو خطأ يجب أن تتفاداه وسائل الإعلام، كما يجب التعامل مع الطفلة في الواقعة الأخيرة وفقاً لقواعد خاصة بها؛ لأن هذا الاحتفاء الزائد بفعل بسيط قامت به يمكن أن يؤثر في نفسيتها بالمستقبل».

وشهدت مصر من قبل صعود أكثر من نموذج من الناس البسطاء إلى قوائم «الترند» ثم خفوتهم سريعاً، كان من بينهم حادثة عامل النظافة الذي تعرض للطرد من أحد محلات الكشري بسبب ملابسه، وحظي باهتمام كبير لفترة قصيرة ثم اختفت أخباره.

وتصف أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، صعود أبناء الطبقات الاجتماعية البسيطة إلى صدارة الاهتمام عبر «الترند»، بأنه «أمر جيد يجعلنا نعيد تقييم الدور الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «الاهتمام بهذه الأحداث التي يقوم بها بسطاء يعود إلى التأكيد على قيم معينة مثل العدل أو الرحمة أو المساواة وترسيخها في المجتمع، بعد أن كانت ابتعدت واختفت عن الأنظار، وكأنهم ينعشون ذاكرة المجتمع بهذه الأحداث التي تشير إلى ضرورة إعلاء القيم الإيجابية». وأشارت إلى أن «هذه الظاهرة لا تستمر طويلاً، ولكنهم يحظون بالاهتمام للتأكيد على قضية أو قيمة معينة ثم تنحسر الأضواء عنهم، وهذا أمر طبيعي لأن الرسالة التي وجهوها للمجتمع تكون قد انقضت مدتها».

وشهدت مصر قبل سنوات أيضاً واقعة اشتهرت في عام 2017 لفتاة تدعي مريم، وهي ابنة حارس عقار «بواب»، حصلت على 99 في المائة بالثانوية العامة، وحظيت باهتمام وشهرة كبيرين، وتكريم من العديد من وسائل الإعلام والجهات الرسمية، لكنها سرعان ما انحسر عنها الضوء أيضاً.

ويرى المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «قصص البسطاء تلمع في عيون الناس؛ لأنهم يريدون حكاية من واقعهم العادي بتصرفات عفوية، في محاولة للبحث عن جرعة أمل وتفاؤل تعينهم على استمرار الحياة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «مع بساطة المحتوى المصاحب لهم كفيديو أو منشور أو صورة في ميدان الفضاء الرقمي، تصبح قصصهم سريعة الانتشار والتفاعل، وتكبر كالفقاعة إلى أن تنفجر مع ظهور (ترند) جديد».

ويتابع: «من ثم يتحقق الانطفاء السريع، ويزول أثر انتشارهم؛ لربط الترند بعداد المشاهدات واللقطة والبحث عن جديد يخطف أبصار المتابعين من حدث سياسي أو اقتصادي، وصولاً لعالم الرياضة والفن وفقاً لذائقة هؤلاء المتابعين الذين يجددون بورصة (الترندات) باستهلاك ما يتاح لهم من قصص عبر وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة تجعل البعض يعتبر شهرته من (الترند) ويتفنن في صناعته وتجديده كي لا يغيب عن المشهد».

ويضيف نادي أنه «في حالة البسطاء، يصبحون تحت ضغط يجعل الأثر الإيجابي لقصصهم مدعاة للملل مع السعي ورائهم بكثافة ودعاية بعضها يكون فجاً، ما يجعلهم ينزوون سريعاً، ويختفون لصالح (ترند) آخر جديد».


مقالات ذات صلة

الإعلام الترفيهي صناعة شاقة تزدهر في أيام السلم

إعلام برامج المسابقات والألعاب تتصدر المشهد المرئي الترفيهي (الشرق الأوسط)

الإعلام الترفيهي صناعة شاقة تزدهر في أيام السلم

يجذب الإعلام الترفيهي مختلف الشرائح الاجتماعية عبر برامجه الفنية وبرامج المسابقات والألعاب، فيساهم في تبديد هموم المواطن،

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام شعار «ميتا» (رويترز)

«ميتا» تتجه إلى تقييد نشر الروابط... كيف سينعكس ذلك على عدد الزيارات؟

أعلنت شركة «ميتا» أنها «تختبر فرض قيود على عدد من منشورات الروابط التي يمكن للصفحات والحسابات نشرها شهرياً على (فيسبوك)»،

إيمان مبروك ( القاهرة)
يوميات الشرق ندى المبارك الرئيسة التنفيذية لـ«SRMG» للحلول الإعلامية وعبد الله الحمادي المدير العام لـ«Snapchat» بالسعودية في أثناء توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

«SRMG» و«Snapchat» لشراكة استراتيجية لتعزيز الابتكار الإعلامي ونمو صناع المحتوى

أعلنت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) و«سناب شات» (Snapchat) شراكة استراتيجية تهدف إلى دفع عجلة الابتكار الإعلامي، وتطوير منظومة صُناع المحتوى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شؤون إقليمية عناصر من الدفاع المدني الفلسطيني يزيلون ركام منزل مدمر في خان يونس بجنوب قطاع غزة بحثاً عن جثث فلسطينيين يوم السبت (إ.ب.أ)

للمرة العاشرة... حكومة نتنياهو تطلب تمديد منع دخول الصحافة الأجنبية إلى غزة

للمرة العاشرة على التوالي، تقدَّمت الحكومة الإسرائيلية بطلب للمحكمة العليا لتمديد مهلة الرد على التماس «رابطة الصحافيين الأجانب»؛ للسماح بالدخول الحر لقطاع غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
إعلام التطورات الرقمية تثير معضلات أخلاقية لم تكن موجودة من قبل (رويترز)

هل تعيد التطورات الرقمية تشكيل أخلاقيات الإعلام؟

بينما تتسارع التطورات الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي يبرز السؤال حول مدى تأثير ذلك على القواعد المهنية

فتحية الدخاخني (القاهرة)

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
TT

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية
«منزال» يحتفي بالإرث الطبيعي للدرعية التاريخية

ضمن برامج موسم الدرعية 25 - 26 بالرياض انطلقت، الخميس، تجربة سياحية ترفيهية مستوحاة من جمال الحياة التقليدية وروح الضيافة السعودية العريقة ضمن برنامج «منزال» الذي يجمع بين السياحة البيئية والترفيه الثقافي بموقع يطل على وادي صفار على ضفاف وادي حنيفة. ويستعرض البرنامج، الذي يستقبل زواره يومياً من الساعة الخامسة مساءً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، ملامح الحياة في الدرعية من خلال تجربة متكاملة تعزز الجذب السياحي، وتشمل: سرد القصص التراثية، والاستمتاع بالأجواء الطبيعية، والأمسيات الشعرية، والمأكولات الشعبية، إلى جانب مجموعة من الأنشطة الترفيهية المتنوعة، كالفروسية، والصقارة، ورمي السهام، وتجارب الفلك.

ويضم البرنامج 4 مناطق رئيسية تبرز المكانة التاريخية والحضارية للدرعية بوصفها مهداً للثقافة السعودية، ويقدّم من خلالها تجارب نوعية، من أبرزها تجربة «العلوم» التي تتيح للزوار التعرّف على صناعة الجلود، والسجاد، والأخشاب، إلى جانب تجربة «سلوم» التي تعزز الوعي بالقهوة السعودية، ونباتات الصحراء، وأساليب إشعال الحطب، وحلب الإبل، وصناعة الخيام، في إطار يعكس التراث بأسلوب تفاعلي ترفيهي.

ويقدّم البرنامج تجربة «فارس البادية» التي تمنح الزوار فرصة ركوب الخيل وممارسة الرماية، إضافةً إلى تجربة «الصقارة» التي يتعرّف الزائر من خلالها على فنون الصيد بالصقر العربي، وتجربة «المشرف» التي تتيح تأمل النجوم في سماء الدرعية الصافية؛ ما يعزز السياحة الفلكية، ويوفر أجواءً هادئة في أحضان البيئة الطبيعية.

ويُعد وادي صفار معلماً جيولوجياً وتاريخياً بارزاً، يتميّز بتكويناته الصخرية وأراضيه الزراعية التي شكّلت عبر العصور مصدراً للخير وملاذاً للسكان، وداعماً للزراعة والاستقرار على ضفاف وادي حنيفة، الذي عُرف بوصفه وجهة للتنزّه والاستجمام، لا سيما في فصل الشتاء، كما تبرز أهمية الموقع الاستراتيجية جنوب غربي الدرعية، حيث مثّل منطقة دفاع رئيسية في عهد الدولة السعودية الأولى، وشاهداً حياً على تاريخ راسخ في الوجدان الوطني.

ويأتي موسم الدرعية 25 - 26 بوصفه محطة عالمية تجمع بين السياحة والترفيه والثقافة، إذ يتيح للزوار من داخل المملكة وخارجها خوض رحلة عبر الزمن، لاكتشاف المواقع التراثية العريقة التي شكّلت مركز الثقل السياسي والثقافي للمنطقة، من خلال تجارب متنوعة وعروض مبتكرة بمعايير عالمية، تعكس هوية الدرعية التاريخية، وتمزج بين العراقة النجدية والتطور الذي تشهده المملكة في مختلف المجالات.


تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
TT

تفادياً للسخرية... فنانون مصريون يقاطعون «السوشيال ميديا»

الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)
الفنان أحمد السقا قدم العديد من الأفلام والأعمال الدرامية (حسابه على موقع «فيسبوك»)

أعلن الفنان المصري، أحمد السقا، اعتزاله مواقع التواصل الاجتماعي بعدما وصفه بالسخرية من كلامه والتقليل من شأنه، عقب ظهوره المتلفز في برنامج «واحد من الناس» الذي يقدمه الإعلامي عمرو الليثي، وذلك احتفالاً ببدء العام الميلادي الجديد، خلال حلقة بعنوان «سهرة رأس السنة».

وكتب السقا، عبر حسابه الرسمي على موقع «فيسبوك»، الجمعة: «حسبي الله ونعم الوكيل في كل من سخر وقلل من شأني، وكذبني في كل كلمة وردت على لساني، أنتم خصومي أمام الله»، واختتم منشوره بإعلانه وداع السوشيال ميديا.

وتناول السقا، خلال حديثه في «سهرة رأس السنة»، موضوعات عدة من بينها كواليس علاقته بأولاده، وبزوجته السابقة الإعلامية مها الصغير، وكواليس تصوير بعض أعماله، وكيف تلقى خبر وفاة صديقه الفنان سليمان عيد، حيث أكد السقا أن الفنان الراحل «سيدخل الجنة على مسؤوليتي الشخصية»، والتصريح الأخير عرضه لانتقادات بالغة، عقب تداوله على نطاق واسع بـ«السوشيال ميديا».

وتباينت التعليقات على حساب أحمد السقا بموقع «فيسبوك»، بين مؤيد ومعارض لاعتزاله مواقع التواصل، حيث أكدت تعليقات أن قراره سليم، وأن البعد سيعود عليه بالراحة والهدوء، بينما أشار البعض إلى أن تصريحاته كانت عادية ولا تحتمل كل هذه الانتقادات التي تعرض لها بعالم السوشيال ميديا الذي يضم فئات عدة، وبه الصالح والطالح، إذ طالبه البعض بالحذر فقط، مع اعتراضهم على اعتزاله بشكل نهائي.

ونال ظهور أحمد السقا في «سهرة رأس السنة»، ترحيباً «سوشيالياً» كبيراً، وتصدر هاشتاج «أحلى سهرة مع عمرو الليثي»، «الترند»، على موقع «إكس» بمصر، الجمعة، وأشاد باللقاء والتصريحات عدد كبير من المتابعين، مؤكدين بساطته وإنسانيته، بينما وصف البعض الحلقة بأنها كانت بطعم الفرحة.

الفنان أحمد السقا (حسابه على موقع «فيسبوك»)

وعن رأيه في انتقاد الناس للمشاهير، والسخرية من تصريحاتهم، لدرجة إعلان البعض اعتزال مواقع التواصل لعدم تحملهم ما يجري، وهل الهروب من ساحة السوشيال ميديا أصبح هو الحل أو المواجهة أفضل؟ أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «كل شخص عادي في حياته اليومية مسؤول عما يحدث له بالمقام الأول، وفيما يخص المشاهير، فإن الفنان شخصية عامة، وعادة ما يكون في مرمى الانتقادات والهجوم بشكل أو بآخر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «لذلك البعد والاكتفاء بالظهور الفني هما الصواب في كثير من الأحيان»، لافتاً إلى أهمية «الهروب من ساحة (السوشيال ميديا) بالنسبة للمشاهير الذين لا يجيدون فن التعامل مع الجمهور، أو أن يلتزموا الحذر في تصريحاتهم».

ونوه يسري بأن العلاقة بين المشاهير والناس على مواقع التواصل، خرجت عن سياقها، وأصبحت التصريحات الجدلية سبباً رئيسياً في حالة الصدام والصراع التي انتشرت بشكل مكثف أخيراً.

وقبل أحمد السقا قاطع بعض الفنانين مواقع التواصل مؤقتاً، تفادياً للانتقاد أو السخرية، أو التدخل في حياتهم الشخصية، وكذلك لتجنب التعليقات المسيئة، أو لعدم رغبتهم بالتعامل من خلالها سوى لترويج أعمالهم الفنية، من بينهم شيرين عبد الوهاب، وكريم عبد العزيز، وماجد الكدواني، وغادة عبد الرازق، وغيرهم.

وتعرض أحمد السقا لانتقادات أخرى قبل تصريحات «سهرة رأس السنة»، مثل السخرية من حديثه بالإنجليزية في مقطع فيديو نشره على حساباته بمواقع التواصل، أعلن فيه دعمه لكابتن منتخب مصر، محمد صلاح، في أزمته التي أثيرت حينها مع نادي ليفربول الإنجليزي، إلى جانب الجدل حول منشوراته ومداخلاته الإعلامية خلال أزمته الأخيرة مع طليقته المذيعة مها الصغير.


جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
TT

جورج أبو مهيا: «جيم 1983» امتداد لسيرة جيل كامل في لبنان

المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)
المخرج اللبناني أبو مهيا (الشرق الأوسط)

في فيلمه القصير «جيم 1983»، يعود المخرج اللبناني جورج أبو مهيا إلى بيروت لا بوصفها مدينة حرب فقط، بل بوصفها ذاكرة طفولة، وفضاء للخيال، ومكاناً هشاً يستطيع طفل في السابعة أن يفرض عليه، ولو للحظة، وقفاً لإطلاق النار. الفيلم، وهو عمل رسوم متحركة ثنائية الأبعاد مستوحى من أحداث حقيقية؛ إذ يتتبع رحلة صبي يتجول في شوارع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1983، مستعيناً ببطل خارق تستحضره مخيلته ليهرب من واقع قاسٍ، قبل أن تعيده نهاية الهدنة إلى خوف من نوع آخر ينتظره داخل البيت.

أبو مهيا، المعروف بأعماله التي تمزج الفن البصري بالتعليق السياسي والاجتماعي، لم يتعامل مع «جيم 1983» بوصفه مشروعاً تقنياً بقدر ما رآه امتداداً لسيرة جيل كامل في لبنان؛ ففكرة الفيلم كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، قد «جاءت من المنتج المنفذ جورج مكتبي، الذي حمل في ذهنه قصة شخصية تعود إلى طفولته، حين فقد والده وكان في السابعة من عمره، وكان يلجأ إلى الرسم كوسيلة للنجاة. هذا التقاطع في التجربة خلق رابطاً فورياً بيني وبين المشروع، خصوصاً أننا ننتمي للجيل نفسه، وعشنا في الفترة ذاتها في بيروت».

يشرح المخرج الذي حصل فيلمه على تنويه خاص في مسابقة الأفلام القصيرة بالدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر»، أن تبنّيه للفيلم جاء أيضاً من علاقته الخاصة بالأفلام القصيرة، مستعيداً تأثير فيلم الرسوم المتحركة الشهير «Father and Daughter»، الذي شاهده بعد سنوات قليلة من وفاة والده؛ ذلك الفيلم، الذي يتناول فقدان الأب من منظور طفولي، ترك أثراً عميقاً فيه، وجعله يرى في «جيم 1983» فرصة لصناعة عمل شخصي، يعبر حدود السيرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية.

عُرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في «مهرجان البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

العمل على الفيلم تمّ بروح جماعية؛ إذ شارك أبو مهيا في الكتابة مع جورج مكتبي وفرح شقير. ورغم وجود كتابات أولية قبل انضمامه، فإن القصة، بحسب قوله، قد «بدأت تتشكّل فعلياً خلال النقاشات المشتركة، حيث جرى بناء الهيكل السردي تدريجياً». واعتمد أبو مهيا بشكل أساسي على «ستوري بورد»، معتبراً أن الفيلم يُكتب بالصورة أكثر مما يُكتب بالكلمات، وسعى لتقديم تجربة بصرية يمكن أن يتفاعل معها المشاهد حتى في غياب الحوار.

أصعب ما واجه المخرج اللبناني في التجربة، كما يروي، كان التعبير عن المشاعر المرتبطة بالحرب من دون اللجوء إلى اللغة، فـ«الخوف، والقلق، والترقّب... لا يمكن شرحها مباشرة، بل يجب تحويلها إلى صور وإيقاعات»، على حد تعبيره؛ لذلك لجأ إلى تفاصيل محفورة في الذاكرة ما بين الجدران، والأطفال في الشوارع، ورجال الميليشيات، والرموز البصرية التي شكّلت وجدان تلك المرحلة، كما شكّلت صور المصور رمزي حيدر مرجعاً أساسياً، بوصفها من أكثر الصور رسوخاً في توثيق الحرب الأهلية اللبنانية.

التحدي الآخر الذي يرصده أبو مهيا تمثّل في عامل الزمن، فـ«خلال عشر دقائق فقط، كان علينا أن نقدّم قصة مكتملة، قادرة على ملامسة جمهور لا يشترك بالضرورة في الخلفية الثقافية نفسها؛ لذلك خضت عملية طويلة من الحذف وإعادة البناء، أنجزت خلالها عدداً كبيراً من الرسومات الأولية، بحثاً عن أبسط شكل ممكن يحمل أكبر قدر من المعنى».

يعود الفيلم بقصته إلى ثمانينات القرن الماضي في لبنان (الشركة المنتجة)

استغرق تنفيذ الفيلم نحو عام وشهرين، وكانت مرحلة التحريك الأكثر تعقيداً. يصف أبو مهيا هذه المرحلة بأنها شبه مستحيلة أحياناً؛ إذ تتطلب التفكير في كل حركة على مستوى أجزاء الثانية، حيث تحتوي الثانية الواحدة على أربعة وعشرين إطاراً. ورغم أنه كتب السيناريو، فإن الصورة ظلت الأساس، وكان يختبر المشاهد باستمرار عبر مراقبة فريق العمل، مسجلاً تفاعلهم معها قبل اتخاذ القرار النهائي.

مشاركة «جيم 1983» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي شكّلت محطة مهمة في مسار الفيلم. ورغم أن أبو مهيا لم يتمكن من حضور المهرجان لظروف عائلية، فإنه تابع كل التفاصيل عن بُعد، معتبراً أن التقدير الذي حصل عليه الفيلم علامة إيجابية على وصوله إلى جمهوره المستهدف.

ويرى المخرج أن أفلام الرسوم المتحركة القصيرة باتت تحظى اليوم بمكانة متقدمة في المهرجانات السينمائية، مؤكداً أن «الفيلم القصير أصعب من الطويل، خصوصاً في مجال التحريك؛ إذ يجب اختصار قصة كاملة في دقائق معدودة». في هذا السياق، يولي أبو مهيا أهمية خاصة للموسيقى، التي اعتبرها صوت الفيلم الداخلي.

وفي موازاة هذا الفيلم، يواصل جورج أبو مهيا العمل على مشاريع جديدة في مجال الرسوم المتحركة؛ فبعد إنجازه فيلم «أليفيا 2053»، وهو أول فيلم رسوم متحركة طويل باللغة العربية من إخراجه، يعمل حالياً على تطوير مشروع سينمائي طويل، بالتعاون مع المخرجة نادين لبكي، والملحن خالد مزنّر.