4 كلاسيكيات مصرية في «متروبوليس» تُشعل الذاكرة

سعاد حسني تختم ليالي أغسطس الاحتفالية بسينما تمنح ملاذاً للروح

من القاهرة إلى بيروت... السينما المصرية لا تزال تُضيء وجداننا (الشرق الأوسط)
من القاهرة إلى بيروت... السينما المصرية لا تزال تُضيء وجداننا (الشرق الأوسط)
TT

4 كلاسيكيات مصرية في «متروبوليس» تُشعل الذاكرة

من القاهرة إلى بيروت... السينما المصرية لا تزال تُضيء وجداننا (الشرق الأوسط)
من القاهرة إلى بيروت... السينما المصرية لا تزال تُضيء وجداننا (الشرق الأوسط)

تحوّلت الحديقة الخارجية لسينما «متروبوليس» في بيروت، كلَّ ثلاثاء من أغسطس (آب) الحالي، إلى مسرح لإحياء الذاكرة، حيث عُرضت 4 من كلاسيكيات السينما المصرية في الهواء الطلق. في البدايات، أثقل الحرّ الهواء، وفي منتصف الشهر ازداد ثقلاً حتى اضطرّت إدارة السينما إلى نقل عرض فيلم «العيش والملح» إلى الصالة الداخلية، لتعذُّر احتمال الحرارة. ثم أرسلت نسائم الأسبوع الثالث إشارة خفيفة إلى تغيُّر المواسم، لتكتمل المفارقة في الأسبوع الرابع حين امتلأت المقاعد في الخارج والداخل معاً، والجميع يترقَّب صعود سعاد حسني إلى الشاشة وهي تتمايل وتُغنّي «يا واد يا تقيل» و«خلّي بالك من زوزو»، فتحوّلت الأمسية إلى احتفال جماعي بالذاكرة والسينما.

ليالي أغسطس على شاشة بيروت... الذاكرة تستيقظ بنجوم مصر (متروبوليس)

سعاد حسني على الشاشة... أيقونة تكتب تمرّد جيل كامل (متروبوليس)

سمَّت «متروبوليس» البرمجة عروضاً صيفية، لكنها كانت مبادرة ثقافية استثنائية أعادت ربط بيروت بجذورها السينمائية. ففي مدينة أرهقتها المِحن، يصبح حضور 4 أفلام مصرية مُرمَّمة حدثاً يُذكّرنا بأنّ السينما لا تُختَزل بما تعرضه الصالات التجارية، وإنما أيضاً بما يحيا في الذاكرة ويُعيد تشكيل الذوق. «متروبوليس»؛ هذه المساحة اللبنانية الفريدة بهويتها، أثبتت أنها سينما لا تُشبه غيرها، قادرة أن تُحلِّق بنا بين الآفاق، وتُذكّرنا بأنّ الأفكار الخلّاقة تصون وهج العروض، وتمنحنا أفلاماً نادرة لا تتيحها الصالات المُعتادة.

واقعية «العيش والملح» تؤكد أنّ لقمة الخبز معركة يومية (متروبوليس)

«عفريت مراتي» كوميديا تكشف جدّية صراع المرأة مع السلطة الذكورية (متروبوليس)

لم يكن ترتيب الأفلام اعتباطياً، فقد بدا مثل رحلة عبر التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة. من «انتصار الشباب» (1941) مع أسمهان وفريد الأطرش، حيث الحلم بالمجد الفنّي يعلو فوق قسوة الفقر، نطلُّ على مرحلة السينما الغنائية التي بشَّرت بجيل يرى في الفنّ خلاصاً. ثم «العيش والملح» (1952)، حيث الواقعية الاجتماعية تسود، والسينما تتخلَّى عن رومانسية الأربعينات، لتلتقط وجع الشارع وصوت الطبقة العاملة وصراعها مع اللقمة. هنا لمسنا تحوّل السينما المصرية إلى محاكاة سياسية واجتماعية تُعبّر عن مصر جديدة تبحث عن هوية وذات فاعلة في زمن التحولات الكبرى. وفي «عفريت مراتي» (1968) نجد الكوميديا وقد تحوّلت إلى أداة لمُساءلة المجتمع الذكوري. فصلاح أبو سيف يضع شادية وصلاح ذو الفقار في مواجهة منزلية ساخرة، لكنه في الحقيقة يفضح التوتّر الدائم بين رغبة الرجل في السيطرة وإصرار المرأة على أن تكون كائناً مستقلاً. وبين الضحك والمفارقة، شكَّل الفيلم صرخة مُبطّنة ضدّ سلطة ذكورية تُحوّل المرأة إلى «عفريت» إن لم تخضع.

«انتصار الشباب»... بداية الحلم حين كان الفنّ خلاصاً من الفقر (متروبوليس)

القمّة كانت مع «خلّي بالك من زوزو» (1972). هنا بلغت العلاقة بين الشاشة والجمهور ذروتها. أمام حكاية تجاوزت كونها عن طالبة جامعية ترقص في الأفراح الشعبية لتأمين معيشتها، لتتحوّل إلى رمز جماعي للتمرُّد، أصبح التماهي حتمياً. سعاد حسني في شخصية «زوزو» أيقونة لشباب أراد أن يعيش على طريقته. عيناها المليئتان بالحياة، رقصتها المُشاغبة، صوتها وهي تُغنّي «يا واد يا تقيل»، جعلت الجمهور يذوب في التجربة كأنه يلمح نفسه في «زوزو». الفيلم فكَّك مفارقات المجتمع المصري آنذاك: يُغريه الرقص في الخفاء، لكنه يُدينه في العلن؛ يرفع الأنثى المطيعة إلى مرتبة المثال، ثم يجلدها إنْ كسرت القالب المفروض عليها. «زوزو» صارت صوتاً للحقيقة العارية من الأقنعة، ورمزاً لمجتمع يُمارس الازدواجية على جسد المرأة وروحها.

من «انتصار الشباب» إلى «زوزو»... رحلة أجيال على شاشة بيروت (متروبوليس)

«عفريت مراتي» يضحكنا لكنه يُعرّي هيمنة المجتمع على المرأة (متروبوليس)

في بيروت، بعد نصف قرن تقريباً، ظلّ سحر «زوزو» حاضراً. الجمهور الذي ملأ المقاعد في الداخل والخارج لم يأتِ فقط ليشاهد فيلماً قديماً، وإنما جاء ليستعيد مرحلة من ذاكرته. بين جيل عاش زمن سعاد حسني، وجيل جديد يسمع عنها أكثر مما شاهدها، تجسَّدت لحظة جماعية نادرة يُمثّلها اللقاء بين شاشة من السبعينات وحديقة بيروتية في 2025. كان ثمة رابط عاطفي يتشكّل لا تمنحه سوى السينما المصرية بما لها من حضور في الوجدان العربي. فهي التي رافقت أفراحنا وأحزاننا، وغنَّت لقصصنا الصغيرة والكبيرة. وما بين أسمهان وفريد الأطرش وشادية وسعاد حسني، ندرك أنها كانت بعضاً من تكويننا العاطفي؛ واكبت بدايات وعينا السينمائي، وعلّمتنا أن نُحبّ ونتمرّد ونحلُم.

«خلي بالك من زوزو»... أيقونة التمرّد الشعبي في السبعينات (متروبوليس)

«العيش والملح»... صرخة البسطاء في وجه قسوة الحياة (متروبوليس)

هيّأت «متروبوليس»، فيما تعرض الأفلام، مساحة لقاء بين الفنّ والذاكرة. بين مصر وبيروت. بين الأجيال المختلفة التي اجتمعت تحت سماء واحدة. في الأمسيات الأربع، شعرنا أنّ السينما لا تزال قادرة على أن تكون بيتاً للروح وملاذاً من الضجيج اليومي. ومع كلّ نسمة عَبَرت الحديقة، ومع كلّ ضحكة أو تنهيدة تسرَّبت من الجمهور، تأكّدنا أنّ الأفلام القديمة حاضرٌ حيّ في كلّ مُشاهدة. وهكذا تظلّ السينما مُشبَّعة بالحياة، ما دامت هناك صالة تفتح أبوابها، وجمهور يملأ مقاعدها، وصوتٌ مثل صوت سعاد حسني يجعلنا نُغادر ونحن نغنّي: «خلّي بالك من زوزو»... «زوزو».


مقالات ذات صلة

جو صادر: اخترتُ طريقاً يُشبهني ورفضتُ تقليد الآخرين

يوميات الشرق يخوض جو صادر أولى تجاربه الكوميدية في «بهو الست لميا» (إنستغرام)

جو صادر: اخترتُ طريقاً يُشبهني ورفضتُ تقليد الآخرين

بعد «بهو الست لميا»، يُنتظر أن يظهر جو صادر في مسلسل جديد بعنوان «سكرة الحب»، صُوّر منذ مدّة طويلة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بيرس بروسنان وجوني ديب وأدريان برودي وأنتوني هوبكنز برعوا في الرسم كما في التمثيل

جوني ديب يبيع لوحاته بالملايين وأنتوني هوبكنز يرسم ليشفى... ممثّلون من أمام الكاميرا إلى أمام اللوحة

من أنتوني هوبكنز إلى سيلفستر ستالون مروراً بجوني ديب وغيرهم... نجوم هوليوود يفجّرون مواهب خفيّة بالريشة والألوان.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مايكل دوغلاس وكاثرين زيتا جونز (أ.ب)

مذكرات مايكل دوغلاس... أنهى 5 علاقات في يوم لأجل كاثرين زيتا جونز

لم يكتفِ مايكل دوغلاس باختيار كاثرين زيتا جونز، بل اتصل بـ5 نساء أخريات في يوم واحد ليتأكد من أنها ستكون المرأة الوحيدة في حياته.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

إجماع من الجمهور والنقّاد على مسلسل East of Eden لِما فيه من عناصر تُعيد إلى الذاكرة كبرى الإنتاجات الهوليوودية، والممثلة فلورنس بيو بشخصية «كاثي» تسرق الأضواء.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد مسلسل «القصة الكاملة» (الشركة المنتجة)

ميشيل ميلاد يخرج من عباءة الكوميديا: «معتصم» اختبر قدراتي

ارتبط ميشيل ميلاد بالفنّ منذ طفولته، من خلال الراديو، إذ كان يستمع إلى البرنامج الثقافي الذي يعرض المسرحيات العالمية.

انتصار دردير (القاهرة)

السينما السودانية تحضر في جدة بحكايات الأرض والحرب

من فيلم «ملكة القطن» الذي يُعرض هذا الشهر (سينما حي)
من فيلم «ملكة القطن» الذي يُعرض هذا الشهر (سينما حي)
TT

السينما السودانية تحضر في جدة بحكايات الأرض والحرب

من فيلم «ملكة القطن» الذي يُعرض هذا الشهر (سينما حي)
من فيلم «ملكة القطن» الذي يُعرض هذا الشهر (سينما حي)

من حقول القطن في الريف السوداني، إلى شوارع الخرطوم التي أنهكتها الحرب، تأخذ «سينما حي» في جدة جمهورها، خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، في رحلتين سينمائيتين إلى السودان، عبر الفيلمين؛ الروائي «ملكة القطن»، والوثائقي «الخرطوم»، اللذين يقدمان صورتين مختلفتين عن المجتمع السوداني، تتقاطع فيهما أسئلة الذاكرة والهوية والتحولات الاجتماعية مع مصائر الأفراد، في برنامج يسلط الضوء على السينما السودانية.

ويأتي عرض الفيلمين بعد مشاركتهما في مهرجانات سينمائية دولية بارزة، ضمن برنامج يضم أيضاً الفيلم الفلسطيني «كان ياما كان في غزة»، وعملاً فرنسياً يستعيد بدايات موسيقى الراب في ضواحي باريس، وفقاً لبرنامج عروض هذا الشهر الذي أعلنته «سينما حي» عبر موقعها الإلكتروني.

حكاية من الريف

في فيلم «ملكة القطن»، تمزج المخرجة سوزانا ميرغني بين حكاية النضوج واكتشاف الذات والأثر الممتد للتاريخ الاستعماري. وسجلت ميرغني إنجازاً تاريخياً بوصفها أول امرأة سودانية تُخرج فيلماً يُعرض ضمن الدورة الـ82 من «مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي».

تقع أحداث «ملكة القطن» في قرية سودانية تعتمد على زراعة القطن، حيث تعيش الفتاة «نفيسة» حياة بسيطة بين جني المحصول والتعلّم على يد جدتها، قبل أن يصل رجل أعمال سوداني شاب يهدد بتغيير نمط حياة الأسرة رأساً على عقب. ويأتي الفيلم في 93 دقيقة، وهو إنتاج مشترك بين السودان وألمانيا وفرنسا وفلسطين ومصر وقطر والسعودية، ويُعرض لأول مرة في المملكة، مع استمرار عروضه حتى 5 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

قصص سودانية أصيلة تُعرض في جدة (سينما حي)

الخرطوم وقصص الناجين

وفي مقابل الحياة الريفية التي يصورها «ملكة القطن»، ينقل الفيلم الوثائقي «الخرطوم» المشاهد إلى واقع مختلف، حيث تتشابك حكايات 5 أشخاص يحاولون مواصلة حياتهم في بلد مزقته الحرب. ويرصد العمل أحلام شخصياته وتحدياتها اليومية، في ظل الاضطرابات السياسية والصراع من أجل الحرية والبقاء، مقترباً من أثر الحرب في حياة الأفراد وانعكاساتها على طموحاتهم ومستقبلهم.

ويحمل الوثائقي توقيع مجموعة من المخرجين، هم: أنس سعيد، وراوية الحاج، وإبراهيم سنوبي، وتيماء أحمد، ويوسف جوبة، وفيليب كوكس، في تجربة إخراجية جماعية تجمع رؤى متعددة بشأن المدينة وسكانها. وسبق أن عُرض الفيلم في «مهرجان صندانس السينمائي»، وكذلك في الدورة الـ75 من «مهرجان برلين السينمائي الدولي» عام 2025، قبل وصوله إلى الجمهور السعودي ضمن عروض حصرية تستمر حتى مطلع الشهر المقبل.

ويقدم الفيلمان صورتين متباينتين للسودان؛ إحداهما تستعيد الحياة الريفية وعلاقة السكان بالأرض والتقاليد، والأخرى تنشغل بتداعيات الحرب على حياة الأفراد. ورغم اختلاف الأسلوبين بين الدراما الروائية والسينما الوثائقية، فإنه يجمعهما الاهتمام بالتحولات التي يشهدها المجتمع السوداني، وانعكاساتها على مصائر شخصياته.

غزة والكوميديا السوداء

ومن السودان إلى فلسطين، يعرض البرنامج فيلم «كان ياما كان في غزة»، للمخرجَين الشقيقَين طرزان وعرب ناصر، الذي حصد جائزة «أفضل إخراج» في قسم «نظرة ما» خلال الدورة الـ78 من «مهرجان كان السينمائي» عام 2025.

تدور أحداث الفيلم عن «يحيى»، الذي تنشأ بينه وبين «أسامة»، صاحبِ أحد المطاعم، صداقة تقودهما إلى العمل معاً في بيع المخدرات خلال توصيل الطلبات، قبل أن تتعقد الأمور إثر مواجهة مع شرطي فاسد. ويمزج الفيلم بين الدراما والكوميديا السوداء، وهو يُعرض لأول مرة في المملكة ضمن برنامج «سينما حي»، مع استمرار عروضه حتى 5 ديسمبر المقبل.

موسيقى التمرد الفرنسية

أما السينما الفرنسية، فتحضر من خلال فيلم «سوبريم» للمخرجة أودري إستروغو، ضمن «عروض النادي السينمائي الشهري» لـ«المعهد الثقافي الفرنسي» في «سينما حي». ويعود الفيلم إلى فرنسا مطلع التسعينات، عندما تصاعدت التوترات بين الشرطة والشباب في ضواحي باريس، وبرزت موسيقى الـ«هيب هوب» وسيلة للتعبير عن الغضب والاحتجاج الاجتماعي. ومن خلال سيرة الشابين «جوي ستار» و«كول شين»، يستعيد العمل نشأة فرقة «سوبريم إن تي إم»، التي أصبحت من أبرز فرق الراب الفرنسية، وصوتاً لجيل وجد في الموسيقى مساحة للتعبير عن واقعه. وسبق أن عُرض الفيلم في الدورة الـ74 من «مهرجان كان السينمائي» عام 2021، ويجمع بين الدراما والسيرة الموسيقية، مستعيداً مرحلة شهدت تحولات اجتماعية وثقافية في فرنسا.


بطاريات جديدة أكثر أماناً وأطول عمراً

غشاء هلامي شبه صلب غير قابل للاشتعال يتيح نقل أيونات الفلوريد داخل البطاريات عند درجة حرارة الغرفة (جامعة البوليتكنيك في ميلانو)
غشاء هلامي شبه صلب غير قابل للاشتعال يتيح نقل أيونات الفلوريد داخل البطاريات عند درجة حرارة الغرفة (جامعة البوليتكنيك في ميلانو)
TT

بطاريات جديدة أكثر أماناً وأطول عمراً

غشاء هلامي شبه صلب غير قابل للاشتعال يتيح نقل أيونات الفلوريد داخل البطاريات عند درجة حرارة الغرفة (جامعة البوليتكنيك في ميلانو)
غشاء هلامي شبه صلب غير قابل للاشتعال يتيح نقل أيونات الفلوريد داخل البطاريات عند درجة حرارة الغرفة (جامعة البوليتكنيك في ميلانو)

طوّر باحثون في إيطاليا غشاءً بوليمرياً مبتكراً قد يمهد لتصنيع بطاريات لا تعتمد على الليثيوم، وغير قابلة للاشتعال، وتتمتع بقدرة نظرية على تخزين طاقة تعادل نحو ضعفي ما تخزنه بطاريات الليثيوم أيون التقليدية، ما يفتح الباب أمام جيل جديد من البطاريات الأكثر أماناً واستدامة.

وجاء الابتكار على يد فريق بحثي من قسم الكيمياء وعلوم وهندسة المواد بجامعة البوليتكنيك في ميلانو؛ إذ نجح الباحثون في تصميم غشاء هلامي شبه صلب، غير قابل للاشتعال، يسمح بانتقال أيونات الفلوريد داخل البطارية عند درجة حرارة الغرفة. ونُشرت نتائج الدراسة، الجمعة، بدورية «Energy Storage Materials».

ويتمثل أبرز ما توصل إليه الباحثون في تطوير غشاء يتيح استخدام أيونات الفلوريد بدلاً من أيونات الليثيوم في نقل الشحنات الكهربائية داخل البطاريات، وهو ما قد يقلل الاعتماد على الليثيوم، الذي يتطلب استخراجه ومعالجته موارد طبيعية وعمليات صناعية ذات تأثير بيئي. وتتميز بطاريات الفلوريد، التي لا تزال قيد التطوير، بإمكانية الاعتماد على مواد أكثر وفرة في الطبيعة مقارنة بالليثيوم، فضلاً عن انخفاض مخاطر اشتعالها، ما قد يجعلها خياراً واعداً لأنظمة تخزين الطاقة المتجددة.

وقال الباحث الرئيسي للدراسة، ماوريتسيو سانسوتيرا، من جامعة البوليتكنيك في ميلانو، إن إنتاج مصادر الطاقة المتجددة يبلغ ذروته في أوقات لا تتزامن بالضرورة مع فترات ارتفاع الاستهلاك، ما يجعل تخزين الطاقة أمراً ضرورياً لضمان الاستفادة منها عند الحاجة. وأضاف عبر موقع الجامعة أن دولاً أوروبية تعمل على تطوير أنظمة لتخزين الكهرباء المولدة من المصادر المتجددة، لكن انتشار هذه الأنظمة لا يزال يواجه تحديات، من بينها مخاطر الحرائق المرتبطة بالبطاريات التقليدية. وأوضح أن الغشاء البوليمري الجديد غير قابل للاشتعال، ما يقلل مخاطر نشوب الحرائق، فضلاً عن اعتماده على عنصر متوافر في الطبيعة على نطاق واسع.

مزايا متعددة

ولا تقتصر مزايا التقنية الجديدة على تعزيز الأمان، بل قد تتيح أيضاً إنتاج بطاريات أخف وزناً وأكثر قدرة على تخزين الطاقة. ووفقاً للباحثين، يمكن أن تصل كثافة الطاقة النظرية لهذه البطاريات إلى نحو 600 واط/ساعة لكل كيلوغرام، مقارنة بنحو 150 إلى 250 واط/ساعة لكل كيلوغرام في بطاريات الليثيوم أيون التقليدية.

وأشار الباحثون إلى أن تحقيق هذه الكثافة قد يسمح للسيارات الكهربائية بقطع مسافات تصل إلى ضعف ما تقطعه حالياً بالشحنة الواحدة، وإن كان ذلك يظل احتمالاً مرتبطاً بإمكانية الوصول إلى هذه المستويات في البطاريات العملية. وقد لا تقتصر التطبيقات المحتملة لهذه التقنية على السيارات الكهربائية، بل تشمل أيضاً أنظمة تخزين الطاقة، والطائرات المسيّرة، والأقمار الصناعية، والطائرات.

ومن المزايا المهمة للغشاء الجديد أنه يسمح بانتقال أيونات الفلوريد عند درجة حرارة الغرفة، دون الحاجة إلى تسخين البطارية مسبقاً لتحسين حركة الأيونات داخلها. وأوضح الباحثون أن الأجيال السابقة من بطاريات أيونات الفلوريد كانت تتطلب درجات حرارة تتراوح بين 100 و150 درجة مئوية لتعزيز التوصيل الأيوني، وهو ما كان يؤدي إلى استهلاك جزء من الطاقة المخزنة في صورة حرارة.

وخلصوا إلى أن هذا التطور يمثل خطوة مهمة نحو تطوير جيل جديد من البطاريات يجمع بين كثافة الطاقة المرتفعة، والأمان الأكبر، وتقليل الاعتماد على الليثيوم، مع آفاق لاستخدامه مستقبلاً في قطاعات النقل والطيران وتخزين الطاقة المتجددة.


كيف غزت «فتيات يوشيتومو نارا» ذوات الرؤوس الكبيرة العالم؟

شخصيات يبدعها يوشيتومو نارا تثير الرهبة وتبعث البهجة (غاليري ديفيد زويرنر)
شخصيات يبدعها يوشيتومو نارا تثير الرهبة وتبعث البهجة (غاليري ديفيد زويرنر)
TT

كيف غزت «فتيات يوشيتومو نارا» ذوات الرؤوس الكبيرة العالم؟

شخصيات يبدعها يوشيتومو نارا تثير الرهبة وتبعث البهجة (غاليري ديفيد زويرنر)
شخصيات يبدعها يوشيتومو نارا تثير الرهبة وتبعث البهجة (غاليري ديفيد زويرنر)

باتت الفتيات ذوات الرؤوس الكبيرة والعيون الواسعة، اللواتي جعلْن الفنان الياباني يوشيتومو نارا واحداً من أكثر فناني القرن الحادي والعشرين شعبية، حاضرات في كل مكان تقريباً، إذا عرف المرء أين يبحث عنهن، حسب «سي إن إن» الأميركية.

يمكن العثور على هذه الشخصيات على القمصان وألواح التزلج، وعلى شكل ملصقات تزيّن زجاجات المياه، أو في أعمال نحتية ضخمة للفنان تحتل مساحات لافتة. بل يمكن العثور عليهن أيضاً مرسومات بخطوط واثقة وحادة نفذها الفنان بنفسه على جدران حانة متواضعة في مانهاتن زارها عام 2009.

غاضبة، وحقودة، ومشاكسة، وملولة، وحائرة... تبدو شخصيات نارا غامضة، لكنها في الوقت نفسه واضحة التعبير وسهلة القراءة. فهي تجمع بين أسلوب الفنان البصري المميز وقدرتها اللافتة على نقل المشاعر والتأثير في المتلقي.

واليوم، تواصل شخصيات نارا اجتياح آفاق جديدة، مع تنظيم معرض استعادي لأعماله في غاليري ديفيد زويرنر، في أول معرض فردي رئيسي له بمدينة نيويورك منذ نحو عقد.

ويتزامن المعرض مع معرض آخر لأعماله في متحف هيرشهورن وحديقة النحت في واشنطن العاصمة، ويضم مجموعة من الأعمال الجديدة التي لم يسبق عرضها، إلى جانب أعمال أقدم.

وتتراوح المعروضات بين رسومات صغيرة للغاية على قصاصات ورقية ممزقة، وصور شخصية ضخمة غنية بالألوان، تبدو عيون شخصياتها المتوهجة كأنها تلاحق الزائر أينما تحرك داخل القاعة.

وفي ليلة افتتاح معرض زويرنر، الخميس، اصطف محبو الفنان لأكثر من ساعة، في طابور امتد على مسافة شارعين، فيما حمل بعضهم المظلات اتقاءً للأمطار.

وكان الحضور في معظمه من الشباب، الذين بدوا شديدي الاهتمام بالموضة والأناقة؛ إذ لم تخلُ الحقائب من دمى «لابوبو» المتدلية منها، وهي شخصيات تتميز بدورها بعيون كبيرة تستحضر، إلى حد ما، أسلوب نارا الفني، فضلاً عن أحذية الباليه ذات تصميم «تابي» المميز.

وعلى بُعد محطات قليلة بمترو الأنفاق، في حانة «نياجارا» الواقعة في حي إيست فيليدج، والتي ترك نارا رسوماته على جدرانها قبل أكثر من عقد، توافد المعجبون تباعاً في زيارات أشبه برحلات الحج الفنية، سواء قبل افتتاح المعرض أو بعده، حسب أحد العاملين في الحانة.

وهناك، اكتشف الزوار مجموعة من الرسومات التعبيرية التي تصور شخصيات نارا وهي تعزف الموسيقى بحماس، وقد أصبحت هذه الرسومات اليوم محمية خلف ألواح بلاستيكية.