تطلعات سعودية لتحويل مواقع التراث الصناعي إلى وجهات ثقافية

«خط التابلاين» و«جاكس» سجلا بوصفهما أول مواقع تراث صناعي

سجلت هيئة التراث خط أنابيب النفط القديم «التابلاين» بوصفه أول موقع تراث صناعي يتم تسجيله رسمياً في المملكة (واس)
سجلت هيئة التراث خط أنابيب النفط القديم «التابلاين» بوصفه أول موقع تراث صناعي يتم تسجيله رسمياً في المملكة (واس)
TT

تطلعات سعودية لتحويل مواقع التراث الصناعي إلى وجهات ثقافية

سجلت هيئة التراث خط أنابيب النفط القديم «التابلاين» بوصفه أول موقع تراث صناعي يتم تسجيله رسمياً في المملكة (واس)
سجلت هيئة التراث خط أنابيب النفط القديم «التابلاين» بوصفه أول موقع تراث صناعي يتم تسجيله رسمياً في المملكة (واس)

تتطلع السعودية لتحقيق ريادة عربية في تسجيل مواقع التراث الصناعي لديها، والالتحاق بالقائمة الدولية التي سبقت إلى توثيق مواقع ونقاط انطلاق الحركة الصناعية في بواكيرها، والاحتفاء بتأثيرها الثقافي والاجتماعي، ومساهمتها في تحقيق التنمية والنهضة الشاملة ببلدان العالم.

ويشمل التراث الصناعي، الإنجازات الاجتماعية والهندسية التي صنعها الإنسان بعد الثورة الصناعية، ويشمل بقايا الثقافة الصناعية التاريخية القيّمة، والأبعاد التكنولوجية أو الاجتماعية أو المعمارية أو العلمية، ويتكون من المنشآت، والآلات، والورش، والمصانع، والطواحن، والمناجم، ومواقع التنقيب وعمليات التنقية، والمستودعات، وأماكن توليد واستخدام الطاقة، والبنى التحتية، إضافة إلى مناطق الأنشطة الاجتماعية المرتبطة بالصناعة؛ مثل الإسكان، ودور العبادة، والتعليم.

وقال خالد الحميدي، المختص في التراث الوطني السعودي، إن إدراك الهيئات المعنية بالسعودية لأهمية توثيق وحصر مواقع التراث في تعزيز وزيادة معدلات التنمية والتطور في البلاد، انعكس على ما يشهده هذا القطاع من تطور كبير، وذلك من خلال المشاريع والبرامج التي تقوم عليها نخبة من الباحثين في حصر التراث والمباني والمواقع التاريخية بتصنيفاتها المختلفة، الأمر الذي يسّر لها الطريق لانضمامها في قوائم التراث العالمي التابعة للمنظمات الدولية، وعلى رأسها «اليونيسكو».

وأشار الحميدي إلى أن الاتجاه للاهتمام بهذه المواقع الثمينة، وتضمينها القوائم العالمية، لفت انتباه الأجيال الجديدة إلى مكانة هذا التراث وأهميته لبلدانهم وإرثها الوطني، وتعزيز ارتباط الأجيال بهذه المواقع.

وحثّ المختص في التراث على تبني مجموعة من التوصيات التي يقترحها لزيادة الاستثمار في هذه النوافذ التاريخية والوطنية، ومن ذلك ترميمها بشكل جيد، يحاكي ما كانت عليه في صورتها الأصلية لزيادة مستوى الدقة في تفاصيلها، وتعزيز حضورها في منصات الإعلام المختلفة، للتعريف بها و⁠لفت الأنظار إليها.

ونصح الحميدي بتمكين الزوار من الدخول إلى مواقع التراث الوطني، والوقوف على تفاصيلها من كثب، وليس الاكتفاء بالاطلاع عليها من الخارج، وذلك ضمن آليات معينة تحفظها من التلف أو العبث، وأخيراً تطوير تذكارات خاصة وتصاميم مصغرة، لبيعها في متاجر الزوار، لتعميق الارتباط بها.

مسابقة وطنية للتراث الصناعي

في عام 2019، أطلقت وزارة الثقافة السعودية برنامج «التراث الصناعي» لبناء شبكة تعنى بحفظ التراث الصناعي السعودي، من خلال تخليد أثر المنشآت الصناعية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإظهارها للمجتمع بوصفها معالم أثرية لإبراز دور النهضة السعودية في الصناعة العالمية.

ويسعى البرنامج إلى إعادة تأهيل المنشآت، وتسويقها بوصفها وجهات ثقافية وسياحية، انطلاقاً من الاهتمام بدعم جميع جوانب التعبير الثقافي في السعودية، المادية منها وغير المادية، ويشمل ذلك التراث بكل أنواعه، الذي يعد أحد قطاعاتها الستة عشر.

وضمن البرنامج، نظمت مسابقة وطنية لرعاية التراث الصناعي، تتضمن إطلاق تحديات تهدف إلى إشراك وتحفيز كل فئات المجتمع لإبراز التاريخ الصناعي في السعودية، وذلك من خلال اكتشاف المعالم الصناعية، وتوثيق تاريخها المادي والاجتماعي.

وأثمرت المسابقة عن تسليط الضوء على مواقع تاريخية ذات علاقة بالنهضة الصناعية السعودية، كما زادت الوعي بهذا النوع من التراث الذي يشمل كل ما يتعلق بالإنجازات الاجتماعية والهندسية التي صنعها الإنسان بعد الثورة الصناعية.

أوائل مواقع التراث الصناعي في السعودية

في نهاية عام 2020، سجلت هيئة التراث خط أنابيب النفط القديم «التابلاين» في سجل التراث الصناعي الوطني، ليكون أول موقع تراث صناعي يتم تسجيله رسمياً في المملكة، تقديراً لأهميته التاريخية ولدلالاته التنموية والاقتصادية المرتبطة بمرحلة بدايات صناعة النفط.

جاء ذلك بعد مبادرة الأمير بدر بن فرحان، وزير الثقافة، واستجابة الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة في السعودية، بإيقاف أعمال إزالة خط أنابيب «التابلاين»، لتمكين هيئة التراث من دراسته وتوثيقه، حيث تولت الهيئة مسؤولية دراسة الموقع وتسجيله.

وأعدت هيئة التراث بطاقة التسجيل المبدئي لـ«التابلاين» بوصفه أول موقع تراث صناعي من بين المواقع الصناعية التي تم حصرها في مختلف مناطق المملكة، تمهيداً لصيانتها والمحافظة عليها لأهميتها الثقافية، ولاستثمارها ضمن المعالم الحضارية، لتحكي قصة الصناعة والنمو والتطور الاقتصادي في المملكة.

ويعد خط أنابيب النفط «التابلاين» من أهم معالم التراث الصناعي في المملكة، ويمتد من شرق المملكة إلى شمالها، وقد بدأ إنشاؤه عام 1948 بأمر من الملك عبد العزيز، ولا تزال بقايا الخط شاهدة على بدايات الصناعة النفطية في المملكة.

وانضم حي جاكس بمحافظة الدرعية، شمال غربي الرياض، إلى قائمة مواقع التراث الصناعي السعودي، الذي تحول من حيّ يغصّ بالمستودعات الصناعية، إلى واحد من أهم المواقع الإبداعية المُلهمة، ومساحة حيوية لدعم الفن والفنانين، وتحوّل أحد أكبر أحياء منطقة الدرعية غرب العاصمة السعودية، إلى مجتمع فني متنوع، بأثر مباشر من مساعي السعودية لتحويل مواقع التراث الصناعي إلى وجهات ثقافية.


مقالات ذات صلة

الهدوء المُخادِع... بركان يوناني يُخزّن الصهارة منذ 100 ألف عام

يوميات الشرق بركان يُخبّئ ناره بصبر (أ.ب)

الهدوء المُخادِع... بركان يوناني يُخزّن الصهارة منذ 100 ألف عام

اكتشف علماء أن بركان «ميثانا» في اليونان، الذي لطالما ساد الاعتقاد بأنه خامد منذ مئات الآلاف من السنوات، تتراكم أسفله كميات هائلة من الصهارة...

«الشرق الأوسط» (أثينا)
يوميات الشرق رسالة عابرة للمحيط فتحت للإنسان صوتاً يصل بعيداً (متحف ماركوني)

رسالة عبر الأطلسي غيَّرت العالم... بثّ 1926 أطلق عصر الاتصالات

قبل قرن، غيَّرت رسالةٌ أُرسلت عبر المحيط الأطلسي إلى مقاطعة سومرست، طريقة التواصل في العالم...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق أحلامها بعيدة عن الإعلام والفن (أديل جمال الدين)

أديل جمال الدين: لا ألهث وراء الشهرة... وأحلامي أبعد من الإعلام

اشتهرت أديل بلكنتها الشمالية التي أضفت نكهة خاصة على أدائها الكوميدي، مؤكدة أنها جزء من شخصيتها وتفخر بانتمائها إلى منطقة الكورة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)

تقرير: انشغال طيارين بالتصوير انتهى باصطدام مقاتلتين في سيول

كشف تقرير رسمي أن طائرتين مقاتلتين كوريتين جنوبيتين اصطدمتا في الجو عام 2021 بسبب قيام الطيارين بالتقاط صور ومقاطع فيديو.

«الشرق الأوسط» (سيول)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.