آن ماري جاسر لـ«الشرق الأوسط»: «فلسطين 36» مقاومة فنية ضد الاحتلال

المخرجة أعربت عن سعادتها لتمثيل الفيلم بلادها في «الأوسكار»

المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر (الشرق الأوسط)
المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر (الشرق الأوسط)
TT

آن ماري جاسر لـ«الشرق الأوسط»: «فلسطين 36» مقاومة فنية ضد الاحتلال

المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر (الشرق الأوسط)
المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر (الشرق الأوسط)

قالت المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر إن رحلتها مع فيلمها الجديد «فلسطين 36» لم تكن مجرد مغامرة سينمائية، بل كانت أقرب إلى مقاومة طويلة النفس، حملت خلالها عبء الذاكرة ومرارة الحاضر.

الفيلم الذي ينطلق عرضه العالمي الأول ضمن عروض «الجالا» في مهرجان «تورونتو السينمائي» الشهر المقبل في كندا، هو دراما تاريخية تستحضر لحظة مفصلية من تاريخ فلسطين، وتضيء على مرحلة الانتداب البريطاني من خلال قصة إنسانية كثيفة المشاعر والتفاصيل، ورشحته فلسطين مؤخراً لتمثيلها في مسابقة «الأوسكار».

ظافر العابدين في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

أوضحت جاسر لـ«الشرق الأوسط» أن العمل على الفيلم استغرق ثماني سنوات، بدأت خلالها بالكتابة والبحث، مستعينةً بخيط رفيع من الذكريات، ومحاولة التعمق في سنوات الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت عام 1936، مشيرةً إلى أن السنوات الأولى خصصت للتأمل وتكوين صورة داخلية عن ذلك الزمن، بينما استغرق التحضير العملي نحو عشرة أشهر متواصلة، شملت بناء مواقع التصوير، وتصميم الأزياء، وتجهيز المشاهد التفصيلية، قبل أن تقف الحرب في وجه المشروع.

وكشفت المخرجة أن الاستعدادات كانت توشك على الاكتمال حين اندلعت الحرب، فتوقف كل شيء فجأة، تتذكر هذه اللحظات قائلةً: «بدا وكأن الريح أطاحت جهد السنين في لحظة واحدة، ثم عاد المشروع ليُستأنف بعد أشهر، قبل أن يتوقف مجدداً لأسباب أمنية ولوجستية، إلى أن أصبح الفيلم واقعاً بعد محطات طويلة من التوقف والاستئناف، امتدت لعامين».

وأشارت إلى أن المواقع الأصلية التي خُطط لتصوير الفيلم فيها كانت كلها داخل فلسطين، وقد تم اختيارها بدقة كبيرة لتتناسب مع روح المرحلة، مضيفة: «بُنيت مواقع تصوير كاملة داخل القرى، وتمّت زراعة الأرض، وحيكت الملابس يدوياً لتواكب تفاصيل تلك الفترة، غير أن الظروف السياسية والعسكرية دفعت الفريق إلى استكمال التصوير في الأردن، ثم العودة مجدداً إلى فلسطين لتصوير المشاهد الختامية».

الفيلم شهد مشاركة نحو مائة ممثل (الشركة المنتجة)

ورأت أن فقدان المكان الأصلي كان جرحاً يصعب التئامه سريعاً، لأن جزءاً من جوهر الفيلم يكمن في تفاعله مع الأرض الفلسطينية نفسها، لكنها في الوقت ذاته أكدت أن الغربة لم تضعف الروح، بل شددت من عزيمة الفريق ورفعت من حس التحدي.

وأشارت إلى أن اختيار طاقم الفيلم كان بمثابة تحدٍ كبير، لكنها أصرت على أن يحمل المشروع روحاً عربيةً خالصةً في التمثيل. تشكّل الطاقم من ممثلين من أنحاء مختلفة في العالم العربي، فإلى جانب صالح بكري، الذي تربطها به علاقة فنية طويلة، شارك في الفيلم يافا بكري، وردة عيلبوني، ورد حلو، وكريم عناية داود، وبعضهم خاض تجربته الأولى أمام الكاميرا.

أما الفنان التونسي ظافر العابدين، فتقول المخرجة الفلسطينية إنها اختارته لدور «أمير» لامتلاكه مزيجاً نادراً من الطيبة والجاذبية والبراءة، وهي الصفات التي كانت تبحث عنها في الشخصية مشيرة إلى أن تعدد اللهجات كان من أبرز التحديات، إلا أن العابدين تمكن من تجاوزها بمساعدة مدرب لهجات من القدس رافقه طوال فترة التحضير.

وفي قلب الفيلم، تتبع القصة خط يوسف، الشاب الذي يتنقل بين منزله الريفي ومدينة القدس المتأججة، باحثاً عن مخرج من واقع يزداد تعقيداً تحت الاحتلال البريطاني. يوسف ليس مجرد شخصية درامية، بل يمثل حالة رمزية لجيل من الفلسطينيين الذين حلموا بوطن حر ومستقبل أفضل.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً بمهرجان تورنتو (الشركة المنتجة)

وتؤكد المخرجة الفلسطينية أن بناء شخصية «يوسف» تم بروح روائية قريبة من الشعر، وإن الفيلم حرص على أن يُظهر هذا التناقض بين الحنين إلى حياة بسيطة والاصطدام بواقع سياسي متفجر. من خلال هذه الشخصية، يطرح الفيلم أسئلة عن الهوية والانتماء والمعنى، في لحظة حاسمة من التاريخ.

وأكدت أن فيلم «فلسطين 36» لم يكن مجرد إنتاج سينمائي ضخم، بل مشروع حياتها، مشيرةً إلى أن الفريق أعاد بناء قرية فلسطينية بالكامل من الصفر، وصنع مركبات تعود لتلك الحقبة، واهتم بأدق تفاصيل الديكور والأزياء، التي حيكت يدوياً لتناسب روح الثلاثينيات، لافتةً إلى أن العمل ضم أكثر من مائة ممثل، بالإضافة إلى 300 فني خلف الكاميرا ما جعل تجربة الإنتاج واحدة من أصعب وأضخم التجارب التي خاضتها على الإطلاق.

وكشفت المخرجة أن الصعوبات لم تكن لوجستية أو فنية فقط، بل كانت نفسية وإنسانية أيضاً، مشيرة إلى أن صنع فيلم بهذا الحجم في ظل ما وصفته بـ«الإبادة الجماعية» التي تطول الفلسطينيين، كان أمراً بالغ القسوة، فلم تكن تتوقع أن تضطر إلى استكمال مشروعها بينما وطنها يُقصف، وحياتها مهددة، والذاكرة تُسحق يوماً بعد يوم.

وقالت إن الألم رافقها في كل لحظة، من التحضيرات حتى المونتاج، ومع ذلك، كان الفيلم بالنسبة لها شكلاً من أشكال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وشهادة بصرية على زمن لا ينبغي أن يُنسى معربة عن سعادتها بانطلاق الفيلم من مهرجان تورونتو السينمائي، ورأت أن عرض الفيلم في قسم «الجالا» يُعد تتويجاً لرحلة شاقة، وفرصةً لإيصال الصوت الفلسطيني إلى جمهور عالمي متنوع.

تم تصوير الفيلم بين فلسطين والأردن (الشركة المنتجة)

ورغم الترحيب العالمي، شددت على أن الظروف السياسية لم تكن يوماً عاملاً مساعداً في عرض الرواية الفلسطينية. مؤكدةً أن هناك جدراناً من العزلة والممانعة تُقام باستمرار لإسكات أي سردية فلسطينية حقيقية، خصوصاً إذا خرجت من قلب الأرض المحتلة.

وتطرقت إلى الدعم الذي تلقاه الفيلم من «صندوق البحر الأحمر»، والذي كان له تأثير بالغ الأهمية، إذ مثّل أول دفعة تمويل حقيقية ساعدتها على الانطلاق بثقة نحو تنفيذ المشروع، مؤكدةً أن هذا الصندوق أثبت نفسه بوصفه منصة داعمة للسينما العربية، قادرة على احتضان مشاريع طموحة وغير تقليدية.

واعتبرت أن دعم الصندوق لم يكن مادياً فقط، بل كان رسالة رمزية بأنها ليست وحدها، وأن هناك من يؤمن بضرورة أن ترى هذه الحكاية النور.

وعبرت المخرجة الفلسطينية عن سعادتها بترشيح فيلمها لتمثيل فلسطين في «الأوسكار» ليكون معبراً عن جانب من معاناة الفلسطينيين التاريخية.

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

يوميات الشرق فيلم «اعترافات سفاح التجمع» مستوحى من قصة حقيقية (الشركة المنتجة)

«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

عاد فيلم «اعترافات سفاح التجمع» لصالات العرض السينمائية في مصر بعد حصوله على الموافقات الرقابية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

أفلام سينمائية مصرية تحقق تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية

حققت أفلام سينمائية مصرية تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية بصورة أكبر مما حققته عند عرضها بالصالات السينمائية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)

الموت يُغيب المخرج والناقد المصري أحمد عاطف

غَيَب الموت المخرج والناقد المصري أحمد عاطف عن عمر ناهز 55 عاماً، إثر إصابته بمرض السرطان.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

انتقدت شركة «مصر للطيران» الناقل الوطني بمصر مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2» الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية.

أحمد عدلي (القاهرة)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.