آن ماري جاسر لـ«الشرق الأوسط»: «فلسطين 36» مقاومة فنية ضد الاحتلال

المخرجة أعربت عن سعادتها لتمثيل الفيلم بلادها في «الأوسكار»

المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر (الشرق الأوسط)
المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر (الشرق الأوسط)
TT

آن ماري جاسر لـ«الشرق الأوسط»: «فلسطين 36» مقاومة فنية ضد الاحتلال

المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر (الشرق الأوسط)
المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر (الشرق الأوسط)

قالت المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر إن رحلتها مع فيلمها الجديد «فلسطين 36» لم تكن مجرد مغامرة سينمائية، بل كانت أقرب إلى مقاومة طويلة النفس، حملت خلالها عبء الذاكرة ومرارة الحاضر.

الفيلم الذي ينطلق عرضه العالمي الأول ضمن عروض «الجالا» في مهرجان «تورونتو السينمائي» الشهر المقبل في كندا، هو دراما تاريخية تستحضر لحظة مفصلية من تاريخ فلسطين، وتضيء على مرحلة الانتداب البريطاني من خلال قصة إنسانية كثيفة المشاعر والتفاصيل، ورشحته فلسطين مؤخراً لتمثيلها في مسابقة «الأوسكار».

ظافر العابدين في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

أوضحت جاسر لـ«الشرق الأوسط» أن العمل على الفيلم استغرق ثماني سنوات، بدأت خلالها بالكتابة والبحث، مستعينةً بخيط رفيع من الذكريات، ومحاولة التعمق في سنوات الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت عام 1936، مشيرةً إلى أن السنوات الأولى خصصت للتأمل وتكوين صورة داخلية عن ذلك الزمن، بينما استغرق التحضير العملي نحو عشرة أشهر متواصلة، شملت بناء مواقع التصوير، وتصميم الأزياء، وتجهيز المشاهد التفصيلية، قبل أن تقف الحرب في وجه المشروع.

وكشفت المخرجة أن الاستعدادات كانت توشك على الاكتمال حين اندلعت الحرب، فتوقف كل شيء فجأة، تتذكر هذه اللحظات قائلةً: «بدا وكأن الريح أطاحت جهد السنين في لحظة واحدة، ثم عاد المشروع ليُستأنف بعد أشهر، قبل أن يتوقف مجدداً لأسباب أمنية ولوجستية، إلى أن أصبح الفيلم واقعاً بعد محطات طويلة من التوقف والاستئناف، امتدت لعامين».

وأشارت إلى أن المواقع الأصلية التي خُطط لتصوير الفيلم فيها كانت كلها داخل فلسطين، وقد تم اختيارها بدقة كبيرة لتتناسب مع روح المرحلة، مضيفة: «بُنيت مواقع تصوير كاملة داخل القرى، وتمّت زراعة الأرض، وحيكت الملابس يدوياً لتواكب تفاصيل تلك الفترة، غير أن الظروف السياسية والعسكرية دفعت الفريق إلى استكمال التصوير في الأردن، ثم العودة مجدداً إلى فلسطين لتصوير المشاهد الختامية».

الفيلم شهد مشاركة نحو مائة ممثل (الشركة المنتجة)

ورأت أن فقدان المكان الأصلي كان جرحاً يصعب التئامه سريعاً، لأن جزءاً من جوهر الفيلم يكمن في تفاعله مع الأرض الفلسطينية نفسها، لكنها في الوقت ذاته أكدت أن الغربة لم تضعف الروح، بل شددت من عزيمة الفريق ورفعت من حس التحدي.

وأشارت إلى أن اختيار طاقم الفيلم كان بمثابة تحدٍ كبير، لكنها أصرت على أن يحمل المشروع روحاً عربيةً خالصةً في التمثيل. تشكّل الطاقم من ممثلين من أنحاء مختلفة في العالم العربي، فإلى جانب صالح بكري، الذي تربطها به علاقة فنية طويلة، شارك في الفيلم يافا بكري، وردة عيلبوني، ورد حلو، وكريم عناية داود، وبعضهم خاض تجربته الأولى أمام الكاميرا.

أما الفنان التونسي ظافر العابدين، فتقول المخرجة الفلسطينية إنها اختارته لدور «أمير» لامتلاكه مزيجاً نادراً من الطيبة والجاذبية والبراءة، وهي الصفات التي كانت تبحث عنها في الشخصية مشيرة إلى أن تعدد اللهجات كان من أبرز التحديات، إلا أن العابدين تمكن من تجاوزها بمساعدة مدرب لهجات من القدس رافقه طوال فترة التحضير.

وفي قلب الفيلم، تتبع القصة خط يوسف، الشاب الذي يتنقل بين منزله الريفي ومدينة القدس المتأججة، باحثاً عن مخرج من واقع يزداد تعقيداً تحت الاحتلال البريطاني. يوسف ليس مجرد شخصية درامية، بل يمثل حالة رمزية لجيل من الفلسطينيين الذين حلموا بوطن حر ومستقبل أفضل.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً بمهرجان تورنتو (الشركة المنتجة)

وتؤكد المخرجة الفلسطينية أن بناء شخصية «يوسف» تم بروح روائية قريبة من الشعر، وإن الفيلم حرص على أن يُظهر هذا التناقض بين الحنين إلى حياة بسيطة والاصطدام بواقع سياسي متفجر. من خلال هذه الشخصية، يطرح الفيلم أسئلة عن الهوية والانتماء والمعنى، في لحظة حاسمة من التاريخ.

وأكدت أن فيلم «فلسطين 36» لم يكن مجرد إنتاج سينمائي ضخم، بل مشروع حياتها، مشيرةً إلى أن الفريق أعاد بناء قرية فلسطينية بالكامل من الصفر، وصنع مركبات تعود لتلك الحقبة، واهتم بأدق تفاصيل الديكور والأزياء، التي حيكت يدوياً لتناسب روح الثلاثينيات، لافتةً إلى أن العمل ضم أكثر من مائة ممثل، بالإضافة إلى 300 فني خلف الكاميرا ما جعل تجربة الإنتاج واحدة من أصعب وأضخم التجارب التي خاضتها على الإطلاق.

وكشفت المخرجة أن الصعوبات لم تكن لوجستية أو فنية فقط، بل كانت نفسية وإنسانية أيضاً، مشيرة إلى أن صنع فيلم بهذا الحجم في ظل ما وصفته بـ«الإبادة الجماعية» التي تطول الفلسطينيين، كان أمراً بالغ القسوة، فلم تكن تتوقع أن تضطر إلى استكمال مشروعها بينما وطنها يُقصف، وحياتها مهددة، والذاكرة تُسحق يوماً بعد يوم.

وقالت إن الألم رافقها في كل لحظة، من التحضيرات حتى المونتاج، ومع ذلك، كان الفيلم بالنسبة لها شكلاً من أشكال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وشهادة بصرية على زمن لا ينبغي أن يُنسى معربة عن سعادتها بانطلاق الفيلم من مهرجان تورونتو السينمائي، ورأت أن عرض الفيلم في قسم «الجالا» يُعد تتويجاً لرحلة شاقة، وفرصةً لإيصال الصوت الفلسطيني إلى جمهور عالمي متنوع.

تم تصوير الفيلم بين فلسطين والأردن (الشركة المنتجة)

ورغم الترحيب العالمي، شددت على أن الظروف السياسية لم تكن يوماً عاملاً مساعداً في عرض الرواية الفلسطينية. مؤكدةً أن هناك جدراناً من العزلة والممانعة تُقام باستمرار لإسكات أي سردية فلسطينية حقيقية، خصوصاً إذا خرجت من قلب الأرض المحتلة.

وتطرقت إلى الدعم الذي تلقاه الفيلم من «صندوق البحر الأحمر»، والذي كان له تأثير بالغ الأهمية، إذ مثّل أول دفعة تمويل حقيقية ساعدتها على الانطلاق بثقة نحو تنفيذ المشروع، مؤكدةً أن هذا الصندوق أثبت نفسه بوصفه منصة داعمة للسينما العربية، قادرة على احتضان مشاريع طموحة وغير تقليدية.

واعتبرت أن دعم الصندوق لم يكن مادياً فقط، بل كان رسالة رمزية بأنها ليست وحدها، وأن هناك من يؤمن بضرورة أن ترى هذه الحكاية النور.

وعبرت المخرجة الفلسطينية عن سعادتها بترشيح فيلمها لتمثيل فلسطين في «الأوسكار» ليكون معبراً عن جانب من معاناة الفلسطينيين التاريخية.

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

سينما فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.