فن الحكاية البصرية: ثلاث قيمات سعوديات يروين تجربتهن

حوار مع سارة المطلق وحفصة الخضيري ونورة القصيبي

من معرض «السفارة الافتراضية» من تقييم سارة المطلق (واس)
من معرض «السفارة الافتراضية» من تقييم سارة المطلق (واس)
TT

فن الحكاية البصرية: ثلاث قيمات سعوديات يروين تجربتهن

من معرض «السفارة الافتراضية» من تقييم سارة المطلق (واس)
من معرض «السفارة الافتراضية» من تقييم سارة المطلق (واس)

في زخم الحركة الفنية السعودية، تبرز أسماء لفنانين وأعمال ومعارض، كما يتردد اسم «القيم الفني» الذي يتولى إخراج المعرض للجمهور عبر رؤية فنية خاصة تُسلّط الضوء على الأعمال.

تلمع أسماء عدد من القيمات السعوديات اللاتي دخلن المجال وتولين مسؤولية تنسيق معارض مختلفة، أبرزن من خلالها أصواتاً فنية صاعدة، وساهمن في تعزيز الحوار المستمر بين الفنان وجمهوره.

في هذا السياق، أجرت «الشرق الأوسط» حوارات مع ثلاث قيمات سعوديات صاعدات: حفصة الخضيري، ونورة القصيبي، وسارة المطلق.

من هو القيم الفني؟

بالنسبة لحفصة الخضيري فقد كان التقييم الفني هو الصوت الذي أرادت به رواية قصتها. أما نورة القصيبي فهدفها أن تملأ العالم بحوارات ملونة عن مجتمعها وتاريخه، واختارت التقييم الفني ليكون وسيلتها. أما سارة المطلق فكان حبها للبحث هو مفتاحها إلى العالم.

حفصة الخضيري التقييم الفني ورواية القصص (خاص)

في حديثهن، ترفع القيمات الستار عن كواليس التحضير للمعارض الفنية، بكل ما تنطوي عليه من جماليات وتحديات، ويشاركن تجاربهن بوصفهن قيمات فنيات، ويُجبن عن سؤال مركزي: من هو القيم الفني؟

تجيب حفصة: «القيم الفني هو راوٍ». تصور المعرض الفني بالقصة، والأعمال الفنية هي أدوات القيم لسرد هذه القصة. أما نورة القصيبي فتراه وسيطاً يدرس ويحلل التاريخ والثقافة والفنون ثم يترجمها إلى مواضيع تقدم فهماً مختلفاً للمتلقي.

ومن وجهة نظر سارة، ينقسم عمل القيم الفني إلى جزأين: أحدهما يرتبط بالفن والثقافة والفلسفة، والآخر بإدارة المشروع.

سارة المطلق البحث هو المفتاح (خاص)

وتسرد لنا بعض المهام الرئيسة للقيم الفني: «إنتاج فكرة المعرض واختيار الفنانين ومساعدتهم على تطوير أعمالهم، وأيضاً التنسيق مع فريق التصميم وفريق إدارة المعرض وغير ذلك من المهام».

الدور الأهم

هناك العديد من الأدوار التي يقوم بها القيم الفني، لكن ما الدور الأكثر أهمية بالنسبة لهم؟ يتفقن في إجابتهن أن دعم الفنان هو الدور الأهم. توضح حفصة: «القيم يدعم الفنان نفسياً، كذلك ينصت إليه ويهدئ شكوكه ويشاركه التفكير محاولاً أن ينظر من زوايا مختلفة، ليس فقط ليفهم القيم ما الذي يريده الفنان، وإنما أيضاً ليستطيع الفنان أن يتعمق أكثر في المفهوم الذي يريد أن يقدمه لجمهوره».

وترى سارة أن القيم الفني يجب أن يدرس اللحظة الفنية وتفاعل الفنان مع المتغيرات المجتمعية.

أما نورة، فتؤكد أهمية إيجاد السياق الذي يلامس اهتمامات المتلقي، والحفاظ على الإرث الفكري والمادي.

نورة القصيبي وحلم تنفيذ حوارات ملونة عن مجتمعها وتاريخه (خاص)

ما هي الاستراتيجية الأمثل في التعامل مع الفنانين؟ تجيب نورة: «احترام الفنان وعمله، وطرح الأسئلة لدراسة اختياراته». أما حفصة فتقول: «أتعامل بطريقة ودية، وكوني كاتبة أحب أن أبدأ عملي بإجراء مقابلة مع الفنان لفهم رؤيته». وتشير سارة إلى أن الاستراتيجية تختلف من فنان لآخر، ولكن الاهتمام الحقيقي يُسهم في بناء الثقة.

تحديات

من خلال الحديث تتبدى الصعوبة التي ينطوي عليها عمل القيم الفني، ومن هنا يأتي السؤال عن التحديات، يبُحْن بأنها عديدة، لكن أكبرها كما تشارك نورة هو الوقت. فالبحث المتعمق ومحاولة فهم الأفكار تصطدم دائماً بمواعيد محددة للمعارض، وما يثير قلقها على وجه التحديد هو أن يؤثر ضيق الوقت على روح المعرض وعمق أفكاره، وبالتالي تتأثر تجربة المتلقي.

ومن أهم التحديات، كما تذكر حفصة، النقد واختلاف الآراء حول المعرض، ثم تضيف: «ما يؤرقني ويسرق النوم من عيوني هو أن أكون سبباً في حزن فنان أو أن يظهر عمله مغايراً للمفهوم الذي يرغب في تقديمه لجمهوره».

عمل للفنانة هيفاء القويز من معرض «تحت الإنشاء» من تقييم حفصة الخضيري (إنستغرام)

رحلة التحضير

أما عن المرحلة الأكثر حميمية خلال رحلة التحضير للمعرض، فيتفقن على البدايات، تقول سارة: «أستمتع جداً بمرحلة إنتاج الفكرة؛ لأن فيها الكثير من البحث وتبادل الأفكار والتواصل مع الفنانين». أما نورة فينتابها «شعور لا يوصف» حين ترى أن الخيالات والنقاشات في المراحل الأولية تحولت إلى واقع ملموس في المرحلة النهائية. ومن ناحيتها تستمتع حفصة بزيارة مرسم الفنانين والدخول لعوالمهم السرية والمجهود المشترك للتعبير عن مفهوم الفنان.

عمل للفنانة زهرة الغامدي من معرض «تعاودني خيالات» بمشاركة القيمة الفنية نورة القصيبي (معهد مسك للفنون)

تشترك القيمات الثلاث في أن لديهن خبرة أكاديمية في العمارة، ما يطرح تساؤلاً عما إذا كانت دراسة هذا المجال مهمة لممارستهن، تبادر سارة بالإجابة: «أملك ولاء كبيراً للعمارة، فعند التعمق في دراسة العمارة تجد أنها تتقاطع بشكل ما مع الفلسفة». وترى أنها تساعدها على تكوين فهم للمساحة والتقنيات المطلوبة لإنتاج العمل، وأيضاً في الجانب التصميمي، وحتى في مرحلة بناء البحث. لكن حفصة تقدم لنا وجهة نظر مغايرة تقلل من دور دراسة العمارة في صقلها كقيم فني وتحيلنا مرة أخرى لفكرة أن المعرض هو حكاية، والمجالات التي تخصصت فيها مثل الأدب والثقافة المعاصرة والإدارة وكذلك الجانب الإبداعي من دراسة الطباعة، هي التي تساعدها على رسم أحداث حكاياتها. نورة تقف على مسافة واحدة بين الرأيين وتؤكد أن القيم الفني في البداية هو باحث، ودراستها للعمارة والإدارة وتاريخ الفن ساهمت في فهم الثقافة والفن وعملية التقييم، لكنها ترى أيضاً أن التقييم الفني بحر تصب فيه معارف من شتى المجالات.

المحطة الأهم

من معرض «السفارة الافتراضية» من تقييم سارة المطلق (واس)

ننهي حوارنا عند المحطة الأهم، وهي يوم افتتاح المعرض. ما هو المعيار الذي يحددن من خلاله نجاح المعرض؟ توضح حفصة أن المقياس يختلف بحسب الأهداف، وتضرب مثلاً بمعرض عملت عليه في مدينة العلا تحت عنوان «تحت الإنشاء»، قائلة: «كنت مهتمة بشكل خاص بزيارة أهل العلا، وعندما لمست سعادتهم به تيقنت أن هدفي تحقق»، لكن تبقى فرحة الفنان هي المقياس الأهم بالنسبة لحفصة. تتفق سارة مع ذلك وتضيف: «تطوير الأعمال، وأن يساهم المعرض في ارتقاء مسيرة الفنان، بالإضافة إلى القدرة على خلق تجربة تفتح للزائر أبواباً جديدة». أخيراً، تشارك نورة رأيها بأنها تطمح بطبيعة الحال إلى وضع الزائر في تجربة ممتعة، ولكن إثارة فكر المتلقي وتحفيزه لطرح الأسئلة حتى السلبي منها، هو أيضاً معيار على نجاح المعرض.


مقالات ذات صلة

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

يوميات الشرق من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، ويدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات اكتشاف أساطير المرأة والأرض.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

القميص قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية بالليونة والبناء الهندسي...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً (مسك للفنون)

«على امتداد الطريق»... 34 فناناً يُعيدون رسم معنى السفر في الرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».


في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
TT

في آخر مصانع النسيج اللبنانية... خيوط الذاكرة لم تنقطع

إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)
إبرة حفظت من أعمار العاملين ما لا تحفظه سجلات المصانع (الشرق الأوسط)

لا تزال الآلات تدور في مصنع «كاتبه» للنسيج بمنطقة الحدث، والخيوط تعبُر مراحل الإنتاج، والأيدي تعرف طريقها إلى القماش. على مساحة ألفَي متر مربّع، تستمر صناعة تراجعت في لبنان حتى غدت مصانعها العاملة استثناءً. وفي هذا المكان الذي احتفظ بصوت الآلات وحركة العمّال، اختارت منصة «فراغمنتا» الثقافية أن تبدأ حكاية «قميص»، مشروعها الثاني الذي يتّخذ من قطعة نرتديها يومياً مدخلاً إلى تاريخ صناعة النسيج في لبنان، وما تختزنه من معارف وحِرف وذاكرة إنسانية.

ألوان ونقوش تحفظ شيئاً من تاريخ النسيج اللبناني (الشرق الأوسط)

تحت رعاية وزارة الثقافة، جمع لقاء «خيوط المعرفة» شخصيات من الأوساط الثقافية والصناعية والنسيجية داخل مصنع «كاتبه»، تمهيداً لمعرض «قميص... شذرات من اللباس» المُرتقب في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء اختيار المصنع من صميم فكرة المشروع الذي تنطلق فيه مؤسِّستا «فراغمنتا» نور نجم وغيلين إلياس من الأشياء المألوفة للبحث في المعارف الإنسانية والتقنية والتاريخية التي تقف وراءها.

القميص في نظرهما قطعة تجمع الأجيال والمهن والطبقات الاجتماعية، بالليونة والبناء الهندسي. وراءه، رحلة طويلة تبدأ بالألياف والخيوط، وتمرّ بالنسيج والآلات والخياطة، وصولاً إلى الأيدي التي تمنحه شكله النهائي. ومن هذه الرحلة يتفرَّع مشروع «قميص» إلى 5 فصول مترابطة تتناول أصول المواد والبناء والتفسيرات المعاصرة، والحوار مع الصنّاع والذاكرة والأرشيف.

ذاكرة النسيج مطويّة بين صفحات من قماش (الشرق الأوسط)

ويحمل مصنع «كاتبه» جانباً من تاريخ الصناعة اللبنانية التي أدّت حتى سبعينات القرن الماضي دوراً أساسياً في الاقتصاد المحلّي. ففي عام 1974، شكَّلت الصناعات التحويلية نحو 18 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، وكانت صناعة النسيج من القطاعات الراسخة آنذاك. ثم جاءت الحرب والتحوّلات الاقتصادية وتبدُّل الأسواق، وتراكمت الأزمات التي أضعفت هذا الإنتاج.

وسط التراجع، بقي المصنع الذي تُديره اليوم العائلة في جيلها الرابع، ممثَّلاً بطوني كاتبه، شاهداً على استمرارية المعرفة الصناعية. فهو ينتج الأقمشة البسيطة النسج والمناشف القطنية، وتَشغَل أقمشة القمصان نحو 40 في المائة من إنتاجه الحالي، فيما تتوزَّع النسبة المتبقّية على منتجات أخرى.

تبدأ العملية بخيوط تُستورَد من مورّدين مُعتَمدين، ثم تُلفّ وتُنسَج وتُغسَل وتُستَكمل مراحل تجهيزها داخل المصنع، حيث تتعاقب الآلات والعمل اليدوي حتى يتحوّل الخيط إلى قماش.

خيوط تنتظر أن تمنحها الآلات شكلاً وحياة (الشرق الأوسط)

بالنسبة إلى طوني كاتبه، يرتبط الحفاظ على المصنع بمسؤولية إنسانية واجتماعية. فالمشروع الذي بدأ مع جدّه وانتقل بين أجيال العائلة، لا يزال يؤمّن للعاملين فيه مصدر رزق واستقراراً لعائلاتهم، ويحفظ خبرات مَن أمضوا أعمارهم في هذه المهنة، لتُنقل حكاية الصناعة على ألسنة الذين عاشوها وأسهموا في بقائها.

ومن هذه الحكاية التي يرويها المصنع بأهله وآلاته، تنطلق «فراغمنتا» للبحث عمّا بقي من صناعة النسيج اللبنانية، وما يمكن أن تقدّمه خبراتها للمستقبل. فنور نجم وغيلين إلياس تريان في المهارات والمعارف التي صمدت رغم تراجع القطاع مادةً يمكن البناء عليها وإعادة إدخالها في ممارسات التصميم والإنتاج المعاصرة، بما يمنح هذه الذاكرة فرصة للتجدُّد والانتقال إلى أجيال مقبلة.

وتسعى «فراغمنتا» إلى نقل هذه المعارف بين الحرفيين والمصمّمين والباحثين، وإيجاد مساحات يلتقي فيها أصحاب الخبرة الصناعية بالممارسات الفنّية والتصميمية الحديثة. وتقوم مشاريعها على البحث في المواد والأشياء التي تحمل شيئاً من تاريخ المنطقة وثقافتها، وما تكشف عن علاقة الإنسان بالصناعة والحرفة. وقد اختارت في دورتها الثانية القميص، بما يختزنه من ذاكرة صناعة النسيج اللبنانية والعاملين فيها.

صفحات من قماش تختزن سنوات من الحرفة وتحوّلاتها (الشرق الأوسط)

وفي احتضان «كاتبه» إطلاق المشروع، تأكيدٌ على أهمية العودة إلى الأماكن التي احتفظت بمعارفها الصناعية، وإلى الأشخاص الذين توارثوا هذه الخبرات وحافظوا عليها رغم التحوّلات التي شهدها لبنان. فالمصنع الذي لا يزال ينتج حتى اليوم، يضع أمام «قميص» تاريخاً يمكن قراءته من خلال العمل، وأيضاً العاملين الذين يعرفون أسرار هذه المهنة.

يُفتتح المعرض أمام الجمهور في 28 نوفمبر المقبل، ويستمر حتى 5 يناير (كانون الثاني) 2027، في معمل تكرير السكّر المهجور بمنطقة الزلقا شمال بيروت؛ ليُعيد «قميص» إلى الأشياء التي نرتديها وجوهَ الذين صنعوها، وإلى الأيدي التي أمضت أعمارها في هذه المهنة شيئاً من حقّها في الذاكرة. فالقماش الذي يُرافقنا من دون أن نفكّر في حكايته، مرَّ يوماً بين أصابع تعرف أسرار الخيط والآلة، وحمل معه شيئاً من أعمار أصحابها. وللخيط عمرٌ آخر حين يُغادر المصنع؛ يواصل حياةً بدأها آخرون، ويصير بعض أقرب الأشياء إلينا، فيما تبقى أيديهم بعيدة عن العيون.