«شغلة فكر» لغبريال يمّين: الإبهار المسرحي بأدواته وموضوعاته

تتضمَّن 9 قصص من بطولة 13 ممثلاً

غبريال يمّين يجمع في «شغلة فكر» بين ممثلين محترفين ومواهب صاعدة (الشرق الأوسط)
غبريال يمّين يجمع في «شغلة فكر» بين ممثلين محترفين ومواهب صاعدة (الشرق الأوسط)
TT

«شغلة فكر» لغبريال يمّين: الإبهار المسرحي بأدواته وموضوعاته

غبريال يمّين يجمع في «شغلة فكر» بين ممثلين محترفين ومواهب صاعدة (الشرق الأوسط)
غبريال يمّين يجمع في «شغلة فكر» بين ممثلين محترفين ومواهب صاعدة (الشرق الأوسط)

إذا ما بحثنا عن معنى كلمة «فكر» لوجدناها تعكس إعمال العقل في المعلوم، للوصول إلى معرفة المجهول. وهو ما يقف وراء تحليلات ونقاشات ترافقنا يومياً، ومن خلاله ندخل في استنتاجات، فنحلّ مشكلاتنا أو نزيدها تعقيداً.

المخرج والكاتب المسرحي غبريال يمّين لجأ إلى الفكر بكونه مرآةً تعكس ما يدور في الخيال، ولإبراز أهميته عند البشر، فقدَّم توليفة فنّية تجمع بين الفانتازيا والواقع. وفي «شغلة فكر»، عنوان عمله الجديد على مسرح «مونو» في بيروت، يُشرِّح لهذا المكوّن؛ وعلى طريقته يُترجم قدرات العقل ومهاراته في 9 قصص، لتؤلّف 9 عروض مسرحية قصيرة يؤدّي بطولتها 13 ممثلاً. وعلى مدى نحو ساعتَيْن من الوقت، يتلقّفها الجمهور مثل أطباق شهية، فيخرج من الصالة ترافقه حالة من الشبع والتخمة. وهي نتاج أفكار غنيّة بموضوعات إنسانية يتناولها العمل؛ وقد جمعها يمّين ضمن ديكورات مُبهرة تسهّل عملية هضمها وامتصاصها.

طلال الجردي في دور «الرجل الدنجوان» (الشرق الأوسط)

المسرحية يقتبسها يمّين من «ذا غود دكتور» للكاتب المسرحي الأميركي نيل سايمون، لَبْنَنَها بأسلوبه السهل الممتنع لتتناسب مع إيقاع حياة اللبنانيين. كما يمكن لموضوعاتها أن تنسجم مع أي مجتمعات أخرى، غربية أو عربية. وتستمر عروضها على خشبة «مونو» حتى 17 يوليو (تموز) الحالي.

تحكي المسرحية عن كاتب مسرحي (طلال الجردي) يبحث عن فكرة لعمل جديد، فيأخذ الحضور برحلة بين أفكاره التي يتخيّلها مباشرة على المسرح، وتتحوّل نصوصاً مُترجمة بشخصيات من لحم ودم. وكل فكرة من التسع التي تدور في رأسه تُشكّل ولادة لحكايات قصيرة، بينها ما يحكي عن القهر والظلم، وأخرى عن الحبّ والغبن والتقدُّم في العمر، وغيرها.

ومن اللحظة الأولى لانطلاقة العمل، يُحاول يمّين بخبرته المسرحية حمل الجمهور على بساط ريح ذكي. وهو ما يجعل هذه الرحلة الفنّية حالة ممتعة بأدواتها ومكوّناتها، فتلامس أعماق الذين يشاهدونها من جهة. كما ترسم الابتسامة على شفاههم من جهة ثانية، فتبرز نكهة يمّين المسرحية بشكل مباشر. ويشعر مُشاهد المسرحية بأنه يتابع عملاً أجرى فيه المخرج والكاتب اللبناني إسقاطات على شخصيّته الحقيقية. وهذا الأمر يلمسه عن قرب في أكثر من مشهد، وتبدو واضحة في أغنية تُلوّن مشهداً معيّناً يخرج فيه صوت يمّين مؤدّياً.

طارق تميم في أحد مَشاهد المسرحية (الشرق الأوسط)

ومن خلال هذا العرض، يعطي يمّين فرصة لمواهب تمثيلية شابة اختارها من بين طلّابه الجامعيين، فيجمع هذه المواهب مع ممثلين محترفين، صانعاً خلطة ذكية بين الخبرة و«المرّة الأولى». فوقف كل من عامر فيّاض، وعلي بليبل، وكريس حداد، وكاتي يونس، ومابيل طوق، وماييف ليشا إلى جانب طلال الجردي، وطارق تميم، وسلمى شلبي، وألّفوا معاً مشهدية فنّية تتلوّن بقدرات مختلفة، وهو ما زوَّد العمل بقيمة فنّية شابة مُرصَّعة بخبرات احترافية.

وبغضّ النظر عمّا إذا كان طول المسرحية خدمها أو أسهم في التقليل من حماسة مُشاهدتها، فإنّ «شغلة فكر» ارتقت بأدواتها عن غيرها من الأعمال المقدَّمة على مسرح لبنان اليوم. فتميَّزت بديكوراتها ولوحاتها المُطعَّمة بالغناء والموسيقى والرقص. كما أعطت مساحة لا يُستهان بها للكوميديا، ولكن من دون مبالغة. في الوقت عينه، حضَّت مُشاهدها على التفكير في الرسائل التي تحملها، فراح يكتشفها الواحدة تلو الأخرى تماماً كما «تريند» الـ«أنبوكسينغ» الرائجة اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فكلّ قصة من قصص المسرحية كانت بمثابة صندوق هدية ينتظر مُتلقّيها اكتشاف ما في داخله. وعلى وَقْع المفاجأة التي يتلقّاها، يُصفّق لمحتواها تارة، ويتعاطف مع رنين الإنسانية البالغة فيها تارة أخرى.

وكما في اسكتشات الموظّف المسكين، ومربّية الأولاد، والرجل «الدنجوان»، كذلك في قصص أخرى، تعلو حرارة تفاعل الجمهور في الصالة مع أبطال العمل.

مشهد من مسرحية «شغلة فكر» على مسرح «مونو» في بيروت (الشرق الأوسط)

أما قصة «السعادة المتأخّرة» التي تدور بين رجل وامرأة متقدّمين في العمر يجلسان على مقعد خشبي في متنزه، فتركت أثرها الكبير في الحضور. ساد المسرح الصمت التام لشدّة انجذاب المُشاهد إلى حواراتها، وكذلك إلى لوحاتها الفنّية الرقيقة التي ولَّدت أجواء مسرحية تختلف عن باقي قصص العمل.

ولم يفُت يمّين التطرّق إلى الهموم الراهنة، وفي مقدّمتها ما يتعلّق بـ«المودع اللبناني»، فقدّم قصة صاخبة عن هذا الموضوع تمثَّلت بالحركة والصراخ لرفع الصوت وإيصال الرسالة للمسؤولين. في حين اعتمد في مشهد «الرجل الدنجوان» على حوارات ذكية، فقدَّم نموذجاً للرجل المحبوب من النساء، ولكن بأسلوب راقٍ لا يُشبه المستهلَك الرائج.


مقالات ذات صلة

مصر: «القومي للمسرح» لتجاوز «أزمة التكريمات» بالتركيز على جودة العروض

يوميات الشرق الدورة الـ19 تشهد تنوعاً كبيراً في العروض (إدارة المهرجان)

مصر: «القومي للمسرح» لتجاوز «أزمة التكريمات» بالتركيز على جودة العروض

يسعى مسؤولو «المهرجان القومي للمسرح المصري»، في دورته الـ19، التي ستُقام في الفترة من 25 يوليو (تموز) الحالي، وحتى 11 أغسطس «آب» المقبل.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق أفنان الخضر حصلت على جائزة أفضل ممثلة (الشرق الأوسط)

الفنانة السعودية أفنان الخضر «أفضل ممثلة» في «القاهرة للمونودراما»

حازت الفنانة السعودية أفنان الخضر جائزة «أفضل ممثلة» بمهرجان «أيام القاهرة الدولي للمونودراما» عن مسرحية «مزاد عاطفي» للمخرج تركي باعيسى.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق هشام ماجد وهنادي مهنا في لقطة من العرض (الشركة المنتجة)

هشام ماجد يخوض أولى بطولاته المسرحية بـ«خيال مريض»

يمتدّ العرض الكوميدي أكثر من 3 ساعات، ويتضمَّن جزءاً تفاعلياً يجمع بطل العمل بالجمهور.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق العرض المسرحي السعودي «مزاد عاطفي» (الشرق الأوسط)

«مزاد عاطفي»... مسرحية سعودية ترصد أزمة امرأة تواجه الغدر والخذلان

يلامس العرض المسرحي السعودي «مزاد عاطفي» أوجاع امرأة تعرضت للغدر والخذلان في حياتها مما ترك ندوباً وجراحاً تفضفض بها أمام الجمهور وتجعله شاهداً.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق تقدم «قطر الندى» في عرض واحد على مسرح المدينة (رائدة طه)

رائدة طه تستعيد الذاكرة الفلسطينية في «قطر الندى» من بيروت

قد يمتلك الغرب إمكانات وصناعات تتفوق على ما لدينا، لكنه لا يملك قصصنا ولا التجارب التي مررنا بها

فيفيان حداد (بيروت)