«ثالث الرحابنة»... رحلة موسيقية لا تُنسى في ذاكرة إلياس الرحباني

وثائقي يعيد إحياء حقبة موسيقية ذهبية عبر ذكريات الأهل والأصدقاء

إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)
إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)
TT

«ثالث الرحابنة»... رحلة موسيقية لا تُنسى في ذاكرة إلياس الرحباني

إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)
إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)

«لا يُمَلّ» قد يكون العنوان الذي يختصر وثائقي «ثالث الرحابنة» من إخراج فيروز سرحال، فهو يحاكي ذاكرتنا الموسيقية ويخاطب حنيناً إلى حقبة فنية ذهبية... فيعود بنا لمراحل من حياة الموسيقار الراحل إلياس الرحباني، وفي الوقت عينه يحرّك ذكريات أجيال عاصرته، فتُدرك كم من الفرح زرعه في أعماقها دون أن تشعر بذلك. ويتمنى مشاهِده لو أن وقت عرض الفيلم يطول أكثر، كي يبقى مُستجمّاً في تلك الحقبة؛ حقبة لمسها إلياس الرحباني بعصاه السحرية، فحوَّل مرارة بعض أيامها القاسية إلى حلاوة «سكّر زيادة»، ونثر عليها من عبقريته الموسيقية ما جعلها بصمة تاريخية لا تُنسى.

صور للراحل إلياس الرحباني في فيلم «ثالث الرحابنة»... (إم سي للتوزيع)

لبّى أهل الإعلام دعوة شركة «إم سي» للتوزيع لحضور الوثائقي «ثالث الرحابنة» في سينما «متروبوليس» في بيروت. وأُعلِن في نهاية العرض أن غسان الرحباني، نجل الموسيقار الراحل، سيحضر افتتاح عرضه الرسمي في 17 يوليو (تموز) الحالي بالصالة عينها.

ويبدأ الفيلم بلقطة طريفة بصوت وصورة إلياس الرحباني، يروي فيها واحدة من قصصه الخفيفة الظل، إذ كان يتمتّع بروح فكاهة لا تُضاهى، فيحوّل مواقف قاسية تعرَّض لها إلى نكتة مضحكة. ومنذ اللحظة الأولى، يأخذ الفيلم مشاهِده إلى زمن لبنان العزّ وشخصياته الفذّة؛ فكما المذيع الراحل رياض شرارة، كذلك يظهر الشاعر الراحل سعيد عقل، والأمين العام الأسبق لوزارة الخارجية الراحل فؤاد الترك. ومن هناك تبدأ سبحة الذكريات، فتستوقفك كحلم يتراءى أمام عينيك وأنت في حالة يقظة جميلة.

ومع مواكبة لموسيقى إلياس الرحباني التي تطبع الفيلم منذ بدايته، تشعر كأنك تتنشّق جرعة أكسجين تحتاج إليها.

إلياس الرحباني عشق الموسيقى وأبدع نحو 6 آلاف لحن (إم سي للتوزيع)

ومن ثمّ يأخذ الفيلم منحى التعريف بموقع إلياس الرحباني في عائلته، من خلال ابنه غسان. إلياس هو الأخ الأصغر للأخوين عاصي ومنصور، ومن عائلة تتألف منهما ومن سلوى وناديا، ليأتي بعدهما إلياس وإلهام. وتطلّ الأخيرة مع صورة فوتوغرافية تشير فيها إلى أفراد العائلة مجتمعين. ولأن الوالد حنا توفي عندما كان إلياس في الخامسة من عمره، فإنه يغيب عن الصورة. كان عاصي ومنصور يهتمان به مكان والده الراحل... «كنت أرافقهما إلى (نادي أنطلياس) حيث يقدّمان اسكتشات وموسيقى، وكنت أعتلي المسرح وأقدّم أغاني مونولوج، واضعاً وسادة في بطني كي أقدّم لوحة كوميدية». هكذا يتذكر الراحل إلياس بداياته في الفيلم.

ونتعرّف بعد ذلك إلى ولادة موهبته في العزف على البيانو، وهو في العاشرة من عمره... وإصابته بألم حاد في الإبهام منعه من العزف لمدة طويلة، كانت هي ما حضّه على التوجه نحو التلحين.

شقيقته إلهام تُطل في الفيلم (إم سي للتوزيع)

يُطلّ أقرب الأصدقاء للموسيقار الراحل في الوثائقي، يروون ذكرياتهم معه، ومن بينهم جهاد درويش، ومنجد صبري الشريف، ومحمود زيباوي.

ومن أغنية «ما أحلاها» للفنان الراحل نصري شمس الدين، تنقل المخرجة فيروز سرحال المشاهد إلى قصة حب إلياس مع زوجته نينا. تعرَّف إليها من خلال عمِّها الفنان الراحل جوزيف ناصيف، فأُعجب بها، ورأى فيها نصفه الآخر.

استخدمت سرحال نزهة في سيارة صفراء مكشوفة تقودها فتاة جميلة، وإلى جانبها شاب يافع، في مشهد رمزي يشير إلى قصة حب إلياس ونينا التي كلّلت حياتهما معاً حتى اللحظة الأخيرة. فنينا كانت ملهمته الأولى والأخيرة، تجتمع في شخصيتها جميع نساء العالم. شكَّلت في حياته عموداً فقرياً، وهو ما يؤكده الشاعر هنري زغيب في واحدة من إطلالاته بالفيلم. يقول فيها: «عاشت معه حالة حب. لم يكن زوجها فقط، بل حبيبها. فرَحُ إلياس ومبرّر حياته كانا نينا».

السيارة الصفراء وحياة إلياس وزوجته نينا في مشوار (إم سي للتوزيع)

طيلة الوثائقي، نتابع مسار السيارة وسط مناظر طبيعية من لبنان، وفي طلعات ونزلات على طرقات مستوية وأخرى متعرّجة، فهما لم يفترقا في الأيام الصعبة، ولا في الأوقات الحلوة. ومع أغنيات وألحان إلياس الرحباني، يطول المشوار، لتغيب السيارة عن الشاشة لبرهات قليلة، وذلك عندما تنقل المخرجة كاميرتها إلى تفاصيل من حياة إلياس الرحباني، وتختار مجموعة أغنيات تصف مراحل هذا الحب: «لما شفتها»، و«ناطر»، و«لو».

وفي قسم آخر من الوثائقي، نتعرَّف إلى بدايات الراحل في إذاعة لبنان، حيث يروي صديقه محمود زيباوي ومدير الإذاعة السابق نبيل غصن، ويؤكدان أن نِتاج إلياس الرحباني الفني انطلق من إذاعة لبنان. ويُشير الصديق زيباوي إلى أن هذا الإنتاج الغزير لا يمكن لأحد أن يحدِّده، لكنه يفوق 6 آلاف لحن وأغنية.

ومن ضيوف الفيلم أيضاً، ابنه جاد والفنانة فاديا طنب... تحدَّثا عن مدى تأثّره بالأغنية الأجنبية، وكيف حوّل هذا العشق لاحقاً إلى وجهة فنية تمزج بين الآلات الشرقية والغربية، فابتكر مدرسة فنية خاصة به.

ويصف هنري زغيب إلياس الرحباني بأنه مؤسس موجة فنية جديدة، كانت الموسيقى الغربية عنوانها، حتى إن شقيقه عاصي كان يردِّد على مسمعه أنها لن تصل إلى الجمهور العربي.

تحدّى الراحل إلياس الرحباني نفسه ومحيطه، واستطاع أن يُحلِّق بموسيقاه حول العالم، وحصد جوائز في مهرجانات موسيقية دولية. فاز بالرهان وأدهش الجميع بسرعة انتشار ألحانه.

ومن الأغنيات الغربية التي حقّقت نجاحات كبيرة: «Leila jolie fille (ليلى الفتاة الجميلة)»، و«Tami (تامي)»، و«J’ai voulu te quitter (رغبتُ في فِراقك)»، وغيرها من الأغنيات.

وبلغ ذروة نجاحاته مع الراحل مانويل في أغنية «Quand la guerre est finie (حين تنتهي الحرب)». ومن بعدها، أكمل مشواره في العالمية مع الراحل سامي كلارك، فحلّقا معاً في سماء العالمية بمهرجانات فنية في ألمانيا والنمسا وبلغاريا... وغيرها من الدول الأجنبية.

كما يُسلّط الفيلم الضوء على الدور الذي لعبته الراحلة صباح في انتشار أغنيات إلياس الـ«فرنكو أراب»، فغنّت له «هالي دبكة»، ثم «شفتو بالقناطر»، و«حاج تشدّلي ع إيدي». وكذلك حقّق مزيداً من النجاح مع الراحل وديع الصافي، ومن بعده مع هدى حداد ومجموعة من الفنانين، من بينهم نصري شمس الدين، وجورجيت صايغ، وباسكال صقر، وماجدة الرومي، وملحم بركات... وغيرهم.

تُركّز فيروز سرحال في الفيلم على إبراز عبقرية إلياس الرحباني في توليد الألحان، وكيف استطاع أن يبتكر عالماً خاصاً به، منفصلاً تماماً عن عالم أخويه منصور وعاصي. وشهادة فاديا طنب تروي كيف كانت هذه الولادات الموسيقية تخرج منه تلقائياً من دون تخطيط مسبق.

مع زوجته نينا... وذكرياتهما تتخلَّل الفيلم (إم سي للتوزيع)

مشاعر الحنين لأيام إلياس الرحباني وزمنه لا تُفارق مشاهِده طيلة الدقائق الثمانين التي تؤلّف مدة عرضه. وما إن يتماهى مع ذكرى، حتى ينتقل إلى أخرى عبر أغنية ما: «بيني وبينك يا هالليل»، و«أوضة منسية»، و«يا سارق مكاتيبي»... وغيرها. موسيقى أفلام «دمي ودموعي»، و«أجمل أيام حياتي»، و«حبيبتي»، وكذلك موسيقى مسلسل «ألو حياتي»، و«ديالا»... وغيرها. حتى أغنيات أيام الحرب، وتلك الخاصة بالأحزاب السياسية... لحّن إلياس الرحباني أشهرها. وكذلك ألحان الإعلانات التجارية الكثيرة، ومن بينها «شو بطاريتك»، و«باريلّا معكرونة»، وصولاً إلى مسرحيات فيروز «ميس الريم»، و«لولو»، و«قصيدة حب»... التي تشهد كلها على توهُّج مسيرة إلياس الرحباني الفنية.

ويختم الفيلم بكلمات للشاعر هنري زغيب وأخرى لمحمود زيباوي، يقول فيها الأخير: «ما يمكن أن يفتخر به إلياس الرحباني هو أنه لم يعِش في جلباب أخويه، فبدأ وأكمل طريقه الفني وحده».

وتُسدل ستارة الفيلم على أغراض إلياس الخاصة، من كتب وجلسات ومطارح كان يحبّها، صوّرتها المخرجة في كادرات دافئة وإيقاع كاميرا يعبق بالشوق.


مقالات ذات صلة

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

يوميات الشرق منطقة السوق في ملتقى طويق للنحت 2026 (الرياض آرت)

ملتقى طويق 2026 يُوسِّع حضور النحت في الفضاء العام

تتناول الجلسات الحوارية موضوعات مرتبطة بالنحت في المشهد الحضري المعاصر، من بينها حضور المنحوتات في الأماكن العامة.

فاطمة القحطاني (الرياض)
يوميات الشرق معنى أن يكون للوجه دور (جامعة كولومبيا)

الروبوت يقترب من الإنسان... والشفاه تتعلَّم الكلام

تمكّن روبوت من تعلّم استخدام المحرّكات التعبيرية الـ26 للوجه من خلال التدرُّب على محاكاة حركات الشفاه أمام المرآة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق السرير تحوَّل إلى اختبار للأعصاب (إنستغرام)

أفعى بطول مترين تُوقظ امرأة أسترالية من نومها

في حادثة مثيرة ومرعبة، استيقظت امرأة أسترالية في مدينة بريسبان منتصف الليل لتجد أفعى ضخمة ملتفّة فوق صدرها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ألعاب تُباع بالآلاف... وأسئلة عن ثمنها الحقيقي (رويترز)

نجومية «لابوبو» تُخفي وجهاً آخر

زعمت منظّمة معنيّة بحقوق العمال عثورها على أدلة تشير إلى استغلال العمال في مصنع صيني يُنتج دمى «لابوبو» التي اكتسبت شهرة واسعة حول العالم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)

«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

أضاء باحثون على القرون الأخيرة من حياة وحيد القرن الصوفي، بعد دراستهم كتلة لحم مكسوّة بالشعر عُثر عليها في معدة جرو ذئب...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».


«مهرجانات بعلبك الدولية» تعلن عن حفل موسيقي - سينمائي في عيدها الـ70

مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
TT

«مهرجانات بعلبك الدولية» تعلن عن حفل موسيقي - سينمائي في عيدها الـ70

مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)

الصيف المقبل تحتفي «مهرجانات بعلبك الدولية» بمرور 70 سنة على انطلاقتها، بحفل موسيقي-سينمائي تشهده القلعة الرومانية المهابة يوم 24 يوليو (تموز) المقبل، استذكاراً لهذه المناسبة الكبيرة، وتكريماً للموسيقي الموهوب اللبناني-الفرنسي غابرييل يارد الذي أنجز أجمل الموسيقات التصويرية.

وهي من المرات القليلة التي يعلن فيها عن حفل الافتتاح للمهرجانات بهذا الشكل المبكر، حيث تجمع الليلة الأولى، في إنتاج مشترك، مهرجان بعلبك مع مهرجان أبو ظبي، والأوركسترا الكبيرة لبودابست، وعازفين أوروبيين منفردين، وجوقة الجامعة الأنطونية، وغابرييل يارد عزفاً على البيانو.

وأعلن عن الحفل في مؤتمر صحافي شارك فيه وزير الثقافة غسان سلامة، ورئيسة مهرجانات بعلبك نايلة دي فريج، ومؤسسة «مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون» هدى الخميس كانو، كما شارك الفنان غابرييل يارد الذي قال في كلمته: «إنّ تقديم أيّ فنّان لعرض في مهرجانات بعلبك الدولية، يُعدّ حلماً لأنّها من أعرق المهرجانات في العالم، وهو الأوّل في منطقة الشرق الأوسط. وبالنسبة لي، بصفتي مؤلف موسيقي لبناني، فإنّ العزف في قلب تلك المعابد العريقة للمرّة الأولى هو فرح عظيم وشرف كبير!»، وأضاف: «رغم أنّ مصطلح (المقاومة الثقافية) قد يبدو مستهلكاً، فإنّه ينطبق تماماً على مهرجانات بعلبك ومنظميه، الذين يُصرّون على الاحتفال بالذكرى السبعين، رغم كلّ الصعاب!».

وقالت دي فريج: «إنّ جمال معبدي باخوس وجوبيتر وهيبتهما يوفّران إطاراً رائعاً، لكنهما لا يكفيان وحدهما. فهما يتطلّبان عروضاً قادرة على مجاراة هذه العظمة ليتحقّق لهما السحر».

يقدم هذا الحفل الموسيقي الكبير مصحوباً بمقاطع سينمائية تُعرض على جدران المعبد العريقة. حيث يتم تزامناً مع العزف الحي عرض مقتطفات من أفلام يارد على جدران معبد باخوس المعمّرة، مما يولّد تجربة فريدة تتفاعل فيها الصورة مع الموسيقى.

وفي كلمته الافتتاحية أكد وزير الثقافة، غسان سلامة، دعمه المطلق لمهرجانات بعلبك الدولية، مُسلّطاً الضوء على دورها التاريخي رمزاً للتميز الفنّي والصمود والفخر الوطني».

غابرييل يارد في إحدى حفلاته (فيسبوك)

أما الموسيقي غابرييل يارد، الذي يعتبر أحد أكبر المؤلّفين المعاصرين، فمنذ باكورة مسيرته، وجد في بعلبك مصدر إلهام له، ما شجعه على أن يكون جزءاً من الاحتفالية السبعينية. ويُعدّ يارد الفنان اللبناني الوحيد الذي نال جائزتي الأوسكار والسيزار، وقد رُشِّح مرات عدة لجوائز السيزار، كما حصد العديد من الجوائز والتكريمات في مختلف أنحاء العالم، وفي جعبته أعمالِ عظيمة، وموسيقى تصويرية لأكثر من 70 فيلماً في السينما الفرنسية والأميركية.

وقالت عنه هدى الخميس كانو في كلمتها في المؤتمر: «تسمو موسيقى غابرييل يارد بأرواحنا، وتحلّق بنا في فضاءات الإبداع، ببَصْمَته المُتَفرِّدة، ونبضِ إيقاعِهِ، بإحساسه العميق، بما تحفظُهُ الذاكرة، وما يستعيدهُ الحنين والألفة، مُتجذّراً في روحِ لبنانَ وقِيَمِ المشرِق».

حفل هبة طوجي في مهرجانات بعلبك الدولية العام الماضي (خاص - الشرق الأوسط)

مهرجانات بعلبك الدولية، هي أم المهرجانات العربية، وكانت رائدة يوم انطلقت لأول مرة عام 1956 بعروض دولية للموسيقى الكلاسيكية والمسرح، وسرعان ما أصبحت الأبرز في المنطقة، مدفوعة برؤية الرئيس كميل شمعون وزوجته زلفا، وبمساندة رعاةٍ محبّين للفن والجمال.

ومنذ عام 1957، أدى إدخال عرض لبناني بمشاركة فيروز والأخوين رحباني إلى ولادة «الليالي اللبنانية»، التي أصبحت تقليداً، وكشفت على مرّ السنوات عن مواهب لبنانية كبيرة. وتعاقب منذ ذلك الحين على المهرجان فنانين دوليين ومحليين، في حوارٍ جمع بين الموسيقى الكلاسيكية والمسرح والرقص والأوبرا والجاز.

وبعد التوقف الذي فرضته الحرب الأهلية اللبنانية، استأنفت المهرجانات نشاطها عام 1997، محافظًة على التزامها بالتميّز، ومستلهمة روح المثابرة والاستمرار، رغم المحن التي يمرّ بها البلد.