«ثالث الرحابنة»... رحلة موسيقية لا تُنسى في ذاكرة إلياس الرحباني

وثائقي يعيد إحياء حقبة موسيقية ذهبية عبر ذكريات الأهل والأصدقاء

إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)
إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)
TT

«ثالث الرحابنة»... رحلة موسيقية لا تُنسى في ذاكرة إلياس الرحباني

إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)
إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)

«لا يُمَلّ» قد يكون العنوان الذي يختصر وثائقي «ثالث الرحابنة» من إخراج فيروز سرحال، فهو يحاكي ذاكرتنا الموسيقية ويخاطب حنيناً إلى حقبة فنية ذهبية... فيعود بنا لمراحل من حياة الموسيقار الراحل إلياس الرحباني، وفي الوقت عينه يحرّك ذكريات أجيال عاصرته، فتُدرك كم من الفرح زرعه في أعماقها دون أن تشعر بذلك. ويتمنى مشاهِده لو أن وقت عرض الفيلم يطول أكثر، كي يبقى مُستجمّاً في تلك الحقبة؛ حقبة لمسها إلياس الرحباني بعصاه السحرية، فحوَّل مرارة بعض أيامها القاسية إلى حلاوة «سكّر زيادة»، ونثر عليها من عبقريته الموسيقية ما جعلها بصمة تاريخية لا تُنسى.

صور للراحل إلياس الرحباني في فيلم «ثالث الرحابنة»... (إم سي للتوزيع)

لبّى أهل الإعلام دعوة شركة «إم سي» للتوزيع لحضور الوثائقي «ثالث الرحابنة» في سينما «متروبوليس» في بيروت. وأُعلِن في نهاية العرض أن غسان الرحباني، نجل الموسيقار الراحل، سيحضر افتتاح عرضه الرسمي في 17 يوليو (تموز) الحالي بالصالة عينها.

ويبدأ الفيلم بلقطة طريفة بصوت وصورة إلياس الرحباني، يروي فيها واحدة من قصصه الخفيفة الظل، إذ كان يتمتّع بروح فكاهة لا تُضاهى، فيحوّل مواقف قاسية تعرَّض لها إلى نكتة مضحكة. ومنذ اللحظة الأولى، يأخذ الفيلم مشاهِده إلى زمن لبنان العزّ وشخصياته الفذّة؛ فكما المذيع الراحل رياض شرارة، كذلك يظهر الشاعر الراحل سعيد عقل، والأمين العام الأسبق لوزارة الخارجية الراحل فؤاد الترك. ومن هناك تبدأ سبحة الذكريات، فتستوقفك كحلم يتراءى أمام عينيك وأنت في حالة يقظة جميلة.

ومع مواكبة لموسيقى إلياس الرحباني التي تطبع الفيلم منذ بدايته، تشعر كأنك تتنشّق جرعة أكسجين تحتاج إليها.

إلياس الرحباني عشق الموسيقى وأبدع نحو 6 آلاف لحن (إم سي للتوزيع)

ومن ثمّ يأخذ الفيلم منحى التعريف بموقع إلياس الرحباني في عائلته، من خلال ابنه غسان. إلياس هو الأخ الأصغر للأخوين عاصي ومنصور، ومن عائلة تتألف منهما ومن سلوى وناديا، ليأتي بعدهما إلياس وإلهام. وتطلّ الأخيرة مع صورة فوتوغرافية تشير فيها إلى أفراد العائلة مجتمعين. ولأن الوالد حنا توفي عندما كان إلياس في الخامسة من عمره، فإنه يغيب عن الصورة. كان عاصي ومنصور يهتمان به مكان والده الراحل... «كنت أرافقهما إلى (نادي أنطلياس) حيث يقدّمان اسكتشات وموسيقى، وكنت أعتلي المسرح وأقدّم أغاني مونولوج، واضعاً وسادة في بطني كي أقدّم لوحة كوميدية». هكذا يتذكر الراحل إلياس بداياته في الفيلم.

ونتعرّف بعد ذلك إلى ولادة موهبته في العزف على البيانو، وهو في العاشرة من عمره... وإصابته بألم حاد في الإبهام منعه من العزف لمدة طويلة، كانت هي ما حضّه على التوجه نحو التلحين.

شقيقته إلهام تُطل في الفيلم (إم سي للتوزيع)

يُطلّ أقرب الأصدقاء للموسيقار الراحل في الوثائقي، يروون ذكرياتهم معه، ومن بينهم جهاد درويش، ومنجد صبري الشريف، ومحمود زيباوي.

ومن أغنية «ما أحلاها» للفنان الراحل نصري شمس الدين، تنقل المخرجة فيروز سرحال المشاهد إلى قصة حب إلياس مع زوجته نينا. تعرَّف إليها من خلال عمِّها الفنان الراحل جوزيف ناصيف، فأُعجب بها، ورأى فيها نصفه الآخر.

استخدمت سرحال نزهة في سيارة صفراء مكشوفة تقودها فتاة جميلة، وإلى جانبها شاب يافع، في مشهد رمزي يشير إلى قصة حب إلياس ونينا التي كلّلت حياتهما معاً حتى اللحظة الأخيرة. فنينا كانت ملهمته الأولى والأخيرة، تجتمع في شخصيتها جميع نساء العالم. شكَّلت في حياته عموداً فقرياً، وهو ما يؤكده الشاعر هنري زغيب في واحدة من إطلالاته بالفيلم. يقول فيها: «عاشت معه حالة حب. لم يكن زوجها فقط، بل حبيبها. فرَحُ إلياس ومبرّر حياته كانا نينا».

السيارة الصفراء وحياة إلياس وزوجته نينا في مشوار (إم سي للتوزيع)

طيلة الوثائقي، نتابع مسار السيارة وسط مناظر طبيعية من لبنان، وفي طلعات ونزلات على طرقات مستوية وأخرى متعرّجة، فهما لم يفترقا في الأيام الصعبة، ولا في الأوقات الحلوة. ومع أغنيات وألحان إلياس الرحباني، يطول المشوار، لتغيب السيارة عن الشاشة لبرهات قليلة، وذلك عندما تنقل المخرجة كاميرتها إلى تفاصيل من حياة إلياس الرحباني، وتختار مجموعة أغنيات تصف مراحل هذا الحب: «لما شفتها»، و«ناطر»، و«لو».

وفي قسم آخر من الوثائقي، نتعرَّف إلى بدايات الراحل في إذاعة لبنان، حيث يروي صديقه محمود زيباوي ومدير الإذاعة السابق نبيل غصن، ويؤكدان أن نِتاج إلياس الرحباني الفني انطلق من إذاعة لبنان. ويُشير الصديق زيباوي إلى أن هذا الإنتاج الغزير لا يمكن لأحد أن يحدِّده، لكنه يفوق 6 آلاف لحن وأغنية.

ومن ضيوف الفيلم أيضاً، ابنه جاد والفنانة فاديا طنب... تحدَّثا عن مدى تأثّره بالأغنية الأجنبية، وكيف حوّل هذا العشق لاحقاً إلى وجهة فنية تمزج بين الآلات الشرقية والغربية، فابتكر مدرسة فنية خاصة به.

ويصف هنري زغيب إلياس الرحباني بأنه مؤسس موجة فنية جديدة، كانت الموسيقى الغربية عنوانها، حتى إن شقيقه عاصي كان يردِّد على مسمعه أنها لن تصل إلى الجمهور العربي.

تحدّى الراحل إلياس الرحباني نفسه ومحيطه، واستطاع أن يُحلِّق بموسيقاه حول العالم، وحصد جوائز في مهرجانات موسيقية دولية. فاز بالرهان وأدهش الجميع بسرعة انتشار ألحانه.

ومن الأغنيات الغربية التي حقّقت نجاحات كبيرة: «Leila jolie fille (ليلى الفتاة الجميلة)»، و«Tami (تامي)»، و«J’ai voulu te quitter (رغبتُ في فِراقك)»، وغيرها من الأغنيات.

وبلغ ذروة نجاحاته مع الراحل مانويل في أغنية «Quand la guerre est finie (حين تنتهي الحرب)». ومن بعدها، أكمل مشواره في العالمية مع الراحل سامي كلارك، فحلّقا معاً في سماء العالمية بمهرجانات فنية في ألمانيا والنمسا وبلغاريا... وغيرها من الدول الأجنبية.

كما يُسلّط الفيلم الضوء على الدور الذي لعبته الراحلة صباح في انتشار أغنيات إلياس الـ«فرنكو أراب»، فغنّت له «هالي دبكة»، ثم «شفتو بالقناطر»، و«حاج تشدّلي ع إيدي». وكذلك حقّق مزيداً من النجاح مع الراحل وديع الصافي، ومن بعده مع هدى حداد ومجموعة من الفنانين، من بينهم نصري شمس الدين، وجورجيت صايغ، وباسكال صقر، وماجدة الرومي، وملحم بركات... وغيرهم.

تُركّز فيروز سرحال في الفيلم على إبراز عبقرية إلياس الرحباني في توليد الألحان، وكيف استطاع أن يبتكر عالماً خاصاً به، منفصلاً تماماً عن عالم أخويه منصور وعاصي. وشهادة فاديا طنب تروي كيف كانت هذه الولادات الموسيقية تخرج منه تلقائياً من دون تخطيط مسبق.

مع زوجته نينا... وذكرياتهما تتخلَّل الفيلم (إم سي للتوزيع)

مشاعر الحنين لأيام إلياس الرحباني وزمنه لا تُفارق مشاهِده طيلة الدقائق الثمانين التي تؤلّف مدة عرضه. وما إن يتماهى مع ذكرى، حتى ينتقل إلى أخرى عبر أغنية ما: «بيني وبينك يا هالليل»، و«أوضة منسية»، و«يا سارق مكاتيبي»... وغيرها. موسيقى أفلام «دمي ودموعي»، و«أجمل أيام حياتي»، و«حبيبتي»، وكذلك موسيقى مسلسل «ألو حياتي»، و«ديالا»... وغيرها. حتى أغنيات أيام الحرب، وتلك الخاصة بالأحزاب السياسية... لحّن إلياس الرحباني أشهرها. وكذلك ألحان الإعلانات التجارية الكثيرة، ومن بينها «شو بطاريتك»، و«باريلّا معكرونة»، وصولاً إلى مسرحيات فيروز «ميس الريم»، و«لولو»، و«قصيدة حب»... التي تشهد كلها على توهُّج مسيرة إلياس الرحباني الفنية.

ويختم الفيلم بكلمات للشاعر هنري زغيب وأخرى لمحمود زيباوي، يقول فيها الأخير: «ما يمكن أن يفتخر به إلياس الرحباني هو أنه لم يعِش في جلباب أخويه، فبدأ وأكمل طريقه الفني وحده».

وتُسدل ستارة الفيلم على أغراض إلياس الخاصة، من كتب وجلسات ومطارح كان يحبّها، صوّرتها المخرجة في كادرات دافئة وإيقاع كاميرا يعبق بالشوق.


مقالات ذات صلة

السعودية في اليوم العالمي للفن: تحولات إبداعية وجسر ثقافي عابر للحدود

يوميات الشرق اليوم العالمي للفن يمثل فرصة لتعزيز التفاعل مع الفنون وإبراز دورها في تشكيل التجربة الإنسانية (هيئة الفنون)

السعودية في اليوم العالمي للفن: تحولات إبداعية وجسر ثقافي عابر للحدود

يشهد الحراك الفني السعودي قفزات نوعية وضعت الفنان المحلي على خريطة الاهتمام الدولي. وبينما يحتفي العالم باليوم العالمي للفن تشهد السعودية تحولات نوعية في القطاع

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق زمن متجمّد في عقارب ساعة (هانسونز للمزادات)

ساعة نجاة من «تيتانيك» تعود بعد قرن

تُعرَض ساعة جيب ذهبية تعود إلى أحد أبطال كارثة سفينة «تيتانيك» للبيع بنحو 100 ألف جنيه إسترليني في مزاد علني، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن القائمين على بيعها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تتمتع «بوكينغ دوت كوم» بقاعدة بيانات تضم أكثر من 30 مليون مكان إقامة حول العالم (رويترز)

اختراق لمنصة «بوكينغ دوت كوم» يكشف عن بيانات بعض العملاء

تعرّضت منصة الحجز الفندقي «بوكينغ دوت كوم» لعملية اختراق بيانات، حيث تمكنت «جهات غير مصرح لها» من الوصول إلى تفاصيل بعض العملاء.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
يوميات الشرق القضية تعود بخيطها الأخير (أ.ف.ب)

نهاية المطاردة... توقيف متّهمة بتوريط رونالدينيو في الجوازات المُزوَّرة

سُجنت امرأة باراغوايانية مُتّهمة بتزويد نجم كرة القدم البرازيلي السابق رونالدينيو بجواز سفر مزوَّر، ممّا أدّى إلى احتجازه 5 أشهر.

يوميات الشرق تركز مايا على الإعلام أكثر من التمثيل (إنستغرام الفنانة)

مايا أبو الحسن: من منصات الجمال إلى الدراما... «الإعلام خياري الأول»

تقول مايا أبو الحسن: «لا شك في أن الجمال الخارجي يلفت الأنظار في البداية، لكن من دون العمل الجاد، والشغف، والموهبة لا يمكن لهذا العامل وحده أن يحقق النجاح».

فيفيان حداد (بيروت)

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.