مصر: شراء العقارات الجديدة عملية سهلة لكن إعادة بيعها «صعبة»

كثيرون لجأوا إليها لحفظ قيمة مدخراتهم بعد تدهور الجنيه

مشروعات سكنية مصرية (وزارة الإسكان المصرية)
مشروعات سكنية مصرية (وزارة الإسكان المصرية)
TT

مصر: شراء العقارات الجديدة عملية سهلة لكن إعادة بيعها «صعبة»

مشروعات سكنية مصرية (وزارة الإسكان المصرية)
مشروعات سكنية مصرية (وزارة الإسكان المصرية)

تحاول نادية محمد (60 عاماً)، مقيمة بالجيزة (غرب القاهرة)، إعادة بيع وحدتها التي اشترتها مطلع العام الماضي داخل أحد التجمعات السكنية الجديدة بنطاق التوسعات الشمالية بالقرب من مدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، إلا أنها منذ شهور لم تجد مشترياً للوحدة المكونة من 3 غرف ويصل إجمالي ثمنها لأكثر من 10 ملايين جنيه (الدولار يساوي 49.75 في البنوك) تدفع بالتقسيط على 8 سنوات، سددت منها ما يناهز 1.6 مليون جنيه بالفعل، بينما يتبقى على التسلم أكثر من عامين.

الادخار في العقارات

تقول نادية لـ«الشرق الأوسط» إنها اشترت الوحدة قبل تعويم الجنيه الأخير في مارس (آذار) 2024، أملاً في الحفاظ على قيمة النقود وسط الشائعات الكثيرة حول سعر الصرف المرتقب مع وعود بسهولة إعادة البيع من «البروكر» الذي تعاملت معه، لافتة إلى أنها سددت 3 أقساط وتحاول البيع قبل موعد القسط الرابع في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل بنفس المبالغ التي دفعتها تقريباً، وقد تضطر لقبول سعر أقل بدلاً من خسارة إلغاء التعاقد مع الشركة، وتحمل خسارة 15 في المائة من ثمن الوحدة.

الحكومة المصرية تبني أبراجاً سكنية للإسكان الفاخر - - وزارة الإسكان المصرية

وكان البنك المركزي المصري قد قرر في مارس 2024 تحرير سعر الصرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، لتنخفض قيمة العملة المحلية ويعادل سعر الدولار الواحد 50 جنيهاً، بعدما كانت مستقرة لأشهر عند حدود 30.85 جنيه للدولار.

موقف نادية لا يختلف كثيراً عن موقف إيمان، السيدة الأربعينية التي تعمل بالقطاع الخاص واشترت شاليهاً قبل عامين في الساحل الشمالي من أجل حفظ قيمة أموالها، ورغم أن المشروع سيتم تسليمه نهاية العام الحالي فإنها تحاول بيع الوحدة اليوم بسعر أقل من سعر الشركة، ولكن لا تجد مشترياً يرد لها كامل ما دفعته مع السعر الذي تراه عادلاً من وجهة نظرها.

تقول إيمان لـ«الشرق الأوسط» إنها اشترت من الشركة مع مطلع أكتوبر 2022، ووقتها كان سعر صرف الدولار يزيد قليلاً على 19 جنيهاً، وسعر الوحدة في الشركة آنذاك على أقساط ممتدة حتى 2023 بلغ نحو 2.5 مليون جنيه، لكنها اليوم لا تجد مشترياً للوحدة بمبلغ 6 ملايين جنيه تريد أن تحصل عليها دفعة واحدة.

وينفذ عدد من الشركات الخاصة مشروعات سكنية عملاقة تضم آلاف الوحدات يفترض أن يتم تسليمها خلال السنوات الخمس المقبلة بالكامل، وهي مشروعات تصاحبها حملات إعلانية ضخمة في شوارع القاهرة.

ركود

الكاتب المتخصص في مجال العقارات محمود الجندي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن سوق العقارات تعاني من الركود في الوقت الحالي، فما حدث بين 2021 و2023 ظهرت آثاره راهناً مع بيع أعداد كبيرة من الوحدات رغبة في الربح السريع عبر شراء وحدات سكنية وبيعها على الفور بأسعار أعلى، من دون امتلاك حائز الوحدة على المبالغ اللازمة لاستكمال الأقساط، مشيراً إلى أن بعض الشركات بدأت تتنبه لهذا الأمر، ورهنت إعادة البيع باستكمال ثمن الوحدات بالكامل.

وأضاف أن المطور العقاري يحصل على 10 في المائة من قيمة الوحدة عند إعادتها للشركة، وهي نسبة لم يعد هناك مجال للتسامح فيها في ظل سداد المطور لإعلانات ترويجية وعمولات للبروكر وغيرها من التكاليف، مشيراً إلى أن هناك شركات تقدم كل عام تسهيلات أكبر من العام السابق بالسداد حتى وصلنا إلى فترة سداد تمتد لـ15 عاماً في بعضها مع عدم دفع أي مقدمات.

ملاك العقارات الجديدة يواجهون صعوبات في إعادة البيع- - وزارة الإسكان المصرية

وهنا يشير المطور العقاري أحمد صقر لـ«الشرق الأوسط» إلى وجود ما أسماه «زبون الخوف» الذي اشترى خلال أزمة عدم استقرار سعر الصرف وحدات لا يحتاج إليها ولا يملك ثمنها، أملاً في الحفاظ على قيمة أمواله، وبالتالي ليس لديه القدرة اليوم على إعادة بيعها أو استكمال أقساطها، لافتاً إلى أن الرغبة في بيع الوحدات لدى هؤلاء الزبائن تتزامن مع وجود أعداد أكبر من الوحدات ضمن المشاريع لم يتم بيعها ويرغب المسوق في بيعها.

استثمار عقاري

رأي يدعمه المطور العقاري أحمد الشناوي الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن السوق تمر بمرحلة تحمل وفرة في إعادة البيع بشكل كبير لأسباب عدة، في مقدمتها الراغبون في إعادة تسييل أموالهم مرة أخرى وانتهاء فترة المضاربة في العقارات والرهان عليها لفترات قصيرة، مشيراً إلى أن الاستثمار العقاري يحتاج لسنوات عدة وليس شهوراً كما حاول بعض المطورين إيهام قطاع من المواطنين اشتروا بالفعل واليوم يحاولوا إعادة البيع.

وأضاف أن الفئة الأكبر ليس لديها قدرة مالية على استكمال الأقساط، وبالتالي مضطرة للبيع حتى ولو بخسارة مالية، لافتاً إلى أن اليوم يمكنك شراء 100 عقار في مواقع مختلفة من دون مقدم وبتسهيلات في السداد، لكن في المقابل لن تتمكن من بيع عقار واحد بنفس سهولة الشراء.

وواجهت مصر على مدار سنوات مشكلة في توافر الوحدات السكنية، وهي مشكلة استمرت على مدار عقود، لكن من عام 2015 وحتى منتصف 2024 نفذت الحكومة أكثر من مليون وحدة سكنية، فيما نفذ القطاع الخاص أكثر من مليون وحدة، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

مشروعات سكنية مصرية - وزارة الإسكان المصرية

ومنذ أبريل (نيسان) الماضي، بدأت وزارة الإسكان في طرح 400 ألف وحدة سكنية متنوعة موزعة على أغلب محافظات الجمهورية على مدار عام، وهي وحدات تتنوع ما بين الإسكان الاجتماعي والمتوسط والفاخر، مع تباين فترات تسليم كل مشروع بحسب موقعه ومدى جاهزيته وإتاحة فرص السداد بنظام التمويل العقاري مع البنوك المختلفة.

وفرة المعروض

وبحسب رئيس لجنة «الإسكان» بمجلس النواب (البرلمان) محمد الفيومي، فإن السوق تخضع لقواعد العرض والطلب، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «السوق تعاني من اضطراب في الوقت الحالي مع وجود عدد كبير من الوحدات الجاهزة، وأخرى جرى الانتهاء من بنائها لكن لم تقطن بعد»، مشيراً إلى أن «وفرة المعروض من العقارات ستزيد مع اعتماد المجلس لتعديلات قانون (الإيجار القديم) التي ستتيح وحدات قائمة بالفعل للإيجار».

وهنا يشير صقر إلى أن بعض الصعوبات التي تواجه المطورين العقاريين مرتبطة بالتسهيلات المبالغ فيها، والتي زادت من قيمة الوحدات مع تحميلها لأسعار الفائدة المتوقعة، مشيراً إلى أن بعض المشروعات يتضاعف فيها سعر الوحدة بسبب الفائدة المركبة التي يضعها المطور بالسعر، الأمر الذي لعب دوراً في زيادة الأسعار.


مقالات ذات صلة

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

خاص مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

يعكس هدوء الأسعار في القطاع السكني بالسوق العقارية السعودية تحوّلاً لافتاً نحو مرحلة أكثر توازناً واستدامة، بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

تراجع القطاع السكني يُهبط بأسعار العقار في السعودية في الربع الأول

تراجع الرقم القياسي لأسعار العقارات في السعودية بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من هذا العام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات في مصر، خصوصاً الفارهة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد هشام طلعت مصطفى خلال إطلاقه المشروع الجديد في مجلس الوزراء المصري (الشرق الأوسط)

مصر: إطلاق مدينة جديدة بتكلفة 27 مليار دولار شرق القاهرة

أعلنت «مجموعة طلعت مصطفى» المصرية أنها ستبني مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه (27 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

«دار غلوبال» تحصل على قرض مشترك بـ250 مليون دولار من «الإمارات دبي الوطني»

أعلنت شركة «دار غلوبال» عن حصولها على تسهيلات قرض مشترك لأجل بقيمة 250 مليون دولار مقدمة من بنك الإمارات دبي الوطني، في خطوة تهدف إلى دعم خططها للنمو.

«الشرق الأوسط» (دبي)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.