كيف أثر «جنون» الذهب على «شبكة العروس» في مصر؟

أسعاره شهدت قفزات قياسية في الآونة الأخيرة

الذهب ذو العيارات الأقل والوزن الخفيف فرض نفسه على شبكة العروس (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
الذهب ذو العيارات الأقل والوزن الخفيف فرض نفسه على شبكة العروس (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
TT

كيف أثر «جنون» الذهب على «شبكة العروس» في مصر؟

الذهب ذو العيارات الأقل والوزن الخفيف فرض نفسه على شبكة العروس (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)
الذهب ذو العيارات الأقل والوزن الخفيف فرض نفسه على شبكة العروس (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

تحت ضغط ارتفاع أسعار الذهب في مصر، اقتصر ما قدمه الشاب المصري، محمود حسني، إلى خطيبته من حُلي ذهبية على «دبلة وخاتم ومحبس»، عيار 18، قيمتها 40 ألف جنيه (نحو 800 دولار)، وهو ما ارتضت به أسرة العروس، أمام الارتفاعات القياسية لأسعار الذهب في البلاد.

وقال محمود، الذي يقطن بمدينة المحلة الكبرى (دلتا مصر)، لـ«الشرق الأوسط»: «قبل 3 سنوات قمت بخطبة لم تكتمل، وقتها أحضرت بنفس قيمة الأربعين ألف جنيه إلى جانب الدبلة والخاتم والمحبس، سلسلة ذهبية وأسورة وقرطاً، جميعاً عيار 21، وهو ما يعكس التحول الكبير في أسعار شبكة العروس».

تعد «الشبكة» جزءاً أصيلاً من مراسم الزواج في مصر، لكن في الآونة الأخيرة، بات هذا العرف يواجه تحدياً غير مسبوق مع الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب، وعلى رأسه الذهب عيار 21، الأكثر شيوعاً في هذه المناسبات.

وشهدت أسعار الذهب في مصر خلال السنوات الثلاث الماضية قفزات جنونية، فبينما سجل سعر غرام الذهب عيار 21 في أول أيام 2022 قيمة (799 جنيهاً)، ارتفعت القيمة لتسجل مع أول أيام 2025 قيمة (3740 جنيها)، فيما وصل الأسبوع الجاري لـ(4655 جنيهاً).

قائمة بأسعار الذهب الأربعاء في مصر (الصفحة الرسمية لشعبة الذهب والمجوهرات المصرية)

ويضيف محمود، الشاب الثلاثيني: «لم يعد شراء الشبكة أمراً يسيراً مقارنة بالماضي، فمع كل ارتفاع في أسعارها، يجد المقبلون على الزواج أنفسهم أمام معادلة صعبة، فإما تقليل الغرامات والعيارات، أو تأجيل الخطوة لحين تحسن أوضاعهم الاقتصادية».

ولم يعد من المستغرب سماع قصص عديدة عن تنازل أسر مصرية عن عدد الغرامات، أو التخلي عن قطع ذهبية بعينها، والاكتفاء بخاتم، أو دبلة ذهبية على أنها رمز للارتباط.

وفي ظل هذا الواقع، بدأ الذهب ذو العيارات الأقل والوزن الخفيف يفرض نفسه بديلاً عملياً، ولم يعد غريباً تقديم سلسلة رقيقة، أو أقراط صغيرة، بل أصبح هذا الخيار هو ما تتسابق محال الذهب لتقديمه في تصميمات وتشكيلات متنوعة تناسب مختلف الميزانيات، كما لجأت المحال إلى تقديم «علب جاهزة» لشبكة العروس، على أنها عروض اقتصادية للمقبلين على الزواج، تحتوي على قطعتين، أو ثلاث قطع فقط.

كذلك، ظهرت الفضة بديلاً عن الذهب أحياناً، والتي فرضت نفسها بتصميمات أنيقة ومُطعمة بالأحجار الكريمة، ما جعلها خياراً آخر جاذباً للبعض.

تغيرات لافتة

وتغير ملامح «الشبكة» يوضحها أمير رزق، وهو خبير مصري في مجال المصوغات والمشغولات الذهبية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «متوسط الذهب المقدم في الشبكة شهد تراجعاً كبيراً على مر السنوات، ففي الماضي، كانت الشبكة تتراوح بين 70 و100 غرام، ثم انخفض متوسطها إلى 50 غراماً لفترة طويلة، ثم إلى 30 غراماً. واليوم، لا يتجاوز المتوسط 10 غرامات، أو ما يزيد قليلاً، حيث تقتصر غالباً على خاتم ودبلة فقط».

بدوره، يؤكد أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، فايز الخولي، لـ«الشرق الأوسط»، أن متوسط غرامات الشبكة يشهد حالياً انخفاضاً ملحوظاً يتراوح بين 10 إلى 20 غراماً فقط، ويخضع هذا وفق الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الزوجان، والتقاليد الموروثة في بيئة الزواج، موضحاً أن التمسك بشراء كميات كبيرة من الذهب (تصل إلى 200 أو 300 غرام) لا يزال قائماً في بعض المناطق، وفي المقابل هناك قطاع متزايد بدأ في التنازل عن الكميات، وإعطاء الأولوية لتأمين مسكن آمن ومستقر للزوجين.

متوسط غرامات الذهب المقدم في «شبكة العروس» شهد تراجعاً (رويترز)

اقتصادياً، يؤكد رئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، عادل عامر، لـ«الشرق الأوسط» أن التلاقي بين صعود أسعار الذهب ومعدلات التضخم المتزايدة وضعف الأجور أحدث تحولاً ملحوظاً في عادات الزواج، وأعاد تشكيل تقاليد «شبكة العروس»، لا سيما بالبحث عن بدائل أكثر اقتصادية، أبرزها الذهب عيار 14، والذهب الصيني، والفضة.

تخفيف الأوزان

ويشير إلى أن الأثر الاقتصادي لهذا التحول امتد إلى تقويض القدرة على توفير الحد الأدنى من «الشبكة»، مما نتج عنه انخفاض سنوي في حالات الزواج. ومن جانب آخر، تأثرت سوق الذهب نفسها بتراجع عمليات البيع والشراء فيها بشكل كبير مع تراجع القدرة الشرائية.

ووفق خبير المشغولات الذهبية، اضطر الصاغة والصناع إلى تبني استراتيجية جديدة في مواجهة انخفاض الطلب، بالاتجاه إلى تخفيف أوزان مشغولاتهم. فعلى سبيل المثال، الأساور التي كانت تتراوح بين 7 و10 غرامات قلت لـ3 فقط، أما السلاسل التي كانت تزن 4 غرامات فتراجع وزنها إلى غرام واحد، بهدف توفير خيارات أكثر اقتصادية للمستهلكين.

محال الذهب في مصر تقدم تشكيلات وعروضاً اقتصادية للمقبلين على الزواج (رويترز)

ويعود أستاذ علم الاجتماع للحديث، مؤكداً قدرة المجتمع المصري على التكيف مع التكاليف المتزايدة للزواج، مشيراً إلى دور الحملات الإلكترونية والاجتماعية التي ظهرت خلال السنوات الماضية وطالبت بالاستغناء عن الشبكة الذهبية، أو البحث عن بدائل، مؤكداً أنها «عملت على الوعي، وغيرت من نظرة المجتمع لشبكة العروس».

إلى ذلك، يحذر الخولي من أن ارتفاع قيمة «الشبكة» لدى الفئات الميسورة قد يزيد من «التفاوت الطبقي» بين الطبقات الاجتماعية، فبينما تتجه بعضها إلى طلب شبكة ألماس باعتبار أنها نوع من التقليد ومؤشر على الثراء، يقتصر طلب غالبية الفئات والشرائح على دبلة وخاتم بسيط. منوهاً إلى التأثير السلبي لبعض محتويات «السوشيال ميديا» والدراما التي تركز على أنماط استهلاكية «مبالغ فيها وغريبة»، والتي قد تشكل وعي الشباب عند الاختيار، وتؤدي إلى ارتفاع التوقعات غير الواقعية.

ويُجمع الخبراء أيضاً على أن ارتفاع أسعار الذهب أثر على ثقافة تقديم الهدايا الذهبية في المناسبات المختلفة، والتي كانت جزءاً من العرف الاجتماعي، حيث استبدل بها المصريون هدايا أخرى تناسب ميزانياتهم.


مقالات ذات صلة

الذهب يتجه لثالث خسارة شهرية بفعل مخاوف التضخم والفائدة

الاقتصاد سبائك ذهب معروضة داخل متجر "كومبتوار ناسيونال دو لور" في باريس (رويترز)

الذهب يتجه لثالث خسارة شهرية بفعل مخاوف التضخم والفائدة

يتجه الذهب نحو تكبّد خسارة شهرية ثالثة على التوالي، في ظل استمرار تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

الذهب يهبط لأدنى مستوى في شهرين بضغط من التصعيد بين واشنطن وطهران

تراجعت أسعار الذهب إلى أدنى مستوياتها في شهرين خلال تعاملات، الخميس، بضغط من الضربات الأميركية الجديدة على إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سبائك الذهب البريطانية في متجر «بيرد وشركاه» في هاتون غاردن بلندن (رويترز)

الأسواق تترقب محادثات واشنطن وطهران وبيانات التضخم لتقييم حركة الذهب

استقرت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الأربعاء، بالتزامن مع ترقب المستثمرين لعلامات ملموسة تعكس تقدماً في مفاوضات السلام.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد عامل يحمل نسخة طبق الأصل من عملة «ماريان» الذهبية في دار سك العملة بباريس (أ.ف.ب)

لمواكبة طفرة الملاذات الآمنة... فرنسا تطلق عملة «ماريان» من الذهب للاستثمار

أعلنت مؤسسة «دار سك العملة في باريس» إطلاق عملة استثمارية جديدة من الذهب الخالص تحمل اسم «ماريان الذهب»، والمعروفة عالمياً بفئة السبائك النقدية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في مقاطعة جيانغسو الشرقية بالصين (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع تحت وطأة صدمة النفط ومخاوف التضخم المستدام

تراجعت أسعار الذهب في التعاملات الآسيوية يوم الثلاثاء، بضغط من الضربات العسكرية الأميركية الجديدة في إيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )

لماذا تتصدر الغردقة المصرية قوائم «الأفضل» في السياحة عالمياً؟

الغوص من الرياضات المنتشرة في الغردقة (وزارة السياحة والآثار)
الغوص من الرياضات المنتشرة في الغردقة (وزارة السياحة والآثار)
TT

لماذا تتصدر الغردقة المصرية قوائم «الأفضل» في السياحة عالمياً؟

الغوص من الرياضات المنتشرة في الغردقة (وزارة السياحة والآثار)
الغوص من الرياضات المنتشرة في الغردقة (وزارة السياحة والآثار)

جاءت مدينة الغردقة المصرية على ساحل البحر الأحمر ضمن الوجهات الفائزة بجائزة «تريب أدفيزور» Tripadvisor للوجهات الجديرة بالزيارة فئة «الأفضل على الإطلاق» في العالم لعام 2026.

وحازت الغردقة الجائزة بفضل مقوماتها السياحية المميزة، وشواطئها الساحرة، وشعابها المرجانية الخلابة، ومياهها الصافية التي تجعلها واحدة من أبرز الوجهات لمحبي الغوص والأنشطة البحرية على ساحل البحر الأحمر، وفق بيان، الأحد، لرئاسة مجلس الوزراء بمصر.

وحول المقومات التي جعلت الغردقة جديرة بهذه الجائزة، يقول أمين عام نقابة السياحيين بمصر، فارس حسني إن الغردقة تصدرت قوائم «الأفضل» بفضل شعابها المرجانية الخلابة، ومياهها الفيروزية المناسبة للرياضات المائية، وقربها من الجزر الساحرة والصحراء.

وأضاف حسني لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك أربعة أسباب أساسية أهلت الغردقة للفوز بهذه الجائزة الدولية بوصفها أيقونة سياحية، هي: الموقع الاستراتيجي، والجزر الساحرة، فمثلاً جزر الجفتون تعد الملاذ الأول لعشاق الطبيعة والباحثين عن الاسترخاء في مياه البحر الأحمر النقية، كما تزخر بالمحميات الطبيعية، وبمناطق غوص مذهلة لاكتشاف عجائب الحياة البحرية».

وأشار إلى احتواء المدينة لمحبي الرياضات المائية، حيث بها شواطئ مثالية ومياه صافية، مما جعلها بقعة مفضلة عالمياً لممارسة ركوب الأمواج، ووجهة ممتازة للمبتدئين والمحترفين.

وتابع أن «المدينة تتمتع بسهولة الوصول منها إلى أعماق الصحراء، لتجربة السفاري وركوب الدراجات الرباعية وتجربة السهرات البدوية الأصيلة وتناول العشاء تحت النجوم، كما توفر المدينة منتجعات عالمية المستوى، وعروضاً شاملة تلبي تطلعات العائلات والأزواج كافة، مع إمكانية الاستكشاف الحضاري من خلال زيارة المعالم الحيوية والمزارات في منطقة الدهار».

متحف الغردقة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وفي وقت سابق اختارت مؤسسة «يورو مونيتور العالمية» المتخصصة في دراسة الأسواق السياحية وتحليلها، مدينتي القاهرة والغردقة، ضمن أفضل 100 مدينة سياحية في العالم، كما اختار موقع «Tripadvisor» مدينة الغردقة ضمن أفضل 10 مقاصد سياحية لزيارتها هذا العام بجانب مدينة القاهرة ضمن أهم 10 وجهات استطاعت تحقيق أكبر زيادة سنوية.

ويرى الخبير السياحي المصري محمد كارم أن «الغردقة لم تعد مجرد مدينة شاطئية، ولكنها أصبحت مدينة متكاملة للسياحة الدولية الناجحة»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الغردقة تتميز بالمناخ المعتدل طوال العام، والشواطئ والشعب المرجانية، مما يجعلها من أفضل الأماكن عالمياً».

مدينة الغردقة من الوجهات السياحية الأفضل عالمياً (فيسبوك)

وأشار كارم إلى البنية الفندقية الموجودة في الغردقة التي تستوعب شرائح وفئات كثيرة من السائحين من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

وعد أبرز الأسباب التي مكنت الغردقة من التفوق عالمياً أن «بها واحداً من أغنى النظم البيئية البحرية في العالم، مما يجعلها من أفضل وجهات الغوص والأنشطة البحرية على مستوى العالم، بالإضافة لتوفير رحلات الطيران المباشرة و(الشارتر) من المدن الأوروبية إليها، مما يسهل الوصول إليها، ويزيد من تنافسيتها».

وأكد أن تنوع الأنماط السياحية بالغردقة ما بين السياحة الشاطئية والسفاري والرياضات البحرية والسياحة الترفيهية وغيرها، جعلها جاذبة للسائحين «إلى جانب أن تكلفة الإقامة بها ليست مرتفعة، وهذا عنصر مهم في تقييم السائحين للوجهة السياحية على المنصات الدولية».

وتراهن مصر على تنوع الأنماط السياحية، ضمن حملة دعائية أطلقتها وزارة السياحة والآثار بعنوان «مصر... تنوع لا يُضاهى»، وحققت مصر معدلات جذب سياحي قياسية بأكثر من 19 مليون سائح في عام 2025، وتطمح إلى زيادة عدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030.


«حكايات» يبرز وجوه أحمد الصعيدي بين الذاكرة والواقع

الرمز والتجريد يلتقيان في أعمال تستدعي التأمل وإعادة القراءة (الشرق الأوسط)
الرمز والتجريد يلتقيان في أعمال تستدعي التأمل وإعادة القراءة (الشرق الأوسط)
TT

«حكايات» يبرز وجوه أحمد الصعيدي بين الذاكرة والواقع

الرمز والتجريد يلتقيان في أعمال تستدعي التأمل وإعادة القراءة (الشرق الأوسط)
الرمز والتجريد يلتقيان في أعمال تستدعي التأمل وإعادة القراءة (الشرق الأوسط)

في معرضه الجديد «حكايات» المقام في غاليري ضي بالزمالك، يواصل الفنان التشكيلي المصري أحمد الصعيدي تقديم عالمه البصري القائم على التداخل بين الإنسان والذاكرة والتفاصيل اليومية.

ويأتي ذلك عبر أكثر من 50 لوحة تتنوع بين «التعبيري» و«التجريدي»، وتكشف عن جانب من انشغالاته الممتدة بالواقع الإنساني وتحولاته النفسية والاجتماعية. ويبدو المعرض امتداداً لتجربته التي عُرفت بالاعتماد على التكوينات الكثيفة والرموز البصرية المتشابكة؛ حيث تتجاور الوجوه والخطوط والعناصر المتناثرة داخل مساحة اللوحة؛ لتشكّل حالة أقرب إلى السرد البصري المفتوح على التأويل.

تحضر الوجوه الإنسانية في أغلب الأعمال بوصفها محوراً أساسياً للتعبير، لكنها لا تظهر في صورة مباشرة أو مكتملة، بل تبدو أحياناً كأنها خارجة من ذاكرة بعيدة أو مشاهد غير مستقرة، فيما تتداخل معها إشارات وعناصر صغيرة تمنح اللوحات طبقات متعددة من القراءة.

الفنان المصري أحمد الصعيدي يواصل انشغاله بالإنسان وتناقضاته اليومية (الشرق الأوسط)

ويعتمد الصعيدي على مساحات لونية متقابلة تجمع بين العتمة والضوء، مع حضور واضح للألوان الحادة والخامات المتنوعة التي تضيف إلى الأعمال طابعاً درامياً دون أن تفقدها توازنها البصري.

يقول الصعيدي لـ«الشرق الأوسط»: «إن فكرة معرض (حكايات) ترتبط بمحاولة الاقتراب من الإنسان في حالاته المختلفة»، موضحاً أن «كل فرد يحمل داخله عالماً من التفاصيل والمشاعر والتجارب التي تنعكس بصورة أو بأخرى على رؤيته للحياة».

ويرى أن «اللوحة لا ينبغي أن تقدم معنى واحداً، بل يجب أن تترك مساحة للمتلقي كي يعيد اكتشاف ذاته من خلالها؛ لذلك يحرص دائماً على أن تكون أعماله مفتوحة على قراءات متعددة».

ويضيف أن «التكوين داخل اللوحة بالنسبة إليه لا يتوقف عند شكل محدد؛ إذ يتولد باستمرار من عناصر أخرى، وهو ما يفسّر حالة التكدس البصري التي تظهر في عدد من أعماله، حيث تتجاور ملامح الإنسان مع الحيوان والرموز والأشياء اليومية في بناء متشابك يعكس طبيعة الواقع نفسه».

ويشير إلى أن «هذا التداخل ليس مقصوداً لذاته بقدر ما هو انعكاس لحالة إنسانية معقدة تتشابك فيها الذاكرة بالمشاعر والخبرة الحياتية».

تكوينات مزدحمة بالعناصر والخطوط تعكس تعقيد العالم المعاصر (الشرق الأوسط)

وتكشف الأعمال المعروضة عن اهتمام واضح بالتفاصيل الصغيرة بوصفها جزءاً من الحكاية الأساسية داخل اللوحة؛ إذ تظهر أحياناً بقايا سمكة أو حذاء صغير أو خطوط حادة ووجوه قلقة، وهي عناصر تبدو للوهلة الأولى هامشية، لكنها تتحول داخل التكوين إلى إشارات تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية.

ومن خلال هذه المفردات يحاول الفنان الاقتراب من التناقضات التي تحكم العالم المعاصر، ما بين القسوة والهشاشة، والأمل والخذلان، والوضوح والغموض. ولا ينفصل هذا العالم البصري عن البيئة التي جاء منها الفنان؛ فهو أحد أبناء صعيد مصر، وهي البيئة التي تركت أثرها الواضح على حساسيته تجاه الضوء واللون والتفاصيل الإنسانية البسيطة.

يظهر ذلك في اعتماده على تباينات لونية قوية، وفي ميله إلى بناء مشاهد مزدحمة بالتفاصيل، وكأنها محاولة لاستعادة طبقات متعددة من الذاكرة الشعبية والإنسانية في آن واحد.

شخوص تتقاطع فيها الذاكرة مع أسئلة الإنسان المعاصر (الشرق الأوسط)

ويرى الصعيدي أن اللون يمثّل العنصر الأكثر تأثيراً في بناء العمل الفني، ليس بوصفه قيمة جمالية فقط، وإنما بوصفه وسيلة للتعبير عن الإحساس والمعنى. وعن ذلك يقول: «العلاقة بين اللون والمتلقي علاقة مباشرة؛ لأن العين تنقل أثر اللون إلى الإحساس قبل أي قراءة عقلية للعمل؛ لذلك أتعامل معه بوصفه جزءاً أساسياً من الفكرة، وليس مجرد عنصر مكمل للتكوين».

كما يؤكد أن «تجربته تنفتح على مشاهدات بصرية متعددة من الفنون المصرية والعربية والعالمية»، مضيفاً أن «الفنان لا يستطيع العمل داخل حدود مغلقة أو معزولة عن العالم، فأنا أتأثر باستمرار بالتجارب المختلفة والتحولات الإنسانية المحيطة بنا».

وتابع أن الفن بالنسبة إليه محاولة لفهم العالم أكثر من كونه سعياً لتقديم إجابات جاهزة؛ لذلك تميل أعماله إلى طرح الأسئلة، وترك مساحة للتأمل بدلاً من تقديم رسائل مباشرة.

لوحات المعرض تفتح المجال أمام المتلقي لاكتشاف حكايته الخاصة (الشرق الأوسط)

ويأتي معرض «حكايات» ضمن مسيرة فنية ممتدة للفنان أحمد الصعيدي، المولود عام 1958، الذي يشغل منصب مدير قسم الوسائل التعليمية في وزارة التربية والتعليم. كما أنه عضو الجمعية العربية للخط العربي، وجمعية أصالة، وأتيليه القاهرة، والجمعية الأهلية للفنون.

يُشار إلى أن الفنان أقام عدداً من المعارض الفردية، وشارك في معارض جماعية داخل مصر وخارجها، في حين اقتنت أعماله جهات ومؤسسات فنية عربية ودولية، ما يعكس حضوره المستمر في المشهد التشكيلي المصري خلال السنوات الماضية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


بعد 66 عاماً من التحليق... مضيفة الطيران الأطول خدمة تستعد للتقاعد

مضيفتا طيران «دلتا إيرلاينز» أليس بروسارد وجوان برينس كراندال (شركة دلتا إيرلاينز)
مضيفتا طيران «دلتا إيرلاينز» أليس بروسارد وجوان برينس كراندال (شركة دلتا إيرلاينز)
TT

بعد 66 عاماً من التحليق... مضيفة الطيران الأطول خدمة تستعد للتقاعد

مضيفتا طيران «دلتا إيرلاينز» أليس بروسارد وجوان برينس كراندال (شركة دلتا إيرلاينز)
مضيفتا طيران «دلتا إيرلاينز» أليس بروسارد وجوان برينس كراندال (شركة دلتا إيرلاينز)

لطالما انطوت مهنة المضيفة على سحر خاص لجوان برينس كراندال، فقد فتحت لها نوافذ على تجارب جديدة، وأتاحت لها فرصة السفر جواً إلى شتى أنحاء العالم، وتعلم أشياء جديدة. وهي تتذكر أيام الكعب العالي والموضة في أثناء الطيران؛ أمور اختفت في معظمها اليوم.

بعد أكثر من 66 عاماً، لا تزال ذكريات هذا البريق الساحر السبب في أنها لا تزال تحلّق. ويعتقد مسؤولو شركة «دلتا إيرلاينز» الأميركية، التي تعمل لديها، أنها أقدم مضيفة طيران في هذا المجال؛ اللقب الجديد للمهنة، بدلاً من «مضيفة».

وقالت في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»: «هكذا كانت مسيرتي المهنية؛ من مضيفة إلى مضيفة طيران».

بدأت جوان برينس كراندال مسيرتها المهنية في شركة «باسيفيك إيرلاينز» عام 1959، التي كانت تشغل طائرات مروحية مثل «مارتن 404» و«فيرتشايلد F-27 ». أما أول طائرة عملت عليها فكانت «دوغلاس DC-3» التي تتسع لـ24 راكباً. وقالت: «كانت شركات الطيران تبحث عن شابات يتمتعن بمظهر أنيق».

ومع ذلك، مع تطور التكنولوجيا، تطورت المهنة كذلك: من الأيام الأولى المتميزة باختيارات الموضة، مثل أحذية «غو-غو» والتركيز على الخدمة، إلى وظيفة حاسمة لسلامة شركات الطيران التجارية. فالمضيفات، رغم أنهن لا يزلن يرتدين ملابس مناسبة ويقدمن المشروبات والطعام إلى المسافرين، فإنهن اليوم يعتبرن كذلك موظفات في الخطوط الأمامية في أثناء حوادث الطيران، خصوصاً أنهن يرافقن الركاب إلى خارج الطائرة عبر الزلاجات، أو يتعاملن مع حالات الطوارئ الأخرى. لم يتغير هذا الجزء من الوظيفة منذ أن بدأت برينس كراندال العمل، لكن عدد الركاب الذين تتولى مسؤوليتهم قد تغيّر.

وبعد 66 عاماً أمضتها في خدمة الطيران، تستعد جوان برينس كراندال للتقاعد وتسليم الراية إلى مضيفات طيران جديدات مثل أليس بروسارد، التي تخرجت أخيراً في مركز تدريب «دلتا للطيران».