بداية سياسية لمهرجان «كان» على الشاشة وخارجها

حضور سعودي كبير على جبهات متعددة

روبرت دنيرو أثناء تسلمه جائزة «سعفة الشرف الذهبية» في مهرجان كان (أ.ف.ب)
روبرت دنيرو أثناء تسلمه جائزة «سعفة الشرف الذهبية» في مهرجان كان (أ.ف.ب)
TT

بداية سياسية لمهرجان «كان» على الشاشة وخارجها

روبرت دنيرو أثناء تسلمه جائزة «سعفة الشرف الذهبية» في مهرجان كان (أ.ف.ب)
روبرت دنيرو أثناء تسلمه جائزة «سعفة الشرف الذهبية» في مهرجان كان (أ.ف.ب)

الحضور السعودي في الدورة الجديدة من مهرجان «كان» الحالية يختلف عن السنوات السابقة على نحو بيّن. قبل 5 أعوام بدا الحضور الأول كمَن يتلمس حرارة الماء التي سيضع قدمه فيها. الحضور الثاني كان أقوى، وازداد بعد ذلك أهميةً وصولاً إلى العام الماضي؛ حيث حفل المهرجان، إلى جانب نشاطات المركز السعودي الرسمي، بفوز المخرج توفيق الزايدي بجائزة «نظرة ما» الأولى عن فيلم «نوره».

هذا العام يأتي النشاط مكثفاً من جديد.

المركز الذي يستقبل يومياً مئات الضيوف من مختلف أركان العمل السينمائي هو نقطة بث لمشروعات السينما السعودية كافة، على جبهات عدة.

ما استأثرت بالاهتمام الفوري التعيينات الجديدة التي أجرتها مؤسسة «مهرجان البحر الأحمر»، وأولها تسليم القيادة العامة للمنتج فيصل بالطيور الذي تم تعيينه رئيساً تنفيذياً للمهرجان. الترحيب له أسبابه المحقة: هو أول رئيس تنفيذي لشركة «Cine Waves» السعودية، والرئيس التنفيذي لشركة «Movie Studios»، إضافة إلى أنه صاحب مبادرة إنشاء صالة سينمائية متخصصة بعروض الأفلام المستقلة والفنية.

الرئيس التنفيذي القادم لمهرجان «البحر الأحمر» فيصل بالطيور (مهرجان البحر الأحمر)

إلى ذلك، هو منتج نشط شارك في إنتاج «وداعاً جوليا» لمحمد كردفاني، والفيلم السعودي «سطّار» عام 2023، الذي حقَّق نجاحاً تجارياً واسعاً حين تم عرضه داخل المملكة.

على جبهة أخرى، هناك وجود نشط لمؤسستَي «العلا» و«إثراء»، ونخبة من السينمائيين السعوديين العاملين في جهود تقديم السينما السعودية كافة، وما يمكن للمملكة تحقيقه على صعيد جذب الرساميل الأجنبية لإنتاج وتصوير أفلامها في المملكة.

دنيرو يدعو لثورة سلمية

بقدر ما يحاول مهرجان «كان» النأي بنفسه عن السياسة، ولو إلى حد، بقدر ما تتشبّث السياسة، به ولهذا سبب وجيه: «كان» هو الدرّة بين كل مهرجانات العالم. المنصّة العالمية التي لا بد من طرح مشكلات العالم عليها، أراد المسؤولون ذلك أم لا.

ليس أن المسؤولين يمانعون بقاء كل صنوف الإعلام نشطة، لكنه رسمياً لا يريد أن يتبنّى وجهة نظر في أي شأن. سيعرض أفلاماً تعبِّر عن آراء أصحابها، لكنه لن ينحاز إلى أي جهة بحد ذاتها طبعاً.

لكن السياسة كانت تدخلت في أعماله من قبل. في كل عام تقريباً كانت هناك مظاهرة ما تطالب بحقوق، أو تهدف للفت الأنظار إلى قضية منسية. هذا من دون أن ننسى حضور مخرجين هربوا من بلادهم مثل المخرج التركي الراحل يلماز غونيه، الذي فرَّ من سجنه إلى سويسرا بطريقة تستحق فيلماً عنها، ومثل المخرج الإيراني جعفر بناهي الذي يصرُّ على إبداء رأيه في مسائل وموضوعات تستفز الجهات الرسمية في كل مرّة.

ويجب أيضاً ألا ننسى ثورة 1968 التي غيَّرت من شكل المهرجان وعروضه، بالمواكبة مع المتغيّرات التي شهدتها السينما الفرنسية، متمثلة بموجة السينما الفرنسية الحديثة التي من بين قادتها المخرجون فرنسوا تروفو، وكلود شابرول، وإريك رومير وجان-لوك غودار. عن هذا الأخير سنرى فيلماً أميركياً عنوانه «الموجة الجديدة (Novuee Vague)»، حيث غودار هو لب الفيلم ورأس حربته معاً.

كانت الدورة الـ78 الحالية انطلقت بنبرة سياسية منذ بدايتها، عندما تم تقديم جائزة «سعفة الشرف الذهبية» إلى الممثل روبرت دنيرو. هذا لم يتأخر في انتقاد الرئيس دونالد ترمب (وهو المعروف منذ سنوات بعدائه الشديد له) والمطالبة بثورة سلمية «لكن بقوة العزيمة» للدفاع عن الحريّات في أميركا، ولمناوأة القرار الذي ينوي الرئيس ترمب تنفيذه بفرض رسم مقداره 100 في المائة على كل فيلم أميركي يتم تصويره، ولو جزئياً، خارج أميركا.

جولييت بينوش رئيسة لجنة التحكيم أثناء حفل الافتتاح (أ.ف.ب)

وفي تصريحاتها الخاصة، قامت الممثلة جولييت بينوش بدخول المعترك السياسي عندما نادت بوضع حدٍّ للحروب (من دون تسميتها)، وبوضع حدٍّ للمتغيرات البيئية و«الأفعال الشيطانية والبربرية» كافة، (كذلك من دون تحديد).

ما لم ترغب بينوش تسميته ظهر في مقال تم نشره في صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية يدين الصمت وعدم الاكتراث للإبادة التي تقوم بها الدولة الإسرائيلية في غزّة. هذا البيان تم توقيعه من قبل نجوم كبار، من بينهم ريتشارد غير، ومارك روفالو، وسوزان ساراندون، والممثل الإسباني خافييه باردم، والمخرج البريطاني كن لوتش المعروف بأفلامه ذات السمات السياسية.

أوكرانيا - فرنسا

إلى ما سبق، لا بد من الإشارة إلى أن مجموع المنتجين والموزّعين الأميركيين والأجانب متفقون على أن قرار الـ100 في المائة يجب ألا يصدر، وعلى المجتمع السينمائي أن يدين مثل هذه الخطوة. قرار لا يجب أن يُعدّ مفاجئاً كون الخوف من تفعيل القرار يضع الجميع تحت ردّات فعل اقتصادية صعبة.

على صعيد الأفلام ذاتها، وبينما المهرجان لا يزال في بدايته، شاهدنا أعمالاً سياسية التوجه، أولها كان «ضع روحك على يديك وامشي (Put Your Soul on You Hands and Walk)»، وهو فيلم تسجيلي عن المصوّرة الفلسطينية فاطمة حسّونة التي قُتلت في السادس عشر من الشهر الماضي، عندما دهمت القوّات الإسرائيلية منزلها وقتلتها مع أفراد أسرتها.

ليا دروكر بطلة فيلم «الملف 137» مع المخرج دومينيك مول (أ.ف.ب)

الفيلم الآخر الذي يتطرَّق إلى السياسة في عقر دارها هو «الملف 137 (Dossier 137)»، لدومينيك مول. فيلم فرنسي ضد خروج رجال البوليس عن القانون ومحاولة الهروب من المسؤولية. تقود الفيلم ليا دروكر في دور المحققَّة في جهاز الـ«IGPN»، وهو جهاز رسمي مخصَّص للتحقيق في تجاوزات البوليس الفرنسي. الفيلم، المقتبس عن كتاب حول أحداث واقعية وقعت في عام 2018، يتمحور حول قيام أحد رجال البوليس بإطلاق النار على رأس متظاهر وتركه طريحاً. شرطي آخر تقدَّم منه ورفسه قبل أن تبتعد المجموعة عن مسرح الجريمة. يمضي الفيلم وقتاً قليلاً في الشؤون العائلية للمحققة، إذ إن الفيلم بكامله تقريباً عبارة عن شريط متتابع من التحقيقات والمقابلات والتسجيلات في محاولة بطلته إثبات التهمة على أفراد الشرطة.

الفيلم معادٍ للبوليس الفرنسي إذا ما عدّ نفسه فوق القانون، وهذا يتضح بلقطة أخيرة للشاب الذي تعرَّض فعلياً لإطلاق النار وهو يشرح ما الذي نتج عن تلك الإصابة عليه، إذ لن يستطيع أن يعود إلى سابق حياته، وسيعيش دوماً بآلام في الرأس وعِللٍ بدنية ونفسية كثيرة طوال أيامه المقبلة.

في الجوار هناك 3 أفلام تسجيلية عن أوكرانيا تُعرَض خارج المسابقة، وهي «2000 متر عن ماريوبول» لمستيسلاڤ شرنوف، و«حرب أخرى» لبرنار-هنري ليڤي ومارك روسل، و«زيلينسكي» الذي يتحدّث عن الرئيس الأوكراني مباشرة ومن وجهة نظر خالية من أي نقد ظاهر أو مبطّن.

بالنسبة للمهرجان الفرنسي هذا الاستعراض ينتمي إلى موقف فرنسا الذي يدين ما يُسمّى «الغزو الروسي»، وهو الموقف الذي تبنّاه المهرجان رسمياً هذا العام من يومه الأول.

إسرائيلياً، هناك رسالة انتقاد نُشرت علناً تدين قيام حكومة نتنياهو بإسناد وزارة الثقافة (التي من شؤونها إدارة الشؤون السينمائية) إلى شخصية مُحافظة تدعم تقليص الدعم الحكومي للسينما ولمهرجاناتها الثقافية والفنية.


مقالات ذات صلة

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ناقش الفيلم العلاقات الأسرية بمعالجة مغايرة - الشركة المنتجة

«كانتو» فيلم تركي يرصد هشاشة الروابط الأسرية

لا يذهب الفيلم التركي «كانتو» إلى الدراما العائلية من باب الصدام المباشر أو المبالغات العاطفية، بل يختار الاقتراب الهادئ من التفاصيل اليومية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة الأميركية جينيفر لورانس (أ.ف.ب)

جينيفر لورانس تكشف: خسرت دوراً لصالح مارغوت روبي بعد وصفي بـ«القبيحة»

كشفت الممثلة الأميركية جينيفر لورانس أنها خسرت دوراً في أحد الأفلام لصالح زميلتها مارغوت روبي بعد أن وصفها النقاد بالقبح.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «إشاعة حب» (الشركة المنتجة)

كلاسيكيات الأفلام المصرية تجتذب جمهوراً جديداً بالسينمات السعودية

جذبت أفلام كلاسيكية مصرية جمهوراً جديداً لمشاهدتها بعد عقود طويلة من إنتاجها مع بدء عرضها بالسينمات السعودية.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق تُمنح جوائز «جوي أواردز 2026» للأعمال والشخصيات التي حققت حضوراً لافتاً (هيئة الترفيه)

«جوي أواردز 2026» تحتفي بصُنَّاع الترفيه في الرياض

تشهد العاصمة السعودية، السبت، حفل توزيع جوائز صُنَّاع الترفيه «جوي أواردز 2026»، التي تُعدّ الأرقى والأضخم في المنطقة، ضمن فعاليات «موسم الرياض».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.


«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
TT

«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)

أخيراً نالت قلعة راشيا، رمز الاستقلال اللبناني، الاهتمام الذي تستحق، وتحوَّلت إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب، ونيل السيادة، بأدوات عصرية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهولوغرام والتوثيق الدقيق.

ترميم متقن، وإعادة جمع للمستندات والصور والصحف، كما الملابس والحاجيات والأثاث، لجعل القلعة أشبه ما يمكن، بما كانت عليه في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ لبنان والمنطقة.

هولوغرام الرئيس رياض الصلح (متحف الاستقلال)

موقع القلعة مرتفع وخلاب، يُشرف على منحدرات محيطة بها من 3 جهات، وعلى قمة حرمون. وهي مبنى تاريخي شُيِّد على مراحل، تنطوي على آثار رومانية، وبرج صليبي أقيم لمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين عبر وادي التيم، ومن دمشق إلى القدس، كما بنى الفرنسيون السور الشرقي للقلعة عندما دخلوها عام 1920.

لهذا، فإن تحويل المكان برمزيته العالية وموقعه على مفترق طرق، إلى «متحف الاستقلال» في هذه الفترة التي تفتت بها دول، وتخشى أخرى من العدوى، هو أمر في غاية الأهمية.

فبعد أن كانت قلعة راشيا شبه فارغة، رغم بنيانها الرائع بقناطره وشرفاته وردهاته، ها هي تصبح موضع جذب سياحي وشبابي.

في الطابق السفلي حيث العقد الصليببي القديم، أُعيد تأهيل المدخل الجميل، وزوّد بجهاز ذكي، تطرح عليه، مع بدء الزيارة، ما يخطر على بالك من أسئلة. فهو مجهز ليجيبك بأي معلومة تحتاجها. في هذا الطابق أيضاً تُشاهد عرضاً مشوقاً عن تاريخ القلعة التي بُنيت على مراحل، ومرت عليها سلطات وعهود، تركت آثارها في المبنى.

مرحلة الاستقلال ليست سوى الجزء الأخير من تاريخ المكان. فقد شهد جانباً من الثورة العربية الكبرى التي قام بها الموحدون الدروز ضد الفرنسيين عام 1925. وها هي خيمة قائد الثورة السلطان باشا الأطرش تنتصب هنا، لتذكرنا بما سبق الاستقلال من مقاومات ونضالات.

يحدثنا الدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال، التي قامت بجهد كبير لإعادة بث الحياة في جوانب المتحف، بالتعاون مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور، عن حرص المؤسسة على أن تكون الخيمة بالمواصفات نفسها التي كانت للسلطان باشا الأطرش، وهذا تطلب بحثاً وجهداً خاصين. يومها اقتحم الدروز القلعة وتمكنوا من الدخول على الفرنسيين، وكادت القلعة تسقط، لكن جنود الانتداب طلبوا دعماً من قيادتهم في الشام، فأرسلت الطائرات التي قصفت راشيا وأحرقتها وقتلت 400 من الثوار. وفي المتحف لوحة بأسمائهم تخلّد ذكرى بطولاتهم الوطنية، على طريق تحرير بلادهم.

تستكمل حكاية الاستقلال نابضة، مجسدة، في الطابق الثاني من القلعة. هنا في ليل 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1943، كان الحدث التاريخي الفاصل. فقد احتجزت سلطة الانتداب الفرنسيّة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح والوزراء: كميل شمعون، وعادل عسيران، وسليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، جرّاء معركة تعديل الدستور، التي قرّرت خلالها السلطة اللبنانيّة إنهاء الانتداب الفرنسي.

مكتب الرئيس رياض الصلح وقلمه وطربوشه (متحف الاستقلال)

غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح أعيد تأثيثها، لتعود كما كانت يوم سُجن فيها. وها هو يقف منتصباً أمامك، بفضل تقنية الهولوغرام، يشرح ظروف اعتقاله وما عاشه في سجنه، وكيف اقتيد مع رفاقه من بيروت إلى راشيا، ولم يكن أي منهم يحمل سلاحاً، ولا يطلب منصباً، بل كل ما كانوا يبتغونه هو الحرية. دقيقتان ونصف دقيقة تقف فيها أمام رياض الصلح، كأنه حاضر اليوم. و«هو أمر لم يكن بالسهل تقنياً. فاستعادة الصوت والهيئة والطلة لشخص غادرنا، ولم يبقَ من آثاره الكثير، كان تحدياً كبيراً»، يقول الدكتور ماريني، وكذلك استعادة الأثاث والحاجيات، من أسرّة وملابس ومقتنيات. فقد أريد لهذه الأمكنة أن تكون حيوية، وكأنما هؤلاء الثوار لا يزالون فيها. هذا نراه أيضاً في غرفة الرئيس بشارة الخوري، الذي يحدث زائريه أيضاً بالهولوغرام، وهو ما يُضفي على المتحف صفة الطرافة ويجعله أكثر جذباً للشباب والتلامذة الصغار. وهم الجمهور المستهدف بشكل أساسي.

نمر على غرفة التحقيقات والاتصالات والتنصت بأجهزتها التي كانت تُستخدم في تلك الفترة، وغرفة الضابط الفرنسي بمستلزماتها. هناك أيضاً حجرة الجنود الفرنسيين، وأخرى للإعلام جمعت فيها أعداد الصحف التي صدرت عام 1943 أي عام الاعتقال، ليطّلع الزائر على كيفية سرد الأخبار حينها. وثمة تسجيلات لمقابلات أُجريت مع أشخاص عاصروا المرحلة، بينهم امرأة تروي كيف كانت نساء راشيا يطبخن للسجناء، ويرسلن لهم الطعام. وقد فارقتنا هذه السيدة، ولحسن حظنا أنها سجلت شهادتها قبيل وفاتها.

إحدى باحات القلعة المهابة (متحف الاستقلال)

حرص المشرفون على المتحف على ألَّا تكون زيارته عابرة، بل تحتاج وقتاً وتمعناً. ويمكن أن يقضي الزائر ساعتين ونصف ساعة مستمعاً، قارئاً، متفرجاً، متأملاً، لينتهي به الأمر إلى غرفة متَّسعة تصلح لمجموعات الزائرين الذين يودون التباري في ما بينهم، لاختبار معلومات تعلموها خلال جولتهم. وفي المتحف غرفة مخصصة للاجتماعات والحوارات.

نائب المنطقة، وائل أبو فاعور، سعيد وهو يتحدث عن هذا الإنجاز لبلدته التي أُعيد رصف أحيائها القديمة، والسوق الأثرية، ودرج الاستقلال وهو يصل السوق بالقلعة، كما تمت إنارتها.

«هذا يشكل مشروعاً متكاملاً بحيث يتمكن الزائر للمتحف من الاستمتاع بطبيعة راشيا، وسحر موقعها، كما يزور قلعتها ويفهم تاريخها، وقد استكملت هويتها»، يقول النائب أبو فاعور. «في المتحف يعيش الزائر لحظة الاستقلال، كما هي، سياسياً ووطنياً. لقد حرصنا على بلورة وتقديم الحكاية الأكثر تعبيراً عن المرحلة، وعن تلاقي الإرادات الوطنية اللبنانية». كما يحدثنا النائب أبو فاعور عن أمله في أن يلعب المتحف دوراً توجيهياً وتربوياً، على مدار السنة وليس في عيد الاستقلال فقط. «ويجري العمل حالياً مع وزارتي التربية والثقافة، لتحفيز المدارس على تنظيم رحلات لطلابهم لزيارة المتحف، والاستفادة منه».

وكانت «مؤسسة الوليد بن طلال» قد أخذت قراراً بترميم القلعة منذ عام 2009. لكن فكرة المتحف لم تكن قد نضجت بعد، كما أن تجميع المقتنيات الشخصية لرجالات الاستقلال وتوثيق تفاصيل إقامتهم في القلعة لم يكن بالأمر اليسير. «التواصل مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور أتى أُكُله، وكذلك التعاون مع البلدية، وتجاوب وزير الثقافة غسان سلامة الذي اشتغل على قانون يؤمّن الحفاظ على متاحف لبنان»، حسب د. ماريني.

من مقتنيات غرفة الاتصال في المتحف (متحف الاستقلال)

أما إعادة توثيق حكاية الاستقلال، فقد احتاجت عودة إلى كتب ووثائق، منها مذكرات الرئيس بشارة الخوري، وكتاب لجبران جريج، أحد الذين كانوا قد اعتقلوا في قلعة راشيا، وروى في كتابه كيف كانت ظروف السجناء، كذلك تمت مراسلة جهات فرنسية مختصة، لمعرفة اسم الضابط الذي كان مشرفاً على المكان، والحصول على صورته، ووثائق أخرى.

وحرصاً على الاستفادة من تجارب سبقت، تم التواصل مع عدد من المتاحف في فرنسا وألمانيا، و«مدام توسو» في بريطانيا. أما التحدي الحقيقي فكان إنجاز الهولوغرام للرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث يجب أن تأتي المقاييس مطابقة لما كانت عليه الشخصية، وكذلك الحركة ونبرة الصوت، والملابس. «الهولوغرامات في المتاحف موجودة، لكن المتقن منها قليل وله تكاليفه العالية، حيث تُحسب بالثانية التي يتحدث فيها الشخص. ونحن حرصنا على أن نقدِّم أفضل ما يمكننا، لذا وقع اختيارنا على إيطاليا لتنفيذ الهولوغرامين»، يقول د. ماريني.

تكتمل الزيارة بإطلالة من شرفة المتحف على بيوت راشيا القرميدية الساحرة، ووادي التيم بجماله الخلاب، وجبل حرمون بروحانيته الشفافة، لتشعر أن المجيء إلى هنا واجب وطني بحق.