جاهدة وهبه تضيء ليل المدينة... على مقام الطرب والحب

المطربة والمؤلفة الموسيقية اللبنانية جاهدة وهبة (إدارة أعمال الفنانة)
المطربة والمؤلفة الموسيقية اللبنانية جاهدة وهبة (إدارة أعمال الفنانة)
TT

جاهدة وهبه تضيء ليل المدينة... على مقام الطرب والحب

المطربة والمؤلفة الموسيقية اللبنانية جاهدة وهبة (إدارة أعمال الفنانة)
المطربة والمؤلفة الموسيقية اللبنانية جاهدة وهبة (إدارة أعمال الفنانة)

ليل المدينة حالك، ومعظم الطرق مطفأةٌ مصابيحُها، لكنّ صوت جاهدة وهبة قنديلٌ للعتمة. تقتبس من سعد الله ونّوس لتعلن: «نحن محكومون بالأمل»، ولا تودّع جمهورها المحتشد في مسرح «كركلّا» من دون أن تصدح «لا تلتفت إلى الوراء» من شعر غونتر غراس.

«الوراء» هو تلك السنوات الكئيبة والمخيفة التي عبرت على لبنان. تريد الفنانة أن تمحوها بتعويذة صوتها. ترنو إلى «وطنٍ كان وما زال منارة الثقافة والفن»، وفق ما تقول لـ«الشرق الأوسط». لذلك، فهي تكثّف حفلاتها منذ بزغ نور أملٍ صغير على بلاد الأرز.

احتضن الحفل مسرحُ كركلّا في العاصمة اللبنانية بيروت (إدارة أعمال الفنانة)

بعد حفلٍ حاشد في «كازينو لبنان»، مطلع مارس (آذار)، بمناسبة يوم المرأة، اعتلت جاهدة وهبة الخشبة من جديد ضمن أمسية حملت عنوان «في رحاب القصيدة والمقام»، وتزامنت مع احتفاليات عيد الفطر في بيروت. المقاعد ممتلئة ومنهم مَن لا يمانعون الإصغاء إليها وقوفاً. جاء المحبّون من أماكن بعيدة ومن أجيال متعددة.

ضمّت المطربة اللبنانية صوتها إلى نغمات المعهد الوطني العالي للموسيقى، «الصرح الذي أعدّه بيتي الثاني والمكان الذي تشكّلت فيه معرفتي وذائقتي الموسيقية»، وإلى الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق – عربية بقيادة المايسترو أندريه الحاج. الفرقة مكتملة النصاب: جوقة المعهد وعازفو الأوركسترا بآلاتهم الكثيرة، تتوسّطهم وهبة وبين حبالها الصوتيّة أوركسترا موازية، تتنقّل بين الطرب والكلاسيكيات والأناشيد والأغاني العاطفية والقصائد الصوفيّة.

اختارت للبداية إحدى أصعب ثنائيّات القصيدة والمقام، فافتتحت الحفل بأغنية «سكن الليل» للسيّدة فيروز من شعر جبران خليل جبران، وألحان محمد عبد الوهاب. تتراوح القدرات الصوتيّة بين أقصى الطبقات وأقصى الإحساس. لا تستنسخ وهبة الأغنية كما قدّمها مغنّيها الأصليّ، بل تضيف إليها وتثريها بأدائها.

وكلّما استحضرت أحد عظماء الموسيقى العربية، مثل وديع الصافي في «رح حلّفك بالغصن يا عصفور»، أو أسمهان في «يا حبيبي تعالى الحقني»، سكبت المطربة اللبنانية الكثير من هويّتها الخاصة. كأنّ كلاسيكيات الأغنية تنبعث من صوتها تُحَفاً جديدة.

قاد الأوركسترا الوطنية الشرق عربية المايسترو أندريه الحاج (إدارة أعمال الفنانة)

تأخذ وهبة استراحةً قصيرة من الموسيقى لترحّب بالجمهور من رسميين وإعلاميين ومُحبّين. وبحِرص مَن تريد الأفضل لوطنها تقول: «أنا مستعدّة لمدّ يد العون إلى كل المؤسسات التي تُعنى بالثقافة في لبنان. الثقافة تحمينا من الغوغائية والهمجية». تعيد تأكيد ذلك في حديثها السريع مع «الشرق الأوسط» بعد الحفل: «في زمن التحدّيات الكثيرة، يبقى صوت الفن أعلى من الضجيج، ومساحة مضيئة في وجه العتمة والعنف». تدعو زملاءها الفنانين والمثقفين إلى التعاضد من أجل إعلاء شأن الثقافة في لبنان، «مهد الجمال والحرية والإبداع».

ومن حب الوطن إلى الحب المطلق مع شعرِ ابن الفارض... «زدني بفرط الحب فيك تحيّرا»، يخرج الصوت ابتهالاً، زاهداً ومرصّعاً في آن. تُلحق وهبة تلك الوقفة المتصوّفة بقصيدة طلال حيدر «يا ريت فيّي إنهدى». هنا تتّسع مساحات الدلال واللعب على الطبقات، ويتلاقى ذلك مع اللعب على الكلام الذي يحترفه الشاعر.

جاهدة وهبة: «الثقافة تحمينا من الغوغائية والهمجية»... (إدارة أعمال الفنانة)

ليست جاهدة وهبة مطربة فحسب، بل إنها تؤلّف معظم أغنياتها وتلحّنها. وقد خُصّص الجزء الأكبر من حفل «القصيدة والمقام» للأعمال التي لحّنتها بنفسها. أهدت بيروت إحدى أجمل القصائد التي نُظمت في حب تلك المدينة، بحِبر الشاعرة لميعة عباس عمارة... «يا بنتَ سبعة آلافٍ وما برحت صبيّةً تشتهي الدنيا مقبّلَها». ولم يكد التصفيق يهدأ في القاعة، حتى اشتعل من جديد عندما صدحت «إذا الشعب يوماً أراد الحياة» لأبي قاسم الشابّي. كأنها باختيار هذا النشيد، تحثّ أبناء بلدها على الابتسام للقدر بعد انجلاء الليل.

لا الأناشيد تعصى على وهبة ولا التهويدات. وعندما يحين موعد العشق مع «أرض الغجر» من شعر ماجدة داغر وألحان شربل روحانا، يستحيل الفراقُ أملاً، واللوعةُ شمعةً.

ساعة ونصف الساعة من الغناء المتواصل لم تقاطعها سوى آهات الجمهور وتصفيقهم وبعض الدموع. وكلّما علا التصفيق انخفض رأس وهبة باحترامٍ وخفَر، كسنبلةٍ مكتنزةٍ بالألحان وأبيات الشعر. بينها وبين قائد الأوركسترا والعازفين ومغنّي الكورس، التناغم جليّ. لا تنسى أن تحيّيهم بين أغنيةٍ وأخرى.

ولأنّ الغناء ألوان وحنجرة جاهدة وهبة تحمل قوسَ قزحٍ منها، وقفةٌ مع الأغنية الفرنسية ورائعة إديث بياف «Non je ne regrette rien» ونسختها المعرّبة «ما بندم ع شي». تدعو الحاضرين لمرافقتها غناءً، تمازحهم، ثم تنفصل عن الواقع لتتجلّى على سجيّتها.

ويتواصل الصعود على نغمات «ما طلبت من الله»، وهي من شعر أحلام مستغانمي وألحانها... «ما طلبتُ من الله في ليلة القدْرِ سوى أن تكون قدَري وسِتري، سقفي وجدران عمري وحلالي ساعة الحشرِ».

تتّسع المساحة المفردة للأنثى في أعمال جاهدة وهبة، من الشاعرات اللواتي تعاونت معهنّ، مروراً بالأيقونات اللواتي أعادت أغانيهنّ، وليس انتهاءً بأنها فرضت نفسها ملحّنة، في زمنٍ وبقعةٍ جغرافية غالباً ما يقتصر فيهما التلحين على الذكور. من ألحانها وشعر سعاد الصباح غنّت «قل لي»، قبل أن تودّع الجمهور بإحدى أجمل أغاني أرشيفها «لا تلتفت إلى الوراء».

وهبة متوسطةً رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى هبة القواس ومنسقة قسم الغناء الشرقي في المعهد عايدة شلهوب (إدارة أعمال الفنانة)

وعندما وقف الجمهور مطالباً بالمزيد، عادت وهبة إلى الخشبة لتختم الأمسية باستعادة لـ«هذه ليلتي» لأم كلثوم من شعر جورج جرداق وألحان محمد عبد الوهاب.

تَعِد بأنّ المواعيد مع الطرب والشعر ستتجدّد لتضيء ليل المدينة: «قدرُنا أن نواصل الحلم، فالحلم لا يُقهر وأن نواجه الظلام بالحب، وبالمعرفة، وبالفن».


مقالات ذات صلة

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (البيت الفني للمسرح)

انتعاشة مسرحية وغنائية في مصر احتفالاً بـ«أعياد الربيع»

في إطار الاحتفال بـ«أعياد الربيع»، و«عيد القيامة»، يشهد المسرح المصري انتعاشة فنية ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

الفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)

حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

أكّد المطرب المصري، حمادة هلال، أن أغنياته أصبحت ملكاً للجمهور ومرتبطة بذكرياته، ولا يرغب في حذف أي منها.

محمد الكفراوي (القاهرة )
خاص لم يقف مرض السمكيّة في وجه تحقيق دانية الصبّان حلم الغناء (صور الصبّان)

خاص دانية الصبّان... عندما تغلب رقّة الصوت قسوة المرض وأحكام الناس

بعد سنوات قضتها في الظل بسبب إصابتها بمرض السمكيّة، دانية الصبّان تُطلق صوتها إلى الحرية وإلى قلوب عشرات آلاف المتابعين.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)

«أكتر من أي وقت»... جسرٌ موسيقيّ تمُدّه «أنغامي» بين العرب

أغنية وطنية عابرة للحدود العربية تجمع فنانين من لبنان، والسعودية، والكويت، والعراق، والبحرين، وسوريا.

كريستين حبيب (بيروت)

مايا أبو الحسن: من منصات الجمال إلى الدراما... «الإعلام خياري الأول»

تركز مايا على الإعلام أكثر من التمثيل (إنستغرام الفنانة)
تركز مايا على الإعلام أكثر من التمثيل (إنستغرام الفنانة)
TT

مايا أبو الحسن: من منصات الجمال إلى الدراما... «الإعلام خياري الأول»

تركز مايا على الإعلام أكثر من التمثيل (إنستغرام الفنانة)
تركز مايا على الإعلام أكثر من التمثيل (إنستغرام الفنانة)

تخلّت مايا أبو الحسن عن عباءة الجمال التي حملتها بصفتها وصيفة أولى لملكة جمال لبنان 2023، لتطلّ هذه المرة عبر الدراما في مسلسل «بالحرام»، مقدّمة شخصية امرأة تتعرّض للعنف. وقد وقفت بثقة إلى جانب نخبة من نجوم العمل، مؤدية دورها بإتقان لافت.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، تشير إلى أنها لم تدخل عالم التمثيل صدفة، بل بعد تدريبات مكثفة خضعت لها، موضحة: «لم أشأ خوض التجربة من دون جهوزية. تابعت ورش عمل مع مدربين، أحدهما لبناني، والآخر سوري. وعندما تواصل معي المخرج فيليب أسمر للمشاركة في (بالحرام) لم أتردد، إذ كنت أطمح إلى خوض تجربة درامية من هذا النوع».

قدمت شخصية المرأة المعنفة في «بالحرام» (إنستغرام الفنانة)

وتصف التجربة بأنها كانت متعبة، وغنية بالتحديات، مضيفة: «مجرد وقوفي إلى جانب روّاد الدراما اللبنانية شكّل حافزاً كبيراً لي. الفريق بأكمله قدّم لي الدعم، لا سيما أن دوري تضمّن مشاهد أساسية مع باسم مغنية، ما أتاح لي التعلّم منه. كان حريصاً على راحتي، الأمر الذي انعكس إيجاباً على أدائي».

وتؤكد أن الشخصية التي جسّدتها لا تشبهها، ما زاد من صعوبة المهمة: «تقديم دور لا يمتّ إليك بصلة في أول تجربة ليس بالأمر السهل».

وعن مدى مساهمة جمالها في دخولها عالم التمثيل، تقول: «لا شك في أن الجمال الخارجي يلفت الأنظار في البداية، وهذا ينطبق على مختلف المهن، وليس على التمثيل فحسب. لكن من دون العمل الجاد، والشغف، والموهبة لا يمكن لهذا العامل وحده أن يحقق النجاح».

ورغم نجاح التجربة، لا تبدو مايا متحمسة لتكرارها قريباً، إذ توضح: «أفكر حالياً في التركيز على عملي الإعلامي. دراستي في الراديو والتلفزيون والصحافة تدفعني في هذا الاتجاه، كما أن العمل الإعلامي منحني خبرات أعتز بها».

وتطلّ مايا مقدمة تلفزيونية في برنامج «مورنينغ توك» عبر شاشة «إل بي سي آي»، مؤكدة أن حلم الإعلام رافقها منذ الصغر: «كنت شغوفة بهذا المجال، والتجربة زادت تعلقي به. فقد قرّبتني من الناس، وخلقت علاقة خاصة بيني وبين المشاهد. وبرأيي، لا تزال الشاشة الصغيرة تحتفظ بسحرها ومصداقيتها أكثر من وسائل التواصل الاجتماعي».

تصف الممثلة العالمية بيلوتشي بالـ«متواضعة» (إنستغرام الفنانة)

وكانت قد شاركت سابقاً في فيلم أجنبي بعنوان «الكلاب السبعة»، إلى جانب كريم عبد العزيز، وأحمد عز، ومونيكا بيلوتشي. وتروي: «أديت دور ابنة بيلوتشي، وقد عاملتني كأنني ابنتها فعلاً. كنت أراقب أداءها بشغف، وتعلّمت منها الكثير، أبرز ذلك تواضعها. فهي، رغم نجوميتها، إنسانة بسيطة، وتتعامل مع الجميع بمحبة».

وترى أن تجربتها التمثيلية كشفت لها جانباً مهماً من معاناة الممثلين، قائلة: «أدركت حجم التضحيات التي يقدمها الممثل، ومدى حاجته إلى التقدير. فغياب التكريم قد يسبب له إحباطاً، ومن حقه التساؤل عن سبب الإهمال رغم الجهد الذي يبذله».

وعن مسيرتها الإعلامية التي بدأتها قبل 3 سنوات عبر شاشة «إل بي سي آي»، تقول إنها أحدثت تحولاً في شخصيتها: «طوّرت أسلوبي في التواصل، واكتسبت قدرة أكبر على مقاربة المواضيع بعمق».

وتختم حديثها بالقول: «أتمنى تقديم برنامج خاص بي، ويفضل أن يكون فنياً، أو ترفيهياً بعيداً عن السياسة». وتشير إلى أن سر نجاح المذيعة يكمن في عفويتها: «كلما كانت طبيعية، كسبت ثقة الناس الذين يميّزون بسرعة بين الصدق والتصنّع».

وعن مشاركة وجوه جديدة في الدراما الرمضانية، تعبّر عن إعجابها بهذه الخطوة، قائلة: «أحببت هذا التنوع، فقد تركت ياسمينا زيتون وجنيفر عازار بصمة جميلة في مسلسل (بخمس أرواح)، رغم أنه تجربتهما الأولى».


هل عاد بانكسي؟ غرافيتي «كابيبارا هاربة» يثير الغموض

الجدارية على جانب حانة «ذا إيه بار» في بورتسموث (موقع ذا إيه بار)
الجدارية على جانب حانة «ذا إيه بار» في بورتسموث (موقع ذا إيه بار)
TT

هل عاد بانكسي؟ غرافيتي «كابيبارا هاربة» يثير الغموض

الجدارية على جانب حانة «ذا إيه بار» في بورتسموث (موقع ذا إيه بار)
الجدارية على جانب حانة «ذا إيه بار» في بورتسموث (موقع ذا إيه بار)

في مشهد يختلط فيه الفن بالغموض، أخذت جداريات تحمل ملامح أسلوب بانكسي تتسلل إلى جدران الحانات القريبة من حديقة حيوان مارويل، حيث لا تزال قصة هروب زوج من حيوان الكابيبارا تثير فضول السكان وتغذّي الأسئلة، حسب صحيفة «مترو» اللندنية.

وقال مديرو الحانات القريبة من حديقة حيوان مارويل، إنهم في حيرة من أمرهم إزاء جداريات الكابيبارا التي ظهرت بين عشية وضحاها. وقد عثر العاملون على الرسومات، التي تُظهر كابيبارا متخفية تحمل مظلة على ظهرها، مرسومة على جانبي حانتين في مقاطعة هامبشاير، عند بدء نوبات عملهم.

ويُعتقد أن هذه الرسومات تمثل تحية غريبة لـ«سامبا» الكابيبارا، التي هربت من حديقة مارويل، الشهر الماضي، وما زالت طليقة. وكانت سامبا، البالغة تسعة أشهر، قد فرت في 17 مارس (آذار)، مما استدعى عمليات بحث واسعة، تضمنت استخدام طائرات مسيّرة حرارية وكلباً بوليسياً متخصصاً في التعقب. وأفادت إدارة الحديقة أنه رغم متابعة عدة بلاغات عن مشاهدتها، فإنها لا تزال حرة.

وكانت سامبا قد وصلت إلى الحديقة في 16 مارس بعد نقلها من «منتزه ومزرعة جيمي للحياة البرية»، لكنها هربت في اليوم التالي برفقة شقيقتها «تانغو».

وفي حين عُثر سريعاً على «تانغو» في مكان قريب، تعذر تحديد موقع «سامبا»، التي وُصفت بأنها «الأكثر ميلاً للمغامرة» بين الشقيقتين. وحديثاً، عُثر على رسمين جداريين بأسلوب بانكسي على حانتين قرب مارويل، في كل من ساوثهامبتون وبورتسموث.

وجرى رسم قالب (ستنسل) على حانة «إيه بار»، وذلك بعد أسابيع فقط من ظهور رسم مماثل على جدار حانة «لندن رود برو هاوس» حمل التوقيع نفسه.

تتضمن اللوحة الجدارية توقيع الفنان «بيدج»، الذي يبدو أنه ينسب لنفسه الفضل في هذه الإضافة الجديدة إلى حانة «ذا إيه بار»، لكن هوية الفنان لا تزال مجهولة. وقال متحدث باسم حانة «ذا إيه بار»: «تقع اللوحة فوق السطح مباشرةً، لذا وصل فريق العمل في وقت مبكر من الصباح، فرأوها على الفور وراجعوا كاميرات المراقبة».


كيف تتناول الأسماك المملحة من دون متاعب صحية؟

بائع يحضر أسماك البوري المملحة «الفسيخ» لاحتفالات «شم النسيم» (رويترز)
بائع يحضر أسماك البوري المملحة «الفسيخ» لاحتفالات «شم النسيم» (رويترز)
TT

كيف تتناول الأسماك المملحة من دون متاعب صحية؟

بائع يحضر أسماك البوري المملحة «الفسيخ» لاحتفالات «شم النسيم» (رويترز)
بائع يحضر أسماك البوري المملحة «الفسيخ» لاحتفالات «شم النسيم» (رويترز)

تثير الأسماك المملحة مثل الفسيخ والرنجة جدلاً صحياً متجدداً مع تزايد الإقبال عليها في المناسبات الموسمية، وعلى رأسها احتفالات «شم النسيم» في مصر. وعلى الرغم من كونها جزءاً من الموروث الغذائي الشعبي في بعض المجتمعات، فإن دراسات علمية عدَّة حذّرت من مخاطر محتملة ترتبط بسوء الإعداد أو التخزين، بما في ذلك التلوث البكتيري، وتكوّن مركبات سامة ناتجة عن التحلل، إضافة إلى احتمالية التسمم الغذائي الحاد في بعض الحالات.

ومع حلول «شم النسيم»، يزداد استهلاك الفسيخ والرنجة بوصفهما من أبرز الأطعمة التقليدية المرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما يرافقه تجدد التحذيرات الصحية من مخاطر الإفراط في تناولهما أو شرائهما من مصادر غير موثوقة. وتكمن الخطورة في احتمال تعرض هذه المنتجات للتلوث أو سوء الحفظ، ما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية قد تكون خطيرة في بعض الحالات.

تاريخياً، ارتبط استهلاك الأسماك المملحة، لا سيما الفسيخ، بحالات التسمم الوشيقي (البوتوليزم)، وهو مرض غذائي نادر لكنه شديد الخطورة تسببه سموم تنتجها بكتيريا تُعرف باسم «Clostridium botulinum».

وتؤثر هذه السموم على الجهاز العصبي من خلال منع انتقال الإشارات العصبية إلى العضلات، ما يؤدي إلى ضعف شديد أو شلل رخو قد يصل إلى عضلات التنفس في الحالات الشديدة، ويصبح مهدداً للحياة إذا لم يُعالج بسرعة.

إقبال لافت على تناول «الفسيخ» في مصر خلال الأعياد (حساب أحد محال بيع الأسماك المملحة على فيسبوك)

وسجّلت مصر في عام 1991 تفشّياً يُعد من أكبر حالات التسمم بمرض البوتوليزم عالمياً، حيث أسفر تناول الفسيخ عن 91 حالة إصابة و18 حالة وفاة.

وأظهرت التحقيقات الوبائية، في دراسة مشتركة بين باحثين مصريين وأميركيين، أن جميع الحالات تقريباً ارتبطت بشراء المنتج من مصدر واحد، ما أكد وجود تلوّث مشترك.

كما كشفت التحاليل المخبرية عن مستويات مرتفعة من سموم النوع (E) للبكتيريا المسببة للمرض في عينات الفسيخ، إلى جانب عزل البكتيريا من عينات المرضى والطعام الملوّث، ما حسم العلاقة المباشرة بين الاستهلاك والإصابة.

وفي عام 2019، سُجِّل حادثٌ مماثل مرتبط بالفسيخ أيضاً في مصر، أسفر عن دخول 94 شخصاً إلى المستشفيات في محافظات عدَّة.

وفي السياق، جدَّدت وزارة الصحة المصرية تحذيراتها من مرض البوتوليزم، يوم الاثنين، موضحة أنه يصيب الأعصاب ويسبّب أعراضاً مثل ازدواج الرؤية، وصعوبة البلع، وضعف العضلات، وقد يمتد تأثيره إلى الجهاز التنفسي. وأكدت أن المرض يرتبط غالباً بسوء طرق حفظ الأسماك المملّحة، ما يتيح للبكتيريا المسببة له أن تنشط.

كما حذَّرت الوزارة من الإفراط في تناول الفسيخ والرنجة، نظراً لاحتوائهما على نسب مرتفعة من الملح، قد تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم بشكل خطير، خصوصاً لدى مرضى القلب والأوعية الدموية، مع التأكيد على ضرورة اتباع نظام غذائي متوازن، وتجنّب الأطعمة عالية الملوحة، والإكثار من شرب المياه، ومراقبة ضغط الدم خلال فترات الأعياد.

وزارة الصحة المصرية تحذر من الإفراط في تناول الفسيخ والرنجة (وزارة الصحة المصرية)

كما دعت الوزارة المواطنين إلى التواصل مع الخط الساخن (137 أو 16474) في حال وجود أي استفسارات صحية، مؤكدة استمرار تقديم الدعم الطبي والإرشادات اللازمة للحفاظ على صحة المواطنين.

من جانبه، قال الدكتور مجدي نزيه، استشاري التثقيف والإعلام الغذائي في مصر، إن المخاطر الصحية الناجمة عن تناول الأسماك المملحة مثل الفسيخ والرنجة تعود عادة إلى طرق التحضير والحفظ غير السليمة، والتي قد تؤدي إلى زيادة تكاثر البكتيريا المسببة للمرض.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن الطريقة الوحيدة للوقاية من هذا التسمم تتمثل في ضمان إعداد وحفظ هذه الأسماك بطريقة صحية وسليمة، مشيراً إلى أن إعدادها في المنزل قد يكون خياراً أكثر أماناً إذا تم وفق معايير نظافة وحفظ دقيقة.

وأوضح أن هذه الأطعمة تعتمد في الأساس على نسبة عالية من الملح، لذا يُنصح بتجنبها لدى مرضى ارتفاع ضغط الدم، ومرضى الكلى، والحوامل، والأطفال، وكبار السن، وكذلك لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف في المناعة أو مشكلات في الجهاز الهضمي.

تحذيرات متعددة

على مدار السنوات الماضية، تناولت دراسات علمية دولية عدّة مخاطر الأسماك المملحة والمدخنة على غرار الفسيخ والرنجة، لا سيما من حيث التلوث البكتيري واحتمالات التسمم الغذائي.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة أجراها باحثون في قسم علوم وهندسة الأغذية بجامعة قوانغدونغ للتكنولوجيا في الصين عام 2023، على أسماك مملحة تُباع في أسواق مقاطعة غوانغدونغ جنوب الصين، عن انتشار واسع لبكتيريا مُكوِّنة للهستامين، وهي من أبرز مسببات التسمم الغذائي المرتبط بتناول الأسماك غير المعالجة أو المخزنة بطريقة غير آمنة.

وأظهرت النتائج، التي اعتمدت على تحليل 70 عينة من نوعين من الأسماك المملحة، وجود 31 سلالة من البكتيريا المنتجة للهستامين في النوع الأول، مقابل 5 سلالات في النوع الثاني. كما بيّنت الدراسة أن نوع البكتيريا السائد يختلف باختلاف طريقة الحفظ، ما يعكس تأثير أساليب التصنيع على طبيعة التلوث الميكروبي.

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة بمصر (حساب أحد محال بيع الأسماك المملحة على فيسبوك)

وخلص الباحثون إلى أن كلا النوعين من الأسماك المملّحة يحتوي على بكتيريا قادرة على إنتاج الهستامين بمستويات قد تمثّل خطراً على الصحة، لا سيما في الأسماك المُحضَّرة عبر التمليح السريع أو التخليل قصير المدة، وهو ما يثير مخاوف بشأن سلامة استهلاك هذه المنتجات في الأسواق التقليدية.

كما أشارت دراسة أُجريت في جامعة تشانغوون الوطنية في كوريا الجنوبية عام 2024 إلى تحدٍّ صحي آخر يرتبط بالأسماك المملّحة، يتمثّل في ارتفاع نسبة الملح وبعض المركّبات، مثل الأمينات الحيوية، التي قد تشكّل خطراً على الصحة إذا لم تُضبط مستوياتها بدقة، نظراً لارتباط الصوديوم بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية.