فضيحة «سحوبات الجوائز» تتفاعل في الكويت... وأنباء عن «شبكة» للتلاعب

القبض على مشتبه بهم... و«التجارة» تشكل لجنة تقصي حقائق

الاستعداد لعملية السحب في مسابقة مهرجان «يا هلا» للتسوق في الكويت التي أثيرت حولها القضية (الشرق الأوسط)
الاستعداد لعملية السحب في مسابقة مهرجان «يا هلا» للتسوق في الكويت التي أثيرت حولها القضية (الشرق الأوسط)
TT

فضيحة «سحوبات الجوائز» تتفاعل في الكويت... وأنباء عن «شبكة» للتلاعب

الاستعداد لعملية السحب في مسابقة مهرجان «يا هلا» للتسوق في الكويت التي أثيرت حولها القضية (الشرق الأوسط)
الاستعداد لعملية السحب في مسابقة مهرجان «يا هلا» للتسوق في الكويت التي أثيرت حولها القضية (الشرق الأوسط)

تتفاعل في الكويت قضية التلاعب في السحوبات على جوائز المسابقات، بعد أن تمّ القبض على المتهمين الرئيسيين في هذه القضية، لتتوسع التحقيقات إلى الكشف عن «شبكة» تتولى التخطيط والتنفيذ للتلاعب في المسابقات التي تنظمها جهات متعددة في الكويت.

وبعد فضيحة السحوبات الأخيرة، ألقت السلطات الكويتية مساء الأحد القبض على امرأة من الجنسية المصرية في مطار الكويت قبل محاولة هروبها، وهي السيدة التي نسب لها الفوز بأربع سيارات فاخرة خلال عام واحد.

وقامت المتهمة بحسب ما نشرته وسائل إعلام كويتية نقلاً عن سلطات الأمن، بتحويل إحدى السيارات التي فازت بها إلى اسم زوجها، وتمّ توقيف الزوج كذلك من قبل وزارة الداخلية فجر الاثنين.

في حين كشفت تحقيقات الشرطة عن تورط أطراف يعملون ضمن شبكة للتلاعب في نتائج المسابقات، وبعض أفراد هذه الشبكة غادروا البلاد قبل اكتشاف أمرهم.

تعود تفاصيل القضية التي شغلت الرأي العام في الكويت، إلى عملية سحب على سيارة فاخرة في مسابقة مهرجان «يا هلا» للتسوق في الكويت، حيث اتهم مسؤول في وزارة التجارة والذي قام بعملية السحوبات بأنه أخفى «كوبونا» داخل «كمّه»، وتبين أن اسم الفائز الذي أعلن عنه يعود لسيدة مصرية تكرر فوزها بالجوائز أربع مرات، وتمّ تداول لقطات مصورة تظهر ما يعتقد أنه عملية تلاعب.

ومن المصادفة كذلك أن يتكرر حضور هذا المسؤول في وزارة التجارة في عمليات السحب التي فازت فيها السيدة المصرية.

وبحسب وسائل إعلام كويتية فإن السيدة التي فازت بالسحب وكانت جائزتها عبارة عن سيارة فاخرة سبق أن فازت بأربع سيارات في عام واحد، ما عزز الشكوك في نزاهة السحوبات.

وفازت هذه السيدة منتصف أبريل (نيسان) 2024 بسيارة من طراز «رنج روفر»، وفي شهر أغسطس (آب) 2024 فازت بسيارة من طراز «جيلي»، وفي يناير (كانون الثاني) 2025 فازت بسيارة من طراز «BMW»، وفي 22 من هذا الشهر فازت بسيارة من طراز «اسكاليد».

وبالنسبة لمنظمي المسابقات فهم مختلفون، ويتوزعون بين «الخيران»، و«الراي» و«بوتيكات»، و«يا هلا».

«الداخلية»: ضبط شبكة التلاعب

وأعلنت وزارة الداخلية الكويتية، الاثنين، أنها ممثلة بقطاع الأمن الجنائي، وبالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة، ضبطت شبكة متورطة في التلاعب بنتائج السحوبات، وذلك عقب تداول مقطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أظهر شخصاً يقوم بالتحايل في عملية السحب.

وذكرت «الداخلية»، في بيان صحافي، أن التحريات أسفرت عن تحديد هوية الشخص الظاهر في الفيديو، وهو مواطن يشغل منصب رئيس قسم السحوبات في وزارة التجارة والصناعة، وتبين أنه استغل موقعه الوظيفي لتنفيذ عمليات تلاعب ممنهجة في العديد من السحوبات الخاصة بالشركات المعلنة عن جوائز، حيث قام بضمان فوز أشخاص محددين مقابل تلقيه منافع مادية.

وأضافت أن التحريات كشفت أيضاً عن وجود شبكة تقوم بإجراءات دقيقة في التلاعب بسحوبات عديدة، منها فوز امرأة من جنسية عربية وتعمل في إحدى اللجان الخيرية بعدة جوائز، من بينها خمس سيارات باسمها وسيارتان باسم زوجها الذي يحمل نفس جنسيتها ويعمل في إحدى شركات الصحافة، وذلك من خلال عمليات تلاعب ممنهجة.

وأشارت الوزارة إلى أنه، وبعد استصدار الإذن القانوني، قامت الفرق الأمنية بضبط المواطن، كما تم ضبط المرأة وزوجها أثناء محاولتها مغادرة البلاد عبر مطار الكويت الدولي، مبيّنة أنه «بمواجهتها أقرت بأنها دخلت في هذه المخططات عبر زوجها الذي تربطه علاقة مع شخص من جنسية عربية يعمل معه بذات جهة العمل اقترح عليه الاشتراك في السحوبات».

وأكدت أن هناك شخصاً من جنسية كاريبية وإقامته على إحدى شركات الخدمات اللوجستية قادر على ضمان فوزه بشرط التنازل عن الجائزة مقابل مبلغ مالي يتراوح بين 200 و600 دينار كويتي، لافتة إلى أن المواطن أقر واعترف بقيامه بالتحايل بتلك السحوبات بالاتفاق مع الشخص الكاريبي واقتسام المبلغ فيما بينهما.

ونوّهت «الداخلية» بأنه ومن خلال التحريات تبيّن أن زميل زوجها، الذي يحمل الجنسية العربية، غادر البلاد في الأول من مارس (آذار) الماضي، بينما غادر الذي يحمل الجنسية الكاريبية، يوم الأحد، مشيرة إلى أنه جار ملاحقتهما ومتابعتهما عبر الإنتربول الدولي وفق الأطر القانونية.

وأضافت وزارة الداخلية أنه تبيّن للجهات الأمنية وجود أسماء فائزين آخرين مشتبه بتورطهم في عمليات تلاعب مماثلة، وجارٍ التدقيق عليها مع باقي الجهات المعنية، وعمل اللازم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم، مؤكدةً أنها لن تتهاون في ملاحقة كل من يثبت تورطه في قضايا الفساد والتلاعب بالأنظمة والقوانين، وستتخذ أقصى العقوبات القانونية بحق المتهمين وتقديمهم للعدالة.

المطالبة بالتحقيق

وأعلنت إدارة مهرجان «يا هلا» وقف تسليم جوائز السحب الثامن مؤقتاً، وقالت في بيان الأحد، إنه «تم وقف تسليم جوائز السحب الثامن مؤقتاً لحين انتهاء التحقيق، حفاظاً على الشفافية والنزاهة».

وقال مهرجان «يا هلا» إن «جميع السحوبات تُجرى من قبل وزارة التجارة والصناعة، وبحضور من الجهات الحكومية المختصة، حيث يتولى ممثلو الوزارة تنفيذ عملية السحب بأنفسهم دون تدخل من أي جهة أخرى».

كما أعلنت مجموعة الراي الإعلامية أنه «تعقيباً على ما تم تداوله من أنباء عن شبهات تحايل في سحوبات المهرجانات التسويقية نتج عنها فوز متكرر لفائز في مجموعة من السحوبات ومن بينها السحب الخاص بجريدة (الراي) الذي جرى في 9 يناير 2025 بحضور وتحت إشراف ممثلي وزارة التجارة والصناعة باحتفاظها بحقها باتخاذ كافة الإجراءات القانونية تجاه شبهة التحايل والتلاعب إذا أدى إلى فوز أحد الفائزين بمجموعة من الجوائز بصورة متكررة مما يثير الريبة، مؤكدة على حرصها التام على أعلى درجات الشفافية وإجراء كافة السحوبات بصورة أمينة تحت إشراف الجهات الرسمية ذات الشأن».

وأهابت المجموعة «بوزارة التجارة اتخاذ ما يلزم من تدابير تضمن نزاهة السحوبات وفق أعلى المعايير بعيداً عن المخالفات القانونية المتنوعة، وتثمن تحرك الوزارة السريع نحو تقديم بلاغ إلى النيابة العامة للكشف عن كافة الملابسات المصاحبة لعمليات السحب التي أجريت تحت إشرافها طبقاً للإجراءات المتبعة قانوناً».

إيقاف المسؤول

كما أمرت وزارة التجارة بإيقاف الموظف المسؤول عن العمل، وأحالت القضية إلى النيابة العامة، لتتولى إجراءات التحقيق القانونية.

وذكر وكيل الوزارة زياد الناجم في كتابه الموجه إلى النيابة، أن الواقعة تشير إلى وجود شبهة تحايل قام بها ممثل الوزارة أثناء سحب الجوائز، مما قد يمس بثقة المستهلك أو يسيء لمصداقية تلك الفعاليات حال ثبوت المخالفة.

وتابع: «نظراً لوجود شبهة جنائية بالتحايل بتسليم الجوائز والتي أخذت أصداء في الرأي العام الكويتي وحرصاً من الوزارة على سلامة ونزاهة السحوبات التجارية وعليه نحيل لكم الواقعة لتتولى النيابة العامة التحقيق فيها باعتبارها صاحبة الاختصاص في هذا الشأن».

لجنة تقصي الحقائق

ومساء الاثنين، أكد عبد الله الحرز الناطق الرسمي للوزارة، حرص «التجارة» على تعزيز ثقة المستهلكين وجمهور المتعاملين معها، مؤكداً أنه «لا مجال للتهاون مع الشبهات التي شابت أحد سحوبات مهرجان التسوق مؤخراً أو مع من تسبب بها».

وبيَّن الحرز أن الوزارة اتخذت عدة إجراءات داخلية، للتعامل مع شبهة السحوبات، مضيفاً أن خليفة العجيل وزير التجارة أصدر قراراً بتشكيل لجنة تقصي حقائق بشأن مخالفات السحوبات خلال الفترة السابقة برئاسة عدنان آبل رئيس جمعية المحامين الكويتية.

وأضاف أنه بناء على توجيهات الوزير أصدر وكيل الوزارة زياد الناجم قراراً بتدوير المديرين في قطاع الرقابة وشؤون حماية المستهلك، كاشفاً عن تشكيل لجنة للإشراف على السحوبات الحالية والمقبلة، ووضع آليات لتطوير النظم لتلافي حدوث أي شبهات في المستقبل.

وقدّم وزير التجارة إحالة إلى النائب العام بمعلومات جديدة بشأن الشبهات التي أثيرت أثناء السحوبات، وذلك استكمالاً للإحالة التي تقدمت بها الوزارة إلى النيابة العامة يوم الأحد.

وأكد الحرز حرص الوزارة على تطبيق القانون من خلال التواصل مع الجهات الأمنية وجهات التحقيق لتزويدها بالمستجدات والمعلومات المتعلقة بالواقعة، ضماناً لاتخاذ كل ما من شأنه تعزيز ثقة الرأي العام في إجراءاتها وأعمالها.


مقالات ذات صلة

السعودية تدين استهداف الكويت بـ«مسيّرات» من العراق

الخليج الجهات المختصة الكويتية باشرت فوراً اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحادث (كونا)

السعودية تدين استهداف الكويت بـ«مسيّرات» من العراق

أدانت السعودية واستنكرت بأشد العبارات استهداف موقعين من المراكز الحدودية البرية الشمالية لدولة الكويت بطائرات مسيَّرة قادمة من العراق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج أرشيفية لدخان يتصاعد من أحد المباني في الكويت جراء الهجمات الإيرانية أخيراً (أ.ف.ب)

الكويت تعلن عن هجوم جديد استهدفها من العراق

كشفت الكويت عن هجوم جديد استهدفها انطلاقاً من العراق، في تكرار لهجمات عديدة مماثلة حصلت في الأسابيع الماضية خلال الحرب الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
الخليج تشغيل الرحلات الجوية في مطار الكويت الدولي تدريجياً ابتداءً من الأحد المقبل (كونا)

إعادة فتح الأجواء في مطار الكويت الدولي

أعلنت هيئة الطيران المدني الكويتية إعادة فتح الأجواء في مطار الكويت الدولي ابتداء من الخميس، بعد توقف حركة الطيران «مؤقتاً واحترازياً» منذ 28 فبراير الماضي.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
رياضة عربية الشيخ أحمد اليوسف الصباح رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم (الاتحاد الكويتي)

انقسام الأندية الكويتية يعقّد انتخابات اتحاد الكرة

تتجه انتخابات الاتحاد الكويتي لكرة القدم، المقررة في 20 مايو، نحو مزيد من التعقيد، في ظل جدل متصاعد بين الأندية حول أهلية اللجنة المشرفة على العملية الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق حياة الفهد في منتصف السبعينات من القرن الماضي (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

حياة الفهد... أيقونة الخليج الفنية تغيب

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية.

إيمان الخطاف (الدمام)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.