أنجو ريحان... تعدّدت الشخصيات والإبداع المسرحيّ واحد

الممثلة اللبنانية تصنع ويحيى جابر النجاح المدوّي لـ«مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»

الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)
الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)
TT

أنجو ريحان... تعدّدت الشخصيات والإبداع المسرحيّ واحد

الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)
الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)

منذ كانت طالبة تتنقّل يومياً من الجنوب إلى بيروت بالحافلات وسيارات الأجرة قاصدةً «معهد الفنون» في الجامعة اللبنانية، أيقنت أنجو ريحان أنّ حلمها يستحقّ مشقّة الطريق. شابةً؛ خرجت من شرنقة القرية وتحدّت المسافات؛ لأنها أرادت أن تصير ممثلة.

لم تكن البدايات واضحة المعالم، فتعثّرت مراتٍ ومرات. لكن الذي يراها اليوم على خشبة المسرح، يدرك من المشهد الأول أنّ أنجو وجدت الطريق ومشَته بثقة. في «مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»، المسرحيّتَين ذَوَاتَيْ العروض المتواصلة على مسارح لبنان وعددٍ من الدول العربية وبلاد الانتشار، تملأ أنجو ريحان الخشبة من أقصاها إلى أقصاها. وحيدةً على المسرح، هي وَلّادةُ شخصيات. تنفح فيها الروح وتتنقّل بينها بخفّةِ نسمة.

بين مسارح لبنان والعالم العربي ودول الانتشار تجول مسرحيّتا «مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»... (صور ريحان)

«أنجو ريحان قبل (مجدّرة حمرا) ليست أنجو ريحان بعد تلك المسرحيّة». تُقرّ الممثلة في حوارها مع «الشرق الأوسط» بأنّ هذا العمل المستمرّ منذ 6 سنوات، شكّل نقطة تحوّل في مسارها... «قبل تلك المسرحيّة، صوتٌ ما في داخلي كان يخبرني بأنني لم أُعطِ بعد كل ما أملك تمثيلاً»، تقول ريحان.

يوم أتى يحيى جابر، الكاتب والمخرج المسرحيّ اللبنانيّ المسكون بحكايات الناس ويسكبها على الورق، لمحَ في أنجو بريقاً لم ترَه هي. حرّضها على الصعود إلى الخشبة. عاندَته لسنوات قبل أن ترضخ لقدرِها الذي لا مفرّ منه؛ المسرح. كانت البداية قبل 9 أعوام في مسرحيّة «اسمي جوليا». منذ التعاون الأول، اتّضحت صورة الشراكة بين ريحان وجابر: أداءٌ مسرحيّ منفرد يمزج بين الدراما والكوميديا، ويتأرجح بين فنّ «الحكواتي» و«الاستاند أب». تكمن خصوصية هذا المسرح كذلك، في أنه يُحاكي الجمهور على اختلاف هوياته الفكريّة والاجتماعية.

الشراكة الفنية بين ريحان والكاتب والمخرج يحيى جابر مستمرة منذ أكثر من 9 سنوات (إنستغرام)

في «مجدّرة حمرا»، أنجو هي 3 نساء في امرأة واحدة؛ «مريم»، و«فاطمة»، و«سعاد». تتداخل حكاياتهنّ لتَرويَ معاناة الأنثى مع سطوة الذكَر وتعنيفه. أنجو هي «مريم» العصريّة المتحرّرة حيناً، و«فاطمة» القرويّة خفيفة الظلّ أحياناً، ليبلغ الأداء الدرامي ذروته في شخصية «سعاد» التي أمضت عمرها صامتةً عمّا تتعرّض له من تعنيف على يد زوجها. وتُفرد الحكاية مساحةً كذلك لشخصياتٍ ذكوريّة ثانويّة تبرع الممثلة في تقمّصها.

توظّف ريحان كل أدواتها التمثيلية خدمةً لشخصياتها؛ من إيماءات الوجه، إلى نبرة الصوت، مروراً بالحركات الجسمانيّة. لكلِ شخصيةٍ تركيبتُها، والتنقّل بينها يشكّل تحدياً مسرحياً كبيراً؛ «لأنه يستوجب التحضير لشخصيات عدّة واختراقها وتجسيدها جسداً وصوتاً وحكاية». لهذه الغاية؛ تستعين ريحان بقدراتها التخيّليّة فترسم في ذهنها صورةً واضحة لكلٍ من بطلاتها وأبطالها... تمنحهم وجوهاً وأجساداً واضحة المعالم، ويحدث أن تحييَ فيهم أشخاصاً حقيقيين عبروا في حياتها.

توظّف أنجو ريحان كل أدواتها التمثيلية خدمةً لشخصياتها (صور ريحان)

«علّمني يحيى ألّا أقدّم شيئاً باستخفاف، وألّا أصل إلى مرحلةٍ أظنّني فيها ملكتُ المسرح». انسكبت نصائح المخرج الصديق فوق قالبٍ متينٍ لممثلةٍ مجتهدة بطبيعتها. «رغم مرور 6 سنوات على العرض، فإنني لم أشعر مرةً بالملل أو التكرار»؛ تؤكد ريحان. وتكشف أنه لا يكاد يمرّ يوم من دون أن تعيد نص المسرحية كاملاً في رأسها: «أنا لا أحفظ النص؛ بل هو يسكنني. وكلّما حلّ موعد عرضٍ جديد، شعرتُ بالقلق والرهبة وتساءلتُ: ماذا أستطيع أن أضيف لنفسي وللجمهور؟».

من فوق الخشبة وهي منغمسة في أدوارها المتعدّدة، يحلو لأنجو ريحان أن تراقب مَن أتوا ليشاهدوها. تَحيك حبلاً يربطها بهم. تَراهم يدمعون ثم تستقبل ضحكاتهم بفرح. تؤمن بأنّ المسرح مساحةٌ للتلاقي والتبادل الروحيّ: «بمجرّد أن تفتح المسرحيّة نافذة في ذكريات المتلقّي أو في قلبه، فهي تكون قد خرجت من إطارها المحَلّي وسمحت للمُشاهد، أياً كان انتماؤه، بأن يتماهى مع القصة».

إلى الإمارات وكنَدا وأفريقيا، وقريباً إلى الأردن وقطر، تحمل ريحان لهجتها الجنوبيّة وحكايات نساءِ بلادها. هي ابنةُ بيئتها، ولعلّ في ذلك أحد مفاتيح نجاحها. في «شو منلبس»، تجسّد الطفلةَ الباحثة عن هويتها الحقيقية حاملةً ذنوب أبوَيها، ثم تتحوّل إلى امرأةٍ مُثقلة بموروثات العائلة والمجتمع والجسد والحروب... «كلُ شخصٍ باحثٍ عن جذوره وطريقه في الحياة، لا بدّ من أن يجد له انعكاساً في تلك الحكايات، مهما كانت لهجته أو جنسيته».

استغرقت كتابة «شو منلبس» 4 سنوات، كانت ريحان خلالها شريكةً في إعداد النص. تخبر كيف أنّ جابر يمنح ممثّليه هامشاً لإعادة صياغة الأفكار على طريقتهم، مما يخدم الأداء المسرحيّ؛ «سكبتُ كثيراً من روحي في (شو منلبس)، فاسترجعتُ مشاهد طفولتي، واعتقال أبي على يد الإسرائيليين، ووفاة والدتي بالسرطان». يتداخل الشخصيّ بالفنّي في هذه المسرحيّة، التي شكّلت مخاضاً صعباً بالنسبة إلى ريحان، وكأنّها صعدت بها إلى الخشبة هرباً من مواجهة نفسها... لكن عندما حانت لحظة العرض الأول، تركت دموعها فوق الورق ووقفت واثقة أمام الجمهور.

لم تأتِ تلك الثقة بفعل المثابرة والتمرين المكثّف والتعب اليوميّ فحسب؛ بل هي جرعةٌ تتلقّاها ريحان من جابر بعد كل عرض... «جميلٌ ألّا يخبّئ المؤلّف والمخرج تقديره للممثّل وإعجابه بأدائه. وهذا ضاعف من مسؤوليتي، خصوصاً أنّ يحيى يتعامل مع مسرحياته بعناية كبيرة، ومع الجمهور باحترامٍ قلّ مثيله».

من مسرحية «شو منلبس» التي تتداخل فيها سيرة ريحان بالنص المسرحي (صور ريحان)

اليوم، وبعد مرور نحو عقدٍ على الخشبة، بات باستطاعة أنجو ريحان القول: «يمكنني العيش من المسرح، على المستويَين المادّي والجماهيري». تحكي بطمأنينةِ مَن وجدَ شغفه وما عاد يبحث عن ضالّةٍ أخرى. لكنّ ذلك لا يعني أنها لا تريد تكرار التجربة الدراميّة. فهي لمعت في مسلسلاتٍ مثل «صالون زهرة»، و«كريستال»، و«وأخيراً»، وأبوابها مشرّعة لمزيدٍ من الخبرات التلفزيونيّة؛ «شرط أن يكون الدور المقبل ذا آفاق واسعة ويفرد مساحةً لكل الأدوات الدراميّة التي بتُّ متمكّنة منها أكثر».

كان لأنجو ريحان مرور مميّز في مسلسل «صالون زهرة»... (إنستغرام)

في انتظار التجربة التلفزيونية المقبلة، تستعدّ ريحان لمسرحيةٍ ثالثة من تأليف يحيى جابر وإخراجه من المفترض أن ينطلق عرضها في الربع الأخير من السنة. في الأثناء، يتواصل عرض «شو منلبس» و«مجدّرة حمرا» إلى أجلٍ غير مسمّى.

كل تلك الانشغالات الفنية لا تقف عائقاً أمام تطوّر ريحان الأكاديمي، فهي على مشارف تقديم رسالة ماجستير تبحث «إعداد الممثل». في تلك المثابرة استذكارٌ دائم لبداياتها طالبةً كانت تستقلّ الحافلة وسيارات الأجرة يومياً لساعات، حالمةً بأن تحفر اسمها يوماً على خشبة المسرح.


مقالات ذات صلة

مصر تحتفل باليوم العالمي للمسرح عبر تكريم رموزه واستعادة تاريخه

يوميات الشرق عروض المسرح بمصر شهدت إقبالاً لافتاً في العيد (وزارة الثقافة)

مصر تحتفل باليوم العالمي للمسرح عبر تكريم رموزه واستعادة تاريخه

تحتفل مصر بـ«اليوم العالمي للمسرح» عبر فعاليات متنوعة وتكريمات، واستعادة لتاريخ المسرح المصري والعالمي، وسط حالة من الانتعاش التي يشهدها المسرح حالياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)

تداعيات الحرب الإيرانية تتسبب في تغيير فعاليات فنية بمصر

شهدت فعاليات فنية في مصر تغييرات في مواعيد إقامتها المعلن عنها مسبقاً بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق من الإعلان الترويجي للمسرحية (يوتيوب)

«ما تصغروناش»... مسرحية كوميدية عن طفولة تُولد بعمر الشيخوخة

احتضن المسرح العربي في جدة العرض المسرحي المصري «ما تصغروناش» على مدار 3 ليالي عرض رفعت شعار «كامل العدد».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)

مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

الإقبال الجماهيري على المسرح يؤكد حيوية الفن المصري، ويعكس قدرة العروض الجيدة على جذب الجمهور.

محمد الكفراوي (القاهرة )

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
TT

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

«الفهد» (تاتيوس فيلمز)
«الفهد» (تاتيوس فيلمز)

من الأخطاء الشائعة، قصداً أو عن جهل، أن أول فيلم ضمن السينما الإيطالية الواقعية في الأربعينات كان «سارقو الدراجات» لڤيتوريو دي سيكا سنة 1948. والحال أن هذا الفيلم هو من الأعمال التي أسست فعلاً لما يُعرف بالسينما الواقعية الجديدة، لا بدايتها؛ إذ إن السينما الإيطالية، على وجه الخصوص، وكذلك سينمات أخرى عديدة، لم تعرف الواقعية بوصفها منهجاً مستقراً، بل تجلت في أفلام متباعدة وقليلة؛ ما يدفع الناقد إلى إعادة طرح السؤال عن سبب تسميتها «جديدة» إذا لم يكن هناك «قديمة».

البداية الفعلية للواقعية الجديدة

من «هاجس» أول أفلام المخرج (أجاي فيلم)

لكن، بعيداً عن هذه النقطة التي قد تُثير جدلاً يستحضر أعمال السينما الإيطالية الاجتماعية في الفترة الصامتة وما بعدها، هناك فيلم يسبق «سارقو الدرّاجات»، أنجزه لوكينو ڤيسكونتي عام 1943 بعنوان «هاجس» (Obsession). وهو فيلم درامي اجتماعي تدور أحداثه في أتون الحياة في القاع، حول رجل وزوجته ودخيلٍ يقتحم حياتهما، بما يترتب على ذلك من عواطف متشابكة، وما يعقبه من شعور بالذنب والضعف.

بعد انتهاء لوكينو ڤيسكونتي (توفي قبل نحو 50 عاماً) من تصوير بعض مشاهد «هاجس» (بالأبيض والأسود)، أرسل ما صوّره إلى المونتير ماريو سيراندراي، الذي كتب له بعد مشاهدتها: «أحببت هذه المشاهد. لا أعرف كيف أعرّف هذا النوع الجديد من السينما، إلا بأنه واقعية جديدة».

ورد ذلك في كتاب لغايا سرڤاديو الصادر سنة 1983 بعنوان «لوكينو ڤيسكونتي: سيرة»، وعزّزه المؤلف هنري باكون في كتابه الصادر سنة 1998 «ڤيسكونتي: استكشاف الجمال والانحلال» (Visconti: Explorations of Beauty and Decay).

المخرج لوكينو ڤيسكونتي (IMDB)

وسرد ڤيسكونتي هذه الواقعة بنفسه في بعض مقابلاته، مؤكداً أن هذا النعت («واقعية جديدة») لم يكن قد استُخدم من قبل.

والفيلم نفسه ينطق بذلك من خلال واقعية الشخصيات ومشاعرها، وإبقاء الدراما كامنةً غير مُعلنة أو مباشرة. كما يتجلى ذلك في مواقع التصوير ضمن البيئات الفقيرة في المدينة.

أثار الفيلم استياء بعض مشاهديه من أوساط الحكومة الفاشية في عهد بنيتو موسوليني، فغادر بعضهم القاعة قبل انتهاء العرض، واصفين الفيلم بأنه معادٍ لإيطاليا. وأعقب ذلك صدور قرار بمنع عرضه، والحجز على ما أمكن من نسخه.

ثلاثي مختلف

كان لوكينو ڤيسكونتي يساريَّ التوجّه ومعادياً للفاشية، علماً بأنه وُلد عام 1906 في كنف عائلة أرستقراطية مرفّهة وذات تأثير سياسي. خدم في الجيش الإيطالي لمدة عامين (1926-1928)، ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية ودخول إيطاليا فيها، اختار أن يتخذ موقفاً معادياً للفاشية.

لكن قبل اندلاع تلك الحرب، قصد ڤيسكونتي فرنسا، حيث تعرّف إلى المخرج جان رينوار، الذي استعان به مساعداً في بعض أفلامه، أولها «يوم في الريف» (A Day in the Country) سنة 1935. واستمر التعاون بينهما حتى مطلع الحرب العالمية الثانية، وهي فترة كانت كافية ليتشرّب خلالها المخرج الإيطالي تأثير أحد أبرز صناع السينما الفرنسية آنذاك.

قد يلاحظ بعض من يشاهد النسخة المتوفرة من «هاجس» تأثيراً آخر؛ فمن قرأ رواية جيمس م. كاين «ساعي البريد يرن مرتين دائماً» (The Postman Always Rings Twice) فسيجد تشابهاً بين العملين. وكان رينوار هو من أعطى الرواية لڤيسكونتي لقراءتها. وتدور أحداثها حول شاب يصل، في خضم أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة، إلى محطة بنزين ريفية يملكها رجل متقدّم في السن وزوجته الشابة. يعمل الشاب في المحطة، وسرعان ما تنشأ علاقة بينه وبين الزوجة وتنتهي بقتل الزوج.

غير أن ڤيسكونتي لم ينقل أحداث الرواية كما هي في فيلمه «هاجس»، بل اكتفى بثلاثية الشخصيات مع اختلاف في الوقائع وتوجهاتها العاطفية. ويكفي هنا التأكيد على أن رواية كاين كانت ذات طابع عاطفي - جنائي، في حين جاء فيلم ڤيسكونتي عاطفياً - اجتماعياً.

من الأرض إلى القصر

«موت في ڤينيسيا» مع ديرك بوغارد (ألفا سينماتوغرافيكا)

بعد هذا الفيلم، واصل المخرج مسيرته السينمائية محققاً نجاحاً فنياً كبيراً. وقد برع منذ البداية في معالجة شخصياته وفي إحكام سيطرته على كل تفاصيل العمل، كما يتضح في «الأرض تهتز» (La Terra Trema) سنة 1948. ومع ذلك، فإن هذه الصرامة الإخراجية تبلورت لاحقاً، حين ابتعد عن إنجاز الأفلام ذات التوجهات اليسارية المباشرة، من دون أن يتخلى عن خلفيته الفكرية.

يتناول «الأرض تهتز» حياة صيادين في قرية يواجهون هيمنة التجّار على أرزاقهم، وكيف يستجيب بعضهم بالخضوع، فيما يختار آخرون المقاومة. ورغم أن ڤيسكونتي لم يتخلَّ عن الواقعية التي أرساها منذ أفلامه الأولى، فقد بدأ ينسج أسلوباً فنياً أكثر تركيباً لطرح موضوعاته. ويُعدّ روبرتو روسيلليني الأقرب إليه في هذا المجال؛ إذ انطلق بدوره ضمن تيار الواقعية الجديدة، في حين بدأ ڤيتوريو دي سيكا في هذا المنهج ثم ابتعد عنه لاحقاً، من دون أن يقدّم عملاً يتجاوز أهمية «سارقو الدراجات».

في الستينات، اتجهت أفلام ڤيسكونتي نحو عناية جمالية أعلى، مع نقل الأحداث إلى عوالم القصور والبُنى الطبقية، كما في «الفهد» (The Leopard) عام 1963، و«ساندرا» (1965)، و«الغريب» (عن رواية ألبير كامو، 1967)، ثم «الملعونون» (The Damned) 1969.

وليس من الدقة القول إن هذه الأفلام (وسواها) على مستوى واحد من الجودة، غير أن السمة الأبرز في هذا التحول من حكايات الشوارع والبلدات الصغيرة إلى العالم الأرستقراطي تتجلى بوضوح في «الفهد» و«الملعونون»، ولاحقاً في «موت في ڤينيسيا» (Death in Venice) سنة 1971، المأخوذ عن رواية توماس مان، ثم «لودڤيغ» (1973)، الذي يتناول سيرة ملك باڤاريا في أحداث تمتد بين عامي 1864 و1886.


تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
TT

تعاون سعودي - بريطاني لتعزيز الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية وتراثها الحضاري

في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)
في سبتمبر الماضي أعلنت السعودية عن اكتشاف أقدم مستوطنة معمارية في الجزيرة العربية في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك (واس)

أطلقت وزارة الثقافة في السعودية، الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية، بالشراكة مع جامعة عفّت والأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، وهو برنامج يدعم البحوث المستندة إلى المقتنيات الأرشيفية، ويُحفز على البحث الثقافي حول الجزيرة العربية، ويُعزز التعاون بين الباحثين والمؤسسات في السعودية والمملكة المتحدة.

ويشمل البرنامج إقامة بحثية على مدار 10 أسابيع في مقر الأرشيف الوطني للمملكة المتحدة، يحظى خلالها الزملاء الباحثون بالتدريب العملي على المهارات الأرشيفية، وزيارة المقتنيات الأرشيفية والمؤسسات الثقافية الأخرى في المملكة المتحدة، كما تدعم الزمالة نطاقاً واسعاً من الأبحاث الثقافية عن الجزيرة العربية.

وتأتي الزمالات السعودية - البريطانية للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية، ويُجسّد اهتمامها بتحفيز البحث الثقافي، وتعزيز التعاون على الصعيدين المحلي والعالمي، كما يعكس حرص الوزارة على تعزيز التبادل الثقافي الدولي بوصفه أحد أهداف الاستراتيجية الوطنية للثقافة، تحت مظلة «رؤية المملكة 2030».

وتعتمد وزارة الثقافة على نتائج البحث أساساً للابتكار والتطوير الثقافي، وعلى دوره في فهم الثقافة والتراث الوطني، ويتيح برنامج المنح الفرصة لإثراء القطاع الثقافي؛ وتمكين الباحثين السعوديين وتحفيز المجتمع البحثي الأوسع لإنتاج معرفة رصينة عن الثقافة والتراث وتقديم رؤى جديدة مبنية على الأدلة لتطوير القطاع الثقافي.

وتُتاح الزمالة للباحثين والمختصين في التراث الثقافي القادرين على إجراء بحث باللغة الإنجليزية وباستقلالية، بغض النظر عن مرحلتهم العملية، ويمكن للباحثين والمختصين الراغبين في الالتحاق بالبرنامج الاطلاع على تفاصيله، والتقديم عبر منصة إلكترونية مخصصة للبرنامج، على أن يلتزم المتقدمون بتكريس نسبة كبيرة من وقتهم للزمالة التي تمتد فترتها من 1 أغسطس (آب) 2026 حتى 31 يوليو (تموز) 2027.

يأتي برنامج الزمالات للأبحاث الثقافية في شبه الجزيرة العربية ضمن توجّه وزارة الثقافة الاستراتيجي للبحوث الثقافية (واس)

اهتمام استثنائي لتاريخ وتراث الجزيرة العربية

ويشهد تاريخ وتراث الجزيرة العربية اهتماماً غير مسبوق، من خلال جهود وزارة الثقافة السعودية التي تسعى إلى إعادة اكتشاف الجذور التاريخية للمنطقة، وتوثيقها بأسلوب علمي رصين، وتحويل خزائن الأرض من التراث الصامت، إلى مادة خصبة للبحث والدراسة والإنتاج البحثي الرصين.

وقامت الوزارة بإنشاء هيئات متخصصة، على رأسها هيئة التراث، التي وضعت البحث العلمي في قلب استراتيجيتها، من خلال صياغة سياسات واضحة لدعم الدراسات الميدانية، وتوفير التمويل اللازم للبعثات الأثرية المحلية والدولية، وبناء قواعد بيانات رقمية شاملة للمواقع التراثية لتسهيل وصول الباحثين إليها.

وبناءً على ما يتطلبه فهم تراث الجزيرة العربية من تضافر للجهود العالمية، اعتمدت الوزارة التعاون مع كبرى الجامعات والمراكز البحثية العالمية، لدعم الدراسات التي تستخدم تقنيات حديثة، مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد وتحليل الحمض النووي القديم (Archaeogenetics) لفهم الهجرات البشرية الأولى، إضافة إلى تمكين الباحثين السعوديين من العمل جنباً إلى جنب مع خبراء دوليين لنقل المعرفة وتوطين الخبرات.

ولم يقتصر الاهتمام على فحص ما تحتفظ به الآثار من سردية تاريخية عريقه، بل امتد ليشمل الإنسان وحكايته على أرض الجزيرة العربية، وشملت دائرة الاهتمام بتراث المنطقة دعم الدراسات اللغوية والأنثروبولوجية للهجات واللغات القديمة في الجزيرة العربية، وتوثيق الفنون الأدائية والموسيقى التقليدية والحرف اليدوية عبر بحوث استقصائية ميدانية، وإطلاق مبادرات لتدوين التاريخ الشفهي، ما يحفظ الذاكرة الوطنية من الاندثار.


شراكة بين «مانجا العربية» و«سكوير إنيكس» في مجال صناعة المحتوى الإبداعي

المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية» الدكتور عصام بخاري مع الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو (الشرق الأوسط)
المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية» الدكتور عصام بخاري مع الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو (الشرق الأوسط)
TT

شراكة بين «مانجا العربية» و«سكوير إنيكس» في مجال صناعة المحتوى الإبداعي

المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية» الدكتور عصام بخاري مع الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو (الشرق الأوسط)
المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية» الدكتور عصام بخاري مع الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو (الشرق الأوسط)

أعلنت «مانجا العربية»، إحدى شركات «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، توقيع شراكة مع شركة «سكوير إنيكس» اليابانية، إحدى أبرز الشركات العالمية في صناعة الألعاب والمحتوى الإبداعي، وذلك في خطوة تهدف إلى توسيع نطاق المحتوى عالي الجودة المُقدَّم للجمهور العربي.

وتأتي هذه الشراكة ضمن استراتيجية «مانجا العربية» الهادفة إلى تعزيز وتمكين انتشار الأعمال الإبداعية، وتوسيع قاعدة جمهورها عالمياً، من خلال عقد شراكات مع أبرز المنصات والشركات البارزة في ترويج وتقديم الأعمال الإبداعية حول العالم، وهي امتداد لسلسلة النجاحات التي حقَّقتها «مانجا العربية» خلال السنوات الماضية التي شهدت إطلاق مجلتيها الموجهتين للشباب والصغار بنسختيهما المطبوعة والرقمية، إضافةً إلى النمو المتواصل في قاعدة مستخدمي تطبيقاتها التي تجاوزت 12 مليون تحميل في أكثر من 190 دولة حول العالم، ما أسهم في ترسيخ حضورها وجماهيريتها الواسعة في العالم العربي. وتهدف الاتفاقية المُوقَّعة بين الجانبين إلى ترخيص حصري لعدد من أبرز أعمال شركة «سكوير إنيكس» باللغة العربية، ونشرها عبر منصات «مانجا العربية» في المنطقة، على أن يتم تقديمهما عبر مختلف منصاتها الرقمية والورقية.

وصرَّح المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية»، الدكتور عصام بخاري، قائلاً: «يسعدني إعلان شراكتنا مع شركة (سكوير إنيكس) إحدى الشركات اليابانية الرائدة عالمياً في صناعة المحتوى الإبداعي؛ لما تتميز به أعمالها من عوالم إبداعية تحظى بشعبية واسعة في الشرق الأوسط، ومن خلال تقديم أعمال (سكوير إنيكس) المتميزة للجمهور باللغة العربية، نسعى إلى تلبية تطلعات قرائنا، وتعزيز التبادل الثقافي من خلال المحتوى الإبداعي».

من جانبه، صرَّح الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سكوير إنيكس» السيد تاكاشي كيريو قائلاً: «يسعدنا جداً إتاحة عناوين المانجا الخاصة بنا للجمهور باللغة العربية، عبر النشر الرقمي في تطبيق (مانجا العربية)، ونتطلع إلى استمتاع القراء في المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط بأعمالنا، كما سنواصل التزامنا بتقديم تجارب ثرية لا تُنسى للقراء حول العالم، من خلال تقديم محتوى متنوع وعالي الجودة يلبي تطلعات مختلف شرائح الجمهور».

وتحظى «سكوير إنيكس» بخبرة عريقة في مجال نشر المانجا من خلال منظومة النشر الخاصة بها تحت علامة «Gangan»، التي تضم عدداً من المجلات والمنصات الرقمية، إذ تدير الشركة مجموعةً واسعةً من العناوين، وتغطي تصنيفات متعددة تستهدف شرائح متنوعة من القراء حول العالم، كما أنها أطلقت في 2022 النسخة العالمية باللغة الإنجليزية من منصة «Manga UP»، التي أتاحت وصولاً رسمياً وسريعاً إلى مجموعة واسعة من عناوين المانجا المختارة للجمهور العالمي. وأعلنت الشركة وصول مكتبة المنصة باللغة الإنجليزية إلى أكثر من 350 عنواناً، في خطوة تعكس التوسع العالمي المتسارع لفن المانجا. وتعد «سكوير إنيكس» من الشركات الرائدة عالمياً في صناعة الألعاب؛ لامتلاكها سلسلة «Final Fantasy» أبرز العلامات التجارية التي حقَّقت نجاحات عالمية واسعة بمبيعات تجاوزت أكثر من 200 مليون نسخة حول العالم، وفق تقارير الشركة.

الجدير بالإشارة أن شركة «مانجا العربية» تتبع «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»، وتهدف إلى تصدير الثقافة والإبداع السعودي والعربي إلى العالم بأسره، من خلال إنتاجات إبداعية مستوحاة من ثقافة المجتمع وأصالة القيم السعودية والعربية، وإثراء المحتوى العربي لجذب الأسرة العربية نحو القراءة الترفيهية عبر المحتوى المترجم والمستوحى من أعمال عالمية، إذ أصدرت «مانجا العربية» مجلتين متخصصتين في القصص المصورة العربية والعالمية، وقد حقَّقت إصداراتها نجاحات واسعة منذ انطلاقها في عام 2021.