مشوار النجوم الكوريين... من الولادة إلى الانتحار

مزيدٌ من مشاهير الغناء والتمثيل في كوريا الجنوبية يعمدون إلى إنهاء حياتهم

نجم الغناء الكوري كيم جونغ هيون انتحر في الـ27 بسبب المعاناة من الاكتئاب (أ.ب)
نجم الغناء الكوري كيم جونغ هيون انتحر في الـ27 بسبب المعاناة من الاكتئاب (أ.ب)
TT

مشوار النجوم الكوريين... من الولادة إلى الانتحار

نجم الغناء الكوري كيم جونغ هيون انتحر في الـ27 بسبب المعاناة من الاكتئاب (أ.ب)
نجم الغناء الكوري كيم جونغ هيون انتحر في الـ27 بسبب المعاناة من الاكتئاب (أ.ب)

آخرُ نجمٍ على لائحة المشاهير الذين عُثر عليهم قتلى داخل منازلهم في كوريا الجنوبية هو المغنّي وي سونغ. قبل أيام، وُجدت إبرة قرب جثّة الفنان الأربعينيّ، وهو عُرف بمعاناته من الإدمان للمخدّرات. لم يرزح وي سونغ تحت ثقل الممنوعات فحسب، بل كذلك تحت ضغط الإعلام والرأي العام اللذَين أمطراه بالنقد والتجريح، منذ اكتُشف تعاطيه مادة البروبوفول عام 2021.

وإذا كانت جرعةٌ زائدة هي التي تقف وراء وفاة النجم الكوريّ، فإنّ زملاءَ كثراً له سبقوه إلى الموت بداعي الإرهاق من متطلّبات المهنة والنجوميّة والمجتمع.

المغنّي وي سونغ الذي عُثرَ عليه متوفّى قبل أيام داخل شقّته (أ.ف.ب)

ظاهرة ذات وجه مظلم

خلال الأعوام الـ20 الأخيرة وفي ظاهرةٍ هي أشبَه بجائحة تجتاح قطاع الترفيه في كوريا الجنوبية، سُجّل انتحار عشرات الفنانين، معظمهم في العشرينات من العمر.

قبل أسابيع، وضعت الممثلة الشابة كيم ساي رون (24 عاماً) حداً لحياتها. هي الأخرى كانت قد تعرّضت لحملة تجريحٍ وانتقاداتٍ متواصلة منذ 2022، أي منذ ألقي القبض عليها وهي تقود سيارتها تحت تأثير الكحول متسببةً بحادثٍ وأضرار لعدد من المتاجر. ولم يتوقّف الأمر عند حدود الهجوم الإعلامي والإلكتروني، بل انسحب على عملها فاقتُطعت مشاهدها من مسلسل كان يُعرَض على «نتفليكس»، كما خسرت الكثير من عقودها ما أغرقها في البطالة والديون.

النجمة التلفزيونية الكورية كيم ساي رون انتحرت قبل أسابيع عن 24 عاماً (إنستغرام)

تحوّل الفن الكوري الجنوبي في السنوات القليلة الماضية إلى صناعةٍ ترفيهية تُدرّ الملايين على الاقتصاد الوطني، وظاهرة عالمية تجذب عشرات ملايين المعجبين. ينبهر هؤلاء بالاستعراضات الغنائية البرّاقة وبالمسلسلات المشغولة بجماليّةٍ عالية. لكنّ الجمهور لا يبصر الناحية المظلمة لهذا العالم المتلألئ.

فما الذي يدفع الفنانين الكوريين إلى إنهاء حياتهم واحداً تلو الآخر، وهُم بعدُ في عزّ الشباب والنجوميّة؟

المدرسة «المُعسكَر»

تحوّلت ثقافة الـK-Pop إلى خبزٍ يوميّ في كوريا الجنوبية، إلى درجة أنّ العائلات باتت تُرسل أبناءها إلى مدارس الفن الكوريّ بدل إرسالهم إلى المدارس التقليديّة.

غالباً ما يُستبدل دخول مدارس الـK - Pop بالدراسة التقليدية في كوريا الجنوبية (رويترز)

مراهقاً كان أم شاباً، أنثى أم ذكراً، ما إن يطأ الطالب مدرسةَ الـK-Pop حتى يصبح أسير برنامجٍ تدريبيّ صارم هو أشبَه بالخدمة العسكرية الإلزاميّة. بكامل رِضاهم، يخضع الطلّاب اليافعون لهذه التربية الفنية القاسية، في مسعىً منهم لإبهار وكالات إدارة أعمال النجوم في مرحلة لاحقة.

يمضون أكثر من 16 ساعة يومياً في التمرين على الرقص، والغناء، والتعامل مع الكاميرا. يُلقّنون ضرورة مواصلة التمرين والأداء، حتى وإن كانوا في حالة مرضٍ أو ألم. ولا يتبدّل الحال كثيراً بعد أن يصبحوا نجوماً، فهذا التدريب القاسي جزءٌ أساسيّ من حياة الفنانين الكوريين، لا سيّما المغنّين.

مدارس الـK-Pop أشبه بمعسكرات تدريب صارم (رويترز)

هاجس المثاليّة

يُدرّب نجوم الـK-Pop منذ الصغر على تقديم صورة مثاليّة عن أنفسهم. عليهم أن يلتزموا بحِمية غذائية قاسية، وبأسلوب تصرّف محدّد، كما يضطرّون للخضوع لعمليات تجميل. يضحّون بسنوات المراهقة والشباب من أجل متطلّبات سوق العمل. يضعهم هاجس المثاليّة والكمال هذا أمام ضغطٍ نفسيّ كبير ويجرّدهم من هويّتهم الحقيقية وعفويّتهم.

الحبّ ممنوع

تستدعي الإقامة في مدارس الـK-Pop ابتعاداً عن العائلة والأصدقاء. فإلى جانب تخلّيهم عن الدراسة الأكاديميّة الاعتياديّة، يتنازل المبتدئون ومثلُهم النجوم الذين سلكوا درب الشهرة عن العلاقات الإنسانية الطبيعية فهُم يُمنعون من الاختلاط بالناس. تصبح حياتهم أشبه بعزلة عن المجتمع، كما تُحظر عليهم إقامة علاقاتٍ عاطفيّة لئلّا يؤثّر ذلك سلباً على صورتهم في عيون المعجبين.

تُحظر على نجوم الـK-Pop إقامة علاقات عاطفية لئلّا يؤثّر ذلك على المعجبين (رويترز)

علاقة سامّة مع المعجبين

من متطلّبات النجوميّة في عالم الـK-Pop التواصل شخصياً مع المعجبين، وتمتين العلاقة بهم من خلال الردّ عليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يعوّض هذا من جهة عن العزلة التي يعيشها النجوم، كما يوسّع قواعدهم الجماهيريّة، وإن بشكلٍ افتراضيّ.

من المعروف أنه لا أحد ينافس الممثلين والمغنّين الكوريين من حيث أعداد المعجبين الذين يُلقّبون بـ«الجيوش». يصل بهم الإعجاب إلى حدّ الهوَس، غير أنّ السحر غالباً ما ينقلب على الساحر. فهؤلاء المعجبون مطلوبون ويفرضون آراءهم على النجوم، لا سيّما في كل ما يتعلّق بحياتهم الخاصة، من علاقاتهم العاطفية إلى هواياتهم. أما إن حصل ما لا يروق لهم، فقد يتحوّلون إلى جيشٍ عدوّ لا يتسامح مع مَن كان يوماً نجمهم المحبوب.

علاقة المعجبين بنجوم الـK-Pop تتراوح بين الهوَس والتحكّم (أ.ف.ب)

التجريح الإلكتروني

الجَلدُ الافتراضيّ. هذا ما يتعرّض له النجوم الكوريون إن قاموا بما لا يروق لمعجبيهم، أكان غناءً أم رقصاً أم تصرّفاتٍ شخصية. تتراوح مسبّبات الغضب ما بين أداءٍ غير موفّق لأغنية، وسلوكٍ سيّئ كتعاطي المخدّرات. وغالباً ما تكون الفنانات ضحايا التنمّر الإلكتروني.

ترتبط ثقافة الـK-Pop ارتباطاً وثيقاً بوسائل التواصل الاجتماعي، والتي تشكّل صلة الوصل بين المشاهير ومعجبيهم. لكن غالباً ما تتحوّل تلك الصفحات إلى منابر للتجريح والتنمّر، في استهدافٍ مباشر للفنانين. وليس مستغرباً أن يوجّه المعجبون رسائل كُرهٍ بعد أن يكونوا قد أمطروا النجوم بالحب والاهتمام.

انتحرت المغنية سولي (25 عاماً) بعد تعرّضها لحملة قاسية من التنمّر والتجريح (أ.ف.ب)

اعتزال مبكر

لا يكاد الفنان يصبح نجماً، حتى يداهمه العُمر. فمدّة الصلاحية في مجال الـK-Pop قصيرة جداً، ومَن هم في نهاية العشرينات من عمرهم يُعتَبَرون قدماء، وتستبدَل وجوه أصغر سناً بهم. يتسبّب ذلك في قلقٍ كبير للنجوم الذين يأفلون بسرعة قياسية، فيبدأون في البحث عن أساليب جديدة للاستمرار في المجال، لكنّ المسعى غالباً ما يبوء بالفشل.

يدركون متأخّرين أنّ شركات الإنتاج ووكالات إدارة الأعمال تتعامل معهم كسِلعٍ تدرّ الأموال. يستفيدون من نجوميّتهم قدر المستطاع وفي أقصر وقتٍ ممكن.

ما إن يصل النجوم إلى نهاية العشرينات من العمر حتى تستبدل وجوه جديدة بهم (رويترز)

الصحة النفسية... وصمة عار

ما زال موضوع الصحة النفسية من المحرّمات في كوريا الجنوبية لا سيّما بالنسبة إلى المشاهير، إذ يُنظر إلى المعاناة النفسية على أنها ضعف. ورغم كل ما يواجهون، يفضّل نجوم الـK-Pop السكوت عن آلامهم بدل البوح بها، أو طلب المساعدة والعلاج، لئلّا يعيَّروا من قِبَل الرأي العام ويخسروا جماهيريّتهم.

عام 2019 انتحرت الممثلة والمغنية الكورية غو هارا عن 28 سنة (أ.ب)

في كوريا الجنوبية، ليست الانتحارات حكراً على الفنانين. وفق أرقام عام 2024، سُجّل 14439 انتحاراً بمعدّل 40 حالة يوميّة. يعود جزءٌ كبير من تلك الظاهرة إلى التحديات الأكاديمية التي يواجهها الجيل الصاعد، والنظام الدراسيّ الصارم والقائم على المنافسة الشديدة.

أما في مجال صناعة الترفيه، فقد بدأت الأصوات ترتفع تدريجياً للمطالبة بتكريس مساحة للصحة النفسية. بادرت بعض الوكالات مؤخراً إلى تأمين جلسات علاجية دَوريّة لفنّانيها، لعلّ سبحةَ انتحارات الـK-Pop تنقطع.


مقالات ذات صلة

الصين: الطيار الذي اصطدم بطائرة صغيرة في بكين كتب عن «إنهاء حياته»

آسيا برج «سيتيك» في بكين حيث تظهر الأضرار في أحد الطوابق العليا من واجهته الخارجية (رويترز)

الصين: الطيار الذي اصطدم بطائرة صغيرة في بكين كتب عن «إنهاء حياته»

قالت السلطات الصينية، اليوم (الخميس)، إن الطيار الذي اصطدم بطائرة صغيرة في أطول مبنى في بكين الأسبوع الماضي، كتب في مذكراته بشأن «إنهاء حياته».

«الشرق الأوسط» (بكين)
الولايات المتحدة​ طفل يمسك بأيدي والديه في أثناء مغادرتهما المسجد بموقع إطلاق النار الذي وقع في المركز الإسلامي بسان دييغو في كاليفورنيا (رويترز) p-circle

طفل اختبأ في خزانة خلال الهجوم على مسجد بكاليفورنيا: «رأيت أشياء مروعة»

اضطر عدي شنة (9 سنوات) إلى الاحتماء مع عشرات الأطفال داخل غرف دراسية أمس، عندما بدأ إطلاق نار في المسجد الذي يدرسون فيه.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
الولايات المتحدة​ شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

القضاء الأميركي يفتح الباب أمام مسؤولية جنائية للذكاء الاصطناعي

مهَّد المدِّعي العام في فلوريدا السبيل إلى تطبيق مقاضاة مطوري تكنولوجيا للذكاء الاصطناعي على الدور الذي أدِّته الأخيرة في ارتكاب جريمة أو الإقدام على الانتحار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ ما يبدو رسالة انتحار والتي كتبها المدان بالاعتداء الجنسي جيفري إبستين قبل أسابيع من وفاته في سجن بنيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تنشر رسالة انتحار محتملة لإبستين

نشر قاضٍ أميركي الأربعاء ما يبدو أنها رسالة انتحار كتبها المدان بالاعتداء الجنسي جيفري إبستين قبل أسابيع من وفاته في سجن بنيويورك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جندية إسرائيلية تضع علماً يوم الاثنين على قبر جندي في المقبرة العسكرية بالقدس أبريل 2025 (رويترز)

«بسبب الحرب»... أكثر من ثلث الطلاب الجامعيين الإسرائيليين فكّروا بالانتحار

أفادت دراسة إسرائيلية شارك فيها أكثر من 700 طالب جامعي على صلة مباشرة بالحرب عبر الخدمة العسكرية، بأنّ أكثر من ثلث الطلاب الجامعيين تراودهم أفكار انتحارية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ماريا الدويهي: أتوق إلى السينما وأحلم بدور مسرحي جريء

مع زميلتها جوليا قصار خلال تسلمها جائزة «مونو» لأفضل ممثلة مسرحية (ماريا الدويهي)
مع زميلتها جوليا قصار خلال تسلمها جائزة «مونو» لأفضل ممثلة مسرحية (ماريا الدويهي)
TT

ماريا الدويهي: أتوق إلى السينما وأحلم بدور مسرحي جريء

مع زميلتها جوليا قصار خلال تسلمها جائزة «مونو» لأفضل ممثلة مسرحية (ماريا الدويهي)
مع زميلتها جوليا قصار خلال تسلمها جائزة «مونو» لأفضل ممثلة مسرحية (ماريا الدويهي)

شكَّل فوز ماريا الدويهي بجائزة «مونو» لأفضل ممثلة مسرحية عن دورها في مسرحية «القرنة البيضا»، محطة مفصلية في مسيرتها الفنية. فالدويهي، وهي ممثلة وكاتبة ومخرجة وأستاذة جامعية، دخلت عالم المسرح في مرحلة لاحقة من حياتها، بعدما تفرّغت لعائلتها وتربية أولادها، قبل أن تبني حضوراً لافتاً على الخشبة من خلال أعمال بالعربية والفرنسية، جمعت فيها بين التمثيل والغناء.

وتشير ماريا إلى أن تأخرها في دخول عالم المسرح لم يشكّل عائقاً أمام طموحها، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أشعر يوماً بهذا التأخير، فأولوياتي كانت واضحة، وهي التفرّغ لعائلتي وتربية أولادي. كنت أدرك أنني لن أستطيع تحقيق التوازن بين هذه المهمة ومهنة التمثيل، وإلا كان الفشل بانتظاري».

وعندما أُعلن فوزها بالجائزة، شعرت بالارتباك. وتوضح: «منذ إعلان ترشيحي، تملّكني القلق، لأن أحداً لم يكن يعرف اسم الفائز. وحتى اللحظة الأخيرة، عشت صراعاً بيني وبين نفسي، فلم أكن أريد أن أتعلّق بالجائزة ثم لا أحصل عليها».

وتتابع: «عندما أُعلن اسمي، فوجئت وبدأت أفكر في الكلمة التي سألقيها أمام الحضور. ولأنني لست امرأة استعراضية بطبعي، ارتبكت، لكنها كانت من أجمل لحظات مشواري».

في الماضي، لم تكن ماريا تولي الجوائز أهمية كبيرة، إذ كانت ترى أنها لا تقدّم ولا تؤخّر في مسيرة فنان شغوف. لكن فوزها في النسخة الأولى من «جائزة مونو»، وفي ظل منافسة ضمّت أسماء مسرحية بارزة، غيّر نظرتها إليها.

بعد فوزها بالجائزة صارت تدرك معناها بشكل أفضل (ماريا الدويهي)

وتقول: «كان الخوف يرافقني في كل عمل أقوم به. هكذا تربَّينا، على القلق من ألا تكون خطواتنا عند حسن الظن. جاءت الجائزة لتؤكد لي أن اجتهادي لم يذهب سدى، وأنني أسير على الطريق الصحيح». وتضيف أن الفوز رفع منسوب ثقتها بنفسها، لكنه حمَّلها في الوقت نفسه مسؤولية تقديم الأفضل.

وتعدّ ماريا مسرحية «القرنة البيضا» نقطة تحوّل في مسيرتها. وتقول: «صاغها يحيى جابر بأسلوب يرتكز على تعدّد الطبقات، وهي تصلح لمختلف فئات الجمهور من دون أن تكون مملّة. أشعر بأنني جزء من هذا العمل الذي نقلني إلى مرحلة أكثر أهمية».

ومنذ بداياتها المسرحية، حرصت الممثلة اللبنانية على دعوة المخرج والكاتب يحيى جابر إلى حضور أعمالها، لما يمثّله بالنسبة إليها من خبرة وحضور في المسرح اللبناني. وقد تابعها في مسرحيتي «تحت رعاية ذكور» و«توك توك»، إلى جانب أعمال أخرى قدّمتها بالفرنسية وجمعت فيها بين التمثيل والغناء.

وتوضح: «أدرك يحيى جابر نقاط قوتي وقدراتي، وعمل على إبرازها. ونحن نحضّر حالياً لعمل ثانٍ سيكون امتداداً لـ(القرنة البيضا)».

وبحسب ما قاله لها جابر، فإن ما أظهرته حتى اليوم لا يتجاوز 40 في المائة من قدراتها التمثيلية. لذلك تنظر إلى العمل الجديد بوصفه امتحاناً صعباً، خصوصاً أنه سيتطلّب، مثل العمل الأول، كثيراً من الطاقة والحضور والتقنية.

ولمسقط رأسها، زغرتا في شمال لبنان، أثر أساسي في تكوين الشخصيات التي أدّتها في «القرنة البيضا». وتقول: «تحدثت في المسرحية بلسان نساء قابلتهن في الضيعة وأعرفهن جيداً. حضّرت للعمل على مدى عام كامل، وعندما وقفت على الخشبة، خرج كل هذا المخزون الذي جمعته في ذاكرتي من دون وعي».

وتضيف: «لاحظ كثيرون أن بعض الشخصيات التي قدّمتها تشبه جدتي أو عمتي أو إحدى جاراتنا في زغرتا. يحيى جابر يعمل من هذا المنطلق، ويسهم في توليد شخصيات تسكن لا وعينا».

تستعد لتقديم عرضين جديدين من مسرحية «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

وعن الأشخاص الذين أسهموا في إبراز موهبتها، تقول: «يتقدّمهم يحيى جابر، لأنه منحني فرصة كبيرة أوصلتني إلى ما أنا عليه اليوم، وكذلك زوجي، وهو شاعر حاصل على الدكتوراه في الأدب العربي. كما أنني ابنة جبور الدويهي، الأديب والناقد المسرحي. جميعهم أدّوا دوراً في دخولي هذا المجال».

وترى ماريا أن المسرح اللبناني يشهد اليوم كثافة في الإنتاج وتنوّعاً في الأنماط، من الكلاسيكي إلى الحديث والفانتازي، لكنها تسجّل في المقابل حضوراً متزايداً للأعمال الاستهلاكية والسريعة.

وتقول: «لا يمكن اختزال المشهد المسرحي أو إعادة خلط أوراقه، لأن لكل عمل حضوره وجمهوره، لكن يمكن التمييز على مستوى النوعية. وهنا تكمن أهمية الجوائز، لأنها تحثّ صنّاع المسرح على البحث عن الأفضل ودخول باب المنافسة».

وعن الدور الذي تتمنى تقديمه على الخشبة، تقول إنها تحلم بدور جريء يخرجها من الشخصيات النمطية والمستهلكة.

وتستعد ماريا لتقديم عرضين جديدين من «القرنة البيضا» على خشبة «مسرح مونو» في 5 و12 سبتمبر (أيلول) المقبل، في حين تشير إلى أن عملها الجديد مع يحيى جابر لن يرى النور قبل نهاية الصيف الحالي.

سينمائياً، تطلُّ ماريا في فيلم «رفقا»، الذي يتناول قصة القديسة اللبنانية، في حين تستبعد دخول مجال الدراما التلفزيونية قريباً.

وتختم: «لا أشاهد كثيراً من المسلسلات، وأركّز على المسرح لأنه ملعبي الحقيقي. مجال الدراما معقّد؛ فقد يحظى الممثل أحياناً بدور ينصفه، وأحياناً أخرى لا. أما أنا فأتوق إلى العمل في السينما».


بعد نجاح «الأوديسة»... مدينة تركية تعوّل على «كهف هوميروس» لجذب اهتمام العالم

تُظهر هذه الصورة جزءاً من كهوف وادي هوميروس في بورنوفا الذي يُعتقد أنه المكان الذي عاش فيه الشاعر اليوناني الشهير هوميروس وكتب فيه «الإلياذة» و«الأوديسة» (أ.ف.ب)
تُظهر هذه الصورة جزءاً من كهوف وادي هوميروس في بورنوفا الذي يُعتقد أنه المكان الذي عاش فيه الشاعر اليوناني الشهير هوميروس وكتب فيه «الإلياذة» و«الأوديسة» (أ.ف.ب)
TT

بعد نجاح «الأوديسة»... مدينة تركية تعوّل على «كهف هوميروس» لجذب اهتمام العالم

تُظهر هذه الصورة جزءاً من كهوف وادي هوميروس في بورنوفا الذي يُعتقد أنه المكان الذي عاش فيه الشاعر اليوناني الشهير هوميروس وكتب فيه «الإلياذة» و«الأوديسة» (أ.ف.ب)
تُظهر هذه الصورة جزءاً من كهوف وادي هوميروس في بورنوفا الذي يُعتقد أنه المكان الذي عاش فيه الشاعر اليوناني الشهير هوميروس وكتب فيه «الإلياذة» و«الأوديسة» (أ.ف.ب)

في ظل تقديرات بأن ملحمة «الأوديسة» ولدت في كهف يُطلّ على تلال بورنوفا المكسوة بأشجار الزيتون في محافظة إزمير على ساحل بحر إيجة التركي، تأمل السلطات المحلية في اغتنام الاهتمام المتجدد بهوميروس بعد النجاح العالمي الكبير لفيلم كريستوفر نولان، لتعزيز وضع منطقتهم على خريطة الوجهات السياحية.

يقول الباحث ألتان ألتين الذي نشر مؤخراً كتاباً حول هذا الموضوع: «لطالما أطلق السكان المحليون على هذا المكان اسم وادي هوميروس. وكان المسافرون من جميع أنحاء العالم يأتون لرؤية الكهف الذي يُعتقد أن هوميروس ألّف فيه قصائده».

مع ذلك، في غياب أدلة ملموسة، ظلت قصة كهف هوميروس لفترة طويلة بمثابة أسطورة محلية غير مثبتة.

كهفٌ عرفه السكان المحليون لأجيالٍ عديدة بأنه المكان الذي خطّ فيه هوميروس «الأوديسة»... لطالما ارتبط اسم الشاعر بمنطقة إزمير على ساحل بحر إيجة التركي (أ.ف.ب)

وكتب الجغرافي اليوناني باوسانياس في القرن الثاني الميلادي: «يملك أهل سميرنا نهر ميليس بمياهه العذبة، وعند منبعه يقع الكهف الذي يُقال إن هوميروس نظم فيه قصائده»، ما أثار جدلاً لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا حول حياة هوميروس وموقع النهر الذي يُعتقد أن الشاعر وُلد بالقرب منه في القرن الثامن قبل الميلاد.

دقة مذهلة

وبينما تدّعي أماكن أخرى، ولا سيما جزيرة خيوس اليونانية، أنها تضم مسقط رأس هوميروس، فإن سميرنا القديمة التي تُعرف اليوم باسم إزمير، ومحيطها حيث تقع بورنوفا، ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بالشاعر.

يقول ألتان ألتين: «بالنسبة لي، لا شك في أن هوميروس من بورنوفا، ومن إزمير. وفي مطلق الأحوال، إنه من إيونيا، التي تضم سميرنا وخيوس. إنه من هذه الأراضي».

رسومات جدارية على جدران كهوف وادي هوميروس في بورنوفا الذي يُعتقد أنه المكان الذي عاش فيه الشاعر اليوناني الشهير هوميروس وكتب فيه «الإلياذة» و«الأوديسة» (أ.ف.ب)

لدعم نظريته، يستند ألتان ألتين بشكل خاص إلى نقش بارز يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، يصور طقوس تأليه هوميروس. ووفقاً له، فإن المشهد يُحاكي كهف بورنوفا بدقة مذهلة. ويوضح الباحث «كان هذا النقش البارز معروفاً، لكن لم يلحظ أحد التطابق التام بينه وبين كهف هوميروس. ولأول مرة، يظهر وصف جغرافي بهذه الدقة».

ولا يزال من الصعب الوصول إلى الكهف المليء بالصخور والذي تحمل جدرانه نقوشاً وكتابات جدارية لم يُعرف تاريخها بعد.

ويقول عالم الآثار محمد عاكف إردم: «تشير الاكتشافات التي عُثر عليها في أعمال التنقيب، ولا سيما العملات المعدنية التي تحمل صورة هوميروس، إلى أن سكان سميرنا القديمة كانوا يعتبرون الشاعر واحداً منهم».

زار سياح كهوف هوميروس في وادي هوميروس ببورنوفا في إزمير حيث يُعتقد أن هوميروس عاش وكتب «الإلياذة» و«الأوديسة» (أ.ف.ب)

ويضيف: «كُتبت (الإلياذة) و(الأوديسة) باللهجتين الأيونية والإيولية، ما يُشير إلى أن سميرنا القديمة وبورنوفا قد تكونان من بين المناطق التي ولد فيها هوميروس».

حضور هوميروس الطاغي

بعيداً عن النقاش الأكاديمي، يبقى حضور هوميروس جليّاً في بورنوفا. ففي تل يشيلوفا، وهو موقع من العصر الحجري الحديث يُعتبر أقدم مستوطنة بشرية في إزمير، يستقبل الزوار تمثال نصفي لهوميروس مصحوباً بنقش لعبارة «لقد ألّفتُ (الإلياذة) و(الأوديسة) على هذه الأرض. عشتُ في بورنوفا».

إضافة إلى وادي هوميروس ومعرض الكتاب المُخصّص للشاعر، أقامت بلدية بورنوفا تمثالاً لهيكتور، بطل حرب طروادة، في حديقة مركزية بالمدينة، وتخطط لترميم كهف هوميروس وفتحه للزوار.

يقول رئيس بلدية بورنوفا المعارض عمر إسكي: «إن الحفاظ على إرث هوميروس واجب تجاه الإنسانية. فهو أحد مؤسسي الأدب. والقصص التي يرويها هي قصص هذه الأرض. المسألة لا تكمن في تبنّي أصول هوميروس أم لا، فقصته هي قصتنا أيضاً».

مؤرخ المدينة والمؤلف ألتان ألتين الذي أجرى بحثاً مكثفاً عن علاقة هوميروس بإزمير يقدم كهوف هوميروس في بورنوفا بإزمير (أ.ف.ب)

إلا أن هذه الرؤية لا تحظى بقبول عام. ففي عام 2024، اقترح مسؤولون بلديون من حزب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تغيير اسم وادي هوميروس إلى اسم جندي تركي، بحجة أن الموقع لا ينبغي أن يحمل اسماً يونانياً.

وردّ رئيس البلدية قائلاً: «إن محو اسم هوميروس سيكون من أسوأ ما يمكن أن يحدث لبورنوفا»، مضيفاً: «يجب أن يُعرف هوميروس للعالم بأنه ابن بورنوفا». وهو يدعو إلى تحويل الموقع إلى معلم سياحي.

التنافس بين تركيا واليونان

يقول مصطفى كوجيغيت، من مكتبة غارغانتوا في إزمير، إن نجاح فيلم «الأوديسة» أثار اهتماماً متجدداً بهوميروس، وعزز مبيعات ملحمته.

يشير المؤرخ والكاتب ألتان ألتين إلى لوحة حجرية محفوظة حالياً في المتحف البريطاني يعتقد أنها تُصوّر مراسم الاحتفاء بهوميروس (أ.ف.ب)

وتقول صفاق توسون، وهي مُدرسة تبلغ 58 عاماً، أمام إحدى دور السينما في المدينة حيث لا يزال الفيلم يحقق نجاحاً باهراً: «كنت أعرف أن هوميروس من هنا، ولكن ليس من إزمير تحديداً. أشعر بالفخر والاعتزاز لكوني من أبناء وطنه».

ويقول ألتان ألتين: «عندما تتعمق في(الإلياذة)، تُدرك حقاً أن هوميروس كان أناضوليا. تكتشف حكايات وآثاراً ثقافية غير معروفة في أي مكان آخر». ويرى الباحث أن أصول هوميروس لا ينبغي أن تُثير التنافس بين تركيا واليونان.

ويوضح: «هوميروس عمره 2800 عام، بينما الحدود التركية اليونانية عمرها قرن واحد فقط»، مضيفاً: «هوميروس يوناني. هوميروس أناضولي. لا أحد منا أقدم منه، ولا حتى دولنا».


اختفت عقداً وعادت في عيد ميلاد صاحبتها... حكاية قطة لم تُنسَ

لوسي تنشر صورة تشارلي وتصفها بالمشاكسة بعض الشيء
لوسي تنشر صورة تشارلي وتصفها بالمشاكسة بعض الشيء
TT

اختفت عقداً وعادت في عيد ميلاد صاحبتها... حكاية قطة لم تُنسَ

لوسي تنشر صورة تشارلي وتصفها بالمشاكسة بعض الشيء
لوسي تنشر صورة تشارلي وتصفها بالمشاكسة بعض الشيء

اجتمعت قطة مخططة تبلغ 13 عاماً بصاحبتَيها مجدداً بعد 10 سنوات من اختفائها، في مفاجأة تزامنت مع عيد الميلاد الثلاثين لإحداهما.

وشعرت لوسي وهانا روبرتسون بـ«حزن شديد» عندما اختفت قطتهما تشارلي في أبريل (نيسان) 2016، وكان عمرها آنذاك 3 سنوات.

وكانت هانا (37 عاماً) قد انتقلت من نيوبريدج إلى أبيركارن، في مقاطعة كيرفيلي، على بُعد بضعة أميال. وبعد 3 أيام من انتقالها، خرجت تشارلي، التي اعتادت التجول في الشوارع، ولم تعد إلى المنزل.

وأمضت العائلة أشهراً في البحث عنها، وسألت سكان المنطقة، ونشرت إعلاناً عبر «فيسبوك». وعلى الرغم من تلقي أفرادها بعض المعلومات، فإنهم لم يتمكنوا من العثور عليها.

وقالت هانا لبرنامج «بي بي سي راديو ويلز درايف»: «لم نفقد الأمل، لكننا للأسف لم نتمكن من العثور عليها».

وأضافت لوسي: «كان الأمر مفجعاً. كنا نخشى أن تكون قد دهستها سيارة، أو أنها لم تعد على قيد الحياة».

لكن ما وصفته العائلة بـ«المستحيل» حدث في 29 يوليو (تموز) الماضي، بالتزامن مع عيد ميلاد لوسي الثلاثين، عندما تلقت هانا اتصالاً من عيادة بيطرية في أبيركارن، يُبلغها بالعثور على تشارلي.

وكان أحد سكان المنطقة قد عثر على القطة تعيش بين الشجيرات، وظل يطعمها لأسابيع ظناً منه أنها ضالة، قبل أن يأخذها إلى العيادة. وتمكن العاملون فيها من التواصل مع هانا عبر رقم الهاتف المسجل على الشريحة الإلكترونية المزروعة في جسم القطة.

وقالت هانا إن الطبيب البيطري شعر بـ«صدمة كبيرة» عندما علم أن تشارلي مفقودة منذ عقد كامل. وكانت القطة تتمتع بصحة جيدة، وبدا فراؤها سليماً، ولم تظهر عليها علامات الإهمال أو التشرد.

وقالت هانا: «يبدو أنها كانت تخوض مغامرة»، مضيفة: «أعتقد أننا لن نعرف أبداً ما الذي حدث لتشارلي طوال تلك السنوات».

وأكدت لوسي أن تشارلي تعرَّفت إليهما «على الفور»، وأن مظهرها لم يتغير كثيراً مقارنة بصورها القديمة.

وعلى الرغم من حاجتها إلى بعض الوقت للتأقلم مع الحيوانات الأخرى في المنزل، فإنها تستمتع بالطعام والاهتمام، ولا تزال ودودة كما كانت قبل 10 سنوات.

وقالت لوسي: «أشعر بأنها تدرك الآن أنها أصبحت مشهورة بعض الشيء».