زينة صالح كيالي لـ«الشرق الأوسط»: الجمهور اللبناني لا يعترف بموسيقييه الكلاسيكيين

في كتابها «وجوه موسيقية نسائية» تكرّم مبدعات في طي النسيان

زينة صالح كيالي تسلط الضوء على موسيقيات من لبنان (المؤلفة)
زينة صالح كيالي تسلط الضوء على موسيقيات من لبنان (المؤلفة)
TT

زينة صالح كيالي لـ«الشرق الأوسط»: الجمهور اللبناني لا يعترف بموسيقييه الكلاسيكيين

زينة صالح كيالي تسلط الضوء على موسيقيات من لبنان (المؤلفة)
زينة صالح كيالي تسلط الضوء على موسيقيات من لبنان (المؤلفة)

منذ صغرها تعلَّقت زينة صالح كيالي بالموسيقى وأربابها. هجرتُها إلى فرنسا عام 1987 وفَّرت لها اكتشاف أهمية الموسيقى في تكوين شخصية الناس. وهناك اطّلعت من كثب على الهوية الوطنية للتراث الموسيقي اللبناني، فتعرَّفت على أسماء كبيرة حققت نجاحات عالمية. ومن بين هؤلاء ناجي حكيم وبشارة الخوري وزاد ملتقى وغبريال يارد. وكونها عازفة بيانو ومغنية في فرق كورال هناك كان انكبابها على هذا الموضوع لافتًا. ألّفت سلسلة كتب تحت عنوان «وجوه موسيقية من لبنان». وكان أحدثها «وجوه موسيقية نسائية»، فكان الأول من نوعه الذي يخصص مدونة لنساء لبنانيات مبدعات في الموسيقى، فأضاءت على عازفات ومؤلفات وناشطات في هذا المجال.

في كتابها «وجوه موسيقية نسائية» تحكي زينة كيالي عن شخصيات منسية

ينقسم كتاب زينة صالح كيالي إلى 3 أجزاء رئيسية، في الأول منه تناولت سيرة حياة 20 مؤلفة موسيقية لبنانية، ومن بينهن الأخت مارانا سعد ورلى بعقليني وجويل خوري وغيرهن. أما الجزء الثاني فخصصته لـ4 عازفات بيانو، وهنّ: ساميا حداد ووداد مزنّر وديانا تقي الدين وزفارت سركيسيان. وفي القسم الأخير كرّمت ميرنا البستاني، النائبة السابقة في البرلمان اللبناني، وهي مؤسسة مهرجان البستان الدولي. شكَّل عزفها على البيانو وحبّها للموسيقى باباً واسعاً لتطل منه على أهم عازفي البيانو العالميين.

وتعدُّ زينة كيالي أن تأليفها هذه المجموعة من الكتب يعود إلى أسباب مختلفة. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «أولاً، أنا عاشقة للموسيقى، وأهلي حرصوا على تزويدي بتربية موسيقية أصيلة. كما أن هجرتي من لبنان إلى فرنسا وضعتني على تماس مع أجواء الموسيقى مباشرة. واكتشفتُ أن لبنان، هذا البلد الصغير، لديه أكبر عدد من الموسيقيين والمؤلفين بين جيرانه. وما أسهم في تحفيزي لتأليف سلسلة الكتب هذه هو فخري بأبناء بلدي المنتشرين في العالم، فكنتُ في كل مرة أكتشف مسيرة أحدهم أتحمس بشكل كبير».

زينة صالح كيالي تسلط الضوء على موسيقيات من لبنان (المؤلفة)

تروي زينة صالح كيالي لـ«الشرق الأوسط» بعض المقتطفات والقصص من كتابها الأخير «وجوه موسيقية نسائية»: «إنه الكتاب الـ11 من هذه السلسلة التي يرتكز محتواها على جهد فردي وأبحاث قمت بها على أرض الواقع. ورحت أفتِّش عن أولاد تلك المبدعات أو عن أقارب لهن، وأحياناً كان يتسنى لي الالتقاء بأشخاص تعرَّفوا عليهن عن قرب. فليس هناك أي مراجع يمكننا الركون إليها في هذا الإطار؛ لذلك كان مشواري طويلاً منذ بداياته حتى اليوم، وعمره 20 عاماً».

في الجزء الأول من كتابها، تعرّفنا زينة صالح كيالي على 20 مؤلفة موسيقية نجحن في لبنان وخارجه: «أحكي في هذا الجزء عن سيرة كل منهن، ومدى تأثر موسيقاها بوطنها الأم لبنان. كما أرفقتُ كل اسم بلائحة أعماله الخاصة بآلة البيانو. وأعدُّ هذا الكتاب مرجعاً يمكن الاستعانة به من قبل طلاب وباحثين في عالم الموسيقى».

في الجزء الثاني من كتابها، تتناول الكاتبة سيرة 4 نساء لمعن في عالم الموسيقى بين الستينات والسبعينات. واللافت أن تلك النساء الأربع أصبحن طي النسيان ولا أحد يتذكّرهن. وتعلِّق كيالي: «النساء الأربع شكَّلن محوراً مهمّاً ورئيسياً في الحياة الموسيقية اللبنانية. وعلى الرغم من ذلك لم يعد يتذكرهن أحد، ولا حتى يشير إلى مسيرتهن».

وداد مزنّر واحدة من النساء الأربع اللاتي سلّطت زينة عليهن الضوء. وكانت المسؤولة عن القسم الموسيقي في مهرجانات بعلبك، وتوضح كيالي: «صعوبة العمل كانت تكمن في إيجاد خيط يوصلني إلى الشخصيات تلك. الأمر كان أكثر سهولة في حال وجدت طريقي للاتصال بأولادهن، ولكن من أصل 4 نساء مبدعات اكتشفت أن واحدة منهن فقط تزوجت، وهي ساميا حداد فلامان. وعلمت أنها مرت بفترة قاسية خلال زواجها، فأصيبت بانهيار عصبي بسبب زوجها الذي حاول منعها من ممارسة عملها الموسيقي».

زفارت سركيسيان كانت أستاذة عبد الرحمن الباشا (المؤلفة)

وبالنسبة لزفارت سركيسيان فتتوقف المؤلفة عند واحدة من المحطات المهمة في حياتها. «لقد كانت الأستاذة المدرّسة لعبد الرحمن الباشا للعزف على البيانو، فكانت أول من تنبَّهت لموهبته اللافتة في العزف. وعندما أصبح في الرابعة عشرة من عمره، وأنهى دراسته التكميلية في بيروت، دبّرت لسفره إلى الخارج، فكانت مؤمنة بموهبته إلى حدّ كبير، ورغبت في أن يكمل مشواره الموسيقي خارج لبنان، فاتصلت بأربعة سفراء لبلدان أجنبية لدى لبنان، يمثّلون فرنسا وإنجلترا وروسيا وأميركا، وطلبت منهم أن يستمعوا إلى عزفه كي يتعرفوا على موهبته، وبالفعل عرض عليه السفراء الأربعة منحة دراسية في أهم المعاهد الموسيقية في بلادهم، ولكن عبد الرحمن الباشا اختار فرنسا».

تؤكد زينة أن العازف اللبناني هو الذي أخبرها بهذه القصة، وبأنه عندما توفيت زفارت سركيسيان منذ نحو 7 سنوات كرّمها بكلمة نشرها في إحدى الصحف اللبنانية.

وفي الفصل الذي خصصته لميرنا البستاني تحكي عنها بصفتها أول امرأة دخلت البرلمان اللبناني. وكذلك أول من أسّس لمهرجان يهتم بالموسيقى الكلاسيكية العالمية. «كثيرون انتقدوها يومها، وتمّت محاربتها، ولكنها تمسكت بفكرة (مهرجان البستان). ويعدّ هو الوحيد اليوم في منطقتنا الذي يسلّط الضوء على هذا الفن خارج أوروبا».

تطول قصص زينة صالح كيالي حول بطلات كتابها الجديد، وتخبر «الشرق الأوسط» عما فاجأها في مشوارها الطويل هذا: «لقد اكتشفت أن الجمهور اللبناني لا يعترف بمبدعيه المختصين بالموسيقى الكلاسيكية. وهو أمر مؤسف، بدلاً من أن يبادروا بتشجيعهم».

نشاطات زينة صالح كيالي كثيرة في مجال الموسيقى، وأحدثها تأسيس «بيت التباريس»: «لقد أطلقته منذ نحو 6 سنوات في بيت عائلتي القديم في محلة السراسقة. وسنوياً أستضيف أحد الموسيقيين العالميين الأجانب، فيقوم بتدريب مواهب لبنانية مبدعة ولافتة. فتكون هذه الحصص بمثابة (ماستر كلاس) لهم تميزهم عن غيرهم».


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.