رئيس لجنة التحوّل الوطني: منذ 9 سنوات لم يمرَّ يومٌ في السعودية بلا إنجاز

التويجري دعا الإعلاميين إلى الابتكار في تقديم قصة المملكة للعالم

رئيس لجنة برنامج التحوّل الوطني محمد التويجري خلال الجلسة (المنتدى)
رئيس لجنة برنامج التحوّل الوطني محمد التويجري خلال الجلسة (المنتدى)
TT

رئيس لجنة التحوّل الوطني: منذ 9 سنوات لم يمرَّ يومٌ في السعودية بلا إنجاز

رئيس لجنة برنامج التحوّل الوطني محمد التويجري خلال الجلسة (المنتدى)
رئيس لجنة برنامج التحوّل الوطني محمد التويجري خلال الجلسة (المنتدى)

أكّد رئيس لجنة برنامج التحوّل الوطني، ونائب رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الوطني، محمد بن مزيد التويجري، أنه لم يمرَّ يومٌ في السعودية خلال السنوات الـ9 الماضية من دون إنجاز، داعياً المنظومة الإعلامية في البلاد إلى بذل مزيد من الجهد والابتكار لتبسيط جوهر التحوّل الذي تعيشه المملكة للجمهور.

وتابع: «المسألة الرئيسية في (رؤية السعودية 2030) هي أنّ ثمة تحوّلاً يمسّ القطاعات النفطية وغير النفطية، بالمستوى عينه من الأهمية والجدوى، والمطلوب من قطاع الإعلام، أفراداً ومؤسّسات، مواكبة هذا التحوّل بطريقة تكاملية ومبتكرة، بلمس جوهر هذه القصة النادرة، وتبسيط رحلتها لجميع الفئات، من بينها المواطن والمستثمر والآخر المتطلع للتعرّف على السعودية».

كلامه جاء خلال مشاركته في جلسات «المنتدى السعودي للإعلام» بدورته الرابعة. وفي جلسة عُقدت، الخميس، بعنوان «البُعد الإعلامي للسياسات الاقتصادية لرؤية المملكة: التحوّل من أجل تحقيق رؤية عالمية»، شدَّد التويجري على أنّ الطاقة الحقيقية للسعودية هم أبناؤها من الشباب والشابات، وأنّ العمل الإعلامي فنّ يمكن أن يُسهم في هذه الرحلة التي تقطعها المملكة نحو المستقبل.

الجلسة جاءت ضمن «المنتدى السعودي للإعلام» في دورته الرابعة (المنتدى)

‬⁩وناقشت الجلسة أهمية الإعلام في دعم السياسات الاقتصادية لـ«رؤية المملكة 2030»، ودوره في إبراز التحوّلات الاقتصادية الطَّموحة وتعزيز جاذبية السعودية للاستثمارات العالمية.

ووصف التويجري برنامج التحوّل الوطني بالضخم، مضيفاً أنه «يجمع وزارات تعمل في تخصّصات متعدّدة؛ وقد بدأ مع (رؤية 2030) وتطوّر باستمرار»، مشيراً إلى أنّ العاملين في الجانب الإعلامي من الرؤية، بدأوا العمل على ثيمة سنوية لقياس الأثر الملموس للبرنامج في الواقع، وأنّ هناك قصصاً سعودية كثيرة يتّضح فيها أثر المبادرات التي يُطلقها البرنامج: «المجال واسع ومفتوح للابتكار إعلامياً في حكاية قصة السعودية».

وفي سياق حديثه، رأى أنّ العمل مع قطاع الإعلام يحتاج إلى مزيد من التعاون والشراكات، مشيراً إلى أنّ هناك تحوّلاً نوعياً في الإعلام السعودي، بدأ يظهر من خلال جودة الأسئلة التي يوجّهها مندوبو المؤسّسات الإعلامية السعودية، والتي تمسّ جوهر كثير من الأحداث وتفاصيلها. من هنا، شدَّد على أهمية الشراكة مع الإعلام في رحلة التحوّل الوطني، في ظلّ ما يشهده العالم من تغيُّر يتطلّب، في المقابل، مجهوداً في المواكبة والاستجابة الواعية من الإعلام.

التويجري دعا الإعلام إلى بذل مزيد من الجهد ومواكبة رحلة التحوّل (المنتدى)

وإذ قال التويجري إنّ الإعلام يتمتّع بسيولة كبيرة، ومليء بوجهات النظر والأفكار المتعدّدة؛ أشار إلى أنّ المهم هي النتيجة، وتحقيق أثر في المتلقّي، مضيفاً: «هذا مبدأ رئيسي سنّه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عمله اليومي، ويرتكز على 3 أمور هي: الإنجاز، والعمل المؤسساتي، والمتابعة»، لافتاً إلى أنّ «كل ما يحدث اليوم، هو ما يمكن تسميته رواية القصة، ورغم كثير قُدّم خلال الفترة السابقة، فإنّ قصة السعودية لم تروَ بعد، ويتطلّب الأمر مزيداً من الشراكة والعمل للوصول إلى المأمول».

وأشار أيضاً إلى أنّ منظومة العولمة تتحوّل وتأخذ مجرى مختلفاً، والمستثمر أصبح يبحث عن عدد من المؤهلات، من بينها المستوى الأمني؛ وهو ما تتمتّع به السعودية بدرجة عالية، مؤكداً أنّ رجال الأمن فيها لم ينالوا حقّهم من الإضاءة على جهودهم في ظلّ ما حقّقته البلاد من نتائج متقدّمة في مستوى الأمان، ومن ذلك ما حقّقته أخيراً في اعتلاء المرتبة الأولى في الأمان المجتمعي بين دول مجموعة الـ20.

وتابع المتحدِّث في الجلسة بالتأكيد أنّ السعودية تتمتّع بمميّزات كثيرة مرتبطة بحاجات المستثمرين كافة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الجهد للإضاءة عليها إعلامياً، لافتاً إلى أنّ الدعاية السلبية التي تُوجَّه إلى المملكة أحياناً، يواجهها في المقابل تلاحمٌ وطني يمثّل خطَّ الدفاع الأول عن البلاد وعن خطّتها للنمو والتطوّر نحو المستقبل.

رئيس لجنة برنامج التحول الوطني محمد التويجري شدَّد على أهمية دور الإعلام (المنتدى)

ولفت التويجري إلى أهمية الإعلام الرقمي في هذه المرحلة من رحلة السعودية، وعدَّه فرصة ثمينة لإيصال الرسالة الإعلامية، مع ضرورة فهم آلية بناء المحتوى بشكل يكون سريعاً ولافتاً، منوّهاً بأنّ جميع الجهات السعودية لديها قناعة بقيمة التحوّل الرقمي.

وإذ وصف تصميم «رؤية السعودية 2030» بالمميّز، أشار إلى أنه انطلق بورشات عمل تُركز على أسئلة كبرى، وتُرجم ذلك إلى برامج تحوّل في مختلف التخصّصات، مضيفاً أنّ العمل على الرؤية، في المقابل، مميّز هو الآخر، وآلية اتخاذ القرار فيه تأتي من خلال عمل تكاملي، تتمتّع بمظلة أعلى تحكُم بين المؤسّسات. وختم بتأكيد أنّ تصميم الرؤية يساعد على تعزيز قيمة التحوّل التي تكمن في نواتها، والمطلوب المواكبة من كل قيادة، موجّهاً رسالة إلى السعوديين، دعاهم فيها إلى التأمّل في الواقع ومستوى الإنجازات التي تتحقّق، والشعور بالانتماء إلى البلاد، من دون أن يفوته حضّ قطاع الإعلام على الاستمرار في إجراء النقاشات حول قصة الوطن وتحوّله نحو المستقبل.


مقالات ذات صلة

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

إعلام المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة

راغدة بهنام (برلين)
إعلام 
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»... وتدشّن مرحلة تطوير شاملة

أعلنت «SRMG» فوزها بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة، في خطوة تعكس تصاعد دورها في قيادة المشهد الإعلامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

حصد صلاح لبن، المحرر في «إندبندنت عربية»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»، «جائزة فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»

«الشرق الأوسط» (ليماسول (قبرص))
يوميات الشرق المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 % من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.