«اللي شبكنا يخلّصنا»... جرعة درامية للشفاء الجماعي 

في شريط مؤثّر تُشكّل الحرية عنوانه العريض

جوزيف وزينة السجن جمعهما والغربة وحدتهما (الشرق الأوسط)
جوزيف وزينة السجن جمعهما والغربة وحدتهما (الشرق الأوسط)
TT

«اللي شبكنا يخلّصنا»... جرعة درامية للشفاء الجماعي 

جوزيف وزينة السجن جمعهما والغربة وحدتهما (الشرق الأوسط)
جوزيف وزينة السجن جمعهما والغربة وحدتهما (الشرق الأوسط)

مسرحية «اللي شبكنا يخلّصنا» لزينة دكاش تأخذك في رحلة فريدة من نوعها، تُهدئ من روعك وتلطّف أفكارك، ممّا ينعكس إيجاباً على مزاجك. تشعر وكأنك خضعت لجلسة علاج نفسية كنت بحاجة إليها. وتنجح زينة في تطبيق المثل اللبناني «عندما ترى مصيبة غيرك يصغر حجم مصيبتك». تقدم زينة قصصاً متعددة تختصر المعاناة والألم والفراق، مما يساهم في تعزيز الإحساس بالتعاطف.

تسمح زينة للمشاهدين بالتعرف إلى جزء من حياتها بصفتها كاتبة ومخرجة، حيث تفتح قلبها على مصراعيه وتقدّم مشاعرها بتفانٍ، مُعززة بذلك تجربتها الشخصية. وبالتعاون مع شريكيها في العمل جوزيف جول وسام غزال، وسمتها بنكهة إنسانية وبجرعات كوميدية.

دكاش وجول وغزال في «اللي شبكنا يخلصنا» (الشرق الأوسط)

الأول سجين سابق في حبس رومية أمضى فيه نحو 30 سنة. والثاني كوميدي لبناني يملك لكنة مميزة وأسلوباً خاصاً في إضحاك الناس،

أما زينة فلم تشأ أن تقف خارج الصحن هذه المرة، فتراقب العمل المسرحي مخرجة فقط. انخرطت بأحداثها وتقلّبت بين صفحاتها كمن يتمرّغ بالوحول قبل الاغتسال. فقد أرادتها وسيلة علاج تشفيها من زمن صمت طويل عاشته.

تبادلت الأدوار مع جوزيف الذي سبق أن عالجته بالدراما لسنوات عدة. في حين سام غزال شكّل بصيص أمل على كتف حقبة يسودها الشرّ. ومع هذه العناصر يُتابع المشاهد أحداث عمل مسرحي يتعمّق بالمشاعر، فيدخل في صميمه ليخرج منه كمن تخلّص من أثقاله. فعندما نرغب في وضع حدّ لآلامنا ما علينا سوى اتخاذ القرار بتذويبها، حتى لو بقيت هزيلة تترنح كهيكل عظمي على كاهلنا. فما علينا سوى دفنها كما هي من دون رجعة، مهما مررنا بخيبات أملٍ وتكبّدنا الجهد كي نفلت منها.

كل هذه الأفكار تمدّك بها مسرحية «اللي شبكنا يخلصنا». وتعترف في النهاية أن صاحب المشكلة وحده لديه القدرة على حلّها. ولدى شعوره بالحريّة سيُحلّق معها في سماء الأمل.

وزّعت زينة دكاش على رُوّاد مسرحها أوراقاً بيضاء، رسمت عليها طريقة صنع الطائرة الورقية. فأطلقوها بصورة عفوية في ختام العمل. ومعها تحرّروا من همومهم مستعيدين لحظة طفولة رغبت دكاش في استحضارها على الخشبة.

أداء زينة الطبيعي والمتفاعل مع جمهورها منذ اللحظة الأولى لعرض العمل ساهم في تلقُّف الموضوع بسهولة. واستعانت باللعبة البصرية عبر الشاشة الصغيرة لتمرّ على محطات من نجاحاتها.

زينة في مشهد من المسرحية (الشرق الأوسط)

عملت زينة نحو 14 سنة في سجن رومية مع المساجين. فكانت تخفّف عليهم أوجاعهم من خلال العلاج بالدراما. كما ساهمت في سَنِّ قوانين من بينها، تخفيض سنوات العقوبة. مما انعكس طاقة أمل على المساجين. ومن أهم تلك المحطات مسرحية «12 لبنانياً غاضباً» التي حوّلتها إلى فيلم سينمائي.

وفي سردية مشوقة نتعرّف إلى السجين جوزيف في جميع مراحل سجنه. كان شاباً عندما ارتكب جريمته ودخل السجن. وكان يحلم بالحرية التي لم يعانقها إلا بعد 30 عاماً مرتدياً البذلة نفسها. فبقيت كما هي رمادية تتزين بربطة عنق زهرية. ولكن كل التغيير كان قد أصاب صاحبها الذي تقدّم بالعمر وانتشر الشيب في شعر رأسه.

وخارج القضبان عاش جوزيف غربة قاسية لطّفها التقاؤه بوالدته بعد طول انتظار. الفرحة لم تكتمل إذ رحلت عن الدنيا بعد سنة من الإفراج عنه.

أما زينة التي قضم السجن سنوات من عمرها فأفلتت منه غصباً عنها. لقبُها «أم علي» رافقها بسبب جهدٍ متواصل، وحدهم الرجال يحتملونه. ولكنها تزوجت وأنجبت طفلتها أسما، وانغمست في حياتها العائلية، وأمضت القسم الأخير من حياتها مع والدتها المريضة؛ فكانت الأم والزوجة والمعالجة النفسية والممرضة في آن. غرقت في حالة صمت طويلة لم تستطع كسرها إلّا بعد أن قررت الفضفضة. فالانهيارات المتتالية التي شهدتها البلاد أثّرت عليها، وكذلك فراق والدتها. فكان المسرح ملجأها والخشبة صداها وجوزيف ثالثها. فبادر إلى معالجتها بعد أن صارت هي المريضة.

ومعاً يستعيدان ذكرياتهما داخل السجن وصولاً إلى الحرية. وضاقت دائرة نشاطات زينة لتقتصر على حفلات أعياد ميلاد أصدقاء طفلتها. في حين جوزيف عاش أزمة إقفال جميع الأبواب بوجهه. واقعٌ دفعهما للتمسّك، بعضهما ببعض، كخشبة خلاص تنقذهما من الغرق.

أما سام غزال فكان بين الفينة والأخرى يكسر شريط ذكريات زينة وجوزيف عنوة. يُمرِّر رسائل كوميدية بقصص من حياته. ويتوقف عند عرض زينة له بمشاركتها المسرحية. ويعلق بفكاهة «تساءلت كيف سأمثِّل مع اثنين من خريجي سجن رومية. وهل عليّ أن أرتكب جريمة لأعرف مواكبة أجوائهما؟». ويُخبر الناس بسخرية كيف أن والدته دعمته ليُمثّل.

محطات من جلسات علاج نظمتها في سجن رومية، وأخرى أطلّت فيها الإعلامية ماغي فرح والممثلة سينتيا كرم، لونت العمل. فالأولى كانت توقعاتها الفلكية تشجّع زينة للمضي قُدُماً. في حين جسّدت الثانية دور والدة جوزيف ببراعة وهي تحدّثه من السماء.

سينتيا كرم وزينة دكاش في مشهد افتراضي (الشرق الأوسط)

وتستذكر زينة والدتها الراحلة فيرجيني برسائل صوتية مسجّلة تحفظها على جهازها الخلوي. ومن ثَمّ تتقمّص شخصيتها في حوار تجريه معها من الملكوت. في المسرحية مقارنة عفوية بين الحياة في سجن رومية والحياة خارجه. ففي هذا الأخير كانت المياه كما الكهرباء والاستشفاء أموراً مؤمّنة عكس ما يجري خارج السجن. وكذلك نستشف مقاربة مشابهة نسمعها في رسائل زوج زينة الأردني الجنسية، الذي صُدم بحياة اللبنانيين ومعاناتهم من أمور كثيرة.

بدا المشهد الذي تتحدث فيه زينة دكاش عن والدتها وهي تخاطبها من عالم الغيب مؤثراً. استعرضت خلاله مشوارها معها خلال المرض. وكيف كان الفرح معها صعباً لخوفها الدائم من الوحدة والموت. لتطلب منها بالنهاية دوام الدعاء لها من السماوات. وبالتالي يفضفض جوزيف عن مكنوناته العميقة ويحاور والدته الراحلة بدوره. وكيف استسلمت للحياة البائسة بعد وفاة زوجها لتربي 4 أولاد وحدها. فكان هو أيضاً ضحية والدته، فانخرط في الأحزاب هرباً منها. ولكنه يشكرها لأنها انتظرته حتى خروجه من السجن.

وتختتم زينة المسرحية بمشهد يحاكي الوحدة، وكيف تبنّت جوزيف جول بصفته أخاً لها. معاً حاربا الوحدة وتطلعّا نحو مستقبلٍ أفضل، لتُسدل الستارة على مشهد التخلّص من الذكرى المريرة، التي لم تجد زينة من يساعدها لإتمام الأمر، فقرّرت أن تدفنها بنفسها وعلى طريقتها لتتصالح مع نفسها.


مقالات ذات صلة

مصر تحتفل باليوم العالمي للمسرح عبر تكريم رموزه واستعادة تاريخه

يوميات الشرق عروض المسرح بمصر شهدت إقبالاً لافتاً في العيد (وزارة الثقافة)

مصر تحتفل باليوم العالمي للمسرح عبر تكريم رموزه واستعادة تاريخه

تحتفل مصر بـ«اليوم العالمي للمسرح» عبر فعاليات متنوعة وتكريمات، واستعادة لتاريخ المسرح المصري والعالمي، وسط حالة من الانتعاش التي يشهدها المسرح حالياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)

تداعيات الحرب الإيرانية تتسبب في تغيير فعاليات فنية بمصر

شهدت فعاليات فنية في مصر تغييرات في مواعيد إقامتها المعلن عنها مسبقاً بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق من الإعلان الترويجي للمسرحية (يوتيوب)

«ما تصغروناش»... مسرحية كوميدية عن طفولة تُولد بعمر الشيخوخة

احتضن المسرح العربي في جدة العرض المسرحي المصري «ما تصغروناش» على مدار 3 ليالي عرض رفعت شعار «كامل العدد».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)

مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

الإقبال الجماهيري على المسرح يؤكد حيوية الفن المصري، ويعكس قدرة العروض الجيدة على جذب الجمهور.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.


منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
TT

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)

في زاوية متسعة من شارع بهاء الدين قراقوش، كانت نسمات الصباح المُنعشة تضفي على أجواء حي الزمالك الشهير جمالاً استثنائياً، وأمام عمارة «زهراء الجزيرة»، التي غادرها الفنان الكبير الراحل عبد الحليم حافظ منذ نحو 5 عقود، وقفت 3 فتيات جزائريات مقيمات في فرنسا، في انتظار «موعد غرام»، بعدما غلبهن الشوق لزيارة بيت «العندليب».

لافتة توثق إقامة عبد الحليم بعمارة زهراء الجزيرة (الشرق الأوسط)

وفيما كانت إحداهن تُدندن: «لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية»، كانت الفتاتان الأخريان تُلحِّان على الحارس، أملاً في السماح لهن بتحقيق حلمهن بزيارة منزل «أعز الناس».

يؤكد حارس العقار أنه يجد نفسه يومياً في مثل هذا الموقف، إذ يقصده محبو «حليم» من مختلف الجنسيات العربية، طلباً لزيارة منزله.

ورغم مرور الوقت، فإن الفتيات الجزائريات تحلَّين بصبرٍ لافت، حتى تحقق حلمهن أخيراً بالصعود إلى «مركب الأحلام» في الطابق السابع، حيث شقة «العندليب الأسمر». وما إن فُتح باب المصعد، حتى انكشف الستار عن «حكاية حب» الناس لحليم، رغم رحيله عن دنيانا منذ 49 عاماً، في مثل هذا التوقيت.

تطغى كلمات الحب والغرام على جدران مدخل الشقة، حتى تكاد تُخفي لونها الأصلي. وقد منحت عفوية الزائرين المصريين والعرب، وتباين أقلامهم وخطوطهم وتعبيراتهم، هذه الجدران مَلمحاً تشكيلياً مميزاً.

وأُتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارة شقة «العندليب»، قبيل إغلاقها مؤقتاً من قبل الأسرة أمام الزوار.

ردهة الاستقبال بشقة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

«ومين ينسى، ومين يقدر في يوم ينسى حليم، حبيبنا أعز الناس»، «فعلاً جبار يا حبيب الملايين»، «يا حليم يا عبقري يا أسطورة»، «تلميذك تامر حسني... 2008»، «حبيبي الغالي، ستظل في وجداني إلى الأبد»، «إنسان بسيط من الصعيد يدعو لك بالرحمة»... هذه الكلمات غيضٌ من فيض، تُعبِّر عن مدى الحب الجارف لـ«العندليب الأسمر» من أجيال لم تتح لها فرصة الاقتراب منه أو رؤيته خلال حياته، فجاءت إلى هنا لتستعيد صورته الأسطورية.

وما إن يُفتح باب شقة «مدَّاح القمر»، حتى ينكشف الستار عن «ليالي الحب» وأيام حليم «الحلوة» وأخرى «حزينة». وتتصدر صورة كبيرة لحليم ردهة الاستقبال، التي تقود إلى صالة المنزل الفسيحة. ويكسر اللون الداخلي للشقة، المائل إلى الزرقة، ديكورٌ أبيض منمَّق، ولوحات قرآنية، ونجف حائط، ولوحات زيتية تُجسِّد «العندليب»، إلى جانب ركن مضيء يضم مزهريات وتحفاً فنية مميزة.

صالة منزل عبد الحليم (الشرق الأوسط)

الصالة الفسيحة، التي تتميز بأثاثها الكلاسيكي وإضاءاتها الصفراء، وأرضيتها الباركيه وسجادها الملوَّن، مقسّمة إلى 3 أقسام؛ يقود أحدها إلى ممر الغرف الداخلية للشقة، في حين يفضي القسم الآخر إلى باب الشرفة المُطلَّة على حديقة الأسماك.

وتستحضر الخضرة الكثيفة للحديقة أجواء أغنيات حليم المبهجة، ومشاهده السينمائية الرومانسية التي جمعته بنجمات الزمن الجميل، من بينهنَّ فاتن حمامة، وشادية.

تضم هذه الشرفة، التي احتفى بها صاحب «لحن الخلود» في كثير من الصور، «أباليك يدي حليم»، وهي الأثر الجسدي الوحيد له، ومن أجمل القطع الموجودة في منزله. ولشغفه بالجمال والفن، طلب من نحَّات إيطالي شهير القدوم إلى مصر، لرفع مقاسات يديه ونحتهما على هيئة أباليك إضاءة.

بيت عبد الحليم في الزمالك يتمتع بمساحته الفسيحة (الشرق الأوسط)

ووفقاً لأسرته، التي ذكرت عبر حسابها على «فيسبوك»، فإن «شقيقته عليّة شبانة كانت تواظب دائماً على لمس هذه الأباليك بمجرد خروجها إلى الشرفة، فتتذكره وتبكي في بعض الأحيان».

يتخيّل زائر الشقة «العندليب» وهو جالس في الصالون، يتحدث عبر الهاتف مع بليغ حمدي، أو الشاعر محمد حمزة، أو «موسيقار الأجيال» محمد عبد الوهاب، ولسان حاله يقول: «لو مريت في طريق مشينا مرة فيه، أو عديت بمكان كان لينا ذكرى فيه... ابقى افتكرني... حاول تفتكرني».

ولاستغلال دقائق الزيارة المعدودة، فتحت الفتيات الجزائريات، اللواتي حالفهن الحظ بزيارة المنزل قبيل إغلاقه مؤقتاً، عدسات هواتفهن الجوّالة، وطُفن في أرجائه ذهاباً وإياباً. بل إن إحداهن أجرت اتصالاً بوالدتها في فرنسا، لتُريها عبر بث مباشر جميع مقتنيات الشقة.

تقول، والفرحة تغمر وجهها: «والدتي ألحت علي لزيارة منزل العندليب خلال زيارتي القصيرة للقاهرة؛ فقد نشأت على أغنياته وتعشقه كثيراً، وجعلتني أحبه مثلها. وهذه الزيارة هي أهم (يوم في عمري)».

يلعب على العود (أسرته)

يتكوّن الجزء الداخلي من الشقة من غرف عدَّة، ودورة مياه، ومطبخ. وتحرص أسرة «العندليب» على إبقاء كل شيء في الشقة على حاله؛ لدرجة أن روب الاستحمام لا يزال معلقاً على الشماعة داخل دورة المياه كما تركه.

غرفة نوم عبد الحليم حافظ هي الجزء الأكثر إثارة للشجن في الشقة؛ إذ لا تزال آثار استلقائه على السرير لساعات طويلة أثناء تلقيه جرعات العلاج مطبوعة على سطحه، كأنه غادره بالأمس، في مشهد يبدو توثيقاً حيّاً للآلام التي عاناها قبل الوداع. وإلى جوار سريره يقبع الهاتف المنزلي المذهَّب العتيق، بالحالة نفسها التي تركه عليها، إلى جانب جهاز التلفزيون القديم، وآلات العود الخاصة به.

لا ينقص هذه الغرفة شيء منذ 30 مارس (آذار) 1977، سوى عبد الحليم، الذي رحل عن دنيانا عن عمر ناهز 47 عاماً. ومنذ ذلك الحين، بقيت الوسادة خالية؛ وكان يُعدُّها «سجناً انفرادياً»، ويرفض النوم فيها ليلاً، خوفاً من تعرضه لمضاعفات صحية خطيرة أثناء نومه بمفرده.

جهاز تلفاز قديم في غرفة نومه (الشرق الأوسط)

وكان لا يخلد إلى النوم قبل السادسة صباحاً، وفق ما ذكره مقرَّبون منه لصحف مصرية، لتنطبق عليه تماماً الكلمات التي غنَّاها: «شغلوني وشغلوا النوم على عيني ليالي... ساعة أبكي وساعة يبكي علي حالي».

وفي الغرفة المجاورة لغرفة النوم، تقع غرفة أخرى تضم أجهزة تسجيل موسيقية من بين مقتنيات حليم، وقد شهدت تسجيل صوته خلال البروفات مع رفاق دربه من الملحنين والشعراء.

وكانت الأسرة قد كشفت مؤخراً عن ورقة بخط يد «العندليب» للمرة الأولى، تُبرز كواليس جديدة من فترة مرضه؛ إذ كانت ترافقه هذه الورقة باستمرار أثناء سفره للعلاج، وكان يضعها تحت وسادته في المستشفيات والمنزل، وتتضمن آيات قرآنية وأدعية.

آثار استلقائه لمدة طويلة تظهر بوضوح على السرير خلال فترة مرضه (الشرق الأوسط)

تُخيِّم على الشقة حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم المنبعث من راديو عتيق من مقتنيات حليم، يُضبط في معظم الأوقات على محطة إذاعة القرآن الكريم. وفي ختام الزيارة، كان قارئ الإذاعة يصدح بقوله تعالى: «كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».

ودشَّنت أسرة حليم مؤخراً موقعاً إلكترونياً للمنزل، يضم تراث «العندليب» وأرشيفه الثري، ويُتاح من خلاله حصراً حجز زيارات المنزل مجاناً.

ويقول المهندس عبد الحليم الشناوي، نجل السيدة زينب الشناوي، ابنة شقيقة «العندليب»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنزل أُغلق أمام الزائرين خلال شهر رمضان فقط، وكان من المقرر إعادة فتحه مجدداً في الذكرى الـ49 لرحيل حليم، بيد أن هذا القرار أُجِّل تضامناً مع الشعوب العربية الشقيقة التي تعاني في ظل الحرب. وبعد انتهائها، سيتاح الحجز عبر الموقع الإلكتروني».

صورة توثق فترة مرض عبد الحليم (أسرته)

وأكدت الأسرة، في تصريحات سابقة، أنها تواجه تحديات كبيرة في إدارة منزل عبد الحليم، لا سيما مع كثرة الزوار الذين يتوافدون يومياً لرؤيته، ما يشكّل عبئاً مالياً وإدارياً عليها. وقد اقترحت تحصيل رسوم رمزية لتغطية نفقات الصيانة وتشغيل تطبيق الحجز، الأمر الذي عرَّضها لانتقادات حادة.

لكن الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي لا يرى أي مشكلة في فرض رسوم مالية لزيارة المنزل، مشدداً على أنه «لا يمكن لأحد منع الورثة من الاستفادة من مورّثهم، لا سيما أن المنزل هو ملكية خاصة لا عامة، ولا يمكن فتحه على مدار الساعة أمام الزوار».

ويضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يُمكن بالطبع تحديد رسوم غير مبالغ فيها، مع وضع استثناءات لبعض الفئات، مثل ذوي الهمم والطلاب، على أن تُوجَّه هذه الإيرادات للإنفاق على المنزل وصيانته».


«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
TT

«درنة» يتناولها الملايين منذ قرون تُعدّ الآن «غذاء خارقاً»

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)
«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد الأطباق الصحية (شاترستوك)

«اليام» درنة نشوية تدخل في إعداد «يخنات» الكاريبي، وكذلك طبق «الفوفو» في غرب أفريقيا، وتنتشر بشكل متزايد في متاجر البقالة الأميركية. المثير أنها بدأت تظهر في الأبحاث العلمية لسبب بسيط: يكتشف الباحثون باستمرار مركبات في «اليام» ربما تؤثر على كيفية تعامل الجسم مع السكر، وكيفية حماية الدماغ وإعادة بنائها، حسب موقع «إي سي أو نيوز».

يُذكر أن الادعاء الرئيسي، هنا، ليس أن «اليام غذاء خارق»، بل في أن الأبحاث الأولية، بما في ذلك تجربة سريرية صغيرة على البشر، تشير إلى أن بعض مستخلصات «اليام» قد تُحسّن، بشكل طفيف، بعض جوانب التفكير والذاكرة، بينما تشير دراسات أخرى إلى تحسين التحكم في مستوى السكر في الدم في ظروف محددة.

والآن: ما الصحيح؟ وما هو مجرد احتمال؟ وما الذي يجب تجاهله؟ في الولايات المتحدة، يُستخدم مصطلح «يام» غالباً للإشارة إلى البطاطا الحلوة ذات اللب البرتقالي ـ نبات مختلف تماماً. في المقابل، ينتمي «اليام» الحقيقي إلى مجموعة الديوسكوريا، ويتميز بقشرة أكثر خشونة، ولب أكثر نشوية من معظم أنواع البطاطا الحلوة.

لنبدأ إذن بالمعلومات الأساسية: بحسب مركز بيانات الغذاء التابع لوزارة الزراعة الأميركية، تحتوي حصة 3.5 أونصة من «اليام» النيئ على 118 سعرة حرارية، ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات، و4.1 غرام من الألياف، و1.5 غرام من البروتين.

وأوضح المصدر نفسه أن «اليام» غني، على نحو خاص، بالبوتاسيوم. ويحتوي على 816 ملليغراماً لكل 3.5 أونصة، بالإضافة إلى فيتامين «سي» وفيتامين «ب6». ويرتبط البوتاسيوم بتنظيم ضغط الدم، ويدعم فيتامين «سي» وظائف المناعة. وعليه، يمكن اعتبار «اليام» أكثر من مجرد مصدر «كربوهيدرات رخيصة» في النظام الغذائي.