«المقتني»... في حب الفن والحرفة الإسلامية

قطع من مجموعتي آل ثاني ومؤسسة الفروسية ضمن بينالي الفنون الإسلامية

TT

«المقتني»... في حب الفن والحرفة الإسلامية

راية «ماهي - مراتب» هي الشعار الرئيسي الذي يمنحه أباطرة المغول لأتباعهم (الشرق الاةسط)
راية «ماهي - مراتب» هي الشعار الرئيسي الذي يمنحه أباطرة المغول لأتباعهم (الشرق الاةسط)

«المقتني» هو عنوان أحد أجنحة بينالي الفنون الإسلامية بجدة، ولكنه ليس عنواناً فحسب، بل هو توصيف مجسد للشغف وحب وهواية جمع القطع الفنية والأثرية، مقرونة بفهم لمحطات تاريخية تألقت فيها الحرف والصنعة الفنية. يعرض هذا القسم أعمالاً من مجموعتين مميزتين: مجموعة الشيخ حمد آل ثاني (مجموعة آل ثاني)، ورفعت شيخ الأرض (مجموعة الفروسية).

صورة عامة لجناح «المقتني» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

بدخول القاعة نمر بمقتنيات ثمينة فاخرة، محلقة بجمال مادتها المتنوعة من الذهب والجواهر للكريستال والزجاج والجلد والنحاس، لا توجد قطعة أقل من غيرها، فهناك من الجمال الكثير، نتفحص القطع واحدة تلو الأخرى، وكأننا نتابع مقاطع سينمائية نتخيل فيها يد الصانع والحرفي والفنان في العصور الماضية، ليترك لنا قطعاً تتحدث عنه، وعن عصره بأبلغ اللغات.

من مقتنيات مجموعة آل ثاني (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

وتتميز «مجموعة آل ثاني» بتركيزها على المواد الثمينة والإتقان الفني البارع، مع تركيز خاص على الأعمال المرصعة بالجواهر، أما «مجموعة الفروسية» للمقتني رفعت شيخ الأرض، فهي معروفة بأعمالها المعدنية، خاصة تلك المرتبطة بثقافة الفروسية عبر الحضارات الإسلامية.

اللافت في المجموعتين هو اختلافهما وتكاملهما أيضاً، فمجموعة آل ثاني تبهر البصر بالجواهر والذهب والزخارف والترصيع، وتأخذ بيدنا لبلاط القصور الإمبراطورية وقاعات القصور المرفهة.

لا تختلف مجموعة رفعت شيخ الأرض في تأثيرها البصري، ولكنها تأخذ الزائر لعالم الفروسية وساحات الحرب، تكاد تسمع صليل السيوف ووقعها على الدروع الحديدية المعروضة أمامنا.

مجموعة مؤسسة الفروسية

في قاعة مجموعة الفروسية نلتقي القيم الفني ويليام روبنسون، وهو من الخبراء العالميين في الفن الإسلامي، يتحدث، لـ«الشرق الأوسط»، عن فكرة المقتني بوصفه شخصاً محباً للفنون يتبع إحساسه الشخصي فقط بشراء ما يحب، ويستمتع به فقط.

يتحدث عن مجموعة مؤسسة الفروسية، وعن صاحبها رفعت مدحت شيخ الأرض: «كان والده طبيب الإمام عبد الرحمن آل سعود والد الملك عبد العزيز»، مشيراً إلى أول خِزانة عرض حيث نرى سيفاً أهداه الإمام عبد الرحمن لمدحت رفعت شيخ الأرض، وإلى جانبه خطاب بخط الطبيب يتحدث فيه عن السيف المهدى له: «في عام 1927 وبناء على طلب الملك عبد العزيز آل سعود قمت بمعالجة والده الإمام عبد الرحمن، وقد أكرمني بإهدائي سيفه بعد أن شفاه الله».

سيف مُهدى من الإمام عبد الرحمن والد الملك عبد العزيز إلى طبيبه مدحت شيخ الأرض (الشرق الأوسط)

يشير روبنسون إلى بدايات مجموعة رفعت شيخ الأرض قائلاً: «أول قطعة في المجموعة كانت قطعة معدنية من العهد المملوكي، لاحقاً تبلورت لديه فكرة تكوين مجموعة فنية عن الأسلحة والعتاد والدروع الإسلامية، بهدف تكوين أفضل مجموعة خاصة لفنون الفروسية في العالم، وهو هدف أعتقد أنه تحقق بامتياز».

يتحدث روبنسون بفخر عن مجموعة «الفروسية» التي تابعها من 30 عاماً، ويجيب عن سؤال عن آلية الاختيار ما بين القطع من المجموعة لإعداد العرض في بينالي الفنون الإسلامية. يقول: «ما يعرض هنا من مجموعة الفروسية هو أقل من 10 في المائة من مجمل القطع، كثير من القطع تفرض نفسها، هي قطع ذات ألق خاص. بدأنا بإعداد قائمة طويلة للقطع المختارة ثم فكرنا بخزانات العرض التي ستحتويها، وما القطع التي تصلح للعرض في خزانة واحدة وعددها».

يستطرد الخبير: «هنا خِزَانَة وضعنا بها عدداً من الدروع التي تستخدم لحماية رأس الفرس، لدينا خمسة منها هنا، كان باستطاعتنا اختيار قطع بديلة، فالمجموعة غنية بالقطع المماثلة، ولكن ما يهمنا هنا هو التوازن، شخصياً أميل لهذه الخزانة فلدينا قطعة مملوكية وأخرى من عهد السلالة التيمورية وقطعة عثمانية صنعت في ترسانة السلاح المملوكية، ولدينا قطعة عثمانية خالصة، أعتقد أنها كمجموعة تنسجم سوياً، وتحقق الأثر المطلوب». يضيف أن المجموعة تضم الكثير من الأسلحة والخناجر والدروع، «ولكن هناك حد لما يمكن للجمهور أن يستوعبه، هنا يصبح السؤال ما الذي نريد أن يبقى مع الزائر بعد مغادرته للعرض؟ نريد أن يحمل معه فكرة عن التنوع، وعن الثراء وليس عن العدد».

خنجر مقاتل صليبي (الشرق الأوسط)

بعض القطع في العرض تفرض نفسها كما يقول روبنسون مثل خنجر مقاتل صليبي عثر عليه خارج مدينة عكا، وهو قطعة فريدة بكل المقاييس. هناك أيضاً راية «ماهي - مراتب»، وهي الشعار الرئيسي الذي يمنحه أباطرة المغول لأتباعهم، وكان الشعار يحمل في المواكب أمام الحاكم مذيلاً بإضافات من القماش الأحمر أو الفضي. القطعة تستوقف الزائر بغرابة شكلها وبراعة تنفيذها بالفعل، وتمثل مزيجاً ما بين التصميم الهندي والإسلامي، بحسب روبنسون.

راية «ماهي - مراتب» هي الشعار الرئيسي الذي يمنحه أباطرة المغول لأتباعهم (الشرق الاةسط)

العتاد والسلاح في المعارك وفي القصور

يفاجأ الزائر بالمزيج الرائع أمامه ما بين قطع العتاد التي توحي بأجواء المعارك متمثلة في القمصان المعدنية التي تعرض في بداية القاعة أو السيوف والخناجر المختلفة، لكنْ هنا أيضاً قطع أخرى تبدو وكأنها خصصت للزينة، تتحدث عن المتع الأرضية والقصور والمجوهرات والقطع الفاخرة من الكريستال الصخري والأحجار الكريمة وغيرها، يعلق الخبير بالقول: «بالفعل، الكثير من الأسلحة والعتاد صنعت من معادن صلْبَة للاستخدام في المعارك، ولكن أيضاً صنعت لتلبس في القصور، فرجل الحاشية حسن المظهر تميَّز بالهندام، وأيضاً بحمل قطعة أو أكثر من السلاح (عادةً خناجر)».

من القطع المعروضة التي تعبر عن المعارك، ولكنها لم تستخدم في القتال هنا؛ قناع الحرب الذي صنع في إيران في القرن العاشر الهجري، «قناع الحرب هذا لم يصنع لارتدائه في ساحة المعركة، فهو ثقيل الوزن جداً، ولا نعرف لماذا صنع هذا القناع الذي يعود تصميمه وصناعته للعهد الصفوي، وهو ما يمكننا قوله عن بعض السيوف والخناجر المعروضة هنا أيضاً، بعضها كانت هدايا دبلوماسية».

مجموعة آل ثاني

في مجموعة آل ثاني وجه مشرق للجمال والحرفية العالية التي ميزت قطع الفن الإسلامي، يستعرض مدير المجموعة أمين جعفر بعض القطع المعروضة في هذه القاعة، منطلقاً من الفكرة الأساسية خلف جناح «المقتني»: الفكرة هنا هي التأكيد على أهمية دور المقتني في فهم الحضارة الإسلامية، تقاطع المجموعتان في تسليط الضوء على الجماليات، والتركيز على الإبداع والحرفية عبر نظرة شخصين.

يستعرض القيم بعض القطع اللافتة في العرض، يشير إلى كأس مصنوعة من اليشم «ربما صنعت لإمبراطور المغول، أو لبلاط مهم للغاية. اليشم، بالطبع، مهم جداً للثقافة في ذلك الجزء من العالم، ونرى تعبيراً عن ذلك في أبيات من قصيدة كتبت عن اليشم ونقشت في أسفل الكأس».

شمعدان مملوكي من الزجاج (الشرق الأوسط)

من القطع الباهرة والفريدة بمعنى الكلمة شمعدان زجاجي من العهد المملوكي، وهو أحد اثنين نَجَوَا من الكسر، ويقبع الشمعدان الآخر في متحف المتروبوليتان بنيويورك. القطعة تتميز بجمال أخَّاذ. هنا نرى أيضاً سجادة مهمة من مصر المملوكية، ولكن تبقى القطع المرصعة بالجواهر وقطع البلور الصخري وغيرها من التحف أهم ما يميز العرض هنا، وبالفعل يشير الخبير إلى أن «المواد الثمينة هي أحد الجوانب التي تميز مجموعة آل ثاني». هنا لدينا قطعتان من الكريستال الصخري، وقطع مصنوعة من اليشم وجواهر ثمينة، نرى منها قطعة ضخمة من الماس نجحت في جذب أغلب الزوار للتأمل في حجمها ونقائها المثاليين. من المعروضات النادرة أيضاً قطعة من اللؤلؤ أحيطت بإطار من الذهب لتتحول إلى شكل كائن بحري، هناك أيضاً ببغاء على قاعدة مرصع بالجواهر الملونة.

نماذج للعملات النقدية

في إحدى الخزانات نرى نماذج لعملات رقمية استخدمت في العالم الإسلامي يشير الخبير إلى بعضها، واحدة تحمل نقوشاً قبطية تحتفل بنهر النيل تعبر عن النهر والسفن عليه والتماسيح. قريب منها ثلاث قطع تعبر عن تقاطعات تاريخية منها عملات بيزنطية استخدمت في العصور الإسلامية. يقول: «لديك الجيل الأول من العملات الإسلامية. لقد احتفظوا بالعملة البيزنطية من حيث الشكل والوزن، لكنهم أزالوا الصليب. ثم نجد الجيل الثاني من العملات الإسلامية، حيث أزالوا كل الصور، ولم يبقَ إلا النص».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

فنانون من السعودية ومصر يحتفون باليوم العالمي للمرأة

احتفاءً باليوم العالمي للمرأة الذي يحل في 8 مارس (آذار) نظّم «ملتقى عيون الدولي للفنون التشكيلية» معرضاً يستلهم قضايا المرأة، ويحتفي بإبداع الفنانات.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحة للفنانة وفاء النشاشيبي (الشرق الأوسط)

«بصمتها»… معرض قاهري يطلّ على العالم من نافذة المرأة

يحتضن غاليري «بيكاسو إيست» بالقاهرة معرضاً دولياً جماعياً بعنوان «بصمتها».

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من المعرض الكاريكاتيري في المترو (وزارة الثقافة)

«ابتسامات رمضانية في المترو»... معرض مصري بطعم النوستالجيا

بلوحات باسمة عن الفوانيس والمسحراتي والكنافة والزينة ومدفع رمضان، ازدانت جدران محطة مترو صفاء حجازي، وسط العاصمة المصرية القاهرة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق «الجهاز» عمل لشروق رحيم (الشرق الأوسط)

المتحف السعودي للفن المعاصر يحتفل بليلة العمر

حلت ليلة العمر في حي جاكس بقلب الدرعية ضمن معرض ازدان بسبعة وثلاثين عملاً فنياً لفنانين معاصرين من السعودية، والمنطقة العربية، والعالم.

عبير بامفلح (الرياض)

جاد أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: في دور «رالف» أكشف الوجه الآخر لبعض «التيكتوكرز»

في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)
في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)
TT

جاد أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: في دور «رالف» أكشف الوجه الآخر لبعض «التيكتوكرز»

في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)
في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)

يطلّ الممثل جاد أبو علي في الموسم الرمضاني بشخصيتين متناقضتين في مسلسلي «بخمس أرواح» و«بالحرام». ففي الأوَّل يُجسِّد دور «ريان»، الابن المدلّل لرجل أعمال ثري، في شخصية تحمل كثيراً من الترف والغموض وتكشف تدريجياً عن أبعاد نفسية وإنسانية متشابكة.

أما في «بالحرام» فيقدّم شخصية مختلفة تماماً، إذ يتقمّص دور «رالف» المعروف بـ«الدكتور فان»، وهو «تيكتوكر» ينتمي إلى شبكة مافيا تستدرج الشباب وتوقعهم في فخاخها لخدمة مصالحها المشبوهة، في شخصية مركَّبة تجمع بين الكاريزما والخطورة وتضع الممثل أمام تحدٍ أدائي مختلف تماماً عن دوره الأول.

يؤدي جاد الدورين بحرفية لافتة، متنقلاً بسلاسة بينهما، ما يضفي متعة خاصة على متابعة أدائه.

وكان جاد أبو علي قد اعتذر عن عرض تمثيلي في عمل درامي معرّب، بعدما كان قد ارتبط مسبقاً بالمشاركتين المذكورتين. فكيف صدف اختياره لمسلسلين رمضانيين بعد غياب عن الشاشة؟ يردّ لـ«الشرق الأوسط»: «غيابي كان بسبب انشغالي بأعمال أخرى خارج لبنان، متنقلاً بين مصر وتركيا. وقررت هذا العام العودة إلى الدراما اللبنانية، لا سيما أن العرضين اللذين تلقيتهما يلبِّيان تطلعاتي بصفتي ممثلاً».

يتحدّث جاد أبو علي عن دوره في «بالحرام» بشغف واضح، مؤكداً أنّ شخصية «رالف»، المعروف بـ«الدكتور فان»، يقدِّمها بحماسة كبيرة. ويشرح: «سبق أن تعرَّفت إلى عدد من المؤثرين المشهورين على وسائل التواصل الاجتماعي، واكتشفت وجهاً آخر لهم، وجهاً مجبولاً بالفساد والشر. بعضهم يختبئ وراء الشهرة ليخفي ماضياً أسود. ومن خلال (رالف) وظَّفت هذه المعطيات لكشف حقيقة بعض صانعي المحتوى على (تيك توك)، وحملت مسؤولية إيصال رسالة توعوية بشأن هذه الظاهرة».

يصف دوره في «بالحرام» بمسؤولية إيصال رسالة توعوية (جاد أبو علي)

ويتابع: «منذ سنوات طويلة أحمل هذه القضية على عاتقي، وهي تتصدر منشوراتي عبر منصاتي الاجتماعية، حيث أحذّر متابعي من عصابات تشبه إلى حد كبير الشبكة التي يعمل ضمنها رالف في المسلسل».

وعن سؤال عمَّا إذا كان قد تأذَّى شخصياً من هؤلاء، يوضح: «لست أنا من تأذّى، بل مقرّبون مني. وعندما قرأت دوري في (بالحرام) وجدته مناسباً لخدمة هذه القضية. استعنت ببعض ما خزَّنته عن شخصياتهم الحقيقية، ورسمت للدور ملامح أساسية مستوحاة من الأقنعة التي كانوا يرتدونها لإخفاء مرضهم النفسي وحبّهم لأذية الآخرين».

ويرى جاد أنّ التحدي في الدور لم يكن في صعوبته التقنية بقدر ما كان في حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه لتقديمه في الإطار الصحيح. ويضيف: «كان ضرورياً أن أؤدّيه بدقة بحيث يكرهني المشاهد. عندها فقط أكون قد نجحت في إيصال الرسالة».

في «بخمس أرواح» يقدّم جاد أبو علي تجربة درامية مختلفة تماماً. فمن خلال شخصية «ريان»، يقدّم أداءً يتدرّج بسلاسة بين النعومة الظاهرة والقلق الدفين، ليكشف تباينات الشخصية وأبعادها.

فريان الذي يبدو في بداياته أسير حياة مترفة ومحصّنة بالنفوذ والمال، سرعان ما تتصدَّع هذه القشرة البراقة عندما تهتزّ ركائز أمانه، ليتجه بالشخصية نحو منعطف درامي حاد يبدِّل ملامحها بالكامل.

هذا التحوّل الجذري، الناتج عن خوف «ريان» من خسارة حياته الفخمة وما تمثّله له من سلطة وهوية، يقدّمه جاد بصدق، فيجعل المشاهد يتماهى معه ويصدّق انكساره. وهكذا ينجح في رسم مسار داخلي للشخصية ينتقل بها من سطحية الرفاه إلى هشاشة الإنسان حين يشعر بأن كل ما اعتاده مهدّد بالانهيار.

ويعلّق جاد: «إن شخصية (ريان) غير نمطية وتعيش حالة صراع حقيقية. فهو يشاهد حياته المرفهة تُسلب منه، ومسؤوليته تتطلب إنقاذ عائلته من الانهيار. فبعد ممارسته العنجهيّة يتجه نحو الدبلوماسية. وفي الوقت نفسه يعاني من الملل، لأنه رغم كل الثراء الذي كان يعيشه لم يشعر يوماً بالسعادة. وفي الحلقات المقبلة سنرى نقلة واضحة له في هذا الإطار».

ويشيد أبو علي بتجربته في «بخمس أرواح»، لا سيما أنها ليست الأولى مع شركة الصبّاح للإنتاج. فهو سبق أن شارك في بداياته معها في مسلسل «تشيللو» عام 2014.

في «بخمس أرواح» يجسّد شخصية الابن المدلل لرجل ثري (جاد أبو علي)

ويتابع: «استمتعت بتعاوني مع مخرج (بخمس أرواح) رامي حنا. استغللت كل دقيقة عمل لأتزود بخبراته، فهو مخرج مبدع، وهدوؤه في موقع التصوير ينعكس راحة على الممثل، فيولّد شراكة مميزة».

ويشير إلى أن علاقة أخوية نشأت بينه وبين الممثل قصي الخولي، ويستطرد: «التجربة برمّتها كانت رائعة، لا سيما أنها تحمل في طياتها مسؤولية المنافسة في شهر رمضان».

ويصف جاد خياراته اليوم في الأدوار التي يؤديها بأنها نابعة من حرصه على تقديم الجديد، ويقول: «يجب أن تحمل إضافة لي وللجمهور، وإلا فلن أخوض تجربة تذكّر الناس بأدوار سبق أن قدّمتها. هذا التوازن بين خياراتي ورغبة الجمهور أحاول الحفاظ عليه قدر الإمكان. وتلعب المهنية دوراً أساسياً في مسيرة الممثل».

ومن المسلسلات التي يتابعها في الشهر الفضيل «مولانا»، إذ يستمتع بمتابعة أداء كلٍّ من تيم حسن ونور علي، التي يصفها بأنها صديقة وزميلة عزيزة. كما يشاهد من وقت لآخر «مطبخ المدينة»، و«أنا وهي وهي»، و«سوا سوا»، وغيرها من الأعمال التي يشارك فيها أصدقاء كثر له.

ويضيف: «أعمال رمضان هذا العام رائعة وتشرح القلب، ومن بينها (المحافظة 15) الذي يحقق نجاحاً ملحوظاً. وأحرص على تهنئة كثيرين لأنهم يستحقون الإشادة بأدائهم والجهد الذي يبذلونه».

وعن سؤال عمّا إذا كان يتلقى بدوره التهاني من زملائه، يردّ: «لا أتوقف كثيراً عند هذه الأمور. هناك زملاء على اتصال دائم معي، وأعذر غيرهم لانشغالاتهم».

ويصف جاد أبو علي نفسه بأنه صاحب شخصية تميل إلى الانطوائية، إذ يفضّل الابتعاد عن الأضواء وعدم الانخراط في نشاطات ومناسبات فنية كثيرة.

ويقول: «لا تهمني الشهرة أو زيادة عدد متابعي على وسائل التواصل الاجتماعي. أنأى بنفسي عن المشكلات وأكتفي بمحبة الناس التي تشعرني بالرضا. فالفنان يحمل مسؤولية تأثيره على الآخرين. وهو يشبه السياسيين إلى حد ما، لأنه يستطيع التأثير في جمهور كبير بأفكاره ومبادئه. هذا الأمر يعنيني مباشرة، وأسعد عندما ألمس هذا القرب بيني وبين الناس».


«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
TT

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

كان دخول الدراما الكورية وموسيقى الـK-Pop (كي بوب) إلى قلوب الناس حول العالم سريعاً. سبقَ التبنّي الجماهيري لتلك المسلسلات والأغاني الناطقة بلغةٍ غير مفهومة، اعترافَ المحافل الفنية العالمية بالصناعة الترفيهية الكورية الجنوبية.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية، توالت الإنجازات الدرامية والموسيقية الكورية على منابر عريقة مثل حفلَي جوائز «إيمي» و«غرامي». من فريق BTS الغنائي المحبوب، مروراً بمسلسل «لعبة الحبّار Squid Game»، وليس انتهاءً بفيلم «فرقة البوب الكورية: صائدات الشياطين K-Pop Demon Hunters».

K-Pop Demon Hunters أحدث إنجازات الآلة الترفيهية الكورية (نتفليكس)

الـ«كي بوب» إلى الأوسكار

هذا الفيلم الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وحقق أرقاماً مليونيّة عليها، يتّجه صوب الأوسكار منافساً على جائزتَين: أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية. وإذا جاءت الجائزتان أو إحداهما من نصيب الفيلم، فإنه سيحقق بذلك إنجازاً تاريخياً للبوب الكوري في هوليوود.

كل الذين تبنّوا الموسيقى الكورية أو أيّ محتوى ترفيهي آتٍ من سيول، وهُم بمعظمهم من «الجيل زد»، يظنّون أنّ تلك الظاهرة حديثة العهد. لكن فيلم «صائدات الشياطين» حَرص في مقدّمته على التذكير بأنّ لهذا الفنّ رائدات مؤسِّسات. في مشهدٍ افتتاحيّ يرجع الفيلم 65 سنة إلى الوراء، ليقدّم تحية مصوّرة إلى فريق «الشقيقات كيم The Kim Sisters».

إعدامات ولجوء وجوع

ألهمَت تلك الفتيات الثلاث أجيالاً من مغنّي البوب الكوري، بمَن فيهم البطلات الافتراضيات لفيلم «صائدات الشياطين». فمَن هنّ «الشقيقات كيم» اللواتي أسّسن البوب الكوري وصدّرنه إلى العالم، قبل حتى أن يصير اسمه K-Pop؟ وكيف تحوَّلت حكايةُ القهر التي طلعن منها إلى قصة مجدٍ على الأراضي الأميركية؟

بدأ كل شيء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بينما كان الاجتياح الكوري الشمالي يعصف بكوريا الجنوبية. وجدت المغنّية الشهيرة لي نان يونغ نفسها بلا مالٍ ولا مأوىً، بعد إعدام زوجها المايسترو كيم ها سونغ على أيدي قوات كوريا الشمالية. لم تكن يونغ بمفردها، بل كانت مسؤولة عن أولادها السبعة، ومن بينهم ابنتَاها سو وآيجا، وابنة عمّهما ميا التي توفّي والدُها الموسيقيّ هو الآخر فتبنّتها يونغ.

في المخزن الذي لجأت إليه بعد أن أحرق الشماليون بيتها، عاشت يونغ وأولادها في مساحة ضيّقة مع 22 شخصاً لا تربطها بهم أي صِلة. أمضوا أياماً من دون طعام وتشاركوا الحمّام ذاته مع اللاجئين الآخرين، وفق ما توثّق سو كيم في حوار مع منصة «هيستوري». بقيت الأوضاع على حالها إلى أن حلّ يونيو (حزيران) 1950 وجلبَ معه الجيش الأميركي إلى سيول، بعد أن انضمّت واشنطن إلى الحرب الكورية مسانِدةً الجنوبيين.

الشقيقات كيم كما ظهرن في فيلم K-Pop Demon Hunters (يوتيوب)

سو وآيجا وميا يغنّين للمارينز

وجدت يونغ الخلاص في «المارينز» فاسترجعت صوتها وبدأت بإقامة الحفلات في المخيّمات العسكرية الأميركية. سرعان ما جلبَ ذلك طعاماً إلى المائدة وسدّ جوع الأولاد، فالجنود كانوا يقدّمون لها صناديق المشروبات الكحولية بدلاً عن أتعابها فتستبدلها بالأرزّ والمواد الغذائية في السوق السوداء.

من السوق السوداء، أحضرت يونغ كذلك أسطوانات لأغانٍ أميركية معروفة. من بين الأولاد انتقت سو وآيجا وميا لتدرّبهنّ على حفظ تلك الأغاني من دون أي معرفةٍ للّغة الإنجليزية. وهي أيضاً لم تكن تنطق بتلك اللغة. كانت الفتيات حينها بين الـ8 والـ9 من العمر، لكنّ ذلك لم يَحُل دون اعتلائهنّ الخشبة والغناء والعزف أمام الجنود.

الشقيقات سو وآيجا وميا كيم (إنستغرام)

المنتج الأميركي في كوريا من أجلهنّ

بآلاتهنّ الموسيقية المتعددة وأصواتهنّ البريئة، لفتن الأنظار والأسماع وأيقظن الحنين إلى الأرض رغم اللكنة الكورية في أداء الأغاني. كبرت الفتيات بين صفوف الجنود واحتكرن الترفيه الفنيّ عنهم، فاستحققنَ اسماً رسمياً عام 1953: The Kim Sisters أي «الشقيقات كيم».

استمرت الحال هذه حتى 1958 وكانت قد بلغت شعبية الأخوات الثلاث ذروتها بين الجنود، الذين خطّوا رسالة للمنتج الأميركي طوم بال مطالبين إياه بزيارة كوريا الجنوبية لمشاهدة عرضٍ للفرقة. لبّى بال الطلب، وكما جنود بلاده، أُعجب كثيراً بهنّ فقدّم لهنّ عقدَ عمل في الولايات المتحدة.

تميزت الشقيقات كيم في الغناء والعزف على آلات متعددة (إنستغرام)

من لاس فيغاس إلى التلفزيون

تأخّر الحصول على فيزا لكن بحلول 1959، حطّت الشقيقات كيم رحالهنّ في لاس فيغاس. بدأت هناك رحلة الغناء في الفنادق من دون أي ضمانات لناحية الحصول على إجماع الحاضرين. فالجنود الأميركيون في كوريا الجنوبية تعلّقوا بهنّ لأنهن جلبن إليهم نفحةً من هواء الوطن، لكنّ التحدّي في لاس فيغاس كان التميّز بين عشرات الفنانين الأميركيين والعالميين الذين لا يتعثّرون في اللغة الإنجليزية.

لم تكن المهمة صعبة، إذ أسرت الفتيات قلوب الجماهير، وسرعان ما انتقلن من فنادق لاس فيغاس وقاعات الرقص فيها، إلى شاشات التلفزة الأميركية. ظهرن في 22 حلقة من «برنامج إد سوليفان» والذي كان يُعدّ الأكثر جماهيريةً حينذاك. بالزيّ التقليديّ الكوريّ أو الـ«هانبوك»، كرّرن الإطلالات التلفزيونية إلى أن بتنَ وجوهاً وأصواتاً معروفة على امتداد الولايات الأميركية.

قصة نجاح أو دعاية سياسية؟

غير أنّ الرحلةَ لم تَخلُ من الصعوبات، فالشقيقات كيم واجهنَ العنصريّة حيال العرق الآسيويّ والنظرة الدونيّة تجاه المرأة ذات البشرة الصفراء. مع ذلك، هنّ تصدّرن أغلفة أهمّ المجلّات كـ«نيوزويك» و«لايف»، وأصدرن ألبومهنّ الأول عام 1963 ليصبحن بذلك أول فريق آسيوي ينتج الموسيقى داخل الأراضي الأميركية.

كانت المنفعةُ متبادلة، فمع تراجع الدعم الشعبي الأميركي للحرب الكورية، جرى استخدام قصة نجاح الشقيقات كيم كبروباغندا أو دعاية سياسية ساعدت في تبرير القرار الأميركي بالدفاع عن كوريا الجنوبية. كما شكّلن الدليل القاطع على أنّ تحقيق «الحلم الأميركي» ليس مستحيلاً، مما أدّى إلى نشوء ظواهر مشابهة في سيول من دون أن تحقّق النجاح ذاته.

الشقيقات كيم على غلاف مجلة «لايف» عام 1960 (إنستغرام)

جدّات الكي بوب

في حوارها مع «هيستوري» عام 2019، أي بعد 44 سنة على اعتزال الفريق، تقول سو كيم إنها «متأكدة من أن الشقيقات كيم مهّدن الطريق أمام نجوم الـK-Pop الحاليين».

صحيح أنّ الموسيقى الكورية المعاصرة لا تُشبه في شيء ما كانت الشقيقات يقدّمنه، غير أنّ ثمة نقاطاً مشتركة. تجتمع النسختان القديمة والجديدة على مسار المثابرة والقصة الملهمة التي يطلع منها الفنانون. كما أنّ المظهر الموحّد أساسي في الإطلالة. ليست الأصوات الجميلة مهمة بقَدر أهمية الصورة البرّاقة والقدرات الاستعراضية.

ليس مُستغرباً إذن أن تؤدّي بطلات «صائدات الشياطين» التحيّة لجدّاتهنّ «الشقيقات كيم»، وذلك نيابةً عن سائر نجوم الكي بوب الذين يغزون العالم بأغانيهم ورقصاتهم وألوانهم.


97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.