«المقتني»... في حب الفن والحرفة الإسلامية

قطع من مجموعتي آل ثاني ومؤسسة الفروسية ضمن بينالي الفنون الإسلامية

TT

«المقتني»... في حب الفن والحرفة الإسلامية

راية «ماهي - مراتب» هي الشعار الرئيسي الذي يمنحه أباطرة المغول لأتباعهم (الشرق الاةسط)
راية «ماهي - مراتب» هي الشعار الرئيسي الذي يمنحه أباطرة المغول لأتباعهم (الشرق الاةسط)

«المقتني» هو عنوان أحد أجنحة بينالي الفنون الإسلامية بجدة، ولكنه ليس عنواناً فحسب، بل هو توصيف مجسد للشغف وحب وهواية جمع القطع الفنية والأثرية، مقرونة بفهم لمحطات تاريخية تألقت فيها الحرف والصنعة الفنية. يعرض هذا القسم أعمالاً من مجموعتين مميزتين: مجموعة الشيخ حمد آل ثاني (مجموعة آل ثاني)، ورفعت شيخ الأرض (مجموعة الفروسية).

صورة عامة لجناح «المقتني» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

بدخول القاعة نمر بمقتنيات ثمينة فاخرة، محلقة بجمال مادتها المتنوعة من الذهب والجواهر للكريستال والزجاج والجلد والنحاس، لا توجد قطعة أقل من غيرها، فهناك من الجمال الكثير، نتفحص القطع واحدة تلو الأخرى، وكأننا نتابع مقاطع سينمائية نتخيل فيها يد الصانع والحرفي والفنان في العصور الماضية، ليترك لنا قطعاً تتحدث عنه، وعن عصره بأبلغ اللغات.

من مقتنيات مجموعة آل ثاني (ماركو كابيليتي - مؤسسة بينالي الدرعية)

وتتميز «مجموعة آل ثاني» بتركيزها على المواد الثمينة والإتقان الفني البارع، مع تركيز خاص على الأعمال المرصعة بالجواهر، أما «مجموعة الفروسية» للمقتني رفعت شيخ الأرض، فهي معروفة بأعمالها المعدنية، خاصة تلك المرتبطة بثقافة الفروسية عبر الحضارات الإسلامية.

اللافت في المجموعتين هو اختلافهما وتكاملهما أيضاً، فمجموعة آل ثاني تبهر البصر بالجواهر والذهب والزخارف والترصيع، وتأخذ بيدنا لبلاط القصور الإمبراطورية وقاعات القصور المرفهة.

لا تختلف مجموعة رفعت شيخ الأرض في تأثيرها البصري، ولكنها تأخذ الزائر لعالم الفروسية وساحات الحرب، تكاد تسمع صليل السيوف ووقعها على الدروع الحديدية المعروضة أمامنا.

مجموعة مؤسسة الفروسية

في قاعة مجموعة الفروسية نلتقي القيم الفني ويليام روبنسون، وهو من الخبراء العالميين في الفن الإسلامي، يتحدث، لـ«الشرق الأوسط»، عن فكرة المقتني بوصفه شخصاً محباً للفنون يتبع إحساسه الشخصي فقط بشراء ما يحب، ويستمتع به فقط.

يتحدث عن مجموعة مؤسسة الفروسية، وعن صاحبها رفعت مدحت شيخ الأرض: «كان والده طبيب الإمام عبد الرحمن آل سعود والد الملك عبد العزيز»، مشيراً إلى أول خِزانة عرض حيث نرى سيفاً أهداه الإمام عبد الرحمن لمدحت رفعت شيخ الأرض، وإلى جانبه خطاب بخط الطبيب يتحدث فيه عن السيف المهدى له: «في عام 1927 وبناء على طلب الملك عبد العزيز آل سعود قمت بمعالجة والده الإمام عبد الرحمن، وقد أكرمني بإهدائي سيفه بعد أن شفاه الله».

سيف مُهدى من الإمام عبد الرحمن والد الملك عبد العزيز إلى طبيبه مدحت شيخ الأرض (الشرق الأوسط)

يشير روبنسون إلى بدايات مجموعة رفعت شيخ الأرض قائلاً: «أول قطعة في المجموعة كانت قطعة معدنية من العهد المملوكي، لاحقاً تبلورت لديه فكرة تكوين مجموعة فنية عن الأسلحة والعتاد والدروع الإسلامية، بهدف تكوين أفضل مجموعة خاصة لفنون الفروسية في العالم، وهو هدف أعتقد أنه تحقق بامتياز».

يتحدث روبنسون بفخر عن مجموعة «الفروسية» التي تابعها من 30 عاماً، ويجيب عن سؤال عن آلية الاختيار ما بين القطع من المجموعة لإعداد العرض في بينالي الفنون الإسلامية. يقول: «ما يعرض هنا من مجموعة الفروسية هو أقل من 10 في المائة من مجمل القطع، كثير من القطع تفرض نفسها، هي قطع ذات ألق خاص. بدأنا بإعداد قائمة طويلة للقطع المختارة ثم فكرنا بخزانات العرض التي ستحتويها، وما القطع التي تصلح للعرض في خزانة واحدة وعددها».

يستطرد الخبير: «هنا خِزَانَة وضعنا بها عدداً من الدروع التي تستخدم لحماية رأس الفرس، لدينا خمسة منها هنا، كان باستطاعتنا اختيار قطع بديلة، فالمجموعة غنية بالقطع المماثلة، ولكن ما يهمنا هنا هو التوازن، شخصياً أميل لهذه الخزانة فلدينا قطعة مملوكية وأخرى من عهد السلالة التيمورية وقطعة عثمانية صنعت في ترسانة السلاح المملوكية، ولدينا قطعة عثمانية خالصة، أعتقد أنها كمجموعة تنسجم سوياً، وتحقق الأثر المطلوب». يضيف أن المجموعة تضم الكثير من الأسلحة والخناجر والدروع، «ولكن هناك حد لما يمكن للجمهور أن يستوعبه، هنا يصبح السؤال ما الذي نريد أن يبقى مع الزائر بعد مغادرته للعرض؟ نريد أن يحمل معه فكرة عن التنوع، وعن الثراء وليس عن العدد».

خنجر مقاتل صليبي (الشرق الأوسط)

بعض القطع في العرض تفرض نفسها كما يقول روبنسون مثل خنجر مقاتل صليبي عثر عليه خارج مدينة عكا، وهو قطعة فريدة بكل المقاييس. هناك أيضاً راية «ماهي - مراتب»، وهي الشعار الرئيسي الذي يمنحه أباطرة المغول لأتباعهم، وكان الشعار يحمل في المواكب أمام الحاكم مذيلاً بإضافات من القماش الأحمر أو الفضي. القطعة تستوقف الزائر بغرابة شكلها وبراعة تنفيذها بالفعل، وتمثل مزيجاً ما بين التصميم الهندي والإسلامي، بحسب روبنسون.

راية «ماهي - مراتب» هي الشعار الرئيسي الذي يمنحه أباطرة المغول لأتباعهم (الشرق الاةسط)

العتاد والسلاح في المعارك وفي القصور

يفاجأ الزائر بالمزيج الرائع أمامه ما بين قطع العتاد التي توحي بأجواء المعارك متمثلة في القمصان المعدنية التي تعرض في بداية القاعة أو السيوف والخناجر المختلفة، لكنْ هنا أيضاً قطع أخرى تبدو وكأنها خصصت للزينة، تتحدث عن المتع الأرضية والقصور والمجوهرات والقطع الفاخرة من الكريستال الصخري والأحجار الكريمة وغيرها، يعلق الخبير بالقول: «بالفعل، الكثير من الأسلحة والعتاد صنعت من معادن صلْبَة للاستخدام في المعارك، ولكن أيضاً صنعت لتلبس في القصور، فرجل الحاشية حسن المظهر تميَّز بالهندام، وأيضاً بحمل قطعة أو أكثر من السلاح (عادةً خناجر)».

من القطع المعروضة التي تعبر عن المعارك، ولكنها لم تستخدم في القتال هنا؛ قناع الحرب الذي صنع في إيران في القرن العاشر الهجري، «قناع الحرب هذا لم يصنع لارتدائه في ساحة المعركة، فهو ثقيل الوزن جداً، ولا نعرف لماذا صنع هذا القناع الذي يعود تصميمه وصناعته للعهد الصفوي، وهو ما يمكننا قوله عن بعض السيوف والخناجر المعروضة هنا أيضاً، بعضها كانت هدايا دبلوماسية».

مجموعة آل ثاني

في مجموعة آل ثاني وجه مشرق للجمال والحرفية العالية التي ميزت قطع الفن الإسلامي، يستعرض مدير المجموعة أمين جعفر بعض القطع المعروضة في هذه القاعة، منطلقاً من الفكرة الأساسية خلف جناح «المقتني»: الفكرة هنا هي التأكيد على أهمية دور المقتني في فهم الحضارة الإسلامية، تقاطع المجموعتان في تسليط الضوء على الجماليات، والتركيز على الإبداع والحرفية عبر نظرة شخصين.

يستعرض القيم بعض القطع اللافتة في العرض، يشير إلى كأس مصنوعة من اليشم «ربما صنعت لإمبراطور المغول، أو لبلاط مهم للغاية. اليشم، بالطبع، مهم جداً للثقافة في ذلك الجزء من العالم، ونرى تعبيراً عن ذلك في أبيات من قصيدة كتبت عن اليشم ونقشت في أسفل الكأس».

شمعدان مملوكي من الزجاج (الشرق الأوسط)

من القطع الباهرة والفريدة بمعنى الكلمة شمعدان زجاجي من العهد المملوكي، وهو أحد اثنين نَجَوَا من الكسر، ويقبع الشمعدان الآخر في متحف المتروبوليتان بنيويورك. القطعة تتميز بجمال أخَّاذ. هنا نرى أيضاً سجادة مهمة من مصر المملوكية، ولكن تبقى القطع المرصعة بالجواهر وقطع البلور الصخري وغيرها من التحف أهم ما يميز العرض هنا، وبالفعل يشير الخبير إلى أن «المواد الثمينة هي أحد الجوانب التي تميز مجموعة آل ثاني». هنا لدينا قطعتان من الكريستال الصخري، وقطع مصنوعة من اليشم وجواهر ثمينة، نرى منها قطعة ضخمة من الماس نجحت في جذب أغلب الزوار للتأمل في حجمها ونقائها المثاليين. من المعروضات النادرة أيضاً قطعة من اللؤلؤ أحيطت بإطار من الذهب لتتحول إلى شكل كائن بحري، هناك أيضاً ببغاء على قاعدة مرصع بالجواهر الملونة.

نماذج للعملات النقدية

في إحدى الخزانات نرى نماذج لعملات رقمية استخدمت في العالم الإسلامي يشير الخبير إلى بعضها، واحدة تحمل نقوشاً قبطية تحتفل بنهر النيل تعبر عن النهر والسفن عليه والتماسيح. قريب منها ثلاث قطع تعبر عن تقاطعات تاريخية منها عملات بيزنطية استخدمت في العصور الإسلامية. يقول: «لديك الجيل الأول من العملات الإسلامية. لقد احتفظوا بالعملة البيزنطية من حيث الشكل والوزن، لكنهم أزالوا الصليب. ثم نجد الجيل الثاني من العملات الإسلامية، حيث أزالوا كل الصور، ولم يبقَ إلا النص».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

يوميات الشرق لوحة للفنانة آمنة الحسن ضمن المشروع التوثيقي (أرشيف السودان للفن التشكيلي)

«أرشيف السودان للفن التشكيلي»... محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

يمكن في السودان أن تختفي لوحة كاملة دون أن تترك أثراً، لا يرتبط ذلك بقيمتها الفنية، بل بغياب المسار الذي يوصل إليها، فالأعمال موزعة بين بيوت خاصة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات من الحياة اليومية للريف (الشرق الأوسط)

«مربعات النيل»... قراءة تشكيلية معاصرة تنبض بروح التراث المصري

يذهب التشكيلي المصري عاصم عبد الفتاح أبعد من تصوير الواقع، ليُقدّم ما يسميه «هندسة المشاعر»...

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق ماء من «ينبوع الشباب» معروض في معرض «بلوغ سن الرشد» في متحف «ويلكوم كوليكشن» بلندن (جوانا يي - نيويورك تايمز)

«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

أكثر من 120 قطعة معروضة في متحف «ويلكوم كوليكشن» توفِّر أمثلةً متنوعةً على رغبة الإنسان ليس فقط في العيش لفترة أطول، بل في الحفاظ على شبابه.

يوميات الشرق عمل «زولية أمي» يستعيد الذاكرة عبر عرض بصري وصوتي على أرضية رملية (صور الفنان)

سعيد قمحاوي في «بقاء مؤقت»: تجربة مفتوحة على تحوّلات المادة

معرض سعيد قمحاوي الفردي يرتكز على مجموعة من الأعمال التركيبية واللوحات التشكيلية التي تتمحور حول الفحم ليس بوصفه وسيطاً...

عبير بامفلح (الرياض)
يوميات الشرق علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال العديد من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة «الأم الكبرى».

محمد الكفراوي (القاهرة )

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.