وائل أبو منصور: شخصيات «صيفي» رمادية... في أواخر تسعينات جدة

الفيلم السعودي الوحيد المشارك في مسابقة مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»

المخرج وائل أبو منصور في أثناء تصوير فيلم صيفي (خاص الشرق الأوسط)
المخرج وائل أبو منصور في أثناء تصوير فيلم صيفي (خاص الشرق الأوسط)
TT

وائل أبو منصور: شخصيات «صيفي» رمادية... في أواخر تسعينات جدة

المخرج وائل أبو منصور في أثناء تصوير فيلم صيفي (خاص الشرق الأوسط)
المخرج وائل أبو منصور في أثناء تصوير فيلم صيفي (خاص الشرق الأوسط)

في أواخر تسعينات القرن الماضي، راج الكثير من القضايا في السعودية حول مفهوم العمل الخيري وجدوى العلاج بالطاقة ومحتوى أشرطة الكاسيت، مما يجعلها حقبة غنيّة فكرياً، الأمر الذي جذب المخرج والكاتب السعودي وائل أبو منصور لتوظيف هذه الأفكار في فيلمه الجديد «صيفي»، وهو الفيلم السعودي الوحيد المشارك في مسابقة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، بحسب إعلان المهرجان، للدورة الجديدة المنتظر عقدها بجدة، خلال الفترة من 5 وحتى 14 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

في حديث له مع الـ«الشرق الأوسط» قال أبو منصور إن «فيلم (صيفي) يتحرك بمنطقة واقعية تحمل معها نوعاً من الفانتازيا»، وبسؤاله عما إذا كانت خلفيته الصحافية قد فرضت نفسها في تقديم القضايا الفكرية المطروحة في الفيلم، أجاب: «ربما حدث ذلك بشكل لا شعوري، فلقد أردت أن أسلط الضوء على حقبة زمنية قريبة وغنية بالأفكار، وإظهار المجتمع آنذاك من خلال أكثر من زاوية». مؤكداً أن استدعاء عصر شريط الكاسيت ليس من باب التلذذ بالنوستالجيا، ولكن بوصفه نقطة زمنية فاصلة في رحلة الصراع الاجتماعي.

ويتابع أبو منصور: «الفيلم لا يحاول الانتقام لمرحلة فكرية معينة، أو التداخل بشكل جدلي مع أي فكرة أو آيديولوجيا ما، لكنه يتطرق لمرحلة كانت تضم أكثر من توجه، من خلال 5 شخصيات مختلفة في الفيلم، وذلك من غير إدانة لطرف على حساب آخر، ومن هنا قد يشعر المشاهد أن الكل مُدان بشكل أو بآخر... فلا توجد شخصية بيضاء أو سوداء، بل كلها شخصيات رمادية تحاول انتزاع مكانها بطريقة ما، لكن الارتباك يخيم عليها، بمن في ذلك رجل الأعمال الذي يستغل نفوذه للحفاظ على صورته الاجتماعية، ورجل الدين الذي يحاول الوصول إلى أهدافه الدنيوية، والرجل الفقير الذي يبحث عن الثراء، والبقية... كلهم معجونون في قصة واحدة».

يتخذ الفيلم من مدينة جدة موقعاً له ويُظهر شوارعها وأحياءها برؤية سينمائية جديدة (خاص الشرق الأوسط)

قصة الفيلم

تدور أحداث الفيلم حول الأربعيني صيفي محمد (أسامة القس)، الذي يعيش خلال فترة التسعينات وهم الثراء السريع، متمسكاً بفرقته الشعبية في إحياء الأفراح الجماعية بمساعدة رفيقه زرياب (براء عالم)، ومتجره «شريط الكون» الذي يبيع أشرطة كاسيت متنوعة، وخاصة الأشرطة ذات الطابع الديني والخطب الممنوعة التي يوفرها له المهدي (حسام الحارثي)، المستشار الديني لرجل الأعمال وصاحب الأعمال الخيرية الشيخ أسعد أمان (أحمد يماني).

وبعد حياة مليئة بالتجارب الفاشلة، يجد صيفي شريطاً يحتوي على تسجيل خاص يجمع الشيخ أسعد والمهدي؛ كفيلاً بتدمير مكانة الشيخ أسعد الاجتماعية. ويدخل صيفي في مغامرة خطيرة لابتزاز المهدي مالياً وهو المؤتمن على أسرار وأعمال الشيخ أسعد الخيرية، مما يضطره للهرب والاختباء عند طليقته رابعة (عائشة كاي) الشغوفة بجلسات تطوير الذات والاستشفاء بالطاقة، بمعاونة أختها رابية (نور الخضراء)، وبعدها تتفاقم الأزمات في وجه الجميع.

يتناول الفيلم وهم البحث عن الثراء السريع في قالب مليء بالقضايا الفكرية (خاص الشرق الأوسط)

بين الفني والجماهيري

يقول أبو منصور: «في صناعة أي فيلم، يعلو دائماً السؤال عن الفيلم الفني في مواجهة الفيلم الجماهيري، وبغض النظر عن هذا التضاد، يظل هاجس كل صانع فيلم أن يصل إلى إرضاء أكبر شريحة ممكنة من الجمهور، وهذا ما نسعى إليه في الفيلم». وأضاف: «إذا تجاوزنا هذه القشرة الخارجية، نكتشف مع توالي خيبات البطل، عن حاجته الدفينة الضاغطة التي تحثه على استعادة كرامته المستهلكة في علاقاته بمن حوله، بالإضافة إلى الكرامة المهدرة عاطفياً المتمثلة في صورته بوصفه رجلاً أمام طليقته المستقلة (عائشة كاي)، وبسبب هذه الخيبات يصبح الهرب إلى الأمام وانتظار لحظة الانتقام هما الحل للمحافظة على البقاء!».

الممثلة نور الخضراء في مشهد من الفيلم (خاص الشرق الأوسط)

واقعية التسعينات

ويؤكد أبو منصور أن هذا التركيب على مستوى شخصية البطل، إضافة إلى الشخصيات الرئيسية الأخرى، مما دفعه للتركيز على أداء الطاقم التمثيلي بصفته من الركائز الرئيسية في الرؤية الفنية للفيلم. الأمر الذي يتطلب تعاوناً مكثفاً وحواراً مستمراً بين المخرج وطاقم التمثيل للخروج معاً بأداء يمثل الشخصية. وأردف قائلاًَ: «الأداء المقنع ليس الذي يحقق الواقعية المطلوبة للشخصيات ضمن القصة وحسب، وإنما أيضاً الذي يستطيع تكثيف جانب التعاطف مع الشخصيات لفهم دوافعها قبل الحكم عليها بالسلب أو الإيجاب».

ويرى أن الواقعية التي طغت على التفاصيل الدرامية للفيلم، أثرت على الكوميديا وصبغتها باللون الأسود الساخر الذي يقوم على عبثية الموقف، ما يترك الجمهور حائراً بين الجد والهزل. مضيفاً: «عملنا باجتهاد لتقديم مشاهد واقعية تجسد تلك الفترة، كما حرصنا على سرد أحداث الفيلم دون افتعال بصري لا تتطلبه القصة، إضافة إلى ذلك قمنا بتنسيق الديكور، والأزياء، والموسيقى، لنضمن انغماس المشاهد لاشعورياً مع تلك الحقبة الزمنية دون التزام صارم بالدقة التاريخية».

الممثلة السعودية عائشة كاي تؤدي دور عالمة الطاقة رابعة في الفيلم (خاص الشرق الأوسط)

«شريط الكون»

وحرص أبو منصور على أن يتضمن الفيلم عدداً من الأماكن اللافتة، وعلى رأسها متجر «شريط الكون» لبيع أشرطة الكاسيت، وأن يكون المتجر أيقونياً وواقعياً في آن واحد، لذلك عمل مع فريق الآرت بقيادة مصممة الإنتاج، داريا ساليكول، والمنتجة الفنية، آية سلامة، على بناء تصور حقيقي للمتجر، واعتمد الفريق على البحث الدقيق وزيارة محلات الكاسيت المتبقية، والتحدث مع ملاكها عن كيفية تنسيق المحل، لإضافة المصداقية والأصالة للمتجر.

تجدر الإشارة إلى أن وائل أبو منصور، كاتب ومخرج سعودي، يعمل رئيس استوديوهات «تلفاز 11»، ويتميز أسلوبه السردي بالمزج ما بين الواقعية والمحلية والفانتازيا. وقدم قبل فيلم «صيفي» فيلمه الطويل الأول «مدينة الملاهي» في عام 2020، إلى جانب الفيلم الوثائقي «مزمرجي» 2017 وبدأ حياته المهنية صحافياً ميدانياً، وعمل في مؤسسات مرموقة؛ مثل جريدتي «الوطن»، و«الشرق الأوسط»، ومتعاوناً مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، وهذه الخلفية الصحافية أثرت بشكل كبير في رؤيته الإبداعية، مضيفة أبعاداً أعمق لأعماله السينمائية.


مقالات ذات صلة

فيصل بن فرحان يبحث المستجدات مع كالاس وكومبوس

الخليج الأمير فيصل بن فرحان متوسطاً كايا كالاس وكونستانتينوس كومبوس (الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان يبحث المستجدات مع كالاس وكومبوس

ناقش وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، مع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ونظيره كونستانتينوس كومبوس، مجمل المستجدات الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان والدكتورة ليلى بنعلي عقب توقيعهما البرنامج التنفيذي (وزارة الطاقة السعودية)

تعاون سعودي - مغربي في الطاقة المتجددة وتمكين الشركات

وقَّع الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، والدكتورة ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي المغربية، برنامجاً تنفيذياً للتعاون بمجال الطاقة المتجددة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج محمد آل جابر السفير السعودي لدى اليمن (حسابه في منصة إكس)

دعم سعودي جديد بـ90 مليون دولار لميزانية الحكومة اليمنية

أعلن محمد آل جابر، سفير السعودية لدى اليمن، تقديم بلاده دعماً جديداً لميزانية الحكومة اليمنية لصرف رواتب موظفي الدولة في جميع القطاعات، بتوجيه من القيادة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان والسلطان هيثم بن طارق (واس)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من سلطان عُمان

تلقى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية، من السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج السفير السعودي محمد آل جابر لدى لقائه الوفد الجنوبي اليمني في الرياض الأسبوع الماضي (حسابه على منصة إكس)

قيادات جنوبية يمنية: نرفض ادعاءات احتجازنا في الرياض

أكدت القيادات الجنوبية اليمنية الموجودة بالرياض رفضها الكامل للادعاءات المتضمنة احتجازها، التي نشرتها إحدى القنوات، وجرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

بعد النجاح الذي حققته المعارض الأثرية المصرية المؤقتة التي أقيمت في عدة مدن حول العالم واجتذبت ملايين الزوار، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية، عن التوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج في 3 قارات، هي آسيا وأوروبا وأميركا خلال العام الحالي.

وعقب رصده للنجاحات التي حققتها المعارض الأثرية الحالية في الخارج خلال الاحتفال بعيد الآثاريين المصريين، الخميس، قال الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إنه «من المقرر أن يشهد عام 2026 تنظيم معارض خارجية جديدة في أوروبا وآسيا وأميركا».

موضحاً في بيان للوزارة أن المعارض الخارجية حقّقت أرقاماً قياسية في أعداد الزائرين، «حيث استقطب معرض (كنوز الفراعنة) المقام بالعاصمة الإيطالية روما نحو 120 ألف زائر منذ افتتاحه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما استقبل معرض (مصر القديمة تكشف عن أسرارها - كنوز من المتاحف المصرية) في هونغ كونغ نحو 90 ألف زائر منذ افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وواصل معرض (رمسيس وذهب الفراعنة) نجاحه محققاً نحو 420 ألف زائر بمحطته الحالية في مدينة طوكيو اليابانية منذ افتتاحه في مارس (آذار) الماضي».

وكانت المعارض الأثرية المصرية الخارجية اجتذبت من قبل أرقاماً قياسية، يصل مجموعها إلى ملايين الزوار في أميركا وباريس ولندن وأستراليا، واجتذب معرض «على قمة الهرم... حضارة مصر القديمة» في شنغهاي بالصين أكثر من مليوني زائر خلال فترة عرضه.

المعارض الأثرية روّجت للحضارة المصرية القديمة في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

و«يأتي توجه الدولة للتوسّع في إقامة المعارض الأثرية بالخارج عبر 3 قارات كخطوة استراتيجية تتجاوز الإطار الثقافي إلى أبعاد سياسية واقتصادية أعمق»، وفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان. مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «المعارض الأثرية لم تعد مجرد وسيلة عرض لماضي مصر المجيد، بل أصبحت أداة دبلوماسية ناعمة تُستخدم لإعادة تقديم الدولة المصرية أمام الرأي العام العالمي بوصفها مركزاً حضارياً حياً، بالإضافة إلى كونها أشبه بمتحف مفتوح».

وعدّت هذه المعارض «تخلق حالة من التفاعل الإنساني المباشر مع الحضارة المصرية، وتحوّل الإعجاب التاريخي إلى ارتباط وجداني مع الدولة المعاصرة».

«كما تمثل هذه المعارض استثماراً ذكياً في أحد أقوى الأصول التي تمتلكها مصر؛ تراثها». وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، معتبرة أن «العائد لا يقتصر على رسوم التذاكر أو عقود الاستضافة، بل يمتد إلى الترويج السياحي غير المباشر، وجذب المستثمرين، وتعزيز الثقة الدولية في إدارة مصر لتراثها وفق المعايير العالمية».

ولفتت إلى أن «التوسّع في 3 قارات لا يعني انتشاراً جغرافياً فقط، بل ترسيخاً لمكانة مصر كقوة ثقافية عالمية، فالمعارض الأثرية لم تعد نشاطاً ترويجياً، بل أصبحت جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء صورة مصر في العالم، ليس بوصفها دولة ذات ماضٍ عظيم فحسب، بل كدولة تعرف كيف توظف هذا الماضي في صناعة الحاضر والمستقبل».


«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
TT

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)
اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً إلى مساحة لكشف الأسرار، والخوف، والرغبة في النجاة، الشخصيات لا تحمل أسماء تقليدية بقدر ما تمثل حالات إنسانية متباينة، لكل واحدة تاريخها، ووجعها، وطريقتها الخاصة في المواجهة، أو الهروب، مما يجعل العرض المشارك ضمن فعاليات «مهرجان المسرح العربي» المقام في القاهرة قائماً على تداخل الحكايات الفردية في مواجهة مصير جماعي واحد.

تبدأ الأحداث بإيقاع هادئ أقرب إلى اللعب، والثرثرة اليومية، قبل أن تتصاعد التوترات مع ظهور الخلافات الصغيرة التي تكشف هشاشة العلاقات بين البطلات، تتحول المساحة إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، حيث تتصارع الرغبات المكبوتة مع الخوف، وتتصادم الأحلام المؤجلة مع واقع ضاغط، في صورة أقرب إلى خرافة معاصرة تحاكي الحياة دون تسميتها صراحة.

تعتمد الشخصيات على الحكي وسيلة للدفاع عن الذات، وتبرير الاختيارات، فتروي كل امرأة جزءاً من قصتها، بين فقدان، انتظار، خيبة، أو رغبة في التحرر، هذا التعدد في الأصوات يمنح العرض تنوعاً درامياً، ويجعل المشاهد أمام قصص إنسانية تعكس نماذج مختلفة من النساء في مواجهة المجتمع، والقدر، والذات.

الحركة الجسدية تلعب دوراً رئيساً في التعبير عن الصراع، إذ تتحول خطوات الممثلات، وتكويناتهن الجماعية، وحالات التجمّع، والتفكك إلى لغة بصرية توازي الحوار، في مشاهد كثيرة، يختفي الكلام، وتحل مكانه الإيماءة، والنظرة، والاندفاع، بما يمنح العرض طاقة حركية تحافظ على إيقاعه، وتكثّف معناه.

يبرز داخل العرض حضور رجالي محدود يظهر بوصفه قوة ضغط، أو ذاكرة غائبة أكثر منه شريكاً مباشراً في الحدث، مما يزيد إحساس العزلة لدى الشخصيات النسائية، ويعمّق شعورهن بالحصار، والرغبة في الانفلات، في توازن درامي يخدم فكرة الهروب بوصفه حالة نفسية.

العرض التونسي تناول قضايا اجتماعية في إطار نفسي (إدارة المهرجان)

«الهاربات» تأليف وسينوغرافيا وإخراج وفاء الطبوبي، وبطولة فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصبرين عمر، وأسامة الحنايني، وهو أحد العروض المشاركة بالمسابقة الرسمية لمهرجان «المسرح العربي» في دورته التي تتختم بالقاهرة مساء الجمعة.

وفاء طبوبي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «العرض جاء ثمرة رحلة طويلة من الاشتغال اليومي، والتجريب المتواصل»، معتبرة أن «التناغم الذي لمسه الجمهور على الخشبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج ستة أشهر كاملة من التدريبات المكثفة، التي بُني خلالها العمل خطوة خطوة، حتى تشكّلت لغته الجسدية، والإيقاعية بصورة عضوية، ومتجانسة».

وأوضحت أن منهجها في العمل اعتمد في مرحلته الأولى على التعامل مع الممثلات بوصفهن شخصيات حقيقية تحمل تجارب، وأسئلة، ومشاعر، قبل الانتقال لاحقاً إلى صياغة الشخصيات الدرامية، وبناء الأداء المسرحي، لافتة إلى أن «هذا المسار أتاح خلق علاقة إنسانية عميقة داخل الفريق، انعكست مباشرة على صدق الحركة، والتفاعل فوق الخشبة».

وقالت وفاء إن «عرض (الهاربات) ينطلق من فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتضمن طبقات إنسانية متعددة، تسمح بتعدد القراءات، والتأويلات»، مؤكدة أن المسرح بالنسبة لها فعل حي يقوم على الاكتشاف المستمر، لا على القوالب الجاهزة، أو التفسير المغلق.

وأضافت أن المسرح، في تصورها، بمثابة «تمرين بسيط شديد التعقيد»، يتطلب صبراً طويلاً، وانضباطاً عالياً، لأن بناء العلاقة بين الجسد، والفضاء، والإيقاع يحتاج إلى زمن كافٍ حتى يبلغ درجة الانسجام المطلوبة، وهو ما سعت إلى تحقيقه في هذا العمل من خلال التدريب اليومي، والاشتغال الدقيق على التفاصيل، معربة عن سعادتها بردود الفعل التي تلقتها بعد العرض: «ردود الفعل أسعدتني، ومنحتني إحساساً بأن الجهد المبذول وصل إلى المتفرجين بصدق، ووضوح».

العرض التونسي حظي بإشادات في مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

ووصف الناقد المسرحي المصري، باسم صادق، العرض بأنه «أحد أفضل العروض المشاركة في المهرجان، لكونه يحمل خصوصية واضحة تعكس ملامح المسرح التونسي عموماً، إلى جانب البصمة الإخراجية المميزة لمخرجته على وجه الخصوص، سواء على مستوى الرؤية الجمالية، أو إدارة الممثلين، وبناء المشهد المسرحي».

وأضاف صادق لـ«الشرق الأوسط» أن «العرض تميّز بتكامل عناصره الفنية، مع اعتماد أساسي على الفضاء المسرحي العاري من الديكور، وهو اختيار أسهم في التعبير عن حالة الخواء، والإزاحة التي تعيشها الشخصيات، وتواجهها أحياناً بالقوة، وأحياناً أخرى بضعف إنساني مشروع، ما منح المشاهد إحساساً مباشراً بحالة العزلة، والضغوط النفسية التي تحاصر أبطال العمل».

وأضاف أن «هذا الفراغ البصري أتاح مساحة واسعة لطاقات الممثلين الإبداعية، حيث برز تناغم واضح، وتفاعل حيّ بين الشخصيات، خصوصاً في التعبير عن أوجاع الأم، ومعاناة الشخصيات النسائية، إلى جانب الممثل الوحيد المشارك في العرض، وهو ما خلق حالة أداء جماعي متماسك، ومؤثر».

مؤكداً أن «الشخصيات تأرجحت داخل لوحات متتالية شديدة الترابط، نجحت في رصد معاناتها، وتحولاتها النفسية، وإن كانت بعض هذه اللوحات قد عابها بطء الإيقاع أحياناً، مع غلبة السرد على الفعل المسرحي، وهو ما أثّر جزئياً على تدفق المشاهد في بعض المقاطع».

مشيداً باحترافية ممثلات العرض بشكل عام اللاتي «قدمن أداء على مستوى عالٍ من الدقة، والانضباط، مع تميّز خاص للفنانة فاطمة بن سعيدان، التي قدّمت –بحسب وصفه– درساً متكاملاً في الأداء التمثيلي، والتعبيري، جمعت فيه بين العمق، والجدية، وخفة الظل».


تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
TT

تكريم 6 شخصيات عربية بلقب «نوابغ العرب 2025»

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يتوسط الفائزين (الشرق الأوسط)

كُرّم اليوم في دبي 6 شخصيات عربية في حفل جوائز «نوابغ العرب»، وذلك نظير المنجزات والإسهامات في مجالات الطب والاقتصاد، والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الطبيعية، والعمارة والتصميم، والأدب والفنون.

وأكد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن مبادرة «نوابغ العرب» انطلقت لتستمر وتتوسع، وتستثمر في الإمكانات العربية الراهنة والواعدة، مشدداً على أنها تمثل تقديراً حقيقياً للعقل العربي، واحتفاءً بما حققه من منجزات في البحث والتطوير والابتكار والتكنولوجيا والثقافة والمعمار، بما يخدم الإنسان والإنسانية.

وأضاف: «نهنئ الفائزين بجائزة نوابغ العرب 2025: البروفسور عباس الجمل عن فئة الهندسة والتكنولوجيا، والدكتور نبيل صيدح عن فئة الطب، والبروفسور بادي هاني عن فئة الاقتصاد، والبروفسور ماجد شرقي عن فئة العلوم الطبيعية، والدكتورة سعاد العامري عن فئة العمارة والتصميم، والبروفسور شربل داغر عن فئة الأدب والفنون. هذه أسماء عربية نريدها قدوة للأجيال، تنير طريقهم نحو المستقبل بالعلم والمعرفة».

وشدد الشيخ محمد بن راشد على ثقته بقدرات الكفاءات العربية على إحداث تحولات نوعية في مشهد البحث العلمي والتقدم المعرفي والثقافي العالمي، مؤكداً أن المبادرة ستواصل إبراز المنجزات الحضارية المضيئة للعقول العربية، المتفائلة بالمستقبل والطامحة إلى تحقيق أهداف لا تعترف بالمستحيل.

من جانبه، قال محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، إن إطلاق مشروع «نوابغ العرب» يمثل أكبر تقدير فعلي للعقول العربية المتميزة، وأهم استثمار استراتيجي في تمكينها وتشجيع هجرتها العكسية، للمساهمة في نهضة حضارية عربية جديدة.

واعتبر القرقاوي أن تكريم «نوابغ العرب 2025» يشكل رسالة ملهمة لملايين الشباب العربي لخوض غمار التميز والابتكار وصناعة مستقبل مشرق للحضارة العربية والإنسانية.

وفاز عن فئة الطب الدكتور نبيل صيدح، تقديراً لإسهاماته في أبحاث صحة القلب وتنظيم مستويات الكوليسترول، ومساهمته في تطوير أدوية حديثة أسهمت في حماية ملايين الأشخاص من النوبات القلبية والجلطات.

وفي فئة الأدب والفنون، توّج البروفسور شربل داغر، عن مسيرته التي جمعت بين الإبداع الشعري والدراسة النقدية، وإسهاماته في تطوير الدراسات الجمالية والفنية العربية.

أما فئة الاقتصاد، فحصل عليها البروفسور بادي هاني، لإسهاماته الرائدة في الاقتصاد القياسي وتطوير أدوات تحليل البيانات الاقتصادية، بما مكّن الحكومات والمؤسسات من تصميم سياسات أكثر دقة واستناداً إلى البيانات.

وفي فئة الهندسة والتكنولوجيا، نال البروفسور عباس الجمل الجائزة عن أعماله في نظرية معلومات الشبكات، وإسهاماته في تطوير بروتوكولات الاتصالات الرقمية وتقنيات الشرائح الذكية ومستشعرات الصور المستخدمة في الهواتف الذكية.

وحصد البروفسور ماجد شرقي جائزة فئة العلوم الطبيعية، لإسهاماته في دراسة تفاعلات الضوء مع المادة، وتطوير تقنيات الأشعة السينية فائقة السرعة التي فتحت آفاقاً جديدة في الكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والطاقة المتجددة.

أما فئة العمارة والتصميم، ففازت بها الدكتورة سعاد العامري، تقديراً لجهودها في صون التراث المعماري الفلسطيني، وتوثيق المباني التاريخية وترميمها وإعادة توظيفها بما يخدم المجتمع ويحفظ الهوية.

وفي كلماتهم، أكد الفائزون أن مبادرة «نوابغ العرب» تمثل منصة استراتيجية لتقدير العقول العربية، وتسليط الضوء على إنجازاتها، وتشجيع الاستثمار في توسيع أثرها، وإلهام الأجيال الشابة.